اللباس والثوب في القرآن المكرم
بقلم: علي موسى الزهراني
مقدمة:
يتميز اللفظ القرآني بدقة متناهية تعكس
طبيعة الأشياء وحركتها المادية، حيث يستقل كل جذر قرآني بدلالة عضوية وميكانيكية
خاصة به. ومن الأمثلة الجلية على هذا الإحكام، التفريق العضوي الدقيق بين جذر (ل ب
س) وجذر (ث و ب). فرغم أن كلا اللفظين يستخدمان في سياق التغطية، إلا أن لكل منهما
طبيعة مادية ووظيفة حركية تختلف عن الآخر جذرياً. في هذا المقال، سنقوم بتفكيك
الدلالة المادية لكل من "اللباس" و"الثوب"، وتتبع حركتهما في
السياقات القرآنية واللغات السامية القديمة، لنقف على الإعجاز البياني والمادي في
وضع كل لفظة في مكانها الدقيق.
الدلالة المادية لجذر (لبس):
(اللبس) في دلالته المادية ليس مجرد وضع
أي غطاء، بل هو التغطية الكاملة، الملاصقة، والمحيطة بالشيء إحاطة تامة حتى يكاد
الغطاء والمغطى أن يصبحا شيئاً واحداً.
ومن هنا ندرك أن الغلاف الخارجي لجسم
الإنسان يمارس وظيفتين ماديتين مختلفتين تماماً؛ فإذا نظرنا إلى حركته في
"دفع" الأذى الخارجي وصد الهجمات فهو (جلد)، أما إذا نظرنا إلى وظيفته
في "الإحاطة" والستر المحكم لما بداخل الجسم (من دماء وعضلات وفضلات)
لمنعها من التسرب أو الانكشاف، فهو هنا يمارس وظيفة (اللباس) الملاصق بلا فكاك.
وهو أمر شائع في القرآن المكرم لبيان اختلاف الوظائف للشيء الواحد؛ فمرة ينعت
الكتاب بأنه "ذكر"، ومرة ينعته بأنه "قرآن"، ومرة ينعته بأنه
"صحف".
ولأن اللباس يشترط هذا الالتصاق
والإحاطة، تقول العرب: "لابست فلاناً"، أي عرفت باطنه ودخلت في عمقه حتى
عرفته. ويطلق على الدرع "لبوس" لأنه يغلف ويلاصق مناطق الضعف لدى
المقاتل لحمايتها. كما صار الليل "لباساً" لنا، لأنه يحيط بنا من كل
جانب فيحجب ضوء الشمس بالكامل. بل إن القرآن المكرم استخدم هذه الدلالة المادية
ليؤكد أن الباطل عندما يغطي الحق، فإنه "يُلبس" عليه، أي يغلفه تماماً
حتى لا يعود الضال قادراً على رؤية جوهر الحق من خلف هذا اللباس، بل يرى الغلاف
الباطل فقط ([1])
الدلالة المادية لجذر (ثوب):
أما (الثوب)، فحسب الدلالة المادية للجذر
(ث و ب) فهو يحمل معنى العود، والرجوع، والمطاوعة. فيقال: "ثاب الرجل إلى
رشده" أي عاد إلى عقله، وثاب الحوض أي امتلأ وعاد إليه الماء. والثوب يُطلق
على الرداء لأنه مطاوع لصاحبه، يضمه على أطرافه (كالمشلح والعباءة) متى شاء، أو
يتركه مفتوحاً، أو يغطي به رأسه كما فعل كفار مكة مع الرسول الكريم، وكما فعل قوم
نوح {وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ}.
وبناءً على هذه الدلالة المادية، فإن ما
يطلق عليه العامة اليوم "الثوب الخليجي" يختلف عن الدلالة العضوية للفظ
القرآني، فهو أقرب لـ "الملبس"، لأنه يحيط بالجسم ويغطيه بالكامل، بينما
الملابس الداخلية هي "اللباس" المباشر لأنها أشد التصاقاً.
لماذا سُمي الثوب ثوباً؟ (الحركة
الميكانيكية للرداء):
إن السر في إطلاق تسمية
"الثوب" على الرداء الفضفاض المفتوح (كالمشلح والعباءة) يكمن في
"الحركة المادية" المتكررة له ولصاحبه. فاللباس (كالجلد أو الملابس
الداخلية) مغلق بإحكام ويثبت على الجسم. أما الثوب، فمن طبيعته أنه ينفتح، ويتسع،
ويتباعد عن الجسم مع الحركة أو الهواء.
وهنا تبرز الدلالة المادية للجذر (ث و ب)
والذي يعني العودة والرجوع؛ فصاحب الثوب كلما انفتح رداؤه وتوسع، عاد ورده إلى
جسمه، وضم أطرافه من جديد. هذه الحركة المستمرة في "إعادة" أطراف الرداء
ورجوعها لتغطية الجسم هي العلة المادية الدقيقة لتسميته ثوباً.
وهذا يفسر التوجيه القرآني الدقيق في
قوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ}؛ فالجلباب يعمل
ميكانيكياً كالثوب، يميل بطبيعته للانفتاح والتباعد. ولأن هذا الانفتاح قد يكشف
بروز منطقة الصدر، جاء الأمر بحركة (الإدناء)، وهي تقريب وإعادة أطراف الجلباب
المفتوحة وضمها بقوة لتتلاصق وتخفي أي بروز تحته.
الفرق المادي العضوي بين اللباس والثوب:
- حركية التحلل: لأن "اللباس" ملاصق تماماً
ومحيط بالجسم كالغلاف العضوي، فإن إزالته تتطلب قوة وشدّاً، ولذلك عبر عنه
القرآن المكرم بـ "النزع" {يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا}، وهو
شد قوي لشيء متلاصق. أما "الثوب"، ولأنه مطواع وغير ملتصق، فإن إزالته
لا تتطلب جهداً، بل يُطوى أو يُرد، ولهذا عبر عنه القرآن بـ
"الوضع" {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ}.
- طبيعة التغطية: اللباس يغطي الجسم إغلاقاً محكماً كقشرة
البيض، بينما الثوب هو رداء إضافي للزينة أو الدفء (كالعباءة أو الجلباب)
يسهل التحكم به، ويكون في الغالب مفتوحاً ليسهل وضعه.
الجذور في اللغات السامية (دعم إضافي
للتحليل المادي):
نجد أن اللغات السامية القديمة تدعم هذا
التفريق بدقة مذهلة، وتؤكد اختلاف الوظيفة المادية للجذرين (ل ب س) و (ث و ب):
ففي الجذر (ل ب س)، نجد أن الفعل في
اللغة الأكدية (labāšu)،
وفي العبرية (lavash
- לָבַשׁ)، وفي السريانية والآرامية (lbash
- ܠܒܫ)، يدل
دلالة واضحة على الحركة المادية لتطويق الجسم وإحاطته بالغطاء إحاطة تامة وملاصقة
(معجم شيكاغو للغة الأكدية CAD
المجلد 9. ومعجم كوهلر وبومغارتنر HALOT، مادة לבש).
أما الجذر (ث و ب)، فإننا لا نجد له أي
علاقة بمعنى التغطية في أصوله السامية، بل هو متطابق مع الدلالة المادية لـ
"العودة" و"الرجوع"؛ ففي العبرية نجد الجذر (shuv - שׁוּב) والذي
تحولت فيه الثاء إلى شين كقاعدة صوتية معروفة في اللغات السامية، وفي الآرامية
والسريانية (tub - ܬܘܒ) حيث تحولت الثاء إلى تاء، وكلاهما يعنيان: عاد، أو
رجع، أو ارتد إلى الخلف (معجم كوهلر وبومغارتنر HALOT، مادة שוב. والمعجم
الآرامي الشامل CAL، مادة twb).
وهذا يعزز أن إطلاق العرب لكلمة "ثوب" على الرداء لم يكن لمجرد التغطية، بل
لأنه رداء مطاوع "يثوب" أي يعود وينطوي ويُرد على بعضه البعض حول الجسم، بخلاف
"اللباس" الذي يحكم الإغلاق والملاصقة.
جولة مع آيات القرآن حول (لبس):
يلبسون الحق:
{وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ
وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42]
وردت عدة آيات تؤكد تفنن الكفار في إلباس
الحق بالباطل. وبناءً على الدلالة الأصلية للبس، فالأمر ليس مجرد خلط عشوائي، بل
هو تغليف كامل وملاصق؛ حيث يجعلون الباطل غطاءً محكماً يلتصق بالحق ليحجبه تماماً
عن أن يراه البشر، لكي يظلوا في ضلالهم. وهؤلاء الكفار مدركون لما يفعلون، فهم
يتعمدون تفصيل هذا الغطاء الباطل وإلباسه للحق بغرض حجب الحقيقة وطمسها بالكلية.
النساء لباس:
{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ
الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ}
[البقرة: 187]
من وظائف اللباس أنه يخفي سوءاتنا، كذلك
الزوج والزوجة؛ هما يستران عيوب بعضهما. فالحاجة الجنسية عند أهل الورع والأدب هي
نوع من العيب يستحي منه الإنسان السوي، لكن مع الزوجة (وكذلك الزوج) يزول ذلك
الحياء، ولهذا كان الزوج لباساً لزوجته يسترها وهي تستره. والمقصد هنا هو شدة
الاقتراب؛ فإن هذا الالتصاق الشديد بين الزوج والزوجة هو الذي يولد تلك الرغبة في
الجنس، إنه الحب والسكينة الذي يدفع نحو تذوق الآخر. فالآية تبين أن الشارع يعلم
بشدة هذا الالتصاق بين الزوجين، ولهذا قد يختان الإنسان نفسه هنا، فأباح لهم في
تلك الليلة الممارسة الزوجية.
ولهذا قال في نفس الآية: {عَلِمَ اللَّهُ
أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا
عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ}؛ والمباشرة ليست الجنس، بل مقدمات الجنس،
واحتكاك البشرة بالبشرة، والتي قد تؤدي للجنس الكامل أو قد ينتهي الأمر عند ملامسة
البشرة للبشرة.
لباس الملائكة عند التمثل بالبشر:
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا
لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9]
لو قرر المولى، جل وعلا، إرسال مَلَك
ليكون هو النبي، لحوّله إلى هيئة رجل، ولألبسه من جنس اللباس الذي نلبسه. فرغم أن
المَلَك المتمثل في شكل رجل يكون بلا أشلاء مادية تستوجب التغطية، إلا أن إسباغ
اللباس عليه ضروري ليتحقق له المظهر البشري التام؛ فيألفه الناس ويستمعوا لرسالته.
ولو ظهر لهم بحالته الملائكية المجردة، لكانت حجتهم حاضرة برفض التكليف قائلين:
"لن نستطيع الاقتداء به، فهو مَلَك منزه عن الشهوات، بينما نحن بشر تحكمنا
الطبيعة المادية والشهوة". والمقصد هنا إثبات أن مطالبتهم برسول من الملائكة
هي مطالبة مستحيلة ومرفوضة؛ لانتفاء القدرة على الاقتداء.
يلبسكم شيعاً:
{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ
يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ
يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ
نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 65]
أي أن المولى قد يوقع العذاب بالعصاة
لردعهم وإعادتهم إلى جادة الصواب، ومن صور هذا العذاب التناحر الداخلي. فينقسم
الناس إلى فئات وجماعات (شيعاً)، وكل جماعة تغطي نفسها بالكامل بـ"لباس"
عقائدي أو فكري يميزها عن غيرها. هذا اللباس يغلف الفرقة تماماً ليحمي أفرادها،
مانعاً دخول أحدٍ إليها أو خروج أحدٍ منها، فتنعدم مساحات الالتقاء بين مكونات
المجتمع.
وبما أن من خصائص "اللباس"
الالتصاق التام بالجسم وتغطيته بالكامل، فإن هذا الانقسام يصعب نزعه أو إزالته؛
فالآية الكريمة تشير بوضوح إلى أن هذا الانغلاق والتحزب (اللباس) سيجعل النفرة
والبأس مستمرين، ولن يزول هذا التمزق القاسي حتى يأذن المولى بنزع ذلك اللباس
عنهم.
لباس الظلم:
{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا
إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام:
82]
الظلم ليس مجرد ذنب عابر، بل هو ذنب شديد
الخطورة على صاحبه؛ إذ يعمل عمل "اللباس" الملاصق، فيغطي الإيمان ويكتمه
تماماً. فكأن الظالم، بفعله هذا، قد غلّف إيمانه وحجبه، ليصبح في حكم من كفر بعد
إيمانه. ونتيجة لهذا الغطاء المحكم الذي يفرضه الظلم، يُحرم صاحبه من نيل الأمن،
ويفقد طريق الهداية في الدنيا والآخرة. فالظلم هنا لباس خانق، يغطي الإيمان ويطمس
نوره ويقضي على أثره.
لباس الشركاء (تغطية الدين وتشويهه):
{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا
عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا
يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 137]
الشركاء هنا هم الجهات التي نازعت
المولى، جل وعلا، في حق التشريع، فصاروا يشرعون للناس من دون الله. والراجح أنهم
من شياطين الجن الذين يوسوسون للكهنة ورجال الدين، فيأمرون العوام بقتل أولادهم،
سواء أكان ذلك تضحية وقرباناً للآلهة المزعومة، أم خشية الفقر ونقص الغذاء. هنا
تتجلى الدلالة المادية لـ "اللباس"؛ فهذا التشريع الباطل (قتل الأطفال)
يعمل كغطاء محكم يُلبسونه على دين الناس الأصلي.
هذا "اللباس" يغطي حقيقة الدين
الفطرية النقية بالكامل، ويحجبها عن الأعين، ليُظهِر الدين للناس في صورة شنيعة
وقاسية تجبرهم على سفك دماء أبنائهم. فالشركاء لم يكتفوا بإضلالهم، بل
"ألبسوا" دينهم غطاءً بشعاً غيّر ملامحه، حتى اعتقد الناس وتصوروا أن
هذا الغطاء الدموي هو الدين نفسه.
لباس الجوع والخوف:
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً
كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112]
لقد أصبح الجوع والخوف يغلفان كيان تلك
القرية بالكامل، بعد أن كانت تنعم بالأمن والعيش الرغيد، وذلك جزاء جحودها لفضل
الله وكفرها بأنعمه. ونلاحظ هنا الارتباط الدقيق والمباشر بين فعل التذوق
(فأذاقها) والدلالة المادية لجذر "لبس"؛ فالقرية صارت تتذوق الجوع
والخوف وتستشعر مرارتهما لأنهما أصبحا يلاصقان جسمها التصاقاً تاماً كطبيعة
اللباس. فالجوع والخوف في هذه الآية ليسا مجرد ظروف عابرة، بل هما
"لباس" محكم الالتصاق بالقرية، يغطيها بالكامل ولا يترك لأهلها أي منفذ
للخلاص، لتبدو مخنوقة ومقيدة تماماً بهذا الغطاء الذي لا ينفك عنها.
صنعة لبوس:
{وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ
لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 80]
كان داود يصنع الدروع لتحمي جنوده من
السيوف، فهي لهذا لبوس لأنها تغطي عيوب الجسم الضعيفة، أو تغطي كافة الجسم الذي
يتعرض للخطر الدائم، وهي تلاصق الجسم، فلا يصح أن تكون فضفاضة كالثوب، حينها يصعب
معها الحركة.
الليل لباس:
{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ
لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان: 47]
الليل يغطينا من كل جانب، ويعزلنا عن
النور، فيعمل عمل الغطاء المحكم. وهذه التغطية المادية لظلمة الليل تلاصقنا إحاطةً
وشمولاً، فلا تترك منفذاً، بل تلازمنا ولا تنفك عنا طوال وقته؛ ولذا عبّر عنه
المولى بلفظ "اللباس" لتحقق شرط التغطية التامة والالتصاق المباشر
بكياننا.
لباس التقوى ومواراة السوءات:
{يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا
عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ
خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 26]
{يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ
الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا
لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ
حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ
لَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27]
السوءة هي الفضلات المادية ([2]) . واللباس المذكور هنا هو الغطاء الملاصق الذي أنزله المولى ليغطي
هذه الفضلات الداخلية ويواريها، وهو "الجلد" الذي يغلف الجسم فلا يظهر
شكل الفضلات ولا تنتشر رائحتها. وعندما فتن الشيطان الأبوين، تسبب في نزع هذا
الغطاء المادي الملاصق عنهما، فانكشفت فضلاتهما.
أما "لباس التقوى" فهو الغطاء
الأفضل والأحكم. وكما أن اللباس المادي يواري قذارة الفضلات، فإن لباس التقوى هو
لباس يلاصق "النفس الشهوانية" ليغطيها ويحجب قذارتها وميولها فلا يراها
الناس. هذا اللباس المعنوي المحكم يمنع المتقي من التحلل، ويقيده عن الانسياق خلف
الشهوات.
الحلية تُلبس:
{وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً
تَلْبَسُونَهَا} [فاطر: 12]
{وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً
تَلْبَسُونَهَا} [النحل: 14]
الحلية هي الإضافة التي تحلي وتجمل
مرتديها، ومنها المجوهرات وهذه يطلق عليها دائماً "تحلية"، أما الأقمشة
فيطلق عليها "لباس"، وقد يضاف إلى القماش تحلية تحليه وتجمله. وهذا ما
يؤكده النصان بالأعلى، وسوف نقدم نبذة تاريخية عما كان يضاف للأقمشة ويستخرج من
البحر.
نبذة تاريخية عن اللون الأرجواني:
المقصود بالحلية هنا، هو الأصباغ
والألوان التي تستخرج من البحار وتزين بها الملابس لتأخذ لوناً آخر؛ فهذه هي
الحلية التي نلبسها بتبعيتها للباس. وقد اشتهر (الصدف الموريكسي) بإفرازه للون
الأرجواني الخالص، فصار الفينيقيون يبرعون في صناعة النسيج الأرجواني، بل كانوا
يهدون الملوك الآشوريين مع الذهب والفضة؛ الملابس الأرجوانية. كذلك كان ملوك الفرس
يعشقون هذا اللون وكان حكراً عليهم.
أما الرومان الذين عاصر الرسول الكريم
بعض زمنهم، فقد كانوا مهووسين بهذه الحلية، فكان الأرجواني رمز الفخامة والروعة،
لا يرتديه إلا النبلاء والملوك، بل أصدر نيرون إمبراطور روما، عقوبة الإعدام على
من يرتدي هذا الزي الأرجواني أو يحاول شراءه، وصارت صناعته حكراً على الدولة. وكان
لدى أباطرة بيزنطة غرفة مبنية بالكامل من حجر السماقي الأرجواني في القصر، تلد
فيها الإمبراطورة حصراً، ليُطلق على ولي العهد لقب "المولود في
الأرجوانية" دلالة على شرعيته المطلقة. كما كان هذا اللون مقدساً عند الكهنة
اليونان، وعند الكهنة الرومان، وحتى عصرنا الحالي نجد الأساقفة وكبار رجال الكنيسة
يرتدون الملابس الأرجوانية.
وقد ذُكر القماش الأرجواني في التوراة في
سفر الخروج، وحتى الإنجيل كُتب في بعض النسخ التاريخية على رقائق بلون أرجواني.
وعندما أعدم الرومان شبيه المسيح، ألبسوه ملابس أرجوانية سخرية منه لأنه زعم أنه
ملك اليهود المنتظر. وعندما يرسم النصارى الملائكة ومريم العذراء، يرسمونهم وهم
يرتدون ملابس أرجوانية. كما استعان النبي سليمان بحرفيين لكي يصنعوا له أقمشة
أرجوانية للتزيين. واليوم لازال لهذا اللون عشاقه فمنهم ملوك العالم، ومنهم صاحبات
الحركات النسوية، فصار رمزهن باللون الأرجواني. ([3])
وقد وردت أحاديث في السنة تنفر من صبغ
الملابس بالألوان الفاقعة لتحليتها، فمن تلك الأحاديث: "سَأَلْتُ أَبَا
عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْمَرْأَةِ تَلْبَسُ الْمَصْبُوغَ الْأَحْمَرَ فَكَرِهَهُ
كَرَاهَةً شَدِيدَةً" ويرى مجاهد أن قارون خرج على قومه "فِي ثِيَابٍ
أُرْجُوَانٍ حُمْرٍ" ويروي مجاهد "نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ" ([4])
العودة للآيات:
سوف نفترض أن الضمير في الآيات عائد إلى
البحر، فهو يقول تستخرجون منه لحماً طرياً وتستخرجون منه حلية، ولا يمكن أن تكون
الحلية هنا هي اللؤلؤ والمرجان، لأنها لا تُلبس، بل ترتدى. ولو أصر القارئ على أن
الحلية هنا هي اللؤلؤ والمرجان، فلماذا قال "تلبسونها" ولم يقل تتحلون
بها كما ذكرت نصوص كثيرة مثل {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ} [الإنسان: 21]،
فالقرآن يذكر التحلية عند ارتداء الأساور والمجوهرات. لكن القرآن في النصين
بالأعلى يذكر بالتحديد ما هي تلك الحلية، وهي ما نلبسه ويغلفنا، ولكن نحن نعلم أنه
لا توجد أقمشة تُستخرج من البحر، وبهذا يتبين لنا أن المقصود ما نحلي به "إضافة"
ملابسنا التي نلبسها وتلاصقنا.
وأنظر لهذه النصوص الكريمة لبيان دقة
القرآن:
{إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ
يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا
حَرِيرٌ} [الحج: 23]
{أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ
ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ
فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 31]
{جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا
يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا
حَرِيرٌ} [فاطر: 33]
تفرق النصوص بوضوح بين (يحلون) التي
ارتبطت بالأساور واللؤلؤ، وبين (يلبسون) أو (لباسهم) التي ارتبطت بالحرير والسندس
والاستبرق. أي أنهم يضعون على أجسامهم ملابس من سندس واستبرق، تلاصق أجسامهم
بالكامل، وهي ملابس ناعمة محكمة التغطية. فملابس الجنة هي "ثياب" بشكلها
الخارجي، وهي "لباس" بطريقة ملاصقتها التامة للجسم.
جولة مع آيات القرآن (التطبيق المادي
للثوب):
حركية الخلع (وضع الثياب):
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا
الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ
تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ...} [النور: 58]
{وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ
اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ
ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ...} [النور: 60]
هنا تتجلى الدقة العضوية للفظ القرآني؛
فبما أن "الثوب" هو الرداء الخارجي الفضفاض (كالعباءة أو الجلباب)، فإن
إزالته لا تتطلب جهداً أو نزعاً بالقوة، بل يكفي إلقاؤه أو تركه جانباً. ولذلك
استخدم القرآن فعل "تضعون" و"يضعن"، فالوضع حركة يسيرة لشيء
غير ملاصق بقوة. ولو كان المقصود الملابس الداخلية الملاصقة (اللباس) لاستحالت هذه
الإباحة للقواعد من النساء، ولاستخدم القرآن فعل "النزع" كما فعل مع
لباس الأبوين في الجنة.
حركية التغطية والاستغشاء:
{وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ
لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا
ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح: 7]
{أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ
لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا
يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [هود: 5]
الاستغشاء هو طلب الغطاء وتغطية الرأس
والوجه للمبالغة في الهروب من سماع الحق أو رؤيته. هذه الحركة المادية (سحب أطراف
الرداء ورفعها لتغطية الرأس والوجه بالكامل) لا يمكن تحقيقها في
"اللباس" الملاصق المحكم، بل تتطلب رداءً فضفاضاً ومطواعاً، له أطراف
زائدة يمكن لصاحبها أن يردها (يثوبها) على رأسه ليختبئ تحتها، وهذا هو
"الثوب" تحديداً.
الثوب كطبقة خارجية علوية:
{عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ
وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلَّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا
طَهُورًا} [الإنسان: 21]
هذه الآية الكريمة تبين أن الثوب هو
الطبقة الخارجية. فقوله {عَالِيَهُمْ} يوضح أن هذه الثياب هي الرداء الخارجي الذي
يعلو أجسادهم ويعلو ما تحته من لباس، فهي فضفاضة للزينة والجمال وتغطي الطبقات
الملاصقة للجسم.
خاتمة:
خلاصة القول، يتبين لنا من خلال تتبع
الدلالات المادية للجذور واستعمالاتها في القرآن المكرم، أن النص القرآني يتعامل
مع مفرداته ككيانات حية لها خصائصها المادية المستقلة. فـ "اللباس" ليس
مجرد قماش، بل هو غلاف ملاصق محكم يحجب ما تحته ويحيط به إحاطة تامة، سواء كان هذا
الغلاف مادياً كالجلد والدروع، أو معنوياً كظلمة الليل وسكينة الزوجين ولباس
التقوى. في المقابل، يتجلى "الثوب" كرداء مطاوع فضفاض، تحكمه الحركة
الميكانيكية للرجوع والعودة والإدناء، يسهل وضعه واستغشاؤه. هذا الإحكام في توظيف
المفردات يوضح أن كل كلمة في القرآن قد وُضعت بميزان دقيق، يطابق الواقع العضوي
والمادي للأشياء.
هذا والله أعلم.
([1]) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (3/
974) مقاييس اللغة (5/ 230) المعجم الاشتقاقي المؤصل (4/ 1951)
([2]) (وسيأتي تفصيل الدلالة المادية للسوءة،
وإثبات أنها تعني الفضلات، في مقالنا القادم المخصص لذلك). وسوف تجد تفسير قوي لما
حدث في قصتي آدم وحواء وابني آدم هابيل وقابيل.
([3]) يُنظر في تاريخ صناعة اللون الأرجواني
من صدف الموريكس واحتكاره في العصور القديمة: ول ديورانت، قصة الحضارة، الجزء الثاني
(حضارة الشرق الأدنى - فينيقيا). وفي دلالاته السياسية والدينية وقوانين الأباطرة كـ
"نيرون" وغرفة الولادة البيزنطية: كاسيا سان كلير، حياة الألوان السرية
(The Secret Lives of Color).
وللإشارات الدينية الواردة عنه: الكتاب المقدس، العهد القديم (سفر الخروج، الإصحاح
26)، والعهد الجديد (إنجيل مرقس، الإصحاح 15).
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك