حرف الشين: لماذا هو التفريق المنتظم؟
أوّلاً - الكتلُ الشاهدةُ المباشرة
الشَّعُّ والشَّقُّ والشَّرُّ. شعّ «التفرُّقُ والانتشار: شعاعُ الشمس» - نصُّ التفريقِ المنتظم: خيوطٌ تتوزّع من مركزٍ واحد(١). وشقّ «انصداعٌ في الشيء» - تفريقٌ على خطٍّ مستقيم(٢): ﴿ثُمَّ شَقَقۡنَا ٱلۡأَرۡضَ شَقّٗا﴾ [عبس ٢٦]. وشرّ «الانتشارُ والتطايُر»(٣): ﴿إِنَّهَا تَرۡمِي بِشَرَرٖ كَٱلۡقَصۡرِ﴾ [المرسلات ٣٢].
الهَشُّ والرَّشُّ. وفي التنزيلِ على لسانِ موسى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي﴾ [طه ١٨] - يَخبِط الورقَ فيتساقطُ متفرقاً على الغنم: الهشُّ تفريقُ الهيِّن(٤). والرشُّ «تفريقُ الشيءِ ذي النَّدى» قطراتٍ موزّعة(٥)؛ ومثلُهما النشيشُ تفرُّقُ فقاقيعِ الغليان، والبشُّ تفشّي النبتِ أوّلَ خروجه.
وتتوالى الشواهد: شتّ التفرُّق، وشذّ الانفرادُ عن الجملة، وشكّ النظمُ في خيط (شكُّ اللؤلؤ: إدخالٌ منتظم)، وشمّ التقاطُ المنتشرِ في الهواء، وشنّ الغارةُ دفعاتٍ، وشفّ الرقيقُ الكاشف، وشلّ الطردُ عن النسق، وشظّ الشظايا - كلُّها توزيعٌ على نسق.
ثانياً - فتحُ المعلقات الأربع
الشُّحُّ. «الأصلُ فيه المنع، ثم يكون منعاً مع حِرص»(٦) - فُتحت بقراءةِ علم آدم: منعُ التفرُّقِ حرصاً - الشحيحُ يَقبِض دقاقَ مالِه أن تتوزّع: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ﴾ [التغابن ١٦] - فالشحُّ حبسُ ما حقُّه التوزيع.
الشِّصُّ والشَّبُّ. شصّ «شدّةٌ ورهق»، والشِّصُّ حديدةُ الصيد(٧) - فُتحت: إحكامٌ على المتفرق (كلّابٌ يَخطِف السارب). وشبّ «نماءُ الشيءِ وقوّته في حرارةٍ تعتريه؛ شببتُ النار»(٨) - فُتحت: الانتشارُ النامي - النموُّ تفريقٌ يتراكم: لهبٌ ينتشر صاعداً، وشبابٌ ينتشر نماؤه في البدن.
الغِشُّ. عند ابن فارس من الضعفِ والاستعجال(٩) - فُتحت: سترُ الخليطِ المتفرق - الغاشُّ يُغيِّب دقاقَ الرديءِ تحت ظاهرٍ منتظم: التفريقُ للشينِ وتغييبُه للغين؛ والمعجمُ سجّل الثمرةَ (الخديعة) لا المحرّك.
ثالثاً - الإحياء: وشّ - ومعها الشِّية القرآنية
عدَّها المسحُ ميتةً، وابن فارس يقول: «الوَشوشةُ: الاختلاط، ورجلٌ وَشواش»(١٠) - والرباعيُّ المضعّفُ «وشوش» قاطعُ النسبةِ لكتلته. ومن الباب الوَشيُ: نقشٌ يجري تفريقُه المنتظمُ على الثوب، والقرآنُ شاهدُه: ﴿مُّسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة ٧١] - الشِّيةُ من الوَشي: لونٌ مفرَّقٌ منتظمٌ يخالف لونَ الجسد.
الخلاصة
التفريقُ المنتظمُ صامدٌ في كلِّ حيٍّ من كتل الشين: شعاعاً من مركز، وشقّاً على خط، وشرراً يتتابع، وهشّاً على الغنمِ بنصِّ آيةِ موسى. وانفتحتِ المعلقاتُ الأربع - وأنفسُها الشحُّ: منعُ التفرُّقِ حرصاً، والشبُّ: النموُّ تفريقٌ يتراكم - وعادت «وشّ» بالرباعي المضعّف، ومعها جوهرةُ ﴿لا شِيَةَ فيها﴾: الشِّيةُ توزيعُ لونٍ منتظم. والنصوصُ منقولةٌ بمادّتها وجزئها وصفحتها، والتأويلُ بالتفريقِ المنتظمِ قراءةُ علم آدمَ تحتها - لا منسوبٌ لأهلِ اللغة.
الهوامش (من «مقاييس اللغة» بالجزء والصفحة)
- ابن فارس، مقاييس اللغة، (شع) جـ٣ ص١٦٧: «الشينُ والعينُ... يدلُّ على التفرُّقِ والانتشار؛ الشعاعُ شعاعُ الشمس، سُمّي بذلك لانبثاثه وانتشاره». ↩
- نفسه، (شق) جـ٣ ص١٧٠: «الشينُ والقافُ أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على انصداعٍ في الشيء؛ شققتُ الشيءَ أشُقُّه شقّاً». ↩
- نفسه، (شر) جـ٣ ص١٨٠: «الشينُ والراءُ أصلٌ واحد يدلُّ على الانتشارِ والتطايُر». ↩
- نفسه، (هش) جـ٦ ص٩: «الهاءُ والشينُ أصلٌ صحيح يدلُّ على رَخاوةٍ ولِين؛ والرِّخْوُ اللينُ هَشٌّ». ↩
- نفسه، (رش) جـ٢ ص٣٧٣: «الراءُ والشينُ أصلٌ واحد يدلُّ على تفريقِ الشيءِ ذي النَّدى؛ رششتُ الماءَ». ↩
- نفسه، (شح) جـ٣ ص١٧٨: «الشينُ والحاءُ، الأصلُ فيه المنع، ثم يكون منعاً مع حِرص؛ فالشُّحُّ البخلُ مع حِرص». ↩
- نفسه، (شص) جـ٣ ص١٦٥: «الشينُ والصادُ أصلٌ واحد مطّرد، يدلُّ على شدّةٍ ورَهَق؛ شصَّت معيشتُهم». ↩
- نفسه، (شب) جـ٣ ص١٧٧: «الشينُ والباءُ أصلٌ واحد يدلُّ على نَماءِ الشيءِ وقوّته في حرارةٍ تعتريه؛ شبَبْتُ النارَ». ↩
- نفسه، (غش) جـ٤ ص٣٨٣: «الغينُ والشينُ أصولٌ تدلُّ على ضَعفٍ في الشيءِ واستعجالٍ فيه؛ ومنه الغِشُّ». ↩
- نفسه، (وش) جـ٦ ص٧٦: «الواوُ والشينُ كلمةٌ واحدة؛ الوَشوشةُ الاختلاط، ورجلٌ وَشواش». ↩
فهرس دراسات الحروف (٢٩ حرفاً)
خريطةُ الحروفِ الـ٢٩ ومتجهاتُها - جدولُ علم آدم الدوري
التعليقات (0)