لماذا نوع القرآن في ألفاظ المساحة والكميات والمقادير؟


لماذا نوع القرآن في ألفاظ المساحة والكميات والمقادير؟

كثير وكبير وعظيم وطويل وممدود وعريض وواسع وسَمْك ورفع

الملخص

فالفئةُ تتكوَّن من عناصرَ قابلةٍ للعدّ، والذِّكرُ يُعَدُّ فيُقال قلَّ أو كثُر، والاختلافُ إحصاءٌ يسهُل عدُّه. وحدةٌ واحدةٌ مكرَّرةٌ في الثلاثة.

والكبيرُ مقارنةٌ بين اثنين لا غير، بلا تكرارٍ في الهوية. فليسا وحدتين مكرَّرتين من شيءٍ واحدٍ كالكثير، بل شيئان يُوضَع أحدهما بإزاء الآخر: في الحجم، أو المساحة، أو أيِّ وجهٍ يقع به القياس. فالشيخُ كبيرٌ لأن في القوم من هو دونه سنّاً، والصنمُ كبيرٌ لأن حوله أصناماً دونه. ولا يُقال في الصغائر. وأكبرُ تصريحٌ بهذه المقارنة، جاءت ستَّ مرات وفي كلِّ مرّةٍ اثنان مذكوران. والكِبرياءُ أن يُكبِّر الكائنُ نفسَه بمقدار سلطانه، فهي حقٌّ لمن له السلطان.

والعظيمُ لا يقارِن بين اثنين ألبتة، إلا أن يجيء بصيغة «أعظم». فإذا جاء بصيغة «عظيم» فليس في اللفظ مقارنةٌ أصلاً، وإنما يُخبِر عن القيمة والجلال. وحتى إذا وقع على العذاب فهو يُخبرك أنه عذابٌ ذو هيئةٍ لا مثيل لها، لا أنه أزيدُ من عذابٍ آخر. ولذلك كان نقيضُه المُهين لا الصغير؛ فجاء في المصحف عذابٌ عظيمٌ وعذابٌ مُهين، ولم يجئ عذابٌ صغير.

والطويلُ مسافةٌ أو مدّةٌ يصعُب بلوغُها على من وُجِّه إليه الكلام. وليست هي الأبعدَ ولا الأطولَ في نفسها، فقد يكون الممدودُ أبعدَ منها؛ وإنما هي العَصِيّة على صاحبها، وقد تكون مستحيلةً على البشر جميعاً.

وأمّا المدُّ فمسافةٌ هائلةٌ لا يُقصَد بها العجز، بل تُذكَر في سياق انتفاع الناس بها. ولذلك مُدَّت الأرضُ لنمشي فيها ومُدَّ الظِّلُّ لنستظلّ به.

والعَرْضُ أفقيٌّ يقابلك فيملأ عينك. لا صعوبةَ فيه ولا حديثَ عن البلوغ، وإنما يدلّ على مدى امتلاء النظر به.

والواسعُ ما لم يَضِقْ عمّا وُضِع فيه. فليس امتداداً يُبلَغ، بل مساحةً تَسَعُ؛ ولذلك قيل ﴿أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ﴾ للمهاجر، و﴿وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ﴾ ولم يقل أحاط بهما.

والسَّمْكُ هو البعدُ الثالث، وهو الذي نسمّيه اليوم الارتفاع. وبه تتمّ الأبعادُ الثلاثة: المدُّ بَسْطُ الشيء أمامك، والعَرْضُ ما قابلك منه، والسَّمْكُ قامتُه إلى أعلى. والطويلُ ارتفاعٌ كذلك، غير أنه الارتفاعُ الذي يَعجِزُ عنه من وُجِّه إليه الكلام؛ ولذلك قيل ﴿وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا﴾. وأمّا الرفعُ فنقلُ الشيء من موضعٍ إلى ما فوقه، لا قامةَ فيه ولا قَدْر.

تسعةُ ألفاظٍ لا يقوم واحدٌ منها مقام أخيه، ولكلٍّ سؤالٌ يُجيب عنه وحده.

كثير

في اللغة

حدُّه عند ابن فارس بضدّه: «الكاف والثاء والراء أصلٌ صحيح يدلُّ خِلاف القِلَّة».(١) ومحسوسُه الكَثَر، وهو جُمّار النخل، وفي الحديث: «لا قَطْعَ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ»، وأتبعه الجوهري: «وقد أكْثَرَ النخل، أي أطلع».(٢) فالنخلةُ تُكثِر حين تُخرج طَلعها، وهو وحداتٌ من جنسٍ واحدٍ، تُعَدُّ واحدةً واحدةً.

وأنشدوا في المكاثرة: «وَلست بِالْأَكْثَرِ مِنْهُم حَصى … وَإِنَّمَا الْعِزَّة للكاثر»،(٣) فجعلوا المفاخرة بعدِّ الحصى. وسمّى ابن فارس الغبارَ كَوثَراً: «والكَوْثَر: الغُبار، سمِّي بذلك لكَثْرَته وثَوَرَانه».(٤) [وأقول: والغبارُ ذرّاتٌ من جنسٍ واحدٍ لا تُحصى بالإصبع، فالجامعُ تكرُّرُ الوحدة لا إمكانُ عدّها.]

في القرآن

﴿كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾ [البقرة: 249]

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: 41]

﴿وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا﴾ [النساء: 82]

فالفئةُ تتكوَّن من عناصرَ قابلةٍ للعدّ، والذِّكرُ يُعَدُّ فيُقال قلَّ أو كثُر، والاختلافُ إحصاءٌ يسهُل عدُّه. وحدةٌ واحدةٌ مكرَّرةٌ في الثلاثة.

وصرَّح بمحلِّ التكاثر فقال:

﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ﴾ [الحديد: 20]

فالأموالُ والأولاد، وهما أظهرُ ما يُعَدّ. وتأمّل أنه لم يجعل التكاثر في الحلم ولا في الحسب.

[وأقول: وليس ذلك لتعذُّر عدِّهما، فقد تُعَدُّ من الحِلم مواقفُ ومن الحسب آباء. وإنما لأنّ لهما في النفوس جلالاً وتقديراً وتوقيراً، والعَدُّ يُنزِلهما عن ذلك؛ فمن عَدَّ حِلمَه فقد صيَّره متاعاً يُكاثَر به.]

وجعل طرفَي الكثرة فعلين، ولا يكون ذلك إلا فيما يزيد بالوحدات:

﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنۡهُ أَوۡ كَثُرَۚ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا﴾ [النساء: 7]

كبير

في اللغة

حدُّه بضدّه: «الكاف والباء والراء أصلٌ صحيح يدلُّ على خِلاف الصِّغَر».(٥) ومن أوضح صوره الكُبْر بالضمّ: «فأمَّا الكُبْر بضم الكاف فهو القُعدد»، ثم فسّره في الموضع نفسه فقال: «يراد به أقْعَد القَوم في النَّسَب، وهو الأقربُ إلى الأبِ الأَكْبَر».(٥)(٦)

[وأقول: وهذا يُريك أن الكِبَر لا يُعرَف إلا بمقايسة. فالقُعدد لا يكون قُعدداً في نفسه، وإنما بالنظر إلى إخوته في النسب؛ فمن قَرُب من الجدّ فهو أكبر ممّن بَعُد. ووحدةٌ واحدةٌ تُنعَت، وجماعةٌ تُقاس بها.]

في القرآن

وأصرحُ ما فيه أنه نعتَ واحداً من جماعةٍ حاضرة. لمّا حطَّم إبراهيم الأصنام وترك أضخمها قال:

﴿قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 63]

وسبقتها ﴿فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ﴾ [الأنبياء: 58]. فأضاف الكبيرَ إليهم: كبيرُهم، أي الزائدُ على إخوته. ولولا الجماعةُ لما عُرِف كِبَرُه.

ومثله في السنّ:

﴿قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ﴾ [القصص: 23]

فالشيوخُ في القوم كثيرون، وفيهم من هو دونه سنّاً؛ فإنما نعتتاه بالكِبَر لأنه زاد عليهم في العمر. ولو كان الشيخُ كبيراً لمجرّد كونه شيخاً لكان النعتُ لغواً.

ووقع في المال المكتوب:

﴿وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ﴾ [البقرة: 282]

وقد يُجمَع الكبارُ والصغارُ فيُحصَون:

﴿وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ﴾ [التوبة: 121]

﴿وَكُلُّ صَغِيرٖ وَكَبِيرٖ مُّسۡتَطَرٌ﴾ [القمر: 53]

[وأقول: والمعدودُ ههنا النفقاتُ والأعمال، صغيرُها وكبيرُها؛ فالإحصاءُ واقعٌ على الموصوفين لا على الكِبَر نفسِه. فالكِبَرُ لا يُحصى، إذ هو نعتُ الواحد بالنظر إلى غيره؛ وإنما يُحصى من اتّصف به.]

وأكبر مقارنة بين وحدتين

وإذا صرّح بالمقارنة ذكر الطرفين معاً:

﴿لَمَقۡتُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُ مِن مَّقۡتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡ﴾ [غافر: 10]

﴿لَخَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ﴾ [غافر: 57]

فقارن مَقتاً بمَقت، وخَلقاً بخَلق. وعلى هذا النسق سائرُها، وهي ستّةُ مواضع: فتنةٌ بإزاء قتل، وإثمٌ بإزاء نفع، وطلبٌ بإزاء طلب، وآيةٌ بإزاء أختها.

[وأقول: اثنان اثنان في كلِّ موضع، لا جماعةٌ تُقاس. فالمقارنةُ في الكِبَر بين شيئين، والعدُّ في الكثرة بين وحداتٍ متكرِّرة؛ فلا يلتبس البابان.]

والكبرياء بمقدار السلطان

ولمّا كانت الزيادةُ قد تكون في الأثر لا في الجِرم، ادّعاها من ليست فيه:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡ إِن فِي صُدُورِهِمۡ إِلَّا كِبۡرٞ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِۚ﴾ [غافر: 56]

[وأقول: والكِبَرُ ههنا قريبٌ من الطول: امتدادٌ وتوسُّعٌ في كلِّ جهة، كالمنفوخِ يزداد جِرمُه ولا يبلغ صاحبُه ما ادّعاه. وقد صدَّر الآيةَ بـ﴿بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ﴾، فهم يُكبِّرون أنفسهم على الرسول وليس بأيديهم سلطانٌ يفرضون به قوّتَهم عليه؛ فمن ههنا لم يبلغوا ما كبَّروا به أنفسهم.]

ولم تأتِ الكبرياءُ في المصحف إلا مرّتين، إحداهما دعوىً والأخرى حقّ:

﴿قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَلۡفِتَنَا عَمَّا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا نَحۡنُ لَكُمَا بِمُؤۡمِنِينَ﴾ [يونس: 78]

﴿وَلَهُ ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [الجاثية: 37]

[وأقول: والكِبرياءُ أن يُكبِّر الكائنُ نفسَه بمقدار ما له من قوّةٍ وسلطانٍ يفوق به غيرَه، فيرى نفسَه أكبرَ منهم. فهي بقَدْر السلطان؛ فمن كان له السلطانُ حقّاً فالكِبرياءُ له حقّ. ولذلك ادّعاها قومُ فرعون لموسى وهارون في الأرض ولم تكن لهما، وأثبتها اللهُ لنفسه في السماوات والأرض، وله السلطانُ كلُّه.]

عظيم

في اللغة

محسوسُ هذا الجذر من جنسٍ آخر. جاء في العين: «العِظام: جمع العَظْم، وهو قَصَب المفاصل».(٧) وأصرحُ منه نصٌّ عند الجوهري: «وعَظْمُ الرحل أيضاً: خشبةٌ بلا أنساع ولا أداة».(٨)

فالرَّحلُ يُشدُّ عليه السَّير ويُعلَّق عليه المتاع، فإذا نُزع ذلك كلُّه بقي عَظْمُه، وهو الخشبُ الذي يَحمل ولا يُحمَل.

وحدَّه ابن فارس بقوله: «العين والظاء والميم أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على كِبَر وقُوّة»، ثم قال بعد أسطر: «ومن الباب العَظْم، معروف، وهو سمِّى بذلك لقوّته وشِدّته».(٩) [وأقول: والمحسوسُ أسبقُ من المعنى المجرَّد، فالعَظْمُ أصلٌ والعِظَمُ منه.](١٠)

ومن ألطف ما في المادّة العُظْمة، وهي عند ابن سيده: «ثوب تُعَظِّمُ بِهِ الْمَرْأَة عجيزتها»، وسمّاها ابن دريد الإعظامة: «شَبيهَة بالوسادة تجعلها الْمَرْأَة على عَجُزها تعظّمه بذلك».(١١) [وأقول: والفعلُ ههنا «تُعَظِّم» لا «عَظُمَت»؛ فالعجيزةُ لم تَعظُم، وإنما نُسِب إليها قَدرٌ من خارج. والتعظيمُ حكمُ ناظرٍ لا زيادةٌ في المنظور.]

في القرآن

وأصرحُ ما يُريك أن العظيم في الجوهر لا في الحجم أنهم طلبوا رجلاً بعينه فقالوا:

﴿وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]

فلم يقولوا على رجلٍ كبير، وهم إنما أرادوا ذا قَدرٍ ومنزلة. ولو قالوا كبيراً لانصرف إلى ضخامة الجسم أو تقدُّم السنّ، وكلاهما يُرى بالعين ويُقاس بأشباهه.

ووقع النعتُ على الحُكم وعلى الأثر وعلى الخبر:

﴿إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ [لقمان: 13]

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ﴾ [القلم: 4]

﴿قُلۡ هُوَ نَبَؤٌاْ عَظِيمٌ﴾ [ص: 67]

فالشِّركُ ليس أضخمَ الذنوب جِرماً، والخُلُقُ لا يُوزَن، والنبأُ لا يُقاس بشِبر. وإنما نُظِر في الثلاثة إلى التقدير والتوقير والأهمّية، مادّيّةً كانت أو معنويّة.

وعليه جاء نعتُ القرآن:

﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87]

فلم يُنعَت بكبيرٍ ولا كثيرٍ ولا طويل، وأهلُ مكة أهلُ كلامٍ يعرفون أيُّ القصائد أطولُ وأيُّها أكبر. ولو نُعِت بواحدٍ من هذه لدخل في قياسٍ مع كلامهم. وتعيينُ المراد بالقرآن العظيم مسألةٌ تُفرَد بموضعها.

ما نقيض العظيم

ولكلِّ لفظةٍ نقيضٌ يُريك حدَّها. ونقيضُ العظيم في المصحف ليس الصغيرَ ولا القليل، فلم يجتمع معهما في آيةٍ واحدةٍ في سبعٍ ومئة موضع.(١٢) وإنما نقيضُه المُهين.

وأصرحُ ما يُريك ذلك أن اللفظتين وقعتا على العذاب نفسِه: فجاء ﴿عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ في خمسة عشر موضعاً، وجاء ﴿عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾ في اثني عشر. ولم يجئ عذابٌ صغيرٌ ولا عذابٌ قليل.

﴿وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾ [النساء: 14]

وحدُّ المادّة عند ابن فارس: «الهاء والواو والنون أُصَيلٌ يدلُّ على سكون أو سكينة»، ثم زاد: «أو ذلّ»، وقال: «والهُون: الهَوان»، وذكر منها «والهَاوُون، لِلذى يُدقُّ به».(١٣) [وأقول: فالهاوُون يَدُقُّ ما فيه حتى يذهب قِوامُه. فالمُهينُ ما ذهب قَدرُه، والعظيمُ ما ثبت قَدرُه؛ وليس بينهما حجمٌ يُقاس.]

وقرن القرآنُ الهُونَ بالتكبُّر في آيةٍ واحدة، فجمع الطرفين:

﴿وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ﴾ [الأحقاف: 20]

فمن كبَّر نفسه بما ليس فيه جُوزي بما يَذهب بقَدره. وهذا أشدُّ من أن يُقال جُوزي بعذابٍ كبير.

والعظمة تقوم على العلم

ووقع نعتُ العظيم على المحسوس كما وقع على المعنى: ﴿وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ﴾ [النمل: 23]، و﴿قُلۡ هُوَ نَبَؤٌاْ عَظِيمٌ﴾ [ص: 67]. فليس هو الباطنَ ولا الخفيّ، وإنما هو ما عُرِف قَدرُه.

ومن ههنا كان أمرُه نسبيّاً بحسب علم الناظر؛ فإن التعظيم لا يقوم إلا على معرفةٍ بالشيء. ولذلك جاء في القَسَم:

﴿وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٞ لَّوۡ تَعۡلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: 76]

فجعل بين النعت ومنعوته ﴿لَّوۡ تَعۡلَمُونَ﴾. فمن جهل قَدرَ الشيء لم يُعظِّمه، ومن علمه عظَّمه. والحِجمُ يُرى بالعين ولا يحتاج إلى علم.

طويل

في اللغة

قال ابن فارس: «الطاء والواو واللام أصلٌ صحيح يدلُّ على فضْلٍ وامتداد فى الشئ»، ونقل عن ثعلب: «الطَّول: خلاف العَرض».(١٤)

ومحسوسُه حبلُ الدابّة. قال ابن السكّيت: «والطِّوَل: الحَبْل الَّذِي يُطوِّل للدابَّة فتَرعَى فِيهِ».(١٥) وفي العين أتمُّ منه: «والطِّولُ: اسم حَبْل تُشَدُّ به قوائم الدّابّة، ثم تُرْسَل في المَرْعَى، وكانتِ العَرَبُ تتكلّم به، يُقال: طَوِّلْ لِفَرَسِك الطِّوَلَ، أي: أَرْخِ له حَبْلَه في مرعاه».(١٦) وأنشدوا عليه بيت طرفة:(١٧)

«لَعَمْرُكَ إنّ المَوْتَ ما أَخْطأ الفَتَى … لَكالطِّوَلِ المُرْخَى وثِنْياه باليَدِ»

[وأقول: وليس الطِّوَلُ أبعدَ ما في الصحراء، فالمرعى الذي وراءه أبعدُ منه بكثير. وإنما هو الحدُّ الذي تقف عنده الفرسُ عاجزة. فالطولُ صعوبةٌ على صاحبه لا مسافةٌ في نفسها؛ ولذلك صار الطَّوْلُ القدرةَ والفضل: «والطول: القدرة. وإن فُلاناً لَذو طَوْلٍ، أي: ذو قدرة».(١٨)]

في القرآن

وجاء الفعلُ منه ثلاث مرات، وفي الثلاث كلِّها بحرف الاستعلاء، فجعل المدّةَ تقع على صاحبها فتغلبه:

﴿أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ [طه: 86]

﴿بَلۡ مَتَّعۡنَا هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۗ﴾ [الأنبياء: 44]

﴿فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ﴾ [الحديد: 16]

[وأقول: والأَمَدُ في أصله الغايةُ والمنتهى؛ قال ابن فارس: «الأمد: الغاية»، وقال الجوهري: «الأَمَدُ: الغاية كالمدى. يقال: ما أَمَدُكَ؟ أي منتهى عمرك».(١٩) فطولُ الأمد بُعدُ غايته حتى يشقَّ بلوغُها. وهذا هو الطِّوَلُ في أصله الحسّيّ: حبلٌ للدابّة له منتهى تقف عنده. فلمّا نُقِل إلى الزمن بقي فيه معناه، فصار المدّةَ التي يشقُّ على صاحبها أن يبلغ آخرَها.]

ولن تبلغ الجبال طولا

﴿وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا﴾ [الإسراء: 37]

فجاء اللفظُ مقروناً بالعجز صراحةً: ﴿لَن تَبۡلُغَ﴾. وليس الجبلُ أبعدَ الأشياء عن الماشي، فالسماءُ فوقه أبعد؛ وإنما ذُكِر الجبلُ لأنه الذي يُقايس نفسَه به فيخسر.

وقد استعمل مع المتكبِّر اللفظَ نفسه: ﴿كِبۡرٞ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِۚ﴾. فالمتطاولُ والمتكبِّر كلاهما يقف دون ما ادّعاه.

ولم قال سبحا طويلا

وقد يُقال: فإن كان الطويلُ ما يصعُب بلوغُه، فما بالُ نهارِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وليلِ الساجد؟

﴿إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا﴾ [المزمل: 7]

﴿وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَٱسۡجُدۡ لَهُۥ وَسَبِّحۡهُ لَيۡلٗا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: 26]

والجوابُ أن الآية الأولى سيقت تعليلاً لقيام الليل، بعد قوله ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا﴾. فالنهارُ سَبْحٌ لا يُفرَغ منه: تصرُّفٌ في الحاجات يستغرق صاحبَه فلا يبلغ آخره وهو مستريح. ولو كان النهارُ مبسوطاً هيّناً لما احتاج إلى الليل.

ومثلُه ليلُ الساجد: لا يُقطَع إلا بجَهد، ولذلك عُدَّ عبادةً يُثاب عليها. ولو كان بلوغُ آخره يسيراً لما كان فيه فضل.

ممدود

في اللغة

قال الجوهري: «مددت الشئ فامتد والمادة الزيادة المتّصلة»،(٢٠) ثم قال: «ويقال: هناك قطعةُ أرضٍ قَدْرُ مَدِّ البصر، أي مدى البصر».(٢١)

[وأقول: فالمدُّ زيادةٌ متّصلةٌ لا فُرجةَ فيها، ومنتهاه حيث يبلغ البصر. وقد يكون أبعدَ من الطويل مسافةً وزمناً، ولا يُذكَر فيه عجزُ أحد.]

في القرآن

والأرضُ التي لا يخرقها الماشي هي نفسُها التي قال فيها:

﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ﴾ [الرعد: 3]

﴿وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡزُونٖ﴾ [الحجر: 19]

وتأمّل ما قُرِن بالمدّ في الموضعين: رواسيَ وأنهاراً ونباتاً موزوناً. فذُكِر المدُّ في سياق ما يُنتفَع به، ولم يُذكَر في سياق عجزٍ ولا تعجيز.

ومثلُه في الظِّلّ:

﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا﴾ [الفرقان: 45]

﴿وَظِلّٖ مَّمۡدُودٖ﴾ [الواقعة: 30]

فظلُّ الجنّة ممدودٌ لا طويل، لأنه نعمةٌ تُبسَط لا غايةٌ تُرام.

عريض

في اللغة

ردَّه ابن فارس إلى الطول: «هو العَرْض الذى يُخالف الطُّول».(٢٢) ومحسوسُه عارضةُ الباب. جاء في العين: «وعارضةُ الباب: الخشبة التي هي مِساكُ العِضادتين من فوق»،(٢٣) وحدَّد الجوهري موضعها: «هي الخشبة التي تُمسك عِضادَتَيْهِ من فوق محاذيةً للأُسْكُفة».(٢٤) وقال في اللفظة نفسها: «والعارض من كل شيء ما استقبلك».(٢٥)

[وأقول: فللباب قائمان يمتدّان بعيداً عنك، وخشبةٌ تعترضهما فتقع في وجه الداخل. والعَرْضُ ما قابلك فملأ عينك، ولا يُطلَب بلوغُه أصلاً.]

في القرآن

﴿وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]

﴿وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ﴾ [الحديد: 21]

والمقامُ مقامُ بشارةٍ لا مقامُ تعجيز، فلم يذكر طولاً يُعجِز الداخل، وإنما ذكر ما يملأ عينَه إذا دخل.

ويصدّقه أن العارض في المصحف هو المستقبِل المالئ للأفق:

﴿فَلَمَّا رَأَوۡهُ عَارِضٗا مُّسۡتَقۡبِلَ أَوۡدِيَتِهِمۡ قَالُواْ هَٰذَا عَارِضٞ مُّمۡطِرُنَاۚ﴾ [الأحقاف: 24]

فبدأ بالرؤية ﴿رَأَوۡهُ﴾، ثم بالاستقبال. ولم يذكر بُعداً ولا بلوغاً.

وموضعُ ﴿عَرِيضٖ﴾ الوحيد في المصحف على هذا:

﴿وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٖ﴾ [فصلت: 51]

فدعاؤه يملأ المسمع، وانظر كيف عدل عن الطول ههنا والدعاءُ ممّا يُطال.

واسع

في اللغة

حدُّه عند ابن فارس: «الواو والسين والعين: كلمةٌ تدلُّ على خلافِ الضِّيق والعُسْر».(٢٦) ومحسوسُه الفرس، قال: «والفَرسُ الذَّريعُ الخَطْو: وَسَاعٌ»،(٢٦) وأتمُّ منه عند الأزهري: «وَفرس وَسَاعٌ إِذا كَانَ جواداً ذَا سَعَة فِي خَطْوه وذَرْعه».(٢٧)

[وأقول: والفرسُ الوَساعُ لا يُنعَت بأنه أبعدُ غايةً، بل بأنّ خطوتَه الواحدة تغطّي من الأرض ما لا تغطّيه خطوةُ غيرها. فالسَّعةُ مقدارُ ما يشمله الشيء، لا مقدارُ ما يمتدّ إليه.]

وأصرحُ ما في المادّة حدُّ ابن سيده: «ووَسِعَ الشيءُ الشيءَ: لم يضق عَنهُ».(٢٨)

[وأقول: وهذا حدٌّ بالاحتواء لا بالامتداد. فالطويلُ يُسأل عنه: إلى أين بلغ؟ والواسعُ يُسأل عنه: أيَسَعُ ما تضعه فيه أم يضيق عنه؟]

ومنه سَعةُ المال. جاء في العين: «الوُسْعُ: جِدةُ الرَّجلِ، وقدرة ذات يده... وأَوْسَعَ الرّجل: إذا صارَ ذا سَعَةٍ في المال، فهو مُوسِعٌ»،(٢٩) وقال الأزهري: «أوسع الرجلُ إِذا كثر مَاله».(٢٧)

في القرآن

ووقع في المصحف على ثلاثة لا رابع لها: مساحةٍ في الأرض، ومالٍ في يد الإنسان، وخزائنَ عند الله.(٣٠)

فأمّا المساحةُ فخطابٌ لمن ضاق به مُقامُه:

﴿قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ﴾ [النساء: 97]

﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [العنكبوت: 56]

﴿وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ﴾ [النساء: 100]

ولم يقل في واحدةٍ منها طويلةً ولا ممدودة، فالسَّعةُ طولُ الأرض في عرضها؛ والمهاجرُ لا يُراد له أن يبلغ طرفَها، وإنما أن تَسَعَه فيصير جزءاً منها.

وأدقُّ آيةٍ في الباب آيةُ الكرسي، فقد نفى الإحاطة وأثبت السَّعة في نَفَسٍ واحد:

﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ﴾ [البقرة: 255]

[وأقول: والإحاطةُ أن يُدار بالشيء سُورٌ يُماسُّ طرفَه، فالمحيطُ على قَدْر المحاط. والسَّعةُ أن يقع الشيءُ في الجوف فلا يضيق عنه. فلو أُخبِر أنّ كرسيَّه أحاط بالسماوات والأرض لكانتا على قَدْره، ولمّا قيل ﴿وَسِعَ﴾ صارتا فيه ولم يَضِقْ عنهما.]

ويشدُّه أنّ السماء نفسَها موضعُ توسيع:

﴿وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47]

وأمّا سَعةُ الإنسان فلم تخرج في المصحف كلِّه عن المال، وقد صرَّح به مرّةً ونصب مقابلَه مرّة:

﴿وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ﴾ [البقرة: 247]

﴿لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡيُنفِقۡ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ﴾ [الطلاق: 7]

[وأقول: وعلى هذا ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾، فالوُسعُ ما تَسَعُه يدُه من النفقة، والآيةُ في سياق الرضاع والإنفاق.]

وأمّا سَعةُ الله فخزائنُ لا تضيق عمّا يُطلَب منها:

﴿وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ﴾ [الأعراف: 156]

﴿وَسِعَ كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمٗا﴾ [طه: 98]

﴿إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِۚ﴾ [النجم: 32]

فالعَرْضُ ما ملأ عينَك، والسَّعةُ ما وَسِعَك أنت.

سمك

في اللغة

حدُّه عند ابن فارس: «السين والميم والكاف أصلٌ واحد يدلُّ على العُلُوِّ».(٣١) وقال الخليل: «السَّماءُ مَسموكةٌ، أي: مرفوعة كالسَّمْكِ»، وأتبعه: «وسنامٌ سامِكٌ، أي: مرتفع».(٣٢)

وأصرحُ من هذا كلِّه نصُّ الخوارزمي في الأبعاد: «الأبعاد هي الطول والعرض والعمق، وسواء قلت: عمق أو سمك، والفصل بينهما أن السمك فيما كان عالياً من الأجسام والعمق فيما كان منخفضاً»، ثم قال: «الجسم هو المقدار ذو الثلاثة الأبعاد التي هي الطول والعرض والعمق»، وقال في السطح: «البسيط والسطح هو المقدار ذو البعدين وهما الطول والعرض فقط».(٣٧)

[وأقول: وفي هذا النصّ ثلاثةٌ تُقرَّر بها المسألة. أوّلها أنّ السَّمْك بعدٌ ثالثٌ في كلام العرب، لا نعتَ متانةٍ ولا مقدارَ مسافةٍ بينك وبين الشيء. وثانيها أنّ الطول والعرض بعدا السطح وحدَهما، فالسَّمْكُ هو الذي يُخرِج السطحَ جِرماً. وثالثها أنّ العربيّ فرَّق بالجهة: ما نُظِر إليه من تحتُ صاعداً فهو سَمْك، وما نُظِر إليه من فوقُ نازلاً فهو عُمْق.]

ومحسوسُه البيت. قال ابن سيده: «والسمك: السّقف، وَقيل: هُوَ من أَعلَى الْبَيْت إِلَى أَسْفَله»،(٣٣) وقال الجوهري: «سمَكَ الله السماءَ سَمْكاً: رفعها. وسمك الشئ سموكا: ارتفع»، ثم قال: «وسمك البيت: سقفه».(٣٤)

[وأقول: وههنا موضعُ النظر. سَمْكُ البيت ليس بُعدَه عنك وأنت خارجَه، بل ما بين أرضه وسقفه وأنت داخلَه. فالسَّمْكُ قامةُ الجِرم نفسِه بين حدَّيه، لا المسافةُ بينك وبينه. وبه يتمّ للبناء أبعادُه الثلاثة: مدٌّ يُبسَط، وعَرْضٌ يقابلك، وسَمْكٌ يقوم.]

ولذلك سُمّي عمودُ الخباء مِسماكاً: «والمسماك: عود يكون فِي الخباء يسمك بِهِ الْبَيْت»،(٣٥) وسُمّي ما يُقام به الشيء سِماكاً: «والسماك: مَا سمك بِهِ الشَّيْء».(٣٣)

[وأقول: والعمودُ لا يقيس الارتفاع، وإنما يُنشِئه ويُمسِكه. ومن ههنا لزم السَّمْكَ معنى التماسك، فإنّ ما قام على عمودٍ متماسكٌ بالضرورة؛ وشاهدُه قولُهم في الفرس المتين: «المسموك من الخيل: الوثيق الجوانح».](٣٦)

في القرآن

ولم يقع السَّمْكُ في المصحف إلا مرّةً واحدة، وموضعُها السماء:

﴿رَفَعَ سَمۡكَهَا فَسَوَّىٰهَا﴾ [النازعات: 28]

ولم يقل رفعها فحسب، ولا ذكر مسافةً بيننا وبينها؛ وإنما أضاف الرفعَ إلى سَمْكِها، أي إلى قامتها هي. فالمرفوعُ قامتُها لا موضعُها.

وسائرُ ما نُعتت به السماءُ يُصدّق ذلك، فليس في نعتٍ منها بُعدٌ ولا مسافة، وإنما بناءٌ قائمٌ متماسك:

﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ﴾ [البقرة: 22]

﴿وَبَنَيۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعٗا شِدَادٗا﴾ [النبأ: 12]

﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗاۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ تَرَىٰ مِن فُطُورٖ﴾ [الملك: 3]

﴿أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ﴾ [ق: 6]

﴿وَجَعَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ سَقۡفٗا مَّحۡفُوظٗاۖ وَهُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهَا مُعۡرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 32]

﴿وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47]

فههنا سبعُ نعوتٍ متتابعة، كلُّها في المتانة والتماسك: بناءٌ، وشِدادٌ، وطِباقٌ، وسقفٌ محفوظ، ولا فُروج، ولا فُطور، وبُنيت ﴿بِأَيۡيْدٖ﴾. وليس في واحدةٍ منها ذكرُ بُعدٍ ولا مسافة.

وجرى القرآنُ على هذا الفصل، فلم يَنعَت السماءَ بالعُمق مرّةً واحدة، ونعتها بالسَّمْك؛ ونحن إنما ننظر إليها من تحت.

ولم يقع العُمْقُ في المصحف كلِّه إلا مرّةً واحدة، وليست في السماء:

﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ﴾ [الحج: 27]

والفَجُّ طريقٌ بين جبلين، والعميقُ ههنا البعيد.(٣٨)

وقامةٌ بهذا التماسك إنما تُرفَع لتحفظ ما تحتها، وقد صرّح بذلك:

﴿وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ﴾ [فصلت: 12]

﴿وَحِفۡظٗا مِّن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ مَّارِدٖ﴾ [الصافات: 7]

[وأقول: فرفعُ السَّمْك زيادةُ القامة، وهي في الطِّباق زيادةُ الطبقات بعضِها فوق بعض؛ فكلّما زادت قامتُها اشتدَّ ما تحتها حفظاً. ثم جاء ﴿فَسَوَّىٰهَا﴾ فأتمَّ البناءَ بعد أن أقام قامتَه. والسقفُ إنما يُنعَت بأنه محفوظٌ لأنه يحفظ من تحته.]

رفع

في اللغة

قال ابن فارس: «الراء والفاء والعين أصلٌ واحدٌ، يدلُّ على خلاف الوضع»، وأتبعه: «تقول: رفعتُ الشئَ رفعاً؛ وهو خلاف الخَفْض».(٣٩)

[وأقول: والوضعُ إنزالٌ والخفضُ إنزال، فالرفعُ في مقابلتهما إصعاد. وهو نقلُ الشيء من موضعٍ إلى موضعٍ أعلى منه، لا غير؛ فليس فيه قيمةٌ ولا قامةٌ ولا مقدارُ ما ارتفع.]

في القرآن

ولذلك لم يُسنَد الرفعُ في المصحف إلا إلى رافع:

﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ﴾ [الرعد: 2]

وليس في المصحف كلِّه لفظُ «ارتفاع» ولا «مرتفع». فالرفعُ فعلٌ يقع، وليس مقداراً يُخبَر عنه.

ولهذا اجتمع الفعلُ والاسمُ في كلمتين ﴿رَفَعَ سَمۡكَهَا﴾: الرفعُ نقلُها إلى فوق، والسَّمْكُ قِوامُها الذي رُفِع.

الخاتمة: أشر بيدك

هذا كثير: طرفان قِيسَ أحدهما بالآخر في العدد، ووحدتُه مكرَّرةٌ من جنسٍ واحد. فئةٌ برؤوسها، وذِكرٌ بمرّاته، وغبارٌ بذرّاته.

وهذا كبير: اثنان لا غير، قِيسَ أحدهما بالآخر بلا تكرارٍ في الهوية؛ في الحجم أو المساحة أو أيِّ وجه. صنمٌ بين إخوته، وشيخٌ بين شيوخ، ودَينٌ بين ديون. وهذا أكبر: تصريحٌ بتلك المقارنة، فيُذكَر الطرفان.

وهذا كِبرياء: زيادةٌ يدّعيها صاحبُها ولا يبلغها.

وهذا عظيم: ما لا مقارنةَ فيه أصلاً، وإنما يُخبَر عن قيمته وجلاله. وإن وقع على العذاب فهو عذابٌ ذو هيئةٍ لا مثيل لها، لا عذابٌ أزيدُ من عذاب. ونقيضُه المُهين الذي ذهب قَدرُه، لا الصغيرُ ولا القليل. فإن أردتَ المقارنة فقل أعظم، ولا تقلها بصيغة عظيم.

وهذا طويل: مسافةٌ أو مدّةٌ يشقّ عليك بلوغُها، وليست هي الأبعدَ في نفسها.

وهذا ممدود: مسافةٌ هائلةٌ بُسِطت لمنفعتك. أرضٌ تمشي فيها، وظلٌّ تستظلّ به.

وهذا عريض: ما قابلك فملأ عينك.

وهذا واسع: ما لم يَضِقْ عمّا وُضِع فيه، فوقع في جوفه ولم يقف عند طرفه. فرسٌ وَساعٌ تَسَعُ خطوتُه من الأرض ما لا تَسَعُه خطوةُ غيرها، وكرسيٌّ وَسِعَ السماواتِ والأرض فلم يَضِقْ عنهما.

وهذا ذو سَمْك: ما قامت قامتُه بين أرضه وسقفه. بيتٌ يُقيمه مِسماكُه، وسماءٌ طباقٌ لا فروجَ فيها ولا فطور.

وهذا مرفوع: ما نُقل من موضعٍ إلى ما فوقه بيد رافع، لا غير.

فاسأل قبل أن تُشير: أكم وحدةً تكرَّرت؟ أم كم زاد الواحدُ على أشباهه؟ أم ما قَدرُه عندك إذا علمتَه؟ أم أتبلغه أم يُعجِزك؟ ولكلِّ سؤالٍ لفظُه الذي لا ينوب عنه غيره.

اللهم ارزقنا من كتابك العظيم فهماً لا يزيغ، وقلوباً تعرف قدره فتعظّمه، ولا تجعلنا ممن طال عليهم الأمد فقست قلوبهم. والله جل جلاله أعلم.

(١)معجم مقاييس اللغة لابن فارس، جـ 5 ص 160. ↩
(٢)الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري، جـ 2 ص 803. ↩
(٣)جمهرة اللغة لابن دريد، جـ 1 ص 422. والبيت في المحكم والمحيط الأعظم، جـ 6 ص 792، ومعجم مقاييس اللغة، جـ 5 ص 161. ↩
(٤)معجم مقاييس اللغة، جـ 5 ص 161. ↩
(٥)معجم مقاييس اللغة، جـ 5 ص 153. ↩
(٦)معجم مقاييس اللغة، جـ 5 ص 154. ↩
(٧)كتاب العين، جـ 2 ص 91. ↩
(٨)الصحاح، جـ 5 ص 1988. ↩
(٩)معجم مقاييس اللغة، جـ 4 ص 355. ↩
(١٠)وقد حدَّ ابن سيده المادّة بضدّها فقال: «العِظَمُ: خلاف الصغر». المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده، جـ 2 ص 69. ومثله ابن دريد: «والعظيم: ضد الصَّغِير». جمهرة اللغة، جـ 2 ص 931. ↩
(١١)المحكم والمحيط الأعظم، جـ 2 ص 70؛ وجمهرة اللغة، جـ 2 ص 931. ↩
(١٢)جرى العدُّ في «مصحف إملائي للبحث فقط»، ونُقلت نصوصُ الآيات من «مصحف عثماني للاستشهاد». ↩
(١٣)معجم مقاييس اللغة، جـ 6 ص 21. ↩
(١٤)معجم مقاييس اللغة، جـ 3 ص 433 - 434. وقولُ «الطَّول خلاف العَرض» لأحمد بن يحيى ثعلب، نقله ابن فارس في المادّة. ↩
(١٥)تهذيب اللغة للأزهري، جـ 14 ص 14، عن ابن السكّيت. وقد ردّ الأزهري تسميةَ هذا الحبل «الطَّويلة» فقال: «قلت: وَلم أسمع الطَّويلة بِهَذَا الْمَعْنى، من الْعَرَب، ورأَيْتهم يسمونه هَذَا الحَبْل الطَّوِيل»، ثم أورد الحديث: «لَا حِمًى إلاّ فِي ثَلَاث: طِوَلِ الفَرَس، وثَلَّةِ البِئر، وحَلْقَةِ الْقَوْم». تهذيب اللغة، جـ 14 ص 15. ↩
(١٦)كتاب العين، جـ 7 ص 451. ونصُّ المادّة في تهذيب اللغة، جـ 14 ص 15، منسوبٌ إلى الليث. ↩
(١٧)البيت لطرفة، وهو في كتاب العين، جـ 7 ص 451، وتهذيب اللغة، جـ 14 ص 14، وجمهرة اللغة، جـ 2 ص 926. ↩
(١٨)كتاب العين، جـ 7 ص 450. ↩
(١٩)معجم مقاييس اللغة، جـ 1 ص 137؛ والصحاح، جـ 2 ص 442. ↩
(٢٠)الصحاح، جـ 2 ص 536. ↩
(٢١)الصحاح، جـ 2 ص 537. ↩
(٢٢)معجم مقاييس اللغة، جـ 4 ص 269. ↩
(٢٣)كتاب العين، جـ 1 ص 276. ↩
(٢٤)الصحاح، جـ 3 ص 1086. ↩
(٢٥)كتاب العين، جـ 1 ص 274. ↩
(٢٦)معجم مقاييس اللغة، جـ 6 ص 109. ↩
(٢٧)تهذيب اللغة، جـ 3 ص 61. ونحوه في لسان العرب، جـ 8 ص 393. ↩
(٢٨)المحكم والمحيط الأعظم، جـ 2 ص 307. ↩
(٢٩)كتاب العين، جـ 2 ص 203. ↩
(٣٠)وبُسِط القولُ في هذا الجذر ومواضعه في مقال «وسع في القرآن المكرم». ↩
(٣١)معجم مقاييس اللغة، جـ 3 ص 102. ↩
(٣٢)كتاب العين، جـ 5 ص 318. ↩
(٣٣)المحكم والمحيط الأعظم، جـ 6 ص 733. ↩
(٣٤)الصحاح، جـ 4 ص 1592. ↩
(٣٥)المحكم والمحيط الأعظم، جـ 6 ص 733؛ وتهذيب اللغة، جـ 10 ص 51؛ ومعجم مقاييس اللغة، جـ 3 ص 102. ↩
(٣٦)معجم متن اللغة لأحمد رضا، جـ 3 ص 212. ↩
(٣٧)مفاتيح العلوم للخوارزمي، ص 226. ونحوه في رسائل إخوان الصفا: حركاتٌ «متفنِّنَة في الطول والعرض والسمك»، نقله صاحب صفات رب العالمين، جـ 1 ص 216. ↩
(٣٨)«الفَجُّ: الطريق الواسع بين الجبلين». الصحاح، جـ 1 ص 333. وفسّر الخليل العُمقَ بالبُعد فقال: «والعَمْقُ والعُمْق: ما بَعُد». كتاب العين، جـ 1 ص 187. ↩
(٣٩)معجم مقاييس اللغة، جـ 2 ص 423. ↩

التعليقات (0)