أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

لماذا يكرهون "مرحباً"؟



لماذا يكرهون "مرحباً"؟

عشرات المرات التي أقابل فيها ما يسمون بالملتزمين، فيسلمون علي، فأرد عليهم بأي تحية تبرق في ذهني، وأشبعها بكثير من الود والمحبة، الظاهرة في الصوت والصورة، فيغضبون أشد الغضب. بعضهم من شدة قسوته وصغر عقله يعاود السلام، فأنتبه لنفسي وأرد عليه السلام، ولكن بفتور شديد وبرود، بسبب ردة فعله القاسية.

ذات مرة قابلني أحدهم وكان بيني وبينه ود واحترام، فسلم، فلما رددت السلام بالترحيب والتهليل

قال: لماذا أنت دائماً لا ترد السلام!؟

هذه المرة تمرست وصرت أجرأ على الرد عليهم فقلت له: ألم يقل المولى في كتابه الكريم {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا}  [النساء: 86]. لقد أباح المولى بأي تحية طيبة، ولم يجعلها ضيقة في نص واحد يصيب الناس بالملل والضجر، وتنتزع منها التلقائية والسخونة، فتصبح باردة، وبهذا تفقد غرضها وهو حسن التواصل مع الناس.

لقد تخيلوا أن بعض النصوص تحصر التحية بالسلام فقط مثل هذا النص الكريم {وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌ }  [يونس: 10]. وغيره من النصوص، وهذه النصوص، تشير إلى لحظة تاريخية فبعد الرعب العظيم الذي يحل بالأرض يوم القيامة تستقبلهم الملائكة بهذه التحية وليس المقصد منها نصها وحرفها، بل هو بث الطمأنينة لهؤلاء المفزوعين الهاربين من أهوالها، فالنص لا يقول أنهم هم من يسلمون، بل الملائكة هي التي تسلم عليهم ويؤكد كلامي نصوص أخرى مثل:

﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ ‌سَلَامٌ ‌عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ﴾ [الأعراف: 46] 

﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) ‌سَلَامٌ ‌عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: 23-24] 

﴿يَقُولُونَ ‌سَلَامٌ ‌عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 32] 

فالملائكة هي التي تلقي السلام عليهم أي تقول لهم لقد نجوتم من الشر وحل عليكم السلام الدائم وستدخلون الجنة عما قريب.

واليوم وأنا أقلب الصفحات وجدت الألباني يورد حديثاً ويصححه من كتب البخاري، ونصه: " حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن أبي النضر أن أبا مرة مولى أم هانئ ابنة أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ تقول: ذهبت إلى النبي ﷺ وهو يغتسل فسلمت عليه فقال من هذه قلت أم هانئ قال مرحبا "([1]) وهذا يعني سعة التشريعات وأنه لا محرمات ولا محظورات ولا مكروهات إلا ما فيه ضرر شديد على الناس وحياتهم، وما دونها فلكل نفس طريقتها في الورع وأن المبالغة في الورع هو انحراف عن النهج السليم وطريق يحث عليه الشيطان لكي يصنع إنساناً موغلاً في التطرف والكراهية والضيق.

وقد يقول قائل: إنه خبر واحد وقد يكون مزيفاً أو قالها الرسول دون قصد، لكن هناك خبر آخر فعندما أقبل وفد قبيلة عبد القيس قال لهم الرسول ﷺ: "مرحباً بالوفد الذين جاءوا غير خزايا ولا ندامى" ([2]) كذلك ترحيب الرسول بعودة عكرمة بن أبي جهل، فقال له: "مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ" ([3])

 إن تركيز الرسول والمسلمين على تحية السلام، كانت لتوافق دواعٍ سياسية واجتماعية، فقد كانت الحرب الأهلية تعصف بالمنطقة ويُتخطف الناس من حول مكة، وقطع الطريق في كل مكان وزاوية، فكانت تحية السلام ضرورة وحتمية، فإنك تخبر من قابلته في عرض الطريق أنك مسالم لا تريد الشر به.

هذا السلام ليس تحية مبجلة وحميمية، بل هي تحية رسمية وجادة، تريد نشر السلام بين الناس، ولهذا نجد الرسول يرحب بأم هانئ وعكرمة وعبد القيس، لأن السلام بينهم أمر مفروغ منه، فجاءت تحية أخرى أقرب لقلوبهم وأكثر حميمية، لهذا تلفظ بها الرسول عندما وجد أن المحبة صادقة بينه وبين الآخر.

هذا والله أعلم

علي موسى الزهراني




([1])الأدب المفرد (ص: 359)

([2]) صحيح مسلم، ج1، ص46.

([3]) سنن الترمذي، ج5، ص76.

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...