الفتنة اشتعال في الداخل يحرّك صاحبه
من الكتلة إلى السداسية إلى القرآن
يضع الصائغ الذهب في النار، فلا تبقى النار على سطحه، بل تنفذ حرارتها في جوفه، فيذوب الصلب ويسيل بعد أن كان ساكناً. ثم يصعد الخبث إلى أعلى البوتقة فيُرمى، ويبقى الذهب الخالص في قعرها. نار من الخارج، واشتعال في الداخل، وحركة لا بد منها، ثم طريقان: خبث يذهب، وخالص يبقى.
وينظر الرجل إلى ماله وولده، فيشتعل في صدره ما يدفعه إلى أخذ ما لا يحق له. ويُعذَّب المؤمن ليترك دينه، فيشتعل في داخله ما يدفعه إلى الثبات أو إلى الرجوع. والقرآن يسمي هذا كله باسم واحد: الفتنة.
فهل الفتنة هي النار التي توقد، أم الاشتعال الذي في الداخل، أم الحركة التي تعقبه، أم الطريق الذي يُتخذ في آخره؟
أولاً: الكتلة (فت)
حروف الجذر الفاء والتاء والنون، أي (ف ت ن)، وكتلته الحرفان المتلاصقان في رأسه: (فت)، ومعكوسها (تف). ولا يكفي في الكتلة جذر واحد، بل تُجمع أخواتها كلها من المعجم، فهي أقوى ما يشهد لمعناها. وقد جمعنا من «مقاييس اللغة» كل جذر اجتمعت فيه الفاء والتاء متجاورتين، سواء جاء الحرف الثالث بعدهما أو قبلهما.
أخوات (فت)
أول الشهود الجذر المضاعف نفسه: الفتّ، وهو عند ابن فارس "تكسير شيء ورفته"، يقال فتتّ الشيء فهو مفتوت وفتيت(١). ثم الفتح "خلاف الإغلاق"(٢)، والفتق "فتح في شيء"، ومنه "الفتق: شق عصا الجماعة"(٣). ومثلها الرفت، وهو "فتّ وليّ"، يقال "رفتّ الشيء بيدي، إذا فتتّه حتى صار رفاتاً"(٤)، والعفت "كسر شيء"(٥)، فهذه خمسة يجمعها كسر المتماسك وفتح المغلق.
ويلين الشيء إذا انفكّ تماسكه: فالفتخ "لين في الشيء"، و"عقاب فتخاء، إذا انكسر جناحها في طيرانها"(٦)؛ والفتور "ضعف في الشيء"(٧)، ومنه ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ﴾ [الزخرف: 75]، أي لا يُضعف.
وإذا لان الشيء أمكن ليّه وصرفه: فالفتل "ليّ شيء"، فتلت الحبل(٨)؛ واللفت "اللّي وصرف الشيء عن جهته المستقيمة"، وقال ابن فارس: "ولفتّ فلاناً عن رأيه: صرفته"(٩). وهذا أقرب شاهد في الكتلة كلها إلى الفتنة: صرف الإنسان عن رأيه بالحرف «عن» نفسه.
ويبقى شاهدان من النار: الهفت "سقوط شيء"، ومنه "تهافت الفراش في النار: تساقط"(١٠)؛ والنفت، يقال "نفتت القدر: غلت"(١١).
فهذه عشرة جذور سوى فتن تلتقي على صورة واحدة: متماسك يُكسر أو يُفتح، فيلين ويضعف، ثم يُلوى ويُصرف عن جهته. وتخرج عنها جذور أخرى لا يجمعها بها شيء ظاهر: فتش البحث(١٢)، وفتك الغدر(١٣)، وفتى الطراوة(١٤)، وكفت الضم(١٥)، وخفت الإسرار(١٦)، وفرت الماء العذب(١٧).
المعكوس (تف)
وفي المعكوس طائفة صغيرة تجتمع على ما يُطرح ويذهب: التفل "خبث الشيء وكراهته"(١٨)، والتفّ "وسخ الظفر"(١٩)، والتافه القليل(٢٠)، والتلف "ذهاب الشيء"(٢١)، والحتف الهلاك(٢٢)، والنتف "مرط شيء"(٢٣). وهي ستة، دون العشرة التي يثبت بها حد الكتلة، فنذكرها ولا نحكم بها. غير أنها تشبه ما يقع في البوتقة: ما انفكّ عن الذهب من خبث يُرمى ويذهب.
كتلة الطرفين (فن)
وإذا طرحنا التاء الوسطى بقيت (فن)، وأظهر ما في أخواتها الإحاطة والاحتواء: الجفن "شيء يطيف بشيء ويحويه"(٢٤)، والكفن الذي يلف الميت(٢٥)، والدفن "استخفاء وغموض"(٢٦)، والحفنة "ملء كفيك"(٢٧)، والصفن "وعاء من الأوعية"(٢٨)، والفدن "القصر"(٢٩). والنون في الجدول الدوري وعاء ساكن. وهي نحو ثمانية جذور، فلا تبلغ الحكم، لكنها تشهد للموضع الذي يقع فيه الفكّ: في الداخل، لا على السطح.
الكتلة (فت) فكّ المتماسك حتى يلين، ثم ليّه وصرفه عن جهته؛ فالفتنة شيء يفكّ تماسك الإنسان من داخله، فيلين، فيتحرك، ويُصرف أو يثبت.
فما الذي تزيده التقاليب على هذا؟
ثانياً: السداسية، ما شهد له المعجم وحده
التاء في الجدول الدوري الارتداد المتكرر. وقد عقد الخليل باباً لهذه الحروف، وعدّ منها نتف ونفت وتنف وفتن مستعملات.(٣٠) ونذكر كل تقليب بما في المعجم وحده، ولا نزيد عليه.
فتن: إحراق. قال الخليل: الفتن إحراق الشيء، والورق الفتين المحترق.(٣١) وقال الجوهري: "فتنت الذهب، إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته".(٣٢)
نفت: غليان يقذف ما في الجوف. قال ابن فارس: "نفتت القدر: غلت ويبس مرقها عليها"، و"نفت صدره بالعداوة: غلا"(١١)؛ وقال الجوهري: "وإن فلاناً لينفت غضباً وينفط، أي يغلي".(٣٣) وهذا نص صريح في انتقال الصورة من القدر إلى صدر الإنسان: غليان في الجوف، ثم دفع لما فيه إلى الخارج.
نتف: مرط الشيء من موضعه. "نتف الشعر وغيره ينتفه"(٢٣).
تنف: المفازة. "التنوفة المفازة"(٣٤).
تفن: نقل اللسان عن ابن الأعرابي أنه الوسخ، وعن ابن بري أنه طرد الشيء.(٣٥)
فنت: لم نجد له شاهداً، والميت لا يُحيا بالتكلف.(٣٦)
وأقرب التقاليب إلى موضوعنا فتن ونفت: الأول إحراق يقع على الشيء، والثاني غليان في الجوف يدفع ما فيه. والحرفان واحد والترتيب مختلف؛ فإذا جمعنا الصورتين ظهر لنا ما في الفتنة: نار، ثم غليان في الداخل، ثم دفع إلى الخارج، فماذا قالت المعاجم في الفتنة نفسها؟
ثالثاً: ما تقوله المعاجم
ذكر الخليل الفتن بمعنى الإحراق، ثم ذكر التعذيب لرد الناس عن دينهم، والابتلاء، والحروب، والعشق، والإضلال.(٣٧) وقال الجوهري: "الفتنة: الامتحان والاختبار"، ثم مثّل بالذهب يدخل النار. وذكر المفتون الذي أصابته فتنة فذهب ماله أو عقله، والفاتن المضل عن الحق.(٣٨)
أما ابن فارس فقال: "الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على ابتلاء واختبار. من ذلك الفتنة... وفتنت الذهب بالنار، إذا امتحنته"(٣٩). وههنا موضع يخطئ فيه كثيرون، فقد قدّم الغاية على الصورة: جعل الأصل اختباراً، ثم جاء بالذهب والنار مثالاً. والصورة الحسية إدخال الذهب النار، والاختبار غاية الصائغ من فعله. ولو كان الأصل الاختبار لما قيل للورق المحترق فتين، وليس في الورق المحترق اختبار ولا ممتحِن.
ونقل ابن منظور عن الأزهري أن جماع معنى الفتنة الابتلاء والامتحان والاختبار، وأن "أصلها من إذابة الفضة والذهب بالنار لتمييز الرديء من الجيد".(٤٠) وهذا أدق ما في الباب، ففيه الأمور الثلاثة: النار، والإذابة، والتمييز. والإذابة هي فكّ تماسك الصلب الذي شهدت له الكتلة، وهي حركة بعد سكون، والتمييز افتراق إلى مسارين.
والمعاجم في هذا كمن جمع الأغصان ولم يسأل عن الساق؛ فالفتنة عندها اختبار وإحراق وكفر ومال وولد وعشق، كأنها ألفاظ متجاورة لا يجمعها شيء. والذي يجمعها أن المال والولد والعذاب أدوات توقد، والإحراق صورة ما يقع في الداخل، والإذابة حركته، والكفر والضلال وجهة من وجهاته، فهل يصدق هذا على آيات القرآن؟
رابعاً: الفتنة في القرآن
الفتنة اشتعال في الداخل يفكّ تماسك صاحبه فيُحدث فيه حركة؛ والعذاب والنعيم والمال والولد أدوات تشعلها، والنص يذكر بعدها نوع الحركة ووجهتها: انقلاب، أو إنابة، أو طغيان، أو هجرة.
وفي القرآن من الجذر ستون وروداً في ثمان وخمسين آية: أربعة وثلاثون لاسم الفتنة، وثلاثة وعشرون للفعل، ومعها الفتون والمفتون والفاتنين. ولم يأت الجذر على وزن الافتعال قط، فلم يقل افتتن. ونسأل في كل موضع سؤالين: ما الأداة التي أشعلت؟ وما نوع الحركة التي ذكرها النص؟
١) الحركة في لفظ الفتنة نفسه
أول ما يثبت أن الحركة داخلة في الفتنة تعدّي الفعل بحرف عن، كما في قوم ساوموا الرسول على الوحي:
﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا﴾ [الإسراء: 73]
وعن للمجاوزة، أي انتقال من موضع إلى غيره، وهي أول معانيها عند ابن هشام.(٤١) ولو كان الفتن إحراقاً ساكناً لما صح أن يتعدى بها؛ فلا يقال أحرقته عن الطريق، ويقال فتنته عن الطريق، فالفعل نفسه يحمل الحركة، وعن تحدد الموضع الذي يُراد إخراج المفتون منه. وجعل محيي الدين درويش الفعل متضمناً معنى يصرفونك(٤٢)، ولسنا بحاجة إلى هذا التضمين، فالصرف في الفتن نفسه.
ويتكرر التركيب في التحذير من الفتن عن بعض ما أنزل الله:
﴿وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ﴾ [المائدة: 49]
فالأداة هنا أهواء القوم، والاشتعال ما توقده في النفس من رغبة في إرضائهم، والحركة المطلوبة انتقال عن بعض ما أُنزل إلى حكم آخر. وقوله في الإسراء كادوا ليفتنونك لا يثبت أن هذه الحركة وقعت، فقد يشتعل الداخل ويحفظ صاحبه طريقه.
٢) نوع الحركة يذكره النص
والفعل الذي يأتي بعد الفتنة لا يضيف حركة لم تكن فيها، بل ينعت طبيعتها ووجهتها، فهذا رجل يعبد الله ما دام الطريق سهلاً:
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [الحج: 11]
أصابته فتنة، ثم انقلب على وجهه. والانقلاب في معجمنا رجوع بلا مكوث في النقطة الثانية؛ فالحركة هنا تغيّر في المسار مئة وثمانين درجة: رجل وقف على حرف الطريق، فلما اشتعل داخله عاد من حيث جاء ولم يمكث، فالفتنة فيها الحركة، وانقلب يذكر نوعها.
وقد تكون الحركة إلى الهدى أو إلى الضلال، كما قال موسى وقد أخذت قومه الرجفة:
﴿وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُۥ سَبۡعِينَ رَجُلٗا لِّمِيقَٰتِنَاۖ فَلَمَّآ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِيَّٰيَۖ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآۖ إِنۡ هِيَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهۡدِي مَن تَشَآءُۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ﴾ [الأعراف: 155]
لم يقل إن هي إلا فتنتك تهلك بها، بل قال تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء. والإضلال في معجمنا إرشادك إلى الطريق الخاطئ، والهداية إرشادك إلى الطريق الصحيح؛ فالفتنة أداة الحركة، وبها يتحرك هذا إلى طريق وذاك إلى طريق.
وقد يُعلَن ذلك قبل أن يقع، كما في ملكين ببابل يعلّمان الناس علماً، ويعلنان المفترق قبل أن يعلّما:
﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ﴾ [البقرة: 102]
قال الملكان إنما نحن فتنة، أي نحن احتراق في داخلك؛ ثم قالا فلا تكفر، أي لا تأخذ الطريق الخاطئ بعد هذا الاحتراق. والملكان لا يعلّمان الناس الشر، بل يعلّمانهم علماً عادياً يمكن أن يُستعمل في الخير والشر؛ ولهذا قال فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه، فالتفريق اختيار المتعلم لا غرض المعلّم. ثم قال ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، فالغالب أن الناس استعملوه في الشر، وكان في وسعهم غير ذلك.
٣) الأدوات التي تشعل
العذاب والنعيم والمال والولد والأذى أدوات، وليست هي الفتنة، فهذا رجل بين ماله وولده من جهة، وحق يلزمه من جهة أخرى:
﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ﴾ [الأنفال: 28]
يحب الإنسان ماله وولده، ومن هذا الحب تنشأ خشية الفقد، والرغبة في الاستزادة، والاندفاع إلى حماية مصلحة الولد، فإذا اشتدت هذه الدوافع اشتعل الداخل، وتحرك صاحبه: يحفظ الأمانة وإن خسر منفعة، أو يأخذ ما لا يحق له. والمال والولد لا ذنب لهما، كما أن المرأة الجميلة جداً فتنة ولا ذنب لها؛ والذنب على من اختار الطريق. وتتكرر التسمية نفسها في التغابن.
ويتسع ما يشعل إلى الشر والخير جميعاً:
﴿كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]
فالشر أداة، والخير أداة، والفتنة ما تشعله كل منهما في الداخل. ونظيره النعمة التي ينسبها صاحبها إلى علمه:
﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الزمر: 49]
ولو كانت النعمة كرامة لصاحبها لجاء: بل هي فضل؛ لكنها فتنة، أي أداة أشعلت فيه ما حرّكه إلى نسبة الفضل لنفسه.
وتنشأ الأدوات كذلك من الناس بعضهم من بعض، فهؤلاء رسل يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كسائر الناس:
﴿وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ﴾ [الفرقان: 20]
فالإنسان أداة لغيره: يثير فيه حسداً أو غضباً أو خوفاً، فيشتعل الداخل. ثم سأل أتصبرون؟ والصبر في معجمنا تحمل الألم أو الشقاء مع اليقين بتغير الحال؛ فهو حركة الثبات، يكف بها الإنسان غضبه ويحفظ الحق.
ويبلغ استعمال الأداة أقصاه في الأذى، فهذا رجل يقول آمنا ما دام الطريق آمناً:
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [العنكبوت: 10]
والأذى في معجمنا أخف أنواع الضرر ولا يدوم، وغالبه بالكلام. ومع هذا ساوى هذا الرجل بين أذى الناس وعذاب الله. ولم يقل جعل أذى الناس كعذاب الله، بل قال فتنة الناس؛ فالأذى فعل الناس وأداتهم، والفتنة ما أشعله الأذى في نفسه، والحركة التي يذكرها السياق قوله إنا كنا معكم حين يجيء النصر: تقلّب مع الغالب. وأيُّ عجب أعجب من رجل يجعل الكلمة الجارحة كنار جهنم!
٤) الإكراه على الحركة
ومعظم نصوص القرآن في الفتنة تتحدث عن إيذاء الناس في دينهم وإجبارهم على تركه؛ لأنها أعظم الفتن، ولأن الفاتن غالباً يمارس أقسى أنواع التعذيب ليرد الإنسان عن دينه الذي ارتضاه. ومن هنا جاءت الآية في القتال:
﴿وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ﴾ [البقرة: 191]
وجاءت في آية الشهر الحرام بلفظ أكبر، وفيها نوع الحركة المطلوبة:
﴿وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ﴾ [البقرة: 217]
فالآية تفسر نفسها: لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم، فالتعذيب والقتال أداة، والاشتعال يقع في المؤمن، والحركة المطلوبة منه ردّ إلى الخلف. وهي أشد من القتل وأكبر منه، لأن القتل يذهب بالجسد، والفتنة تحرّك الإنسان عن طريقه وهو حي.
وعلى هذا يُحمل خوف الذرية القليلة التي آمنت لموسى أن يفتنهم فرعون، وخوف المسافرين في النساء أن يفتنهم الذين كفروا. ولهذا دعا إبراهيم والذين معه ربهم ألا يجعلهم فتنة للذين كفروا، ودعا قوم موسى:
﴿فَقَالُواْ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَا رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [يونس: 85]
فهم يسألون ربهم ألا يكونوا أداة يشتعل بها الظالمون. ولا تجعل تسمية هذا كله فتنة المعتدى عليه مسؤولاً عن جريمة المعتدي؛ فالمؤمن لا ذنب له في إيمانه، والذنب على من يعذبه ليتركه.
ويبلغ هذا منتهاه في سورة البروج، في قوم لم يكن بينهم وبين المؤمنين خلاف إلا في الإيمان نفسه:
﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ﴾ [البروج: 8]
آمن هؤلاء بالرسول وبما جاء به، فأراد الكفار أن يردّوهم إلى دين آبائهم ويتركوا الإيمان. وفيهم قال:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ﴾ [البروج: 10]
فتنوا المؤمنين في دينهم: أشعلوا في داخلهم ما يفكّ ثباتهم، ليصرفوهم عن الإيمان بالرسول ويعيدوهم إلى دين الكفار؛ والحركة المطلوبة من المؤمن هنا رجوع إلى الخلف. ثم ذكر حركة الفاتنين أنفسهم: ثم لم يتوبوا، أي بقوا على طريقهم، فلهم عذاب جهنم وعذاب الحريق.
٥) الإلقاء في الأمنية
وتُبين آية الحج أين يقع الاشتعال إذا كانت الأداة كلاماً يلقيه الشيطان:
﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [الحج: 52]
ثم يأتي في الآية التالية من يقع عليه الإلقاء:
﴿لِّيَجۡعَلَ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ﴾ [الحج: 53]
فالرسول يتمنى، كأن يتمنى النصر على عدوه، أو فرجاً للمؤمنين؛ فيلقي الشيطان في أمنيته وسوسة في قلوب السامعين: أين النصر الموعود؟ أين الفرج؟ ولم يقل ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للرسول، بل قال فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، فالاشتعال يقع في قلوب السامعين المريضة، لا في قلب المبلّغ. ثم ينسخ الله ما يلقي الشيطان بأن يقع ما وعد به، فيُحكم آياته.
والأمنية في القرآن كلها تمنٍّ، لا قراءة، فقد قال فتمنوا الموت، وقال كنتم تمنون الموت، وقال ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، وقال الذين تمنوا مكانه بالأمس؛ وفي سورة النجم نفسها، وهي السورة التي وضعوا فيها خبر الغرانيق، قال: أم للإنسان ما تمنى. وصنعة الشيطان في القرآن هي الأماني: يعدهم ويمنيهم. واجتمعت الفتنة والأماني في آية واحدة: فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني.
وأوكد آية في الأماني قوله:
﴿وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: 78]
فالأماني دعاوى يجزم بها أصحابها بلا عمل، والظن في معجمنا الجزم: يزعمون أن من أحب موسى دخل الجنة، ومن قال لا إله إلا الله دخل الجنة، ومن كان يهودياً دخل الجنة، بغض النظر عن عمله. وتفسر ذلك آية أخرى من السورة نفسها:
﴿وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 111]
فالأماني هي هذه الدعاوى بعينها: دخول الجنة بالانتساب لا بالعمل. والشيطان يلقي في أمنية الرسول ما يشعل القلوب المريضة، كما يمنّي أتباعه الأماني الكاذبة.
٦) فتون موسى
وأوضح ما يبين الحد كله فتون موسى. ذكّره ربه بما مر به:
﴿وَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونٗاۚ فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ﴾ [طه: 40]
قتل نفساً، فنُجّي من الغم، ثم فُتن فتوناً، ثم لبث سنين في مدين، فالقتل ليس هو الفتنة، بل هو الأداة التي أشعلتها. والفتون هنا ليس جمع فتنة(٤٣)، بل نعت لنوعها: فتناك فتنة شديدة عجيبة، لا كما يُفتن سائر الناس. ونظيره قوله ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا﴾ [النساء: 164]، والتكليم نوع من الكلام لا يشبه كلام البشر، وليس توكيداً لا قيمة له. وتفصّل سورة القصص ما في هذه الفتنة من شدة، ومع كل موقف الحركة التي اختارها:
اشتعل فيه الندم بعد القتل مباشرة، فقال: ﴿هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ﴾ [القصص: 15].
وما لبث أن تحرك إلى الاستغفار: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي فَٱغۡفِرۡ لِي فَغَفَرَ﴾ [القصص: 16].
واتخذ بعده مساراً صريحاً، وعاهد ربه على طريق لا يحيد عنه: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ فَلَنۡ أَكُونَ ظَهِيرٗا لِّلۡمُجۡرِمِينَ﴾ [القصص: 17].
واشتعل فيه الخوف من بعد: ﴿فَأَصۡبَحَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 18]. ثم عادت الأداة نفسها، فالرجل الذي نصره بالأمس يستصرخه، فكاد يبطش ثانية، حتى قيل له ﴿إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ [القصص: 19].
وجاءت المؤامرة والفرار: ﴿فَخَرَجَ مِنۡهَا خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [القصص: 21]. ثم الغربة والفقر: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ﴾ [القصص: 24].
فهي فتنة واحدة اشتدت نارها وتقلبت صورها: الندم، والخوف، وعودة الإغراء بالبطش، والمطاردة، والغربة، والفقر؛ وعند كل صورة تحرك موسى إلى الطريق الصحيح: استغفار، فعهد ألا يكون ظهيراً للمجرمين، فخروج، فدعاء. ثم جاء الحكم عليه في سورة مريم:
﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا﴾ [مريم: 51]
٧) حركة الرجوع، حركة الطغيان
ومن الحركات التي يذكرها النص بعد الفتنة الرجوع، كما في ملك حكم بين خصمين ثم أدرك ما وقع له:
﴿وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ۩﴾ [ص: 24]
والظن في معجمنا الجزم واليقين، فداود جزم أنه تعرض للفتنة، ويبدو أن جزمه صحيح؛ فتحرك إلى الاستغفار والركوع والإنابة. والمغفرة في معجمنا محو الذنب من سجلات الكتاب بعد تعويض وعمل أو بعد عقاب. ومثله في ابنه:
﴿وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: 34]
تعرض سليمان للاختبار لذنب قام به، ويبدو أنه نجح فيه، فكانت حركته الإنابة. وقِس على هذا الذين هاجروا من بعد ما فُتنوا ثم جاهدوا وصبروا، في النحل؛ فالهجرة حركة انتقال حقيقية من مكان إلى مكان.
ويقابل الرجوع حركة في الاتجاه نفسه تتجاوز الحد، كما في قوم رأوا الرؤيا وسمعوا بالشجرة الملعونة:
﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا﴾ [الإسراء: 60]
فالرؤيا والشجرة والتخويف أدوات، ثم لم تزدهم إلا طغياناً كبيراً؛ وهي حركة إلى الأمام في الطريق الخاطئ.
وقد تتكرر الفتنة ويبقى صاحبها على طريقه، فهؤلاء قوم يفتنون كل عام:
﴿أَوَلَا يَرَوۡنَ أَنَّهُمۡ يُفۡتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً أَوۡ مَرَّتَيۡنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمۡ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: 126]
لم يقل يفتنون مرة، بل قال في كل عام مرة أو مرتين؛ على أنهم مع ذلك لا يتوبون ولا يذّكّرون. والبقاء على الطريق القديم حركة عليه، والتوبة هي الالتفاف الذي تركوه عند كل اشتعال.
ولا تأتي الأدوات كلها من الخارج، فهؤلاء منافقون ينادون المؤمنين يوم يُضرب بينهم بسور:
﴿يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ﴾ [الحديد: 14]
فتنتم أنفسكم، أي كنتم أنتم سبب الاشتعال في داخلكم؛ لم يوقدوه بأيديهم قصداً، بل أشعله فكرهم وسلوكهم: تربصتم، وارتبتم، وغرتكم الأماني. والريبة في معجمنا عدم الثقة في صاحب المعلومة واتهامه بالغرض، والغرور إيهام بالامتلاء وإخفاء للفراغ الداخلي؛ فهذا الفكر هو الأداة، والاشتعال ثمرته، ثم ساروا على ما اشتعل فيهم حتى جاء أمر الله.
٨) حين يُسمّى ما خرج من الاشتعال باسمه
وقد يقع اسم الفتنة على ما خرج من الاشتعال من قول أو حال، كما في المشركين يُسألون عن شركائهم:
﴿ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23]
فقد اشتعل فيهم السؤال، فلم يخرج منه إلا إنكار ما كانوا عليه؛ والإنكار انقلاب على ماضيهم، فسُمّي ما خرج منهم باسم الفتنة. ومثله المفتون في القلم:
﴿بِأَييِّكُمُ ٱلۡمَفۡتُونُ﴾ [القلم: 6]
جاء في مواجهة اتهام الرسول بالجنون، والمفتون عند الجوهري من أصابته فتنة فذهب عقله؛(٤٤) فهو من اضطربت حركته في داخله حتى لم يعد يملك طريقه.
ونار جهنم أداة كنار الدنيا، تشعل في أهلها احتراقاً داخلياً يدفعهم إلى الحركة، فهم يتحركون فيها هرباً، يُقال لهم:
﴿ٱنطَلِقُوٓاْ إِلَىٰ ظِلّٖ ذِي ثَلَٰثِ شُعَبٖ﴾ [المرسلات: 30]
وينعت هذا الظل الذي يهربون إليه:
﴿لَّا ظَلِيلٖ وَلَا يُغۡنِي مِنَ ٱللَّهَبِ﴾ [المرسلات: 31]
فهي حركة هارب يبحث عن ظل فلا يجده.
ومن هذا الباب ما ذاقه الخرّاصون. جاءتهم الرسالة، وهي الأداة، فقالوا فيها أقوالاً لا تجتمع:
﴿إِنَّكُمۡ لَفِي قَوۡلٖ مُّخۡتَلِفٖ﴾ [الذاريات: 8]
ثم قلبوا ما جاءهم، والإفك في معجمنا قلب الحقائق وعكسها:
﴿يُؤۡفَكُ عَنۡهُ مَنۡ أُفِكَ﴾ [الذاريات: 9]
ودعا عليهم ﴿قُتِلَ ٱلۡخَرَّٰصُونَ﴾ [الذاريات: 10]، والخرص الكذب الفكري: يجزمون بعقائدهم بلا علم، فإذا طولبوا بالدليل جاؤوا بتبريرات عجيبة يختلقونها، كزعمهم أن شركهم مشيئة الله. ثم نعت حالهم:
﴿ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي غَمۡرَةٖ سَاهُونَ﴾ [الذاريات: 11]
وذكر سؤالهم عن يوم الدين، وهو سؤال مستعجل مكذّب لا سؤال طالب: ﴿يَسۡـَٔلُونَ أَيَّانَ يَوۡمُ ٱلدِّينِ﴾ [الذاريات: 12]. لقد اشتعلت الرسالة في داخلهم، فوقفوا بين طريقين: الإيمان والكفر، فاختاروا الكفر؛ وتلك فتنتهم في الدنيا. ثم قال في جزائهم:
﴿يَوۡمَ هُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ يُفۡتَنُونَ﴾ [الذاريات: 13]
أي يُعرَضون لنار تشتعل في داخلهم، وأداتها جهنم، فيشتعلون، فيفرّون. ثم يقال لهم:
﴿ذُوقُواْ فِتۡنَتَكُمۡ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ﴾ [الذاريات: 14]
فالفتنة التي يذوقونها في الآخرة هي فتنتهم في الدنيا نفسها: الطريق الذي اختاروه حين اشتعلت فيهم الرسالة يجدون طعمه هناك، وما كانوا يستعجلونه ساخرين وصل إليهم.
خامساً: لئلا تختلط الفتنة بقريبها
ولا ترادف في لسان العرب، وللفتنة جيران في التنزيل.
الفتنة والأداة. العذاب والنعيم والمال والولد والأذى والنار أدوات، والفتنة ما تشعله في الداخل وما يتبعه من حركة. ولهذا قد تقع الأداة ولا يتحرك صاحبها عن طريقه، وقد تقع الفتنة بأداة لا ألم فيها، كالمال والنعمة.
الفتنة والإغواء. الغواية أخت الفتنة، أو هي إحدى عناصرها. والإغواء في معجمنا إرشادك إلى الفعل الخاطئ، والإضلال إرشادك إلى الطريق الخاطئ؛ أما الفتنة فهي الاشتعال الذي يُحرّك، فالشيطان يعرضنا للفتنة لا ليختبرنا، بل يتمنى أن نأخذ الطريق الضال؛ ولهذا حذرنا ربنا ألا يفتننا الشيطان كما أخرج أبوينا من الجنة.
الفتنة والبلاء. في معجمنا أن الفتنة فيها ضرر وقد يزول، وأنها غير البلاء.
الخاتمة: نار في الجوف، حركة في الطريق
افتتحنا بالذهب في البوتقة، وسألنا: هل الفتنة النار، أم الاشتعال، أم الحركة، أم الطريق؟ والجواب أن النار أداة، والفتنة اشتعال في الداخل يُحدث حركة لا بد منها، والنص يذكر بعدها نوعها ووجهتها. كما يذوب الذهب فيسيل، ثم يصعد الخبث ويبقى الخالص؛ وقد ضرب القرآن لذلك مثلاً بما يُوقد عليه في النار:
﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [الرعد: 17]
فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. وكذلك الإنسان إذا اشتعل داخله: إما أن ينقلب على وجهه، أو يطغى، أو يبقى على طريقه فلا يتوب؛ وإما أن يستغفر وينيب ويهاجر ويصبر، كداود وسليمان وموسى والذين هاجروا من بعد ما فتنوا.
اللهم لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، واغفر لنا، إنك أنت العزيز الحكيم.
علي موسى الزهراني

التعليقات (0)