الخضوع والخشوع في القرآن المكرم


الخضوع والخشوع: عنقٌ يميل وأرضٌ تهمد

حرفٌ واحدٌ في الوسط يفرّق بين الميل والهبوط

قومٌ يكذّبون الرسول، والرسول يكاد يُهلك نفسه أسفاً عليهم: ﴿لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3]

فيقول له المولى إنه لو شاء لأنزل عليهم علامةً لا يملكون معها شيئاً: ﴿إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ﴾ [الشعراء: 4]

والعلامة التي تنزل من السماء تُرى بالعين، ومع ذلك لم يقل النص فظلّت أبصارهم لها شاخصة، بل قال: فظلّت أعناقهم، فما شأن العنق بعلامةٍ تُرى؟

وفي سورة الأحزاب خطابٌ لنساء النبي فيه نهيٌ دقيق: ﴿فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ﴾ [الأحزاب: 32]

فلم ينههنّ عن خضوع الصوت، ولا عن خضوع الكلام، بل عن الخضوع بالقول. ثم لا تمضي ثلاث آيات حتى يعدّ النص في أهل المغفرة والأجر العظيم ﴿وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]، فلِمَ كان الخضوع منهيّاً عنه والخشوع ممدوحاً في مقامٍ واحد؟

ونلاحظ أن الخشوع جاء في ست عشرة آية: سبعٌ في المؤمنين والأنبياء، وسبعٌ في مشاهد يوم الحساب، واثنتان في الأرض والجبل. أما الخضوع فلم يأتِ إلا مرتين، ولم يأتِ في واحدةٍ منهما نعتاً لمؤمن. بل كانت العرب تتعوّذ منه، وفي اللسان: "والعرب تقول: اللهم إني أعوذ بك من الخنوع والخضوع؛ فالخانع الذي يدعو إلى السوأة، والخاضع نحوه"(١)، فالخضوع الذي تعوّذوا منه خضوعٌ يدعو إلى السوأة، وهو قريبٌ مما نُهيت عنه نساء النبي كما سيأتي. ولك أن تعجب من لفظٍ تعوّذت منه العرب، ثم صار عند كثيرٍ من الناس اليوم أشرف أحوال العبد مع ربه!

ثم نجد الخشوع نفسه يقع على الأرض قبل أن ينزل عليها المطر، كما يقع على المؤمن مع ربه، فما الذي يجمع بين هذين؟

وأصحاب المعاجم يقرّبون بينهما ثم يفرّقون بالعضو. قال ابن فارس في الخشوع: "وهو قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع فى البدن والإقرار بالاستخذاء، والخشوع فى الصوت والبصر"(٢)، وأصل الكلام للخليل، وعنده: "والخشوع في البدن والصوت والبصر"(٣)، فجعل البدن لهما جميعاً. ولو كان الفرق في العضو لجاز أن تُنعت الأعناق بالخشوع كما نُعتت به الوجوه ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ﴾ [الغاشية: 2]، ولم يقع هذا في القرآن في موضعٍ واحد، ولم يقع الخضوع فيه على بصرٍ ولا صوت، ثم وقع الخشوع على الأرض والجبل، وليسا بدناً ولا صوتاً ولا بصراً؛ فالخضوع للأعناق وبالقول، والخشوع للأبصار والأصوات والوجوه والقلوب والأرض والجبل، فأين الفرق إذن؟

والذي نرجّحه أن الفرق كله في حرفٍ واحد يتوسط الكلمتين، فهما تبدآن بالخاء وتنتهيان بالعين، وتفترقان في الوسط: ضادٌ في خضع، وشينٌ في خشع.

الخضوع ميلُ القائم عن قامته إلى ما يجذبه أو يقهره، يتثنّى ولا ينكسر؛ والخشوع هبوطُ الشيء كلّه في مكانه حتى يلصق بما تحته ويخفت. ولهذا جعل القرآن الخضوع للأعناق والقول، والخشوع للأبصار والقلوب والأرض.

كتلةٌ تطاوع في موضعها

جمعنا كل جذرٍ فيه الخاء والضاد متجاورتين أو بينهما حرف، وقرأنا مواده في العين والصحاح والمقاييس واللسان والتاج، فبلغت أربعة عشر جذراً. وأول ما يُنظر فيه المضاعف، فهو الكتلة عاريةً لا يزاحمها حرفٌ ثالث. قال الخليل: "وكل شيء يتحرك ولا يصوت خثورة، يقال: إنه يتخضخض"، ثم قال: "وخضخضت الأرض، لترخو مواضعها وتثور"(٤). وجعل ابن فارس للمضاعف أصلين: "أحدهما قلة الشئ وسخافته، والآخر الاضطراب فى الشئ مع رطوبة"، ومن الثاني عنده: "ويقال نبت خضخض، أى كثير الماء. تقول: كأنه يتخضخض من ريه"(٥)، فالخاثر يتحرك في موضعه، والأرض تُقلَّب لترخو، والنبت الريّان يتخضخض من ريّه، ولا يفارق شيءٌ من ذلك مكانه. وأما الأصل الأول فلم نردّه إلى هذه الصورة.

ثم تتابع الأخوات على الصورة نفسها، فالخضد عند الخليل "نزع الشوك عن الشجر"، ثم قال: "وخضدت العود فانخضد، أي: انكسر من غير بينونة"(٦)، وابن فارس يقول فيه إنه "يدل على تثن فى شئ لين"، ويحتجّ: "لأن الخضيد هو الريان الناعم الذي يتثنى للينه"(٧). والخضل "كل شيء ند يترشش من نداه"(٨). والخضرة لونٌ يشتدّ مع الريّ، قال ابن فارس: "وذلك أن النبات الناعم الريان يرى لشدة خضرته من بعد أسود"(٩). والمخض "اضطراب شيء في وعائه مائع"(١٠)، ومنه الماخض، "وكل حامل ضربها الطلق فهي: ماخض"(١١). والخضم في أحد أقوالهم "أكل الشيء الرطب خاصة كالقثاء ونحوه"، وجعلوه في غيره لكل أكلٍ في سعةٍ ورغد(١٢). والخضاب طلاءٌ رطبٌ يُصبغ به، ومنه قولهم: "ويقال [خضب] النخل، إذا اخضر طلعه"(١٣).

والخوض "خضت الماء... أي: مشيت فيه"(١٤)، فالخائض يتحرك وسط الماء ولا يخرج منه. والخوض في القرآن التحرك العشوائي للتسلية، وهو الحديث في العقائد والقصص باستهتار بلا تثبت؛ فصاحبه يدور في الكلام ولا يخرج منه إلى يقين، وفيه قيل للرسول: ﴿وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ﴾ [الأنعام: 68]

وفي مريم حين ضربها الطلق: ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ﴾ [مريم: 23]

فالمخاض اضطرابٌ في جوفٍ لم ينفتح بعد. وفي نعت أصحاب اليمين: ﴿فِي سِدۡرٖ مَّخۡضُودٖ﴾ [الواقعة: 28]

والمخضود عند الخليل وأكثرهم ما نُزع شوكه، ففي العين: "وقال الله جل وعز في سدر مخضود، أي: نزع شوكة"(١٥). وابن فارس يجعل هذا زيادةً على الأصل: "وربما زادوا فى المعنى فقالوا: خضدت الشجرة، إذا كسرت شوكتها"، ثم قال: "والأصل هو الأول"(١٦)، أي التثنّي، فسدرٌ مخضودٌ على أصله سدرٌ ريّانٌ يتثنّى، وهو الأقرب عندي.

فوافق الصورةَ تسعةٌ من أحد عشر جذراً ظهرت صورتها، وخالفها اثنان لا يجتمعان على معنًى ثانٍ: الوخض، وهو "طعن غير جائف"(١٧)، والخفض نقيض الرفع. وبقيت ثلاثةٌ لا يُحكم بها: الخضف اسمٌ للبطيخ، والخريض قال فيه ابن فارس: "وهذا مما لا يعول على مثله، ولا قياس له"(١٨)، والمخاضنة وسيأتي ذكرها.

(خض): ليّنٌ رطبٌ يُحرَّك أو يُضغَط فيطاوع وهو في موضعه، فيضطرب المائع في وعائه كالمخاض في الآية، وينثني الريّان ولا ينكسر.

ومقلوبها يدفع إلى الخارج

فإذا قلبنا الحرفين انقلبت الجهة. قال الخليل: "الضخ: امتداد البول. والمضخة: قصبة في جوفها خشبة يرمى بها من الفم"(١٩). ولم يعدّه ابن فارس أصلاً، فقال: "الضاد والخاء ليس بشئ. على أنهم يقولون: الضخ: امتداد البول. والمضخة: قصبة يرمى بها الماء فيمتد"(٢٠)، فحكى قولهم ولم يقس عليه، والأخوات تشهد لما حكاه. والنضخ "شدة فور الماء في جيشانه وانفجاره من ينبوعه"(٢١). والفضخ كسر الأجوف، ومنه "وأفضخ العنقود: حان وصلح أن يفتضخ ويعتصر ما فيه"(٢٢). وأوضخ الرجل بدلوه "إذا استقى فنفح بالدلو نفحا شديدا"(٢٣). والضمخ لطخٌ بالطيب "حتى كأنه يقطر"(٢٤). خمسةٌ من سبعة، وخالفها الضخم والرضخ.

وفي سورة الرحمن جنتان نعت المولى عينيهما بالجريان: ﴿فِيهِمَا عَيۡنَانِ تَجۡرِيَانِ﴾ [الرحمن: 50]

ثم جنتان أخريان، ولم يقل فيهما تجريان، بل قال: ﴿فِيهِمَا عَيۡنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: 66]

والجارية تسيل على وجه الأرض، والنضّاخة تفور من باطنها بدفع، فالحرفان هما الحرفان، والمائع هو المائع؛ في (خض) يضطرب في وعائه، وفي (ضخ) يُدفع خارجه. وأين هذا من ذاك؟ المخاض اضطرابٌ في الجوف، والنضخ فورانٌ من الينبوع.

(ضخ): ضغطٌ يُخرج ما في الشيء من مائعٍ دفعاً، فيفور أو يُعصر أو يقطر، كالعين النضّاخة في الآية.

خضع: الليّن إذا مال

ولخضع في هذه الأسرة شأنٌ خاص، وأوله أن تقاليبه الخمسة الأخرى ميّتة، فالخليل يقول في بابه: "باب العين والخاء والضاد (خ ض ع مستعمل فقط)"(٢٥)، فهو جذرٌ واحدٌ يُقرأ في كتلته.

وجعل ابن فارس لخضع أصلين: "أحدهما تطامن فى الشئ، والآخر جنس من الصوت"(٢٦). والأول ظاهرٌ في الكتلة، فالتطامن في خضع انثناء الليّن، كما في قولهم: "ونبات خضع: متثن من النعمة كأنه منحن"(٢٧)، و"الخضع فى الظلمان: انثناء فى أعناقها"(٢٨). وأما الصوت ففي العين: "والخضيعة: صوت بطن الفرس"(٢٩)، وقال أبو عبيدة: "الخضيعتان لحمتان مجوفتان فى خاصرتى الفرس، يدخل فيهما الريح فيسمع لهما صوت إذا تزيد فى مشيه"(٣٠)، فهو صوت ريحٍ تضطرب في جوفٍ من جنبي الفرس، وهذا أقرب ما فيه إلى صورة الكتلة. غير أن ابن فارس نقل عن الخليل أن الخضيعة "ارتفاع الصوت فى الحرب وغيرها، ثم قيل لما يسمع من بطن الفرس خضيعة"(٣١)، فجعل صوت الحرب أصلاً وصوت البطن فرعاً، ولم نجد في صوت الحرب صورة الكتلة، فلم نقطع في ردّ هذا الأصل إليها.

وأما ما في المعاجم من أن الخضوع "الذل والاستخذاء"(٣٢) فنتيجةٌ لا صورة؛ فالذليل يُرى منحني العنق، فسمّوا الحال باسم الهيئة. وضدّ الخضوع عندهم الانتصاب: "مختضعا: مطأطئ الرأس. والسطوع: الانتصاب"(٣٣).

ويرد على هذا أن المعاجم تنعت الخاشع بما تنعت به الخاضع، فابن فارس يقول: "يقال خشع، إذا تطامن وطأطأ رأسه"(٣٤)، وفي اللسان: "والخشوع: الخضوع. والخاشع: الراكع في بعض اللغات"(٣٥)، فكيف نفرّق؟ والجواب أن المعاجم تفسّر اللفظ بأقرب ما يؤول إليه، والخضوع والخشوع يؤولان كلاهما إلى الذلّ والطأطأة، فقاربت بينهما. أما صورة الفعل فتُعرف حين تُوقع العرب اللفظين على شيءٍ واحد، وسيأتي بيانه.

الضاد: ضغطٌ من الجنب

والخاء ضغطٌ إلى أسفل، وحرف العين في آخر الجذر الكيان كله، فإذا توسّطتهما الضاد وقع الضغط النازل على جنب القائم، فظهر في الكيان كله ميلاً. وفي أصول الضاد شواهد على الميل والجنب: فالضلع "يدل على ميل واعوجاج"(٣٦)، والضيف "يدل على ميل الشئ إلى الشئ"(٣٧)، والضجع "يدل على لصوق بالأرض على جنب"(٣٨).

والميل صريحٌ في خضع نفسه: "وخضع الإنسان خضعا: أمال رأسه إلى الأرض أو دنا منها"(٣٩)، و"ونعام خواضع: مميلات رؤوسها إلى الأرض في مراعيها"، و"وخضع النجم أي مال للمغيب"(٤٠). وفي التاج: "وكذلك خضعت الشمس، كما قيل: ضرعت وضجعت، والنجوم خواضع، وضوارع، وضواجع، كما في الأساس"(٤١)، والشمس إذا ضجعت فكأنها تميل على جنبها إلى مغيبها. وقال ابن أحمر ينعت نسوة: "تكاد الشمس تخضع حين تبدو"(٤٢)، أي حين تبدو لهن، فهي تخضع طالعةً لا غاربة، وما ذاك إلا ميلٌ إلى ما يجذبها.

على أن الجنب هنا ليس اليمين واليسار وحدهما، فالشواهد تجعل الميل إلى الصدر في الغالب: "الخضع انكباب فى العنق إلى الصدر"(٤٣)، و"والأخضع من الرجال: الذي فيه جنأ"(٤٤)، و"خضعت الإبل، إذا جدت في سيرها، وهن خواضع، لأنها إذا جدت طامنت أعناقها"(٤٥). وهنا دقيقة: الضغط الذي يقع على رأس العمود يهبط به، والضغط الذي يقع على جنبه يثنيه، أيّاً كانت جهة الجنب، فخضع ميلٌ وتثنٍّ، لا هبوط.

فما الذي يقع على جنب العنق فيثنيه؟ الجواب في شواهدهم. حاجةٌ تسوق: "وأخضعتني إليك الحاجة"(٤٦). وقوةٌ تقهر: "ورجل خضعة إذا كان يخضع أقرانه ويقهرهم". وكِبَرٌ يحني: "وخضعه الكبر يخضعه خضعا وخضوعا وأخضعه: حناه"(٤٧). ونعمةٌ تُثقل، فالنبات يتثنّى "من النعمة" لا من الذبول. وهذا مما يُتعجّب منه: الميل يأتي من الامتلاء كما يأتي من القهر والكبر، ولا يكون إلا في قائمٍ يقبل الانثناء ولا ينكسر.

الخشوع: هبوطٌ في المكان

وأما خشع فوسطه الشين، وهي التفريق المنتظم، فالضغط النازل يتوزّع على الشيء كله بالسواء، فلا يميل منه جانب، بل يهبط كله في مكانه حتى يلصق بما تحته. وهذا الذي تشهد به أمثلتهم واحداً واحداً.

قالوا في الجدار: "وجدار خاشع إذا تداعى واستوى مع الأرض". وفي الأكمة: "وأكمة خاشعة: ملتزقة لاطئة بالأرض". وفي السنام: "وخشع سنام البعير إذا أنضي فذهب شحمه وتطأطأ شرفه"(٤٨). وفي العشب: "وحشيشة خاشعة: يابسة ساقطة على الأرض، وهو مجاز. وكذا خشع الورق، إذا ذبل"(٤٩). وفي البصر: "الخشوع: رميك ببصرك إلى الأرض"(٥٠)، و"وخشع بصره: انكسر"(٥١).

ولم يقل أحدٌ منهم إن الجدار الخاشع مال، ولا إن الأكمة الخاشعة انحنت، بل قالوا: استوى مع الأرض، ولاطئةٌ بها، فالخشوع ذهاب الارتفاع كله، لا ميل جزءٍ منه.

والذي يُغفَل عنه أن الخشوع يقترن باليبس. قالوا: "وإذا يبست الأرض ولم تمطر قيل: قد خشعت"، وقالوا: "رأينا أرض بني فلان خاشعة هامدة ما فيها خضراء"(٥٢)، فانظر كيف نفوا عن الأرض الخاشعة الخضرة، والخضرة من (خض)؛ فكأن اللسان نفسه يضع الكتلتين متقابلتين: هذه ريّانةٌ تتثنّى، وتلك يابسةٌ تهمد.

ولهذا كان ضدّ خشوع الأرض في القرآن أن تهتزّ وتربو حين يدخلها الماء: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ﴾ [فصلت: 39]

فالخاشعة ساكنةٌ لاطئةٌ يابسة، فإذا شربت تحرّكت وارتفعت.

الشيء الواحد بين اللفظين

وأوضح ما يفصل بينهما أن العرب أوقعت اللفظين على الشمس والكواكب والنبات، فأعطت كلاً منهما حركته. قالوا: "خشعت الشمس وخسفت وكسفت بمعنى واحد"(٥٣)، فخشوعها ذهاب ضوئها وهي في مكانها. وقالوا: خضعت الشمس إذا مالت إلى الغروب(٥٤). وقالوا في الكواكب: "خشوع الكواكب إذا غارت وكادت تغيب في مغيبها"، ثم فرّق أبو عدنان بين اللفظين في سطرٍ واحد: "خشعت الكواكب إذا دنت من المغيب، وخضعت أيدي الكواكب أي مالت لتغيب"(٥٥)، فالكوكب يخشع غائراً، و"أيدي الكواكب" تخضع مائلة.

الشيءإذا خشعإذا خضع
الشمسكسفت فذهب ضوؤهامالت إلى الغروب
الكواكبغارت وكادت تغيبمالت أيديها لتغيب
النباتيبس وسقط على الأرضتثنّى من النعمة
الإنسانرمى ببصره إلى الأرضأمال رأسه إلى الأرض

فبرح الخفاء. الخشوع غؤورٌ وانطفاءٌ في المكان، والخضوع ميلٌ إلى جهة، وشتّان ما بينهما.

الخاشع يهبط كله في مكانه، والخاضع يميل إلى ما يجذبه ولا ينكسر؛ ومن هنا مدح القرآن الخاشعين ولم يمدح الخاضعين.

أعناقٌ تظلّ منثنية

ونعود إلى الآية التي افتتحنا بها، فلو كان المراد أن يروا العلامة لذكر النص أبصارهم، كما ذكرها في الظالمين يوم الحساب: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ﴾ [إبراهيم: 42]

وقد بيّنا في مقال الساق أن الشخوص أن ينظر البصر "إلى شيء مرتفع أو ضخم"(٥٦)، فالبصر الشاخص يُثبت الرأس ولا يثني العنق.

لكنه ذكر الأعناق، والعنق موضع الانقياد من القائم. قال الفراء: "الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون"(٥٧)، وفي التاج: "والذي ذهب إليه الخليل وسيبويه أنه لما لم يكن الخضوع إلا خضوع الأعناق جاز أن يخبر عن المضاف إليه"(٥٨)، أي جاز أن يأتي الخبر "خاضعين" والمراد أصحاب الأعناق. وعلى هذا جرى الشعر، فقال الفرزدق: "خضع الرقاب، نواكس الأبصار"(٥٩)، فأعطى الرقاب الخضوع، وأعطى الأبصار النكس. ثم إن النص قال "فظلت"، و"ظل" للدوام؛ فالأعناق لا تنثني لحظةً ثم تقوم، بل تبقى منثنيةً نحو العلامة، "لها"، لا تستطيع الانتصاب. وهذا ميلٌ ينتزعه القهر، كالرجل الذي يخضع أقرانه ويقهرهم.

وقد قال المولى "إن نشأ"، ولم تنزل العلامة، فبقي الأمر دعوةً لا قهراً. وهذا الذي ظهر لي في هذا الشرط: العنق التي تُلوى بعلامةٍ لا تُردّ ليست طريق الإيمان، والذي مُدح في المؤمنين قلبٌ يخشع لا عنقٌ يُقهر، فانحلّ الإشكال الأول.

قولٌ يميل فيُطمِع

وأما نساء النبي فنُهين عن الخضوع "بالقول"، وأهل اللغة يفسّرونه بلين الكلام، ففي التاج في الآية: "أي لا تلنّ"(٦٠)، وفي اللسان: "وخضع الرجل وأخضع: ألان كلمه للمرأة"(٦١). أما القول عندنا فصياغة المعنى وتشكيله في الداخل قبل أن يُلفظ، ولهذا يقع من غير الناطقين؛ فهو ما يحمله الكلام من فكرةٍ ومفهوم، لا ألفاظه. والمنهيّ عنه ليس نبرةً تلين، بل رسالةٌ تصل إلى الرجل من وراء الكلام، فيها دعوةٌ وليونة. وفي شروحهم ما يشهد لهذا، ففي اللسان: "وفي الحديث: أنه نهى أن يخضع الرجل لغير امرأته أي يلين لها في القول بما يطمعها منه"(٦٢)، فلينه "بما يطمعها"، وهذا في المعنى قبل الصوت. وقال ابن الأعرابي: "الخضع اللواتي قد خضعن بالقول وملن"، ثم قال: "والرجل يخاضع المرأة وهي تخاضعه إذا خضع لها بكلامه وخضعت له ويطمع فيها"(٦٣).

ففي "وملن" الميل نفسه الذي رأيناه في العنق، انتقل من الهيئة إلى المعنى. وفي "ويطمع فيها" الثمرة نفسها التي حذّر منها النص: ﴿فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ﴾ [الأحزاب: 32]، فالقول إذا مال إلى المخاطَب فتح له باباً ليميل هو أيضاً.

وحرف الجرّ يدلّ على صاحب هذا القول: ما يُخضَع له جاء في آية الشعراء باللام، "لها"، وجاء القول هنا بالباء، "بالقول"، فهو أداة الخضوع ومحلّه، لا ما يُخضَع له، والمرأة تخضع بقولها هي. وعلى هذا جرى كلام ابن الأعرابي: "إذا خضع لها بكلامه"، فاللام لمن يُخضَع له، والباء لكلام الخاضع نفسه. ورتّب النص الطمع على الخضوع بالفاء، فالانثناء يبدأ من القول ثم يطمع السامع.

وفي اللسان بعد كلام ابن الأعرابي: "ومن هذا قوله: فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض؛ الخضوع: الانقياد والمطاوعة"، والمطاوعة صورة (خض) نفسها، ثم ساق قول الكميت في نساءٍ عفيفات: "إذ هن لا خضع الحديث، ولا تكشفت المفاصل"(٦٤)، فقرن خضوع الحديث بتكشّف المفاصل. والخضوع في المغازلة فعل الطرفين، فابن الأعرابي جعل الرجل يخاضع المرأة وهي تخاضعه، والحديث نهى الرجل أن يخضع لغير امرأته؛ وإنما خوطبت به نساء النبي لأن الخطاب في الآية لهن.

والقول في هذا كالقامة: المرأة القائمة الثابتة لا تدعو أحداً بهيئتها، فإذا أمالت عنقها وطامنت رأسها، ولانت أعطافها، كانت أشدّ إثارةً منها وهي ثابتة. وقد جعلت العرب هذه الهيئة من نعت الناعمة، ففي اللسان: "والغيداء: المرأة المتثنية من اللين، وقد تغايدت في مشيها"(٦٥)، وفي الأغيد: "مالت عنقه ولانت أعطافه"(٦٦)، وعطفا الرجل "جانباه عن يمين وشمال وشقاه من لدن رأسه إلى وركه"(٦٧)، وجمع العطف أعطاف، فهما جانبا الجذع. وفي العين أن الأغيد "يتغايد في مشيه أي يتمايل"، ثم قال: "وكذلك الغصن يتغايد من رطوبته أي يتمايل"(٦٨)، وهي صورة (خض) نفسها. وهكذا القول: إن ثبت كما يثبت الجذع والعنقُ قائمةٌ عليه وصل إلى السامع مفهوماً واضحاً لا دعوة فيه، وإن انثنى إليه حمل معه دعوةً وليونة، فأطمعه كما تُطمعه العنق المائلة. ولم يذكر النص هيئةً بعينها، بل عرّف المنهيّ عنه بأثره، وهو طمع الذي في قلبه مرض، فكل انثناءٍ يُطمعه، في القول أو في الهيئة، داخلٌ فيه في كل زمان.

وفي الأسرة نفسها ما يقارب هذا. قال الخليل: "المخاضنة: الترامي بقول فحش أو غزل"(٦٩)، وقال ابن فارس: "فالمخاضنة: المغازلة"(٧٠)، فهذا القول مرةً أخرى، يُلقى مائلاً فيُغازل.

ولهذا جاء الدواء من جنس الداء: ﴿وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا﴾ [الأحزاب: 32]

والمعروف، فيما نرجّح، ما تتعرّف إليه النفس السليمة من الأخلاق والفطرة، فهو قولٌ قائمٌ لا يميل. ثم بعد ثلاث آيات يعدّ النص الخاشعين والخاشعات في أهل المغفرة، فالمرأة منهيّةٌ أن يميل قولها إلى رجل، وممدوحةٌ إن خشع قلبها لربها.

القول ما يحمله الكلام من فكرة، فإن ثبت كالجذع وصل مفهوماً واضحاً، وإن انثنى كما تنثني العنق حمل دعوةً وليونة؛ ولهذا نهى القرآن نساء النبي عن الخضوع بالقول، وأمرهن بالقول المعروف.

الخاشعون

وأما الخشوع فيقع في القرآن على كل شيءٍ يهبط كله ويخفت، فالأصوات يوم الحساب تخفت حتى لا يُسمع منها إلا الهمس: ﴿وَخَشَعَتِ ٱلۡأَصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَٰنِ فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمۡسٗا﴾ [طه: 108]

والظالمون يُعرضون على النار وقد هبطت أبصارهم فلا يرفعونها: ﴿وَتَرَىٰهُمۡ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا خَٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرۡفٍ خَفِيّٖۗ﴾ [الشورى: 45]

فهم لا ينظرون إلا من طرفٍ خفيّ، لأن البصر خاشعٌ لاصقٌ بالأرض. والجبل لو نزل عليه هذا القرآن: ﴿لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ﴾ [الحشر: 21]

وهو الجدار الخاشع نفسه "إذا تداعى واستوى مع الأرض"، يهبط ويتصدّع ولا يميل.

ثم إن الخشوع يُمدح ويُذمّ بحسب ما يخشع له، فهو في الأنبياء "لنا"، كما قال في زكريا وأهله: ﴿وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90]

وفي أهل الكتاب المؤمنين جاء ﴿خَٰشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: 199]، وفي المؤمنين جاء عتاباً رقيقاً: ﴿أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ﴾ [الحديد: 16]

وهو في الظالمين "من الذل" كما مرّ، وفيهم أيضاً: ﴿خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ﴾ [القلم: 43]، فالخاشع لله يهبط بين يديه راضياً، والخاشع من الذل يهبط مقهوراً، والهيئة واحدة.

فما الذي جعل الخشوع ممدوحاً في المؤمنين، والخضوع غير مذكورٍ فيهم؟ ذلك أن الخضوع ميل القائم إلى ما يجذبه أو يقهره، يتثنّى ولا ينكسر؛ فهو يميل مع الحاجة، ومع القوة، ومع الإغراء، كما يتثنّى العود الريّان لكل ما يقع على جنبه. والخشوع هبوط الشيء كله، لا يبقى منه شيءٌ مرتفع: البصر في الأرض، والصوت همس، والقلب ساكن. ولم يأتِ في القرآن طلبُ عنقٍ تُلوى، بل جاء مدحُ الخاشعين الذين يهبطون بكيانهم كله بين يدي ربهم.

لئلّا يختلط الخضوع بقريبه

والعربية لا ترادف فيها، وللخضوع جيرانٌ في القرآن تتميّز عنه.

وأقربها الميل، فإن قيل: إذا كان الخضوع ميلاً، والميل لفظٌ قرآنيّ، فهذا ترادف، قلنا: الميل في كلام العرب واسع، فهو عند ابن فارس "انحراف في الشيء إلى جانب منه"(٧١)، وفي اللسان: "رجل أميل العاتق في عنقه ميل، وتقول في الحائط ميل"(٧٢)؛ أما في القرآن فلم يقع على هيئةٍ في البدن، بل على حركة الشيء كله من أعلى إلى أسفل، كالسائر في أرضٍ منحدرة. ومن هذا الباب رملٌ سمّوه الميلاء: "عقدة ضخمة تعتزل وتميل ناحية"(٧٣).

ومتّبعو الشهوات يريدون للمؤمنين انحداراً بعيداً: ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا﴾ [النساء: 27]

والكفار يتربّصون غفلة المصلين عن سلاحهم لينحدروا عليهم دفعةً واحدة: ﴿وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ﴾ [النساء: 102]

والزوج لا يستطيع المساواة المطلقة بين زوجاته، وهي العدل، فنُهي أن ينحدر إلى إحداهن كل الانحدار: ﴿وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ﴾ [النساء: 129]

فالزوجتان في الآية على مستوًى واحد، فإذا مال إلى إحداهما كل الميل نزل إليها وترك الأخرى فوقُ كالمعلّقة. أما الخضوع ففي العنق، وهو في اللسان: "تطامن في العنق ودنو من الرأس إلى الأرض"(٧٤)، وقد يأخذ معه أعلى الظهر كالأخضع الذي مرّ، والقدم ثابتة لا ينتقل بها صاحبها، ولهذا قالوا فيما مرّ: "لما لم يكن الخضوع إلا خضوع الأعناق"؛ فالمائل في القرآن ينتقل من علوٍ إلى سفل، والخاضع يتثنّى حيث هو.

الميل في القرآن حركة الشيء كله من أعلى إلى أسفل كالسائر في أرضٍ منحدرة، والخضوع تطامنُ العنق والقدم ثابتة؛ فليس في القرآن ترادفٌ بينهما.

والصعر انثناءٌ في العنق أيضاً، غير أنه عن المخاطَب لا إليه: "والتصعير: إمالة الخد عن النظر عجبا"(٧٥)، وفيه وصيّة لقمان لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: 18]

فالعنق التي تنثني كبراً تُصعِّر، والتي تنثني انقياداً تخضع؛ والانثناء واحد، والجهتان متضادتان.

والركوع انثناء القامة عند مفصلها، والخضوع والتواضع والتذلل ثمراته لا حدوده(٧٦)، فالراكع يثني قامته كلها عند مفصلها، والخاضع يميل عنقه أو قوله إلى ما يجذبه.

والذلّ أوسع من الخضوع، ففيه الخضوع وزيادة: الانكسار والاستسلام للآخر(٧٧)، فكل ذليلٍ خاضع، وليس كل خاضعٍ ذليلاً؛ فالنبات "متثن من النعمة" لا من الذلّ.

والإخبات أن يصير المرء سهلاً ليّناً لأوامر ربه، ولم يأتِ في القرآن موصولاً إلا بالله: ﴿وَأَخۡبَتُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ﴾ [هود: 23]

وفي موضعٍ آخر ﴿فَتُخۡبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمۡۗ﴾ [الحج: 54]، وفي ثالث ﴿وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ﴾ [الحج: 34]، فالمخبت يلين لأمر ربه وحده، والخاضع يميل لكل جاذب، حتى قالوا: "ورجل خضعة: يخضع لكل أحد"(٧٨).

حدود ما يدّعيه هذا البحث

ندّعي أن الضاد في خضع والشين في خشع هما اللتان فرّقتا بين الميل والهبوط، وأن هذا يفسّر توزيع اللفظين في القرآن: الخضوع للأعناق وبالقول، والخشوع للأبصار والأصوات والوجوه والقلوب والأرض والجبل.

ولا ندّعي أن كل ميلٍ خضوع، فالصعر ميلٌ وهو ضدّه. ولا ندّعي أن اللصوق بالأرض للشين وحدها، ففي الضجع: "ويقال أكمة ضجوع، إذا كانت لاصقة بالأرض"(٧٩)، وإنما تأتيه الضاد من الجنب كما مرّ. ولا ندّعي أن العربيّ كان يزن الحرفين كلما نطق باللفظين؛ فالحرف يرسم صورة الفعل، والمتكلم يستعمل الصورة ولا يحلّلها.

وكتلة خضع عندنا (خض)، لقولهم في النبات: "متثن من النعمة"، وأقرب ما ينازعها (ضع) التي تدل على التطامن وذهاب القوة، وأقوى شاهدٍ لها قولهم في الشمس: "ضرعت وضجعت"؛ بيد أن ذهاب القوة لا يجتمع مع نبتٍ يتثنّى من النعمة. وقد قال ابن سيده في هذا النبات: "وهو عندي على النسب لأنه لا فعل له يصلح أن يكون خضع محمولا عليه"(٨٠)، فهو عنده صفةٌ لا فعل لها، وفي النفس من هذا شيء. وبقي ما لم يُحسم: الجذران المخالفان في (خض)، الوخض والخفض، لم نجد لهما وجهاً، ولعل كتلتيهما غير هذه؛ والخشوع لم نجرد كتلته، فما قلناه في يبسه مأخوذٌ من شواهده، لا من حدٍّ مقرَّرٍ لكتلته.

الخاتمة

ما شأن الأعناق بعلامةٍ تُرى؟ أن العلامة لم تكن لتُرى فحسب، بل لتقهرهم، والعنق موضع الانقياد؛ فلو أنزلها المولى لظلّت أعناقهم منثنيةً نحوها لا تقوم.

ولِمَ نُهيت النساء عن الخضوع بالقول؟ لأن القول، وهو ما يحمله الكلام من فكرة، إذا مال إلى السامع حمل إليه دعوةً فأطمعه، كما تُطمعه المرأة إذا أمالت عنقها؛ وقد قال ابن الأعرابي فيمن يخاضع المرأة: "ويطمع فيها".

وما بال الخاشعين مُدحوا ولم يُمدح الخاضعون؟ لأن الخضوع ميلٌ يتبع كل جاذبٍ وقاهر، والخشوع هبوط الكيان كله بين يدي ربه.

وأيّ شيءٍ يجمع المؤمن والأرض الهامدة؟ أن كليهما خاشع: هذا هبط بين يدي ربه فلا يرتفع منه شيء، وتلك هبطت فلا خضرة فيها، فإذا نزل الماء اهتزت وربت. ولعل في هذا ما لا يخفى: القلب الخاشع أرضٌ تنتظر ماءها.

هذا والله أعلم

اللهم اجعل قلوبنا لك خاشعة، ولا تجعلها تميل إلى غيرك.

(١)ابن منظور، «لسان العرب»، جـ8 ص73. ↩
(٢)ابن فارس، «مقاييس اللغة»، ت عبد السلام هارون، جـ2 ص182. ↩
(٣)الخليل بن أحمد، «كتاب العين»، ت مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، جـ1 ص112، وفي حاشية المحقق أن في بعض نسخه: "في الصوت والبصر". ↩
(٤)«كتاب العين»، جـ4 ص133. ↩
(٥)«مقاييس اللغة»، جـ2 ص153. ↩
(٦)«كتاب العين»، جـ4 ص175. ↩
(٧)«مقاييس اللغة»، جـ2 ص194. ↩
(٨)«كتاب العين»، جـ4 ص177. ↩
(٩)«مقاييس اللغة»، جـ2 ص195. ↩
(١٠)«مقاييس اللغة»، جـ5 ص304. ↩
(١١)«كتاب العين»، جـ4 ص180. ↩
(١٢)«لسان العرب»، جـ12 ص182. ↩
(١٣)«مقاييس اللغة»، جـ2 ص194. ↩
(١٤)«كتاب العين»، جـ4 ص282. ↩
(١٥)«كتاب العين»، جـ4 ص175. ↩
(١٦)«مقاييس اللغة»، جـ2 ص194. ↩
(١٧)«كتاب العين»، جـ4 ص283. ↩
(١٨)«مقاييس اللغة»، جـ2 ص169. ↩
(١٩)«كتاب العين»، جـ4 ص134. ↩
(٢٠)«مقاييس اللغة»، جـ3 ص360. ↩
(٢١)«لسان العرب»، جـ3 ص61. ↩
(٢٢)«لسان العرب»، جـ3 ص45. ↩
(٢٣)«كتاب العين»، جـ4 ص283. ↩
(٢٤)«كتاب العين»، جـ4 ص181. ↩
(٢٥)«كتاب العين»، جـ1 ص113. ↩
(٢٦)«مقاييس اللغة»، جـ2 ص189. ↩
(٢٧)«لسان العرب»، جـ8 ص74. ↩
(٢٨)«مقاييس اللغة»، جـ2 ص190. ↩
(٢٩)«كتاب العين»، جـ1 ص113. ↩
(٣٠)«مقاييس اللغة»، جـ2 ص192. ↩
(٣١)«مقاييس اللغة»، جـ2 ص191. ↩
(٣٢)«كتاب العين»، جـ1 ص113. ↩
(٣٣)«لسان العرب»، جـ8 ص74. ↩
(٣٤)«مقاييس اللغة»، جـ2 ص182. ↩
(٣٥)«لسان العرب»، جـ8 ص71. ↩
(٣٦)«مقاييس اللغة»، جـ3 ص368. ↩
(٣٧)«مقاييس اللغة»، جـ3 ص380. ↩
(٣٨)«مقاييس اللغة»، جـ3 ص390. ↩
(٣٩)«لسان العرب»، جـ8 ص73. ↩
(٤٠)«لسان العرب»، جـ8 ص74. ↩
(٤١)الزبيدي، «تاج العروس»، جـ20 ص511. ↩
(٤٢)«لسان العرب»، جـ8 ص75. ↩
(٤٣)«مقاييس اللغة»، جـ2 ص190. ↩
(٤٤)«لسان العرب»، جـ8 ص74. ↩
(٤٥)«تاج العروس»، جـ20 ص512. ↩
(٤٦)«لسان العرب»، جـ8 ص72. ↩
(٤٧)«لسان العرب»، جـ8 ص74. ↩
(٤٨)«لسان العرب»، جـ8 ص72. ↩
(٤٩)«تاج العروس»، جـ20 ص510. ↩
(٥٠)«كتاب العين»، جـ1 ص112. ↩
(٥١)«لسان العرب»، جـ8 ص71. ↩
(٥٢)«لسان العرب»، جـ8 ص72. ↩
(٥٣)«لسان العرب»، جـ8 ص72. ↩
(٥٤)«تاج العروس»، جـ20 ص511. ↩
(٥٥)«لسان العرب»، جـ8 ص72. ↩
(٥٦)مقالنا «تفسير قوله تعالى ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون، يوم يكشف عن ساق». ↩
(٥٧)«لسان العرب»، جـ8 ص73. ↩
(٥٨)«تاج العروس»، جـ20 ص511. ↩
(٥٩)«لسان العرب»، جـ8 ص74. ↩
(٦٠)«تاج العروس»، جـ20 ص511. ↩
(٦١)«لسان العرب»، جـ8 ص72. ↩
(٦٢)«لسان العرب»، جـ8 ص73. ↩
(٦٣)«لسان العرب»، جـ8 ص73. ↩
(٦٤)«لسان العرب»، جـ8 ص73. ↩
(٦٥)«لسان العرب»، جـ3 ص328. ↩
(٦٦)«لسان العرب»، جـ3 ص327. ↩
(٦٧)«لسان العرب»، جـ9 ص250. ↩
(٦٨)«كتاب العين»، جـ4 ص436. ↩
(٦٩)«كتاب العين»، جـ4 ص177. ↩
(٧٠)«مقاييس اللغة»، جـ2 ص193. ↩
(٧١)«مقاييس اللغة»، جـ5 ص290. ↩
(٧٢)«لسان العرب»، جـ11 ص638. ↩
(٧٣)«مقاييس اللغة»، جـ5 ص290. ↩
(٧٤)«لسان العرب»، جـ8 ص73. ↩
(٧٥)«مقاييس اللغة»، جـ3 ص288. ↩
(٧٦)مقالنا «سداسية (ر ك ع): العقدة الناتئة والتجمع المتلاحك». ↩
(٧٧)مقالنا «الذل والعز في القرآن المكرم». ↩
(٧٨)«مقاييس اللغة»، جـ2 ص190. ↩
(٧٩)«مقاييس اللغة»، جـ3 ص390. ↩
(٨٠)«لسان العرب»، جـ8 ص74. ↩

التعليقات (0)