ما السبع المثاني وما القرآن العظيم


سبعة أنباء لسبعة رسل، طويت على وجهين، وأعطيت للرسول دواء لضيق صدره بما يقولون

الخلاصة

السبع المثاني سبعة أنباء لسبعة رسل: نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى. كل نبأ منها مطوي في المصحف على وجهين، وجه في سورة هود ووجه في سورة الشعراء، وأتمت سورة الحجر وجهي إبراهيم ولوط ثم أعلنت العدد. وليست الفاتحة، ولا السبع الطوال، ولا سوراً بأعيانها.

المثاني في الكتاب هي الأنباء المثنية: النبأ الواحد إذا طوي على وجهين يتطابقان في جسم الحدث ويختلفان في التفاصيل. والسبع منها أنباء سبعة رسل جهروا بالدين فكذبوا فعوقب المكذبون.

وأعطيت هذه السبع للرسول دواء لضيق صدره بما يقولون؛ فالذي يقوله قومه هو بعينه ما قاله أقوام السبعة لرسلهم، والعاقبة التي طويت في الوجهين واحدة.

الآيتان

قرأ هاتين الآيتين ألوف مؤلفة من العلماء والناس، فشرقوا وغربوا في معناهما، فالأولى في سورة الحجر، وفيها عطية معدودة:

﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87]

والثانية في سورة الزمر، وفيها نعت للكتاب كله بلا عدد:

﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ﴾ [الزمر: 23]

ونلاحظ أن اللفظة واحدة في الموضعين، لكن الحجر عدت سبعاً، والزمر أطلقت النعت على الكتاب كله، فما الذي يجمع بينهما؟ وما السبع التي في المصحف؟ وما فائدة الرسول منها حتى يمتن المولى عليه بها قبل أن يذكر القرآن العظيم المعطوف عليها؟ ولماذا جمع بين العطيتين في عطية واحدة؟ ولماذا لم يقل الفاتحة إن كانت هي الفاتحة؟ هذه أسئلة لا يجيب عنها قول من قال إن المثاني هي الفاتحة لأنها تثنى في كل صلاة، ولا قول من قال إنها السبع الطوال. والجواب يبدأ من اللفظ نفسه.

أولاً: ما الثني وما المثنى

قد شرحنا في مقال «ما الفرق بين اثنان ومثنى» أن الثني في أصله طي الشيء على نفسه؛ فإذا ثنى العربي الثوب صار له وجهان، كل موضع من هذا الوجه يقع على نظيره من ذاك، بلا قص ولا قطع. ومن هنا أطلق على المتطابقين أنهما مثنى، ثم انفصل العدد اثنان عن هذا الأصل وصار للكمية المجردة، فإذا أرادت الآية مجرد العد قالت اثنان، وإذا أرادت تأكيد التطابق في نعت معين قالت مثنى. وأوضح شواهده أجنحة الملائكة:

﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [فاطر: 1]

فجناحا اليمين واليسار متطابقان جزماً، ولو اختلفا ما استقام الطيران. وأهل اللغة يجعلون مثنى بمعنى اثنين اثنين، ونحن نرى أن الآية لو أرادت العد لقالت اثنين، وإنما أرادت تطابق الجناحين، كما بسطنا في ذلك المقال.

وينبغي هنا أن نفرق بين المثنى وثلاثة أشياء تلتبس به، فالمثنى ليس الزوج؛ لأن الزوج مختلفان يكمل أحدهما نقص الآخر كالذكر والأنثى، والمثنى متطابقان لا يكمل أحدهما الآخر. وليس المثل؛ لأن المثل شيئان مستقلان التقيا في نعت واحد، كقولهم للرسول بشر مثلنا، والمثنى وجهان نشآ من أصل واحد. وليس الشبه؛ لأن الشبه اشتراك في سمات كثيرة بلا تطابق، والمثنى تطابق، فإذا جاء لفظ المثاني في الكتاب فنحن نبحث عن شيء له وجهان من أصل واحد، لا عن شيئين تشابها ولا عن شيئين تكاملا، فهل في اللغة ما يشهد لهذا الأصل؟

وأقدم معجم في اللغة يفتتح مادة الثني بالطي نفسه، قال الخليل: «الثني من كل شيء: ما يثنى بعضه على بعض أطباقاً، كل واحد ثني، حتى قيل: أثناء الحية مطاويها إذا انطوت»(١). ثم يحكي في المثاني ثلاثة أقوال: «والمثاني: آيات فاتحة الكتاب، وفي حديث آخر: المثاني: سور أولها: البقرة، وآخرها: براءة. وفي ثالث: المثاني: القرآن كله، لأن القصص والأنباء تثنى فيه. والثني: ضم واحد إلى واحد»(٢)، فالقول الثالث مما حكاه هو الذي يوافق أصل اللفظ: الكتاب مثان لأن أنباءه تثنى فيه. وفي المادة نفسها أن الثني ما كان بعد البكر، أي الثاني بعد الأول. ولو سلمنا بهذا فعليه جرى من قال إن الفاتحة تثنى في كل صلاة، لكن الآية لم تقل آتيناك المثاني بل قالت سبعاً من المثاني، والفاتحة واحدة لا سبع، وليس لها في المصحف وجه ثان تطوى عليه. ولست أدري كيف قدم القوم القولين الأولين وتركوا الثالث؟ فالسبع الطوال أكثرها مدني نزل بعد آية الحجر بسنين.

ثانياً: المثاني في الكتاب هي الأنباء المثنية

لفظ المثاني في المصحف كله موضعان لا ثالث لهما، الحجر والزمر. وانظر كيف نعتت به الزمر المفرد: ﴿كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ﴾؛ فكتاباً مفرد منصوب، ومثاني جمع وقع نعتاً له. ولا ينعت المفرد بالجمع إلا إذا كانت أجزاؤه هي المثاني. ولو كان الكتاب طرفاً واحداً يقابله طرف خارجه لقال مثنى لا مثاني، فصح أن الكتاب كله مبني على الطي، وهذا عين القول الثالث الذي حكاه الخليل.

ثم نلاحظ أن الحجر لم تقل آتيناك المثاني، بل قالت ﴿سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي﴾، و«من» هنا تبعيضية، فالمثاني وعاء فيه أفراد كثيرة، أخذ منه سبعة وبقي بعدها بقية، فما هذه الأفراد التي تعد؟

القرآن سمى الوحدة التي تعد بنفسه، فسماها نبأً، فسورة هود تختم قافلة الرسل بقوله ﴿ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيۡكَۖ﴾ [هود: 100]، ثم تعود في آخر السورة فتصرح بالغاية:

﴿وَكُلّٗا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَۚ وَجَآءَكَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَقُّ وَمَوۡعِظَةٞ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [هود: 120]

فالمعدود أنباء بلسان القرآن لا بتقديرنا: أنباء القرى من جهة، وأنباء الرسل من جهة، والنبأ واحد له طرفان. والنبأ عندنا أخبار الغائب الماضي، وله مفاصل: رسول يجهر بالدين، وقوم يكذبونه، وعاقبة تقع، فإذا جاء هذا النبأ في الكتاب على وجهين، وجه في سورة ووجه في أخرى، فهو من المثاني. والسبع التي أوتيها الرسول سبعة من هذه الأنباء المثنية، أعيانها معروفة، وإليها الآن.

ثالثاً: السبع بأعيانها

لو كانت الآية قالت آتيناك المثاني بلا عدد لبحثنا في المصحف كله عن كل نبأ مثني وما انحصر البحث. لكن العدد حصر الطلب: مجموعة سبع تامة مجتمعة، لا ثنائيات مبعثرة، فأي سورة تجتمع فيها أنباء سبعة رسل؟

جردنا صيغ الاستفتاح على المصحف كله، فلم تجتمع أنباء سبعة رسل في سورة واحدة إلا في هود والشعراء، وهما بالسبعة أنفسهم، ففي هود: نوح من الآية 25 إلى 49، ثم هود من 50 إلى 60، ثم صالح من 61 إلى 68، ثم إبراهيم من 69 إلى 76، ثم لوط من 77 إلى 83، ثم شعيب من 84 إلى 95، ثم موسى من 96 إلى 99، ولا ثامن فيها. وفي الشعراء: موسى من الآية 10، ثم إبراهيم من 69، ثم نوح من 105، ثم هود من 123، ثم صالح من 141، ثم لوط من 160، ثم شعيب من 176. وأقرب سورة إليهما الأعراف، وفيها ستة لا سابع لهم، لأن إبراهيم ليس فيها، فلو كنا نعد بأهوائنا لأكملنا الأعراف سبعاً؛ لكن لفظ القرآن يعد ونحن نحصي.

وليس هذا عدنا وحدنا، فالقرآن عد السبعة أنفسهم سجلاً مغلقاً في موضع آخر، ففي سورة الحج يخاطب الرسول: إن كذبوك فقد كذبت قبلهم أقوام، ثم يسميهم:

﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَثَمُودُ﴾ ﴿وَقَوۡمُ إِبۡرَٰهِيمَ وَقَوۡمُ لُوطٖ﴾ ﴿وَأَصۡحَٰبُ مَدۡيَنَۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰۖ فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: 42-44]

عد ما فيها: قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وموسى. سبعة لا ثامن لهم، وهم أقوام السبعة واحداً واحداً. والذي يستوقف الناظر أنه لم يقل وقوم موسى بل قال ﴿وَكُذِّبَ مُوسَىٰۖ﴾، لأن قوم موسى لم يكذبوه، وإنما كذبه فرعون وملؤه. ثم استخرج من السبعة القانون كله في كلمتين: ﴿فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ﴾، فتبين أن الآية لا تعين السبعة فقط، بل تقول لماذا هم سبعة: لأنهم كل من كذب رسوله فأملي لقومه ثم أخذوا.

والشعراء رسمت خط الطي بسجعة تعود ثماني مرات، في الآيات 8 و67 و103 و121 و139 و158 و174 و190:

﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: 8-9]

افتتاح واحد ثم سبعة أنباء، كل نبأ يطوى ويختم بالختم نفسه، فالعدد سبعة مرسوم في بنية السورة قبل أن تنطق به الحجر.

بل إن الحجر نفسها لم تعلن السبع إعلاناً مجرداً، وإنما شغلتها أمام عينيه ثم سمتها، فقبل الإعلان بست وثلاثين آية يأتي الأمر:

﴿وَنَبِّئۡهُمۡ عَن ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ﴾ [الحجر: 51]

ثم آل لوط من الآية 61، ثم أصحاب الأيكة من 78، ثم أصحاب الحجر من 80، وهم قوم صالح والسورة باسمهم. أربعة من السبعة أعيد طيها في السورة المعلنة نفسها، ثم قيل له: عندك سبع من هذا الجنس الذي رأيته الآن يطوى الطية بعد الطية.

رابعاً: كل رسول بوجهيه

والآن نجلب كل رسول وآيتيه من الوجهين، حتى يرى القارئ بعينه أنها مثان حقاً: النبأ الواحد بحروف متقابلة في سورتين.

فملأ نوح في هود يعترضون عليه بأتباعه: ﴿مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ﴾ [هود: 27]. وقومه في الشعراء يعترضون بالاعتراض نفسه: ﴿قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ﴾ [الشعراء: 111]. وجهان لموقف واحد.

وهود في سورة هود يستفتح نبؤه بالنسب: ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ﴾ [هود: 50]. وفي الشعراء بالنسب نفسه: ﴿إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ هُودٌ﴾ [الشعراء: 124].

وصالح في هود يأتي بالناقة آية: ﴿وَيَٰقَوۡمِ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ﴾ [هود: 64]. وفي الشعراء الناقة نفسها بشرب مقسوم:

﴿قَالَ هَٰذِهِۦ نَاقَةٞ لَّهَا شِرۡبٞ وَلَكُمۡ شِرۡبُ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ﴾ [الشعراء: 155]

وإبراهيم في هود يدخل عليه الضيف بالسلام فيوجس: ﴿وَلَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞۖ﴾ [هود: 69]. ووجهه الثاني ليس في الشعراء، بل في سورة السبع المثاني نفسها، قبل آية السبع:

﴿إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗا قَالَ إِنَّا مِنكُمۡ وَجِلُونَ﴾ ﴿قَالُواْ لَا تَوۡجَلۡ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ﴾ [الحجر: 52-53]

السلام بالسلام، والخيفة بالوجل، والبشارة بالغلام، فالسورة التي أعلنت السبع تحمل هي نفسها إحدى الطيات.

ولوط له وجهه الثاني في الحجر مثل صاحبه، بتطابق يكاد يكون حرفياً، ففي هود يقال له: ﴿فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ﴾ [هود: 81]. وفي الحجر: ﴿فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَٱتَّبِعۡ أَدۡبَٰرَهُمۡ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٞ﴾ [الحجر: 65]. أسر بأهلك، بقطع من الليل، ولا يلتفت منكم أحد؛ العبارة نفسها في السورتين. وله وجه ثالث في الشعراء هو تكذيب قومه له.

وشعيب في هود يأمر بالمكيال والميزان: ﴿وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ﴾ [هود: 84]. وفي الشعراء: ﴿أَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُخۡسِرِينَ﴾ [الشعراء: 181]. داء مدين واحد في العرضين.

وموسى في هود يرسل إلى فرعون وملئه: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ﴾ ﴿إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ فِرۡعَوۡنَۖ وَمَآ أَمۡرُ فِرۡعَوۡنَ بِرَشِيدٖ﴾ [هود: 96-97]. وفي الشعراء: ﴿وَإِذۡ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئۡتِ ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ ﴿قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَۚ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: 10-11]. فرعون وقومه في الوجهين.

فثبت أن السبع ليست سوراً بأعيانها، بل أنباء محددة لهؤلاء الرسل السبعة، مطوية في ثلاث سور: هود والشعراء تحملان القافلة، والحجر أتمت وجه إبراهيم ولوط ثم أعلنت العدد. ولهذا جاء الإعلان فيها هي: فالسورة التي بين يديها الطيات هي التي قالت ولقد آتيناك سبعاً من المثاني.

خامساً: لماذا سبعة لا ثامن لهم

فإن قيل: المصحف فيه أنباء رسل كثيرة، فما الذي أدخل هؤلاء وأخرج غيرهم؟ قلنا: الجامع ثلاثة مفاصل، وهي التي عدتها آية الحج: رسول جهر بالدين، فكذبه قومه، فأملي للمكذبين ثم أخذوا. ومن هذه المفاصل الثلاثة يخرج من ليس منها.

فآدم لم يرسل إلى قوم كذبوه، فليس من هذا الجنس وإن تكرر نبؤه في المصحف. ويوسف لم يجهر في قوم فكذبوه ولم يهلك قومه. وبقي يونس، وقد كذبه قومه أولاً، فلم خرج؟ القرآن نفسه أجاب، ونص على أنه الاستثناء الوحيد في التاريخ:

﴿فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ﴾ [يونس: 98]

قرية واحدة آمنت قبل حلول العذاب فكشف عنها، قوم يونس، فبهذا الاستثناء المنصوص يغلق العدد على سبعة: كل رسول كذب فحسم أمر قومه بالإهلاك فهو في السبع، ويونس حسم أمر قومه بالإيمان فخرج من الجنس كله.

وههنا دقيقة: قد يقول قائل إن المولى أمر رسوله أن يقتدي بالأنبياء في الأنعام ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ [الأنعام: 90]، فلم لا تكون السبع من أولئك؟ وليس الأمر على ما يبدو، فآية الأنعام جاءت بعد سرد ثمانية عشر نبياً، ليس فيهم من السبعة إلا نوح وإبراهيم ولوط وموسى، وليس فيهم هود ولا صالح ولا شعيب، فتلك قائمة من يقتدى بهداهم، وهذه قائمة من جهر فكذب فأخذ مكذبوه، والقائمتان مختلفتان في لفظ القرآن قبل أن تختلفا في تقديرنا.

ويبقى موضع نقوله ولا نستره: إبراهيم وحده لا تتم له المفاصل الثلاثة في السورتين، ففي هود نبؤه ضيف وبشرى وجدال في قوم لوط، وفي الشعراء تكذيب قومه حاضر وعاقبتهم غائبة. والقرآن أثبت أخذ قومه إجمالاً في آية الحج، إذ عدهم مع المكذبين الذين أمليت لهم ثم أخذوا، ولم يقصه، فالمفاصل الثلاثة في ستة بالقص، وفي إبراهيم بالعد.

سادساً: الطي ليس تكراراً

ولقائل أن يقول: وما قيمة أن تروى القصة مرتين؟ أي مؤلف يستطيع أن يكرر قصتين في كتابه، فأين المنة؟ غير أن ما بين هود والشعراء ليس تكراراً، ويعرف ذلك من ثلاثة وجوه، كلها مقروء في النص.

الوجه الأول أن الجسم واحد والتفاصيل متكاملة، وهذه علامة الطية لا النسخة، فنوح في هود خمس وعشرون آية وفي الشعراء ثماني عشرة، وموسى في هود أربع آيات وفي الشعراء تسع وخمسون، وإبراهيم في هود ثمان وفي الشعراء ست وثلاثون، فما بسط في وجه طوي في الآخر. وانظر ما في كل وجه: نوح في هود جدال وسفينة وطوفان وابن يغرق، وفي الشعراء موقف واحد مع الملأ ودعاء بالفتح. وموسى في هود إحالة في أربع آيات، وفي الشعراء مواجهة فرعون كاملة والسحرة والبحر، فالوجهان لا يغني أحدهما عن الآخر، وإنما يقرأ النبأ تاماً بهما معاً. والناسخ لا يصنع هذا، إنما يصنعه الطي: ما خفي من الوجه الأول ظهر في الثاني.

والوجه الثاني أن الطي يقلب الترتيب والنسخ يحفظه، فموسى آخر قافلة هود وأول قافلة الشعراء، ونوح أول هود وثالث الشعراء، فالذي بسط في وجه طوي في الوجه الآخر، كما ينقلب المطوي إذا ثنيته: ما كان في الوجه الأول آخراً صار في الوجه الثاني أولاً. ولو تطابق الترتيب والبسط في السورتين لكانتا نسخة مكررة لا مثاني.

والوجه الثالث هو الذي يجعلها منة، وهو أن النعت الذي تطابق فيه الوجهان هو بعينه ما ضاق به صدر الرسول، فما الذي ضاق به صدره؟

قالت الحجر إنه يضيق صدره ﴿بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: 97]. وما يقولونه هو ما قاله أقوام السبعة في الوجهين، فثمود يقولون لصالح:

﴿قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ﴾ ﴿مَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا فَأۡتِ بِـَٔايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [الشعراء: 153-154]

وأصحاب الأيكة يقولون لشعيب بالحرف نفسه ﴿وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا﴾ [الشعراء: 186]. وملأ نوح يقولون ﴿مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا﴾ [هود: 27]. وفرعون يقول في موسى ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيٓ أُرۡسِلَ إِلَيۡكُمۡ لَمَجۡنُونٞ﴾ [الشعراء: 27]، ثم ﴿إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ﴾ [الشعراء: 34]. وقوم نوح يهددونه ﴿لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمَرۡجُومِينَ﴾ [الشعراء: 116]، وقوم لوط ﴿لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُخۡرَجِينَ﴾ [الشعراء: 167]. وقوم الرسول يقولون له الكلام نفسه: بشر مثلنا، وساحر ومجنون، ولولا أنزل عليه كنز. والقرآن نص على أن القول واحد عبر الأجيال:

﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 118]

وتأمل قوله مثل قولهم، فلم يقل شبه قولهم، لأن القول تطابق في نعت اللفظ؛ وقال تشابهت قلوبهم ولم يقل تماثلت، لأن القلوب لا تتطابق. وقال في الذاريات ﴿كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ﴾ [الذاريات: 52].

فالرسول لم يعط سبع حكايات تسليه، وإنما أعطي سبعة أنباء كل واحد منها مطوي على وجهين، والنعت الذي تطابق فيه الوجهان، وهو قول المكذبين وعاقبتهم، هو بعينه النعت الذي يقف فيه الرسول الآن، فحاله وجه ثالث من القماش نفسه، وقد رأى بعينه إلى أين ينتهي كل وجه قبله.

وهنا يفترق الطي عن التكرار افتراقاً يراه القارئ: الوجه الواحد حادثة تحتمل أن تكون خاصة بقومها، والوجهان المتطابقان في الجسم المختلفان في الظرف يفصلان القانون عن الظرف؛ فما ثبت في الوجهين هو الحكم، وما اختلف فيهما هو الحال. ومن قرأ نبأ نوح وحده عرف ما جرى لقوم نوح، ومن قرأه مطوياً عرف ما يجري لكل قوم قالوا مثل قولهم.

سابعاً: لماذا كانت منة ودواء

وتتبعنا ضيق الصدر منسوباً إلى رسول في المصحف كله، فلم يقع إلا في ثلاثة مواضع لا رابع لها، وهي بأعيانها السور الثلاث التي عليها مدار السبع، ففي هود قبل القافلة:

﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكُۢ بَعۡضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَضَآئِقُۢ بِهِۦ صَدۡرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٞۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٌ﴾ [هود: 12]

فالذي ضاق به صدره هو قولهم: لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك، وهو عين ما قاله أقوام السبعة لرسلهم. ثم تأتي القافلة من الآية 25 إلى 99، ثم الغاية مصرحاً بها ﴿وَكُلّٗا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَۚ﴾ [هود: 120]. وفي الشعراء قبل القافلة ﴿لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3]، ثم يشكو موسى نفسه ﴿وَيَضِيقُ صَدۡرِي﴾ [الشعراء: 13]، فالوجهان: شكوى الرسول، وشكوى الرسول قبله؛ وهو نفسه مطوي عليها، فكيف رتبت الحجر الدواء؟

رتبته ترتيب الدواء قبل المهمة، فانظر إلى آياتها بعد العطية: أعطي السبع في الآية 87، ثم قيل له في 89 ﴿وَقُلۡ إِنِّيٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلۡمُبِينُ﴾، ثم في 94 ﴿فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ﴾، ثم في 95 ﴿إِنَّا كَفَيۡنَٰكَ ٱلۡمُسۡتَهۡزِءِينَ﴾، ثم في 97 ﴿وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: 97]، ثم العلاج في 98 و99 بالتسبيح والسجود والعبادة حتى يأتيه اليقين، فالسبع أعطيت قبل أمر الصدع في ترتيب السورة.

وما الصدع؟ الصدع في المصحف الشق، فالأرض تنشق للنبات بعد أن تطرقها السماء بمطر يرجع ويتكرر:

﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجۡعِ﴾ ﴿وَٱلۡأَرۡضِ ذَاتِ ٱلصَّدۡعِ﴾ [الطارق: 11-12]

والجبل يراه الرائي خاشعاً متصدعاً، والناس يوم القيامة ﴿يَوۡمَئِذٖ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] أي ينشقون فريقين، ثم بينت الآية التي بعدها الفريقين: من كفر فعليه كفره، ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون. والصداع من هذا الباب، رأس ينشق من شدة ما يطرقه، وأهل الجنة لا يصدعون عن شرابها، فاصدع بما تؤمر: اطرق القوم بما أمرت به طرقاً متكرراً لا يفتر حتى ينشقوا به فريقين، كما انشق أقوام السبعة فريقين، من اتبع فنجا ومن كذب فأخذ. وليس في الآية أن الدعوة كانت سراً قبلها، فالسورة نفسها تحكي في آيتها السادسة قولهم يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون، وتأمره قبل الصدع بخمس آيات أن يقول إني أنا النذير المبين، والنذير لا يكون سراً؛ فالسبع قبل الصدع في ترتيب الآيات لا في مراحل الدعوة: هذه سبعة طرقوا أقوامهم بالدعوة حتى انشقوا، فاطرق أنت.

ويشهد السياق أنها عدة دعم لا حكاية، فبعد ذكر السبع مباشرة:

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الحجر: 88]

وقد شرحنا في مقال «لا تمدن عينيك» أن مد العينين بسط النظر إلى آخر ما أعطوا، نظر تعجب لا طمع ولا حسد، وقرينته ولا تحزن عليهم، فما أعطوه من متاع هو مرحلة الإملاء التي رآها الرسول في الوجوه السبعة كلها، وآخرها الأخذ. ثم يأتي النقيض في السياق نفسه، فبعد الإعلان بأربع آيات: ﴿ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلۡقُرۡءَانَ عِضِينَ﴾ [الحجر: 91]، فالمشهد مشهد ضدين في القماش الواحد: عندك سبع مطوية طياً يحفظ الجسد واحداً، وعندهم قرآن مقسم مجزأ قطعاً، يؤخذ بعضه ويترك بعضه.

ثامناً: آية الزمر، ومن الذين تقشعر جلودهم

نعود إلى آية الزمر، فقد نعتت الكتاب بأربعة نعوت: أحسن الحديث، وكتاباً، ومتشابهاً، ومثاني. والحديث عندنا إحياء القصص والأخبار المنسية ونفض الغبار عنها، فليس كل كلام حديثاً، فمن الذين تقشعر جلودهم إذا سمعوه ثم تلين؟ السورة نفسها تحمل علاماتهم.

فقبل الآية بأربع عشرة آية ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا﴾ [الزمر: 9]، قوم يقومون الليل ساجدين. وهذا النعت بعينه نعت به القرآن صالحي أهل الكتاب:

﴿۞ لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ﴾ [آل عمران: 113]

وقبلها ﴿ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ﴾ [الزمر: 18]. ومن الذي يتبع أحسن القول؟ من عنده قول آخر يوازن بينهما، فهؤلاء قوم في أيديهم نصوص قديمة، يسمعون الجديد ويقيسونه على ما عندهم؛ هم يهود المدينة وأحبارها.

فلماذا تقشعر جلودهم؟ لأن الرجل منهم يحفظ ما في صحفهم مما لا يعلمه إلا هم، ثم يسمع أمياً من غير قومه يتلو القصص ذاتها، فمن أين له هذا؟ فيقشعر الجلد قشعريرة من فوجئ باطلاع على مكنونه. ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله: فالذي سمعوه أعاد الله حاضراً في قلوبهم في رتبة الأول، بعد أن أخرته نقولاتهم وأحبارهم. وليس اللين إلى الورق والمصحف، بل إلى الله الذي ذكرهم به المصحف.

ولماذا قال متشابهاً ولم يقل مطابقاً؟ لأن الذي بأيدي القوم اليوم ليس التوراة الأولى كما نزلت؛ هو نقولات تناقلوها وترجموها وطال عليها الأمد فدخلها التغيير، فالذي يسمعونه من القرآن يشارك ما عندهم في السمات ولا يطابقه حرفاً بحرف، والشبه عندنا لا يبلغ التطابق أبداً. والفرق ليس من القرآن؛ الفرق من نقولاتهم.

وأما مثاني فالتثنية قرآنية لا مع التوراة، فالمثاني ثني النبأ في المصحف نفسه: النبأ الواحد يعرض في سورة ثم يثنى في أخرى، فيصير له وجهان داخل الكتاب الواحد. نعم، قد يوجد النبأ في التوراة أيضاً، ولكن هذا ليس مدار الآية؛ فآية الحجر تقول آتيناك، فخصت الرسول وحده بما في مصحفه. ويكفي في هذا أن ثلاثة من السبعة لا ذكر لهم في كتب القوم أصلاً، هود وصالح وشعيب، فلو كان الطي مع التوراة لاستحال في هؤلاء الثلاثة، فنعت الزمر الكتاب بأنه مثان معناه: كتاب يثني أنباءه في نفسه، وهذه طريقة القرآن في القص.

وبهذا انحل سؤال الفرق بين الآيتين: مثاني الزمر ومثاني الحجر جنس واحد، هو الأنباء المثنية في المصحف؛ لكن الزمر نعتت به الكتاب كله بلا إحصاء، لأن الثني طريقته العامة في القص، والحجر عدت سبعاً منه بأعيانها خص الله بها رسوله. والزمر احتاجت إلى النعوت لأنها تتكلم عن الكتاب كله، وأما الحجر فتتكلم عن عطية معدودة معينة، والمعدود المعين لا يحتاج نعتاً، يكفي عده.

وأما أن القوم الذين تقشعر جلودهم يعرفون ما يسمعون، فالقرآن ملأ بابه شهوداً، فأعين تفيض عند السماع:

﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [المائدة: 83]

لاحظ العلة: مما عرفوا؛ فالمعرفة السابقة هي التي فجرت الدمع كما فجرت القشعريرة. وأذقان تخر ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ﴾ [الإسراء: 107]. وأصرح الشهود شاهد الأحقاف ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِۦ فَـَٔامَنَ﴾ [الأحقاف: 10]؛ شهد على مثله ولم يقل على شبهه، لأن الشهادة لا تقوم على شبه ملتبس، وإنما على مطابقة تعرض وتفحص. وهذا كله في باب معرفتهم بما يسمعون، وليس هو مدار المثاني كما قدمنا.

تاسعاً: وما القرآن العظيم المعطوف عليها

أعطي الرسول شيئين بفعل ماض واحد: سبعاً من المثاني، والقرآن العظيم، فالثاني شيء نزل قبل الآية ويعرف كما تعرف السبع. والذي نراه أنه سورة النمل بعينها، فما الدليل على ذلك؟

الأدلة ثلاثة، أولها المطلعان المتقابلان، فالحجر تفتتح ﴿الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ﴾ [الحجر: 1]، والنمل تفتتح ﴿طسٓۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡقُرۡءَانِ وَكِتَابٖ مُّبِينٍ﴾ [النمل: 1]. وفي المصحف كله ثمانية مطالع بصيغة تلك آيات، ستة تذكر الكتاب وحده، واثنان فقط يجمعان الكتاب والقرآن، الحجر والنمل، وبترتيب معكوس: الحجر قدمت الكتاب ونكرت القرآن، والنمل قدمت القرآن وعرفته ونكرت الكتاب، فالسورة التي أعطت القرآن العظيم والسورة التي هي القرآن العظيم تتقابلان في المطلع تقابل الطية وقلبها.

والثاني أن النمل عرفت نفسها بعملها ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَكۡثَرَ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ﴾ [النمل: 76]. وأشهر ما اختلف فيه بنو إسرائيل ملكاهم داود وسليمان، فجاءت النمل بأطول قصة لسليمان في المصحف كله، ثلاثين آية، تعرضه ملكاً عبداً شاكراً. وهذا عمل القرآن كما قررناه في معجمنا: قراءة المخزون قراءة واحدة فاصلة تحسم ما اختلف فيه الناس.

والثالث نعت العظيم، فالعظيم عندنا فرق في النوع والكيف لا في المقدار، رتبة لا درجة على سلم، ولا يقابله في المصحف صغير ولا قليل، فالقرآن العظيم من نوع آخر لا يوزن بما عند القوم لأنه ليس من جنسه، وسيأتي لم انفرد هذا الموضع بهذا النعت دون سائر المصحف.

عاشراً: لماذا جمع بين العطيتين في عطية واحدة

بقي أن نسأل عن فحوى الآية كلها: لماذا جمع بين السبع والقرآن العظيم بفعل ماض واحد، وما الذي يحمله اجتماعهما؟ وتكشفه الآية التي تليها، فإن الكلام لم ينقطع عند ﴿وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ﴾، بل اتصل بقوله ﴿مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ﴾ [الحجر: 88]، فالآيتان كفتان في ميزان واحد: في كفة ما بأيدي أصناف القوم من المال والأملاك والترف، وفي الكفة الأخرى ما بيد الرسول، ثم نهي أن يبسط نظره إلى الكفة الأولى. ولم يقل آتيناك خيراً كثيراً، بل سمى العطيتين بأعيانهما، لأن الموازنة لا تقام إلا بين شيئين مسميين، فيقال لمن استكثر ما بيد غيره: عندك كذا وكذا.

فما الذي في الكفتين؟ أما ما بأيديهم فقد شرحنا في مقال «لا تمدن عينيك» أنه زهرة تغري ولا تغني، وأنه إملاء واستدراج يحسبه أهله مسارعة لهم في الخيرات، والأزواج أصنافهم المتقارنة في الترف لا نساؤهم، وهذا الإملاء هو عين المرحلة التي رآها الرسول في الأنباء السبعة: قوم يمتعون ويملى لهم ثم يؤخذون. وأما ما بيده فشيئان: السبع تريه أن الذي يقوله قومه قاله أقوام سبعة قبلهم، وأن العاقبة واحدة في الوجوه كلها، نجاة الرسول ومن معه وأخذ المكذبين، فيعلم منها أنه لن يهلك وأن الكلمة له في الآخر وإن طال الإملاء. والنمل تريه ما يؤتيه الله وليه إذا مكن له، فأطول ما فيها نبأ سليمان، وقد قرن به داود في أولها، ملك حشرت له جنوده من الجن والإنس والطير، وجاءته مملكة سبأ بملكتها فأسلمت معه لله بلا حرب، وذلك فوق ما يخطر لمن ضاق صدره بما يقولون، فالسبع تطمئنه على العاقبة، والنمل تريه صورتها.

ولهذا جاء بعد النهي ﴿وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الحجر: 88]، فمن رأى عاقبة السبعة لم يحزن على من سلك طريقهم، ومن رأى من نجا معهم عرف لمن يخفض جناحه. ووجه آخر للجمع بينهما: السبع فصل فيما ليس في كتب أهل الكتاب أصلاً، فإن ثلاثة من أصحابها، هوداً وصالحاً وشعيباً، لا ذكر لهم فيها كما مر، فلا يملك أحد أن يحاجه فيها بكتاب؛ والنمل فصل فيما في كتبهم ويختلفون فيه، فإن أطول قصصها هي عين أشهر خلافهم، فأوتي ما لا يحاج فيه، وما يفصل به بين المتنازعين، فلم نعت القرآن هنا بالعظيم دون سائر نعوته؟

لأن لكل نعت من نعوت القرآن موضعاً يطلبه، فالمصحف نعت القرآن بالحكيم والمبين والعربي، ونعته بالكريم مرة واحدة في الواقعة:

﴿إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ﴾ ﴿فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ﴾ ﴿لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 77-79]

والكريم عندنا المرفوع القدر الذي لا يهان، ونقيضه المهين، وقد بسطنا ذلك في مقال «معنى كريم في القرآن الكريم»، فجاء مقروناً بصيانته: في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون. ونعته بالمجيد مرتين، في سورة ق وفي البروج، وفي البروج جاء رداً على الذين هم ﴿فِي تَكۡذِيبٖ﴾ [البروج: 19]: ﴿بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ﴾ [البروج: 21]، والمجيد صعب المنال الذي لا يستطاع مسه ولا رده، فالمكذبون لا يبلغونه ولا يردونه.

وأما العظيم فلم ينعت به القرآن إلا هنا، في الموضع الوحيد الذي وضع فيه القرآن في كفة ومتاع القوم في كفة؛ والعظيم عندنا نوع آخر لا يوزن، فقيل له: ما عندك ليس من جنس ما عندهم حتى يوزن به، فلا تمد عينيك، فحيث الصيانة قال كريم، وحيث التكذيب قال مجيد، وحيث الموازنة بمتاع القوم قال عظيم، وكل نعت في موضعه.

ولم انتظم القرآن العظيم في سورة واحدة وتفرقت السبع في ثلاث سور؟ لأن لكل عطية طبيعتها، فالمثاني طبيعتها وجهان في موضعين، وتفرقها في السور هو عين نعتها، ولو جمعت في موضع واحد ما كانت مثاني. والقرآن قراءة واحدة فاصلة على ما قررناه، والفصل لا يتم إلا بعرض متصل من أوله إلى آخره، كالحكم لا يتجزأ، فانتظم في سورة واحدة. ولا يبعد أن يكون في هذه السورة بعينها ما خص به صاحبها المضيق صدره، ففيها:

﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ﴾ [النمل: 62]

فالسورة التي أعطيها فصلاً في خلاف خصومه تحمل له هو جواب ضيقه.

وفي الواو نفسها حجة على من جعل المثاني القرآن كله وجعل القرآن العظيم القرآن كله أيضاً، فإن الواو تقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فإذا كانت السبع بعض القرآن وكان المعطوف القرآن كله صار معنى الآية: آتيناك سبعاً من القرآن والقرآن، وهو عطف الشيء على بعضه في عطية واحدة، ومن أوتي الكل أوتي السبع في ضمنه، فيكون ذكر السبع لا فائدة فيه.

وليس هذا من عطف العام على الخاص الذي تنوه به العرب على شيء بعينه، كقول نوح ﴿مُؤۡمِنٗا وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۖ﴾ [نوح: 28] بعد والديه ومن دخل بيته، فذاك تنويه بمسمى، وهنا سبع لم تسم، ولم يعرف القوم أنفسهم ما هي.

وأشهر ما يحتج به لقول الفاتحة حديث أبي سعيد بن المعلى، رواه البخاري وساقه ابن كثير في تفسير الآية، وفيه أن الرسول ذكر الحمد لله رب العالمين ثم قال: «هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته»(٣)، ومعه حديث أبي هريرة: «أم القرآن هي: السبع المثاني والقرآن العظيم»(٤).

والخبر يحاكم بمتنه، ومتنه جعل الشيء الواحد هو السبع وهو القرآن العظيم معاً، وقال «الذي أوتيته» بالإفراد، والآية فصلت بين عطيتين: الأولى مبعضة بـ«من» معدودة، والثانية معرفة مسماة، فالمتن قرأ الآية على خلاف لفظها. ثم إن السبع لا تتم في الفاتحة إلا بعد البسملة، والقوم أنفسهم مختلفون في البسملة أهي آية من الفاتحة أم لا.

وابن كثير نفسه بعد أن ساق الحديثين قال: «فهذا نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم»(٥)، ثم استدرك فقال إن هذا لا ينافي أن يقال مثله في السبع الطول وفي القرآن بكماله، فجعل المثاني والقرآن العظيم نعتين يشترك فيهما الفاتحة والطوال والقرآن كله، والآية لم تنعت بل أعطت وعدت، والعطية المعدودة لا تكون نعتاً يشترك فيه الكل والبعض، وإلا لم يكن للعد معنى، فسقط الاحتجاج بالحديث على الفاتحة، وبقي ما قدمناه من أن الفاتحة ليست من المثاني على حد الثني.

حادي عشر: ما سقط من الأقوال

قالوا الفاتحة، لأنها تثنى في كل صلاة، وللحديث الذي مر الكلام فيه. وغني عن التعريف أن الفاتحة ليس لها في المصحف وجه ثان، والمثاني لا تكون إلا بوجهين؛ و«من» التبعيضية تقتضي جنساً أوسع من السبع، والفاتحة ليست بعضاً من شيء؛ ولو أرادها المولى لسماها تسهيلاً علينا. وقالوا السبع الطوال من البقرة إلى براءة. وأكثرها مدني نزل بعد الحجر بسنين، وقوله آتيناك ماض، فلا يمتن على الرسول بما لم ينزل بعد. وأي عجب أعجب من أن يحمل لفظ نزل بمكة على سور أكثرها لم ينزل إلا بعد سنين؟ وقد يخطر للقارئ أنها سبع سور كالحواميم، والحواميم لم يسبق الحجر منها، على ترتيب النزول الذي اعتمدناه، إلا واحدة، فلم يبق على الميدان إلا الأنباء السبعة، وهي التي نزلت سورها الثلاث جميعاً قبل الحجر: الشعراء، ثم النمل، ثم هود، ثم الحجر تعلن ما اكتمل.

الخاتمة

فما السبع التي في المصحف؟ أنباء محددة بالضبط لسبعة رسل: نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى، كل نبأ مثني في المصحف، وجه في هود ووجه في الشعراء، وأتمت الحجر وجه إبراهيم ولوط ثم أعلنت العدد.

وهل هي سبع فقط؟ لا، فالثني طريقة المصحف في القص، والزمر نعتت الكتاب كله بأنه مثان بلا عدد. لكن السبع مجموعة معينة من هذا الجنس، خصها الله لرسوله عدة ودواء: سبعة جهروا بالدين فكذبوا فعوقب المكذبون، يعود إليها فيقرأ فيها قول قومه وعاقبتهم قبل أن يقع.

ولماذا لم يقل الفاتحة؟ لأنه لم يردها؛ ولو أرادها لسماها، ولأن الفاتحة ليس لها وجه ثان.

وما القرآن العظيم؟ سورة النمل، توأم الحجر في المطلع، والفاصلة في أكثر ما اختلف فيه بنو إسرائيل، ونزلت قبل الحجر فصدق الماضي، فاجتمع للرسول ما يثبت فؤاده وما يفصل لخصومه: سبع من المثاني، والقرآن العظيم، كفة واحدة في مقابل متاع القوم، فلا يمد عينيه إلى ما عندهم وعنده هذا.

هذا والله أعلم

(١)الخليل بن أحمد، «العين»، ت مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، جـ8 ص242. ↩
(٢)الخليل بن أحمد، «العين»، جـ8 ص243. ↩
(٣)ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، ت سامي السلامة، جـ4 ص547. ↩
(٤)ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، جـ4 ص547. ↩
(٥)ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، جـ4 ص547. ↩

التعليقات (0)