عبد وعباد وعبيد: العبادة عمل لا طقوس


عبد وعباد وعبيد: العبادة عمل لا طقوس

رجل يملك بستاناً، وعنده عامل يسميه الناس عبده. يخرج العامل مع الفجر فيحرث الأرض ويسقي النخل ويجمع الثمر، ويعود في المساء وقد أدى ما عليه. ولو لزم هذا العامل باب سيده من الفجر إلى الليل ينحني له ويضع جبهته على الأرض، وترك الأرض بلا حرث والنخل بلا ماء، لما قال أحد إنه أدى ما عليه؛ فالسيد لم يتخذه لينحني له، بل ليعمل. وإذا عمل ولم ينحن لسيده مرة واحدة، لم ينقص ذلك من كونه عبداً شيئاً.

هذا ما يفهمه كل أحد من لفظ «عبد» في كلام الناس، فكيف صارت العبادة عند كثير منهم هيئات تؤدى في أوقاتها، ثم يخرج الواحد منهم إلى سوقه وحقله وكأنه خرج من العبادة؟

الجواب أن اللفظ نفسه يرد هذا الفهم. العبادة عمل، وليست طقوساً؛ ولا سجود ولا ركوع في معنى «عبد». والعمل هو الفعل المتكرر المعتاد، لا حركة تؤدى ثم تنقضي؛ ولهذا كانت العبادة حياة الآدمي كلها، يعمل فيها كل يوم. ويبقى السؤال الذي تتفرع منه المسألة كلها: لمن يعمل الآدمي؟ ومن يأكل ثمر عمله؟

ومن جواب هذا السؤال يخرج الفرق بين الألفاظ الثلاثة: عبد، وعباد، وعبيد؛ فالله يصنع من عامليه عباداً أحراراً يعود عليهم ثمر عملهم، والشيطان يتخذ من عامليه عبيداً، سخرة ينتفع بحركتهم ثم يتبرأ منهم.

الطريق المعبّد

نطأ الطريق المعبّد فلا نعثر، لأن أقداماً لا تحصى وطئته قبلنا ذاهبة وآيبة حتى استوى ولان تحت النعال. وهذه الصورة حفظها المعجم منذ «الخليل»؛ ففي «العين»: "والمعبّد: كل طريق يكثر فيه المختلفة، المسلوك"،(١) وعند «ابن فارس» في «مقاييس اللغة»: "الطريق المعبَّد، وهو المسلوك المذلَّل".(٢) والمختلفة الذاهبون والآيبون، يخلف بعضهم بعضاً على الطريق نفسه؛ فلم يصر الطريق معبّداً بخطوة واحدة، بل بخطى تتكرر حتى مهّدته؛ وهذا هو العمل: الفعل المتكرر المعتاد.

وفي حروف (ع ب د) ما يشهد لهذا: فالباء تراكم، والدال دفع إلى الأمام،(٣) والكتلة (بد) إقبال: ما تراكم ثم اندفع إلى الأمام فبرز، ومنها بدأ وبدا وبدر، ومعكوسها (دب) إدبار ودبيب إلى الوراء، ومنها الدبيب والدبر. والعين ظهور بعد خفاء،(٤) فإذا تقدمت على الكتلة كان «عبد»: ما تراكم في الذات من قوة يظهر ويقدَّم إلى الأمام، وذلك هو العمل؛ فالعبادة إقبال بالذات وتقديم لها نحو المعبود عن إدراك وإرادة، لا ذل مجرد، ونقيضها الإعراض والاستكبار.(٥)

ويرد «ابن فارس» الجذر إلى أصلين "كأنهما متضادان"، أحدهما "يدل على لين وذل، والآخر على شدة وغلظ".(٦) وقسمته هذه تحليل منه، أما الشواهد المسموعة فلا تشهد لأصلين، بل لأصل واحد ونتائجه: فمن الجذر سميت آلة العمل نفسها، "المعابد: المساحي والمرور"، وقال «عدي بن زيد»: "إذ يحرثنه بالمعابد"،(٧) ومنه القوة التي يُعمل بها: "ناقة ذات عبدة أي لها قوة شديدة".(٨) ثم يظهر أثر العمل فيما وقع عليه؛ فالطريق "معبد إذا كان مذللا بكثرة الوطء"،(٩) فذله نتيجة الأقدام لا أصل فيه، والمعبّد أيضاً "المكرم المعظم كأنه يعبد"،(١٠) كالمال عند البخيل يخدمه ويعمل له؛ فاللفظ واحد في المذلل والمكرم، ولو كان الذل أصله لما جاء للمكرم، وإنما هما نتيجتان لعمل واحد: يلين ما عُمل فيه، ويُخدم ما عُمل له.

والعبد بهذا قوة يقوم بها العمل على وجهه الصحيح، كالمسحاة في يد الزارع، وعباد الله قوته في الأرض، تنفذ بها خطته فيها؛ ففي الكهف يلقى موسى وفتاه ﴿عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ﴾ [الكهف: 65]، فيخرق السفينة ويقتل الغلام ويقيم الجدار، ثم يكشف لموسى أنه لم يعمل شيئاً من ذلك لنفسه:

﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ﴾ [الكهف: 82]

فالإرادة لربه، والعمل على يد عبده. ولا يقوم العمل على وجهه الصحيح إلا بقوة وبصر، وبهما نعت المولى عباده إبراهيم وإسحاق ويعقوب:

﴿وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [ص: 45]

فالأيدي القوة التي يُعمل بها، والأبصار ما يرى به العامل وجه العمل الصحيح. غير أن العبد يفارق المسحاة في أمر واحد: المسحاة يحركها غيرها، والعبد يحرك نفسه ويختار لمن يعمل، ولولا ذلك لما حوسب على عمله. والمولى لا يجري خطته على أيدي عباده لنقص في قدرته، وقد صرّح النص بذلك:

﴿وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ [محمد: 4]

فهو قادر على أن ينتصر بنفسه، لكنه يريد أن يصنع عباده ذلك بأيديهم، فلا يضيع عملهم، ثم ختم وعده لهم:

﴿وَيُدۡخِلُهُمُ ٱلۡجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمۡ﴾ [محمد: 6]

فهم يستحقون الجنة بما صنعوا، وسيأتي أنه لا يريد منهم رزقاً ولا طعاماً. وهذه القوة إذا أقبلت سارت إلى الأمام لا تقف، ولهذا سمى القرآن العبادة نفسها صراطاً مستقيماً:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ﴾ [آل عمران: 51]

والصراط لا يُقطع بوقفة ولا بهيئة، بل بخطى متصلة يوماً بعد يوم، كما لا يُعبَّد الطريق إلا بأقدام تتردد عليه.

العبد قوة يقوم بها العمل على وجهه الصحيح كالمسحاة، يتحرك بإرادته ويُقبل بذاته إلى الأمام؛ والطريق لا يُعبَّد إلا بخطى تتكرر، فالعبادة عمل دائم، لا هيئة تؤدى ثم تنقضي.

العبادة في كلام فرعون

وأصدق ما يكشف معنى العبادة أن نسمعها في قصة سيد ما زال الناس يضربون به المثل في الاستعباد. حين امتن فرعون على موسى بأنه رباه فيهم وليداً، رد عليه موسى:

﴿وَتِلۡكَ نِعۡمَةٞ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنۡ عَبَّدتَّ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ [الشعراء: 22]

والتشديد في "عبّدت" حمل على العبادة قهراً: جعلتهم يعملون لك بالإكراه. ونلاحظ أن موسى لم يعب على فرعون هيئة أمر بها قومه، بل عاب عليه أنه استولى على عملهم، وجعل هذا الاستيلاء ظلماً لا تمحوه منة التربية.

ثم ضرب المولى مثلاً يكشف حال من صار عمله ملكاً لغيره:

﴿۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [النحل: 75]

والمِلك تملّك خدمات الآخرين، لا تملك أبدانهم ولا أرزاقهم؛ فالعبد المملوك عامل خدماته لغيره، يعمل ولا يقدر على شيء من ثمر عمله. ويقابله رجل رزقه الله فهو ينفق مما رزقه سراً وجهراً، يعمل ويتصرف فيما عمل. ولم يجعل المثل الفرق بين الرجلين في عدد ما ينحني كل منهما، بل في سؤال واحد: من يملك عمله، ومن لا يملكه؟

ولو كان لفظ «عبد» وحده يدل على العجز لما احتاج المثل إلى أن يقيده بأنه مملوك لا يقدر على شيء؛ فالعبد في أصله قوة، والقيد هو الذي سلبه إياها. ثم يأتي في الآية التالية مثل لمن نُزعت منه القوة والفائدة جميعاً:

﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [النحل: 76]

كمسحاة فاسدة، أينما وجهتها لم تأت بخير؛ ولم يسمه المثل عبداً، بل رجلاً.

ويشهد لكون العبد عاملاً ما قاله فرعون وملؤه حين أرسل الله إليهم موسى وأخاه هارون، فاستكبروا وقالوا:

﴿فَقَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ﴾ [المؤمنون: 47]

ولم يقولوا: وقومهما لنا ساجدون، بل قالوا: لنا عابدون. وما فخر فرعون وملؤه بهيئة يؤديها قوم موسى لهم، بل بأنهم يعملون لهم ويذهب ثمر عملهم إلى غيرهم. وهذا موضع الكبر في كلام القوم: كيف نؤمن لرجلين من قوم يعملون لنا؟

العبد في القرآن عامل، والذي يفصل بين عبد وعبد: لمن يذهب عمله؟

السجود شيء والعبادة شيء آخر

فإن قيل: أليس الركوع والسجود من العبادة؟ قلنا: النص الكريم نفسه فرق بين الألفاظ، ولم يجعل أحدها داخلاً في الآخر.

ثم إن الركوع والسجود في القرآن ليسا طقسين أصلاً، وإنما لكل منهما صورة حسية حفظتها المعاجم؛ فالركوع في أصله انحناء، و"كل منحن راكع" كما يقول «ابن فارس»،(١١) وهو انثناء القامة عند مفصلها:(١٢) يركع الشيخ من الكبر،(١٣) ويركع الرجل "إذا افتقر بعد غنى وانحطت حاله".(١٤) والسجود عنده أصل "يدل على تطامن وذل"،(١٥) وصورته نزول العالي إلى وجه الأرض حتى يلزمه: يسجد البعير إذا خفض رأسه ليُركب،(١٦) ونقل «الأزهري» عن «أبي عبيدة»: "نخلة ساجدة إذا أمالها حملها"،(١٧) ومن شواهده قول الشاعر: "ترى الأكم فيها سجداً للحوافر"،(١٨) فالروابي تُسوّى بالأرض تحت الحوافر.

وبهذه الصورة يسجد ما لا طقس له؛ فالنجم والشجر يسجدان، ﴿وَٱلنَّجۡمُ وَٱلشَّجَرُ يَسۡجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6]، ويسجد من في السماوات والأرض وظلالهم:

﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ۩﴾ [الرعد: 15]

والظل ممدود على وجه الأرض يتقلب حيث تسوقه الشمس، والشجر يميل معها، وليس لواحد منهما طقس يؤديه؛ إنما هو نزول وانقياد لما سُخّر له. وإذا لم يكن الركوع والسجود طقسين، فأولى ألا تكون العبادة طقساً.

والنص الكريم يفرق بين العبادة وما يقرن بها من الأفعال، ويجمع في البينة ما أمر به الناس كله:

﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]

فالعبادة شيء، وإقامة الصلاة شيء، وإيتاء الزكاة شيء، ولكل لفظ عمله في بناء الآية؛ ولو كان معنى العبادة يحوي ما بعدها لما احتاج النص إلى أن يعطفه عليها.

وتختم سورة النجم بأمرين متجاورين:

﴿فَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ وَٱعۡبُدُواْ۩﴾ [النجم: 62]

ولم يقل: فاسجدوا لله واسجدوا، بل قال: واعبدوا؛ فثبت أن الأمرين اثنان لا واحد.

ويعدد المولى في فصلت من آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ثم يقول:

﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ لَا تَسۡجُدُواْ لِلشَّمۡسِ وَلَا لِلۡقَمَرِ وَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ﴾ [فصلت: 37]

ولو كانت العبادة سجوداً لصار الكلام: واسجدوا لله إن كنتم إياه تسجدون، وهذا كلام لا يستقيم. والمعنى أن من كان عمله لله نزل عن علوه لله وانقاد له، لا للشمس ولا للقمر؛ فالسجود نزول وانقياد، والعبادة عمل، وجعل النص العمل لله سبباً لأن يكون الانقياد له وحده.

ويأمر المولى المؤمنين في الحج أربعة أوامر في نفس واحد:

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ۩﴾ [الحج: 77]

ركوع، وسجود، وعبادة، وفعل للخير: أربعة ألفاظ لأربعة أشياء، والعطف بالواو يقتضي المغايرة. ولو كانت العبادة ركوعاً وسجوداً لكان قوله "واعبدوا ربكم" تكراراً لما قبله، والنص الكريم أبعد ما يكون عن الحشو.

الركوع لفظ، والسجود لفظ، والعبادة لفظ؛ واجتماعها في أمر واحد لا يدخل معنى أحدها في الآخر.

الله لا يريد من عباده رزقاً

بقي السؤال: إذا كانت العبادة عملاً، والمولى قد خلق الناس ليعبدوه، فهل يعمل الناس لله كما عمل بنو إسرائيل لفرعون؟

وتجيب عنه آيات متجاورات من الذاريات؛ الأولى تذكر الغاية من الخلق:

﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

والثانية تنفي ما يطلبه كل سيد من عامله:

﴿مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ﴾ [الذاريات: 57]

والثالثة تبين من الذي يرزق:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ﴾ [الذاريات: 58]

والرزق الأكل والشراب،(١٩) والطعام الأكل المصنوع المهيأ من الرزق.(٢٠) ولم يقل: ما أريد منهم من رزق ولا طعام، بل فرّق بينهما ونفاهما واحداً بعد واحد. وهذان ما يطلبه كل سيد من عماله، وما طلبه فرعون من عابديه: عامل في الحقل يجمع له الرزق من زرعه وضرعه، وعامل في الدار يصنع له منه الطعام. أما المولى فخلق الآدمي ليعمل، ثم نفى أن يريد من عمله رزقاً يُجمع له أو طعاماً يُصنع، وختم بأنه هو الرزاق. وإذا لم يكن العمل له، فإلى من يذهب؟

يذهب إلى صاحبه. يقول المولى في الجاثية:

﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ﴾ [الجاثية: 15]

ثمر الصالح لصاحبه، وتبعة الإساءة على صاحبها، والمولى لا يأخذ من هذا ولا من ذاك شيئاً. وهنا يظهر الفرق بين العبادتين: عبادة فرعون عمل يذهب ثمره إلى السيد، وعبادة الله عمل يعود ثمره إلى العامل.

ولا عبادة لله بالإكراه. فرعون عبّد بني إسرائيل قهراً، والمولى يقول:

﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256]

وتأمل كيف جاء في الآية نفسها الكفر بالطاغوت، والطاغوت شيطان يحث أتباعه على الطغيان والظلم والإكراه في الدين. طريق الله لا إكراه فيه، وطريق الطاغوت قائم على الإكراه، والآدمي بينهما يختار بعد أن تبين له الرشد من الغي.

الله يصنع عباداً أحراراً: يرزقهم ولا يسترزقهم، ويبين لهم ولا يكرههم، ويرد إليهم ثمر عملهم.

ولا يملك أحد بعد ذلك أن يجعل الناس عاملين له من دون الله، ولو كان نبياً أوتي الكتاب والحكم:

﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79]

فلم يقل: كونوا ساجدين لي، بل قال: كونوا عباداً لي؛ فتبيّن أن الممنوع على النبي أن يجعل الناس عاملين له، تابعين لأمره من دون الله، كما جعل فرعون قوم موسى. ولهذا كانت الكلمة السواء التي دعي إليها أهل الكتاب أن ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ﴾ [آل عمران: 64].

العباد أحرار وإن أسرفوا

والعباد كل من يعقل ويملك الحرية، صالحاً كان أو مسيئاً؛ ولو أراد الأخيار وحدهم لأضاف إلى اللفظ ما يدل عليهم، كما قال "عباد الرحمن". ولم يسم القرآن البهائم عباداً مع طاعتها، لأنها تطيع ولا تدري، والعبد من أطاع وهو يعقل ويختار.(٢١)

ومن أوضح ذلك أن المولى نادى المسرفين على أنفسهم مضافين إليه:

﴿۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]

أسرفوا على أنفسهم، غير أنه ناداهم "يا عبادي"، ثم دعاهم في الآية التالية: ﴿وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ﴾ [الزمر: 54]. ولولا أنهم أحرار يملكون أعمالهم لما كان لدعوتهم إلى الرجوع معنى؛ فالمملوك لا يدعى إلى أن يختار لمن يعمل.

وبين آيات الصيام يلتفت الخطاب إلى العباد إذا سألوا عن ربهم:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]

أي سيد في الأرض يجيب عامله إذا دعاه؟ والدعاء جذب برضى المجذوب، لا دفع فيه ولا سوق؛ والمولى يجيب عباده إذا دعوه، ثم يطلب منهم أن يستجيبوا له، والاستجابة لا تكون إلا ممن يملك أن يأبى. وغاية ذلك كله أن يرشدوا، أي أن يقادوا إلى خيرهم ومنفعتهم هم، لا إلى منفعة من دعاهم.

ومشهد سورة النور أعجب. يأمر المولى بتزويج الأيامى، ويذكر معهم من كانوا في خدمة الناس:

﴿وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ [النور: 32]

فلم يقل: والصالحين من عبيدكم، بل قال: من عبادكم. وهؤلاء رجال في خدمة غيرهم، بيد أن القرآن لم يسمهم عبيداً، بل أعطاهم الاسم الذي يعطيه للأحرار من خلقه؛ ثم أمر في الآية التالية بمكاتبة من طلبها منهم: ﴿وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ﴾ [النور: 33]، ونهى عن الإكراه: ﴿وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ﴾ [النور: 33]. والذي يستوقف الناظر أن القرآن لم يجمع العبد المملوك على "عبيد" في موضع واحد، وأن لفظ العبيد لم يأت فيه إلا خمس مرات، كلها في مقام واحد سنقف عليه.

كيف يتخذ الشيطان عبيده

وبإزاء الحرية التي أعطاها الله عباده، لم يجعل للشيطان عليهم سلطاناً إلا من باب يفتحونه له بأيديهم:

﴿إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42]

فالذي يتبعه يخرج بقدمه من حماية "عبادي" إلى سلطانه، والسلطان قوة تجعل صاحبها متمكناً من رقاب الآخرين. وهو مع ذلك باق في عدل الله لا يخرج منه، لكنه صار يعمل لغيره.

ولهذا عهد المولى إلى بني آدم عهداً فيه تحذير:

﴿۞ أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ﴾ [يس: 60]

ولسنا ندري كيف يفهم هذا العهد من جعل العبادة طقوساً وهيئات؛ فمن ذا الذي ينحني للشيطان ويضع جبهته له؟ لا يكاد يفعله أحد. وعبادة الشيطان إذن عمل يعمله الآدمي في طريقه، ولو لم يسمه عبادة ولم ينحن له مرة واحدة؛ ولهذا قابلها بقوله ﴿وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ﴾ [يس: 61]، والمقابلة بين طريقين يسلكهما العامل، لا بين هيئتين. ثم قال بعدها: ﴿وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ﴾ [يس: 62]؛ فالذين أضلهم كثير، والذين ينحنون له يكادون لا يوجدون.

وتأتي ساعة الحساب فينكشف ما كان مستوراً:

﴿وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [إبراهيم: 22]

لم يكن له عليهم سلطان إلا أن دعاهم فاستجابوا؛ وعدهم فأخلفهم، ثم رد إليهم اللوم كاملاً، وكفر بما أشركوه به من قبل. وما فعله بهم كان قد أعلنه منذ البداية:

﴿لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا﴾ [النساء: 118]

والنصيب أحقية في القسمة، والمفروض نصيب محدد بقانون منتظم؛ فالشيطان يطلب من عباد الله حصة معلومة يقتطعها لنفسه، كما يفرض السيد على عماله ما يؤدونه إليه. ثم كشف وسيلته:

﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا﴾ [النساء: 119]

إضلال، وهو إرشاد إلى الطريق الخاطئ؛ وتمنية؛ وأمر يتبعه عمل. والشيطان لا يعمل بيده، بل يأمر وأتباعه ينفذون: يبتكون آذان الأنعام، ويغيرون خلق الله. أما الأجر الذي يدفعه لهم فهذا هو:

﴿يَعِدُهُمۡ وَيُمَنِّيهِمۡۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: 120]

والغرور إيهام بالامتلاء مع فراغ في الداخل؛ يعطيهم وعداً منتفخاً لا شيء فيه، ويأخذ عملهم حقيقياً. وهذا هو التسخير بعينه، والتسخير الاستفادة من الشيء أثناء حركته، كما تجري الريح فينتفع بجريانها غيرها؛ والشيطان ينتفع بحركة أتباعه وعملهم وهم يحسبون أنهم يعملون لأنفسهم، ثم يتبرأ منهم يوم الحساب؛ أحشفاً وسوء كيلة؟ هذه هي السخرة: عمل بلا أجر، ثم تبعة بلا شريك.

الشيطان لا يطلب من عبيده طقساً ولا هيئة؛ يطلب عملهم، فيأخذ ثمره ويترك لهم تبعته.

من هم العبيد؟

جاء لفظ العبيد في القرآن خمس مرات، كلها في نفي الظلم: "ليس بظلام للعبيد"، أو "وما ربك بظلام للعبيد"، أو "وما أنا بظلام للعبيد"، فمن هؤلاء العبيد؟ ويكشفهم ما يسبق كل موضع منها.

يقف الكافر العنيد في ق بين يدي ربه ومعه قرينه، فيتبرأ القرين منه:

﴿۞ قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطۡغَيۡتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ﴾ [ق: 27]

وهو يقول ما قاله الشيطان يوم الحساب في إبراهيم: لست أنا؛ ثم يأتي الحكم:

﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾ [ق: 29]

وفي فصلت تأتي القاعدة:

﴿مَّنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]

العمل مرة أخرى، وثمره لصاحبه: صالحه له وسيئه عليه. ونفي الظلم في آخر الآية يلي "ومن أساء فعليها" مباشرة؛ فالظلم لا يخشى على من رجع إليه ثمر صلاحه، وإنما ينفى عن الحكم على من حمل تبعة إساءته. والسورة نفسها قد ذكرت قبل ذلك القرناء الذين قيضوا لهؤلاء: ﴿وَقَيَّضۡنَا لَهُمۡ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ﴾ [فصلت: 25]، وذكرت الأتباع يوم القيامة يطلبون أن يروا من أضلهم: ﴿رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيۡنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ نَجۡعَلۡهُمَا تَحۡتَ أَقۡدَامِنَا﴾ [فصلت: 29]. والقرين شيطان، كما قال المولى في الزخرف:

﴿وَمَن يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ نُقَيِّضۡ لَهُۥ شَيۡطَٰنٗا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞ﴾ [الزخرف: 36]

وتذكر سورة الحج صنفاً من الناس مرتين بالمطلع نفسه. في المرة الأولى:

﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ﴾ [الحج: 3]

وفي الثانية يزيد عليه أنه ﴿ثَانِيَ عِطۡفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۖ﴾ [الحج: 9]، ثم يقال له:

﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾ [الحج: 10]

فالذي اتبع كل شيطان مريد في أول السورة صار في الموضع الثاني يعمل عمل الشيطان نفسه، يضل الناس عن سبيل الله. وهذه أبلغ صور السخرة: أن يصير التابع يداً لمتبوعه يعمل بها في غيره.

وفي الأنفال قوم خرجوا للقتال، ومعهم من زين لهم الطريق:

﴿وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الأنفال: 48]

فلم يقل: زين لهم عبادته، بل قال: زين لهم أعمالهم؛ والزينة إضافة تجعل الشيء جميلاً محبباً إلى النفس، فجمل لهم العمل حتى عملوه. ووعدهم الجوار والنصرة، فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه، والنكص رجوع عن الموعد غدراً وخسة، وقال: إني بريء منكم. ثم يأتي بعد قليل مشهد الملائكة: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ﴾ [الأنفال: 50]، ويختم المشهد بقوله:

﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾ [الأنفال: 51]

وفي آل عمران قوم قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء، وقتلوا الأنبياء بغير حق، فقيل لهم:

﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾ [آل عمران: 182]

وكشف النص في الآية التالية مصدر دينهم:

﴿ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأۡتِيَنَا بِقُرۡبَانٖ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [آل عمران: 183]

عهد اخترعوه ونسبوه إلى الله، وجعلوا شرطه طقساً: قرباناً تأكله النار؛ ثم رده النص عليهم بأن الرسل جاؤوهم بما طلبوا فقتلوهم. والعهد الذي عهده الله إلى بني آدم شيء آخر: ألا يعبدوا الشيطان. وترك هؤلاء العهد الحق، وعملوا بعهد مخترع، وجعلوا الطقس باباً للإيمان، وزعموا أن الله فقير يحتاج إليهم، والمولى يقول: "ما أريد منهم من رزق".

العبيد في القرآن قوم عملوا لغير الله: زين لهم الشيطان أو قرينه أعمالهم، أو عملوا بعهد مخترع؛ فذهب ثمر عملهم إلى من اتبعوه، وبقيت عليهم تبعته، والله مع ذلك لا يظلمهم.

وهنا دقيقة. قال المولى "عبادي" في ستة عشر موضعاً والياء فيها ظاهرة، ولم يقل "عبيدي" مرة واحدة، ولم يأت لفظ العبيد في القرآن إلا مع نفي الظلم؛ فهم عبيد بالسيد الذي اختاروه، وهم في الوقت نفسه من عباد الله الذين يرعاهم ويعدل فيهم. ولهذا يقول لهم يوم الحساب إنه ليس بظلام لهم، وقد عملوا لعدوه.

ونفي الظلم عن العباد جاء مرة واحدة، على لسان آخر وفي وقت آخر. يقف مؤمن آل فرعون في قومه نذيراً: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُم مِّثۡلَ يَوۡمِ ٱلۡأَحۡزَابِ﴾ [غافر: 30]، ثم يقول:

﴿مِثۡلَ دَأۡبِ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ﴾ [غافر: 31]

قالها والقوم بعد أحرار يملكون أن يرجعوا، فنفى أن يريد الله بهم ظلماً. أما العبيد فنفي الظلم عنهم يأتي عند الجزاء، وبعد ذكر ما قدموا: "بما قدمت أيديكم"، و"بما قدمت يداك"، و"من أساء فعليها"؛ فالعباد ينذرون والطريق أمامهم مفتوح، والعبيد يحاسبون وقد سلكوا طريق غيرهم.

الألف والياء

بقي الفرق في الصورة نفسها: لماذا عباد بالألف، وعبيد بالياء؟

الألف في جدول الحروف امتداد فاعل، والياء انطواء؛(٢٢) فمن سيق بالحق في سبيل مضاءة فهو من العباد بالألف الممتدة، ومن سيق بالغرور حتى صار مقهوراً تحت سلطان من تولاه فهو من العبيد بالياء المنطوية.

وتلك السبيل المضاءة سبيل الرسول ومن اتبعه: ﴿أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ﴾ [يوسف: 108]، والبصيرة سبيل مضاءة يمكن الإبصار فيها؛ فمن سار فيها رأى مواقع قدميه، ولذلك يمتد منه الفعل.

وليس السوق نفسه هو الفارق؛ فالقرآن قال في الفريقين يوم الحساب: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ﴾ [الزمر: 71]، ثم قال بعدها بآيتين: ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ﴾ [الزمر: 73]. وإنما الفارق فيمن يسوق، وبأي شيء يسوق: الله يسوق عباده بالحق ويضيء لهم الطريق، والشيطان يسوق أتباعه بالغرور والوهم فيمشون وراءه لا يرون، حتى إذا تولوه صار له عليهم سلطان: ﴿إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ﴾ [النحل: 100]؛ فهم مقهورون بعد أن كانوا مخدوعين، وينطوي عليهم فعله. وبهذا تكتمل الصورة: العباد قوة حرة تعمل على وجهها ويعود إليها ثمرها، والعبيد قوة مسلوبة، تعمل في الدنيا لمن تولته وفائدتها له، ثم تُنزع منها القوة والفائدة معاً عند الجزاء، وعنده وحده جاء لفظ العبيد في مواضعه الخمسة.

والعربية تقلب الألف ياء حين ينتقل الفعل من فاعله إلى ما وقع عليه: قال وقيل، وباع وبيع. وعلى وزن فعيل تأتي أسماء من وقع عليه الفعل: قتيل وأسير وجريح وصريع.

وفي سورة الفرقان يتقابل المشهدان. قوم اتخذوا إلههم هواهم، فقال فيهم:

﴿أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44]

وعباد الرحمن في آخر السورة على الضد منهم:

﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَمۡ يَخِرُّواْ عَلَيۡهَا صُمّٗا وَعُمۡيَانٗا﴾ [الفرقان: 73]

أولئك كالأنعام تساق بلا سمع ولا عقل، وهؤلاء إذا ذكروا بآيات ربهم أقبلوا عليها بسمع وبصر. ولم يجعل القرآن الفرق بين الفريقين في الهيئات، بل في العقل والاختيار: من يسمع ويعقل فيعمل وهو يدري، ومن يساق في الوهم فيعمل وهو لا يدري لمن يعمل.

وقد أحس العرب بهذا الفرق في كلامهم، وسجله «الخليل» فقال: "إن العامة اجتمعوا على تفرقة ما بين عباد الله، والعبيد المملوكين"؛(٢٣) وذكر «ابن سيده» قوماً من نصارى الحيرة فقال: "والعباد: قوم من قبائل شتى من العرب اجتمعوا على النصرانية، فأنفوا أن يتسموا بالعبيد وقالوا: نحن العباد".(٢٤) قوم أنفوا من الياء ورضوا بالألف، ولا نحسبهم أنفوا إلا لأنهم سمعوا في العبيد ذلة من يساق مقهوراً، وفي العباد كرامة من يعمل وهو حر.

وفي النساء آية تبين أن الأنفة لا تكون من العمل لله:

﴿لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا﴾ [النساء: 172]

فالمسيح الذي ينتسب إليه أولئك القوم لا يأنف أن يكون عبداً لله، والعبد المضاف إلى الله في عناية وقرب؛ وإنما الأنفة من أن يعمل الآدمي لغيره ويساق في طريقه. وقرن النص الاستنكاف بالاستكبار، فمن أبى أن يعمل لله فقد استكبر عليه.

العباد بالألف قوة حرة يسوقها الله بالحق في سبيل مضاءة فيمتد منها الفعل، والعبيد بالياء قوة مسلوبة يسوقها الشيطان بالغرور حتى يقهرها بسلطانه فينطوي عليها فعله.

الخاتمة: العامل وسيده

افتتحنا بعامل في بستان سيده، وسألنا: كيف صارت العبادة هيئات؟ وقد تبين أن العبادة عمل، والعبد قوة عاملة، والفرق كله في السيد الذي يذهب إليه العمل، وفي ما يصنعه العمل بصاحبه.

والله يصنع عباداً أحراراً: لا يريد منهم رزقاً ولا طعاماً، ولا يكرههم على شيء، ويرد إليهم ثمر ما عملوا، وينادي المسرف منهم "يا عبادي" ليرجع. والشيطان يتخذ عبيداً: يزين لهم أعمالهم، ويعدهم غروراً، ويقتطع نصيبه المفروض من جهدهم، ثم ينكص على عقبيه ويقول: إني بريء منكم؛ وإنك لا تجني من الشوك العنب. ومن فر من العمل لله يحسب أنه يتحرر من العبودية، وقع في سخرة الشيطان، كالمستجير من الرمضاء بالنار.

العبادة عمل لا طقوس؛ والله يدعو ابن آدم إلى أن يكون عاملاً حراً يعود عليه عمله، والشيطان يستدرجه ليكون سخرة يذهب عمله إلى عدوه.

هذا والله أعلم.

اللهم اجعلنا من عبادك الذين يعملون لك وهم أحرار، ولا تجعلنا عبيداً لعدوك.

(١)الخليل، «العين»، ت مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، جـ2 ص50. ↩
(٢)ابن فارس، «مقاييس اللغة»، ت عبد السلام هارون، جـ4 ص206. ↩
(٣)مقالنا «حرف الباء: لماذا هو التراكم؟»، ومقالنا «حرف الدال: لماذا هو الدفع للأمام؟». ↩
(٤)مقالنا «حرف العين: لماذا هو الجسمُ الظاهرُ بعد خفاء؟». ↩
(٥)مقالنا «سداسية (ع ب د): إقبال وإدبار». ↩
(٦)«مقاييس اللغة»، جـ4 ص205. ↩
(٧)الأزهري، «تهذيب اللغة»، ت محمد عوض مرعب، جـ2 ص141. ↩
(٨)«تهذيب اللغة»، جـ2 ص140. ↩
(٩)الزجاج، «معاني القرآن وإعرابه»، ت عبد الجليل عبده شلبي، جـ1 ص48. ↩
(١٠)ابن سيده، «المحكم والمحيط الأعظم»، ت عبد الحميد هنداوي، جـ2 ص26. ↩
(١١)«مقاييس اللغة»، جـ2 ص434. ↩
(١٢)مقالنا «الخضوع والخشوع في القرآن المكرم». ↩
(١٣)الجوهري، «الصحاح»، ت أحمد عبد الغفور عطار، جـ3 ص1222. ↩
(١٤)«تهذيب اللغة»، جـ1 ص203. ↩
(١٥)«مقاييس اللغة»، جـ3 ص133. ↩
(١٦)«الصحاح»، جـ2 ص484. ↩
(١٧)«تهذيب اللغة»، جـ10 ص302. ↩
(١٨)«الصحاح»، جـ2 ص483؛ وابن منظور، «لسان العرب»، جـ3 ص206. ↩
(١٩)مقالنا «الرزق في القرآن المكرم». ↩
(٢٠)مقالنا «سداسية (ط ع م) بين كتلة تلاصق فتدخل وكتلة تمد فتنزع». ↩
(٢١)مقالنا «سداسية (ع ب د): إقبال وإدبار». ↩
(٢٢)مقالنا «حرف الألف: لماذا هو الامتداد؟»، ومقالنا «حرف الياء: لماذا هو الانطواء؟». ↩
(٢٣)«العين»، جـ2 ص48. ↩
(٢٤)«المحكم والمحيط الأعظم»، جـ2 ص26؛ و«الصحاح»، جـ2 ص504. ↩

التعليقات (0)