بقلم علي موسى الزهراني
في بطن الروضة منخفضٌ تسمّيه العرب الخبراء، يبقى فيه الماء حيّاً إلى القيظ، وقد انقطع المطر الذي ملأه منذ أشهر. المطر حدثٌ مضى، وماؤه حاضرٌ يخوض فيه الناس، وحوله سدرٌ وعشب. ومن هذه الأرض خرج اسم الخبر والخبير؛ فالخبر حدثٌ حيّ، أو حالٌ قائمة، أو عملٌ يجري، والخبير يعلم ذلك العمل في جريانه، ويعرف ما يستمر منه وما يتكرر. وليس خفاء العمل هو الذي يصنع معنى الخبرة، فالعمل نفسه قد يراه إنسان ويجهل أحواله إنسان آخر.
قد يرى المسافر ملكًا يأخذ سفينة، لكنه لا يعرف إن كان الأخذ واقعة منفردة أم منهجًا يتكرر مع كل سفينة تمر به. وقد يرى رجلًا يقيم جدارًا، لكنه يجهل ما يترتب على انهياره، ومن ينتفع بإقامته. الفارق بين المشاهدة الجزئية والخبرة يظهر في معرفة الفعل الجاري، وعلاقاته، وما يبقى من حال فاعله.
ولهذا تكثر في القرآن صلة الخبير بما يعمل الناس ويفعلون ويصنعون. وفي هذا المقال نتتبع هذه الصلة من الأرض الليّنة إلى أسماء الله، ونبحث عن الكتلة التي خرج منها الجذر وأخواتها، ثم نميّز الخبرة من العلم والبصر والإحاطة، ونفرّق بين الحال المستمرة والواقعة التي انقضت، وننظر في الشواهد التي تتصل بالبعث أو بالفعل الماضي.
من الخبراء إلى الخبير
العلم في هذه المادة فرعٌ، وأصلها أرض. قال الخليل: «الخبراء: شجر في بطن روضةٍ يبقى الماء فيها إلى القيظ، وفيها ينبت الخَبْرِّ وهو شجر السِّدْر والأراك، وحواليها عشبٌ كثيرٌ»، وقال: «والخَبْر من مناقع الماء: ما خَبَّرَ المسيل في الرءوس، فيخوض الناس فيه»، وقال: «والخَبارُ: أرض رخوة يتتعتع فيها الدواب»(١).
ثلاث صور لشيء واحد: منخفضٌ ليّن، فيه ماءٌ بقي بعد السيل، يدخله الناس وتغوص فيه قوائم الدواب. ونلاحظ أن الخليل لم يقل: ما خلّفه المسيل، بل قال: ما خبّر المسيل؛ فجعل الفعل للسيل نفسه، فالسيل يمرّ ويمضي، وخبره ماؤه الذي بقي في الرؤوس حاضراً يُخاض فيه. وهذا هو الخبر في كلام الناس إلى اليوم: حدثٌ وقع ولم يجفّ بعد، والناس يخوضون فيه.
ويجعل ابن فارس المادة أصلين: «الخاء والباء والراء أصلان: فالأول العِلم، والثانى يدل على لينٍ ورَخاوة وغُزْرٍ»، ثم يسوق من الثاني «قولُهم للناقة الغزيرة: خَبْرٌ. وكذلك المَزَادة العظيمة خَبْرٌ»، والزبد خبير، والنبات الليّن خبير، و«يقال مكانٌ خَبِرٌ، إذا كان دفيئاً كثيرَ الشَّجَر والماء»(٢)، فالباب كله ماءٌ أو لبنٌ أو نباتٌ حيّ في وعاءٍ ليّن: روضة، أو ضرع، أو مزادة. ولست أدري لماذا فصل ابن فارس العلم عن هذا كله وجعله أصلاً مستقلاً، والجسر بينهما قائم في كلام الخليل نفسه، فمن الخبير في أول أمره؟
الجواب عند الخليل: «والخَبْرُ والمُخَابَرة: أن تَزْرَعَ على النصف أو الثلث ونحوه، والأكار: الخبيرُ، والمُخابرة: المُؤاكَرَة»(١)، وقال ابن فارس إن الأكار سُمّي خبيراً لأنه يصلح الأرض ويدمّثها ويليّنها(٢)، فالخبير رجلٌ يعمل الأرض الليّنة موسماً بعد موسم، فيعرف أين تسيخ القدم، وأين يقف الماء، وماذا تُخرج الأرض إن سُقيت. ولم يأخذ علمه من حكاية تُروى له، بل من مخابرة الأرض ومعاشرتها. ولهذا سُمّيت المزارعة مخابرة: شراكةٌ في عملٍ جارٍ لا ينقطع، يُقسم ناتجه بالنصف أو الثلث.
فالخبير في أصله من يعرف الماء الباقي بعد المطر: أين بقي، وكم يبقى، ومتى يجفّ. ونلاحظ أن الخليل قال في الخبراء: «يبقى الماء فيها إلى القيظ»، والقيظ هو الحرّ الذي يُبخّر الماء في غيرها؛ فماء الخبراء صمد للحرّ فبقي، وغيره لم يصمد فطار. والناس يسألون الخبير: أبقي في خبراء كذا ماء؟ فيجيب عن حالٍ جارية، لا عن حكاية.
الخبر في أصله الماء الباقي بعد المطر، يصمد للقيظ ويُخاض فيه، والخبير من يعرف أين بقي ومتى يجفّ، فإذا تبخّر الماء لم يبق خبر.
ثم انتقل اللفظ من الأرض إلى الإنسان. قال الخليل: «والخبيرُ: العالِمُ بالأمر. والخُبْرُ: مَخْبَرةُ الإنسان إذا خُبِرَ أي جُرِّبَ فبدت أخباره أي أخلاقه. والخبرة: الاختبار، تقول: أنت أبطن به خِبْرةً، وأطوَلُ به عشرةً»(١)، فكما تُختبر الأرض بالوطء فيُعرف ليّنها من صلبها، يُختبر الإنسان بالمعاشرة فيُعرف ما يجري منه. وجملة «أبطن به خبرة، وأطول به عشرة» تكشف الطريق: الخبرة تأتي من طول المعاشرة لا من لمحة عابرة.
ويقول الجوهري: «والاستِخْبارُ: السؤال عن الخَبَر»(٣)، وفي لسان العرب: «مَنْ أَين خَبَرْتَ هَذَا الأَمر أَي مِنْ أَين عَلِمْتَ؟»(٤)، وفي تاج العروس: «والخَابِرُ: المُخْتَبِرُ المُجَرِّب»(٥)، وترد فيه عبارة العلم ببواطن الأشياء.
وهذه المعاني المعجمية تحفظ صلة الخبرة بالعلم والاختبار والمعاشرة، لكنها لا تفصل دائماً بين معرفة الواقعة ومعرفة السلوك الذي يتكرر. وتعريف الخبر بالنبأ في بعض المعاجم لا يحسم الفرق القرآني بينهما؛ فالاستعمال القرآني هو الذي يحدد جهة كل لفظة في سياقها.
أما تفسير الخبير بالعلم بالبواطن فيصف جانباً من موضوع معرفته، ولا يصلح حدّاً للجذر، فالخفاء والكتمان والسر لها ألفاظها، وقد تكون الخبرة بأمر مكشوف لمن يعرفه. والأكار لا يعرف الأرض لأنها مخفيّة عن غيره، بل لأنه عاشرها وهي تجري. واختصاص الله بمعرفة أمر غائب عن البشر لا يجعل الغياب نفسه معنى الخبرة، فالخبرة تتعلق بحقيقة الحال الجارية، والخفاء يصف علاقتها بمن لا يعلمها.
كتلة الخبر: (خب) ومقلوبها (بخ)
بقي السؤال: لماذا اجتمع الماء الباقي والأرض الليّنة والعلم بالأحوال في ثلاثة أحرف؟
والجواب في الحرفين الصلبين، فالراء في (خ ب ر) حرفٌ سيّال يدور ولا يعقد، والخاء والباء يعقدان الكتلة. وقد يُحسب أن الكتلة (خر) أو (بر) لأن الراء تعقد في جذور أخرى، غير أن (خر) انفراجُ منفذٍ في جرم كما في الخرق والخرم، و(بر) البرّ اليابس المنبسط؛ ولا شيء منهما يحمل ماءً يقف في منخفض ليّن. أما (خب) فقد حملته بلفظه.
قال الخليل في المضاعف، وهو الكتلة عارية: «والخُبَّةُ: مكان يستنقع فيه الماء، فتنبت حوله البقول»، وقال: «والمخَبَةُ والخَبيبةُ: بطنُ الوادي. والخبخاب: رخاوة الشيء المضطرب. وتَخَبْخَبَ لحمهُ إذا اضطرب»، وقال: «والخِبُّ: هَيْجُ البحر، يقال: أصابهم الخِبُّ إذا اضطربت أمواج البحر»(٦)، فالخُبّة هي الخبراء نفسها: ماءٌ يستنقع في منخفض، ونباتٌ حوله. ومعها بطن الوادي، والبحر إذا هاج، واللحم الرخو إذا اضطرب. وفي المادة نفسها: الخَبَب «ضرب من العدو»، تخبّ فيه الدابة فيرتجّ راكبها، و«الخِبُّ: الجربزة» أي الخداع، وقد ردّه ابن فارس إلى أصله فقال: «وهذا مشتقٌّ من خَبَّ البَحْرُ اضطَرَبَ»(٧)، فما الذي يجمع الماء الراكد والبحر الهائج والخداع؟
يجمعها جوفٌ يحتضن مائعاً حيّاً، فالماء في الخُبّة ساكن، وفي البحر هائج، وفي اللحم الرخو يرتجّ؛ لكنه في الأحوال كلها مائعٌ في وعاء ليّن، لم يتجمّد ولم يفارق وعاءه. والخدّاع من هذا الباب، فباطنه يموج بما لا يظهر على وجهه. وعلى هذا تمضي الأخوات، فالخَبْت «ما اتسع من بطون الأرض»(٨)، منخفضٌ واسع يستقبل ما ينزل إليه. وخبأ إدخال الشيء في مكانٍ خفيّ يحفظه(٩). وفي خبا قال الخليل: «خَبَتِ النّار تخبو خَبْواً أي: طَفِئَت»، و«خَبَتِ الحرب: سكنت»(٩)؛ فهو سكون ما كان يفور في جوفه. والخُبنة عند الخليل تُبّان الرجل، «وهو ذلذل ثوبه المرفوع»، يُرفع فيه الشيء ويُحمل(١٠). والمخبصة عند الخليل «ما يقلب به الخبيص في الطنجير»(١١)، فالخبيص مائعٌ يُحرّك في قدره.
ومن الكتلة ما يصف القائم على أرضٍ ليّنة، ففي خبل يقول الخليل: «والخَبْل: فساد في القوائم حتى لا يدري كيف يمشي»، وفيه: «واختبالها: ألا تثبت في مواطئها»(١٢)؛ وهذه مشية الدابة في الخبار تماماً. وأول ما في المادة عنده الخبل جنونٌ أو شبهه في القلب، وهو القلب الذي لا يثبت على شيء كما لا تثبت القوائم في مواطئها. وفي خبط: «والخِبْطةُ: شيء من ماء ولبن قليل»(١٣)، وفيها «الخبيط: حوض خَبَطَتْه الإبل حتى هدمته». وإذا تأخرت الكتلة في الجذر بقيت الصورة: «وعين صَخِبَةٌ، إذا اصطفقت عند الجيشان»(١١)، فهي ماءٌ يموج في عينه حتى يُسمع.
وهذه عشرة جذور: خبب، وخبر، وخبت، وخبأ، وخبو، وخبن، وخبص، وخبل، وخبط، وصخب. وبقي خارج الحدّ خبس، وهو عند ابن فارس «أخْذ الشئ قهراً وغَلَبة»(١٤)، وخبق وهو السير المرتفع(١٥)، ونخب وفيه النخبة خيار الشيء والمنخوب الذاهب لحمه، فتتنازعه جهتان. ولا يهدم هذا اتفاق العشرة. أما خبث الحديد فقال فيه الخليل: «مما يذاب بالنار، وهو ما يبقى من رداءته إذا أخلص جيده»(١٦)، فهو أثرٌ في جوف المذاب.
(خب): جوفٌ ليّن يحتضن مائعاً حيّاً، يتجمّع فيه، ويموج، ويسكن، ويبقى.
وإذا انعكس الحرفان اختلفت الجهة. قال الخليل في المضاعف المقلوب: «تَبخبخ الحر: سكن بعض فورته، وتَبَخْبَخَتِ الغنم: سكنت حيث كانت»، وذكر أن اللحم يتبخبخ إذا صوّت من الهزال(٦)؛ وأكثر ما في المادة بعد ذلك حكاية صوت: «بَخْ» كلمة الإعجاب، وبخباخ هدير الجمل. ثم قال في بخر: «وكل شيءٍ يسطع من ماء حار فهو بُخار»(١٧)، وفي بخس: «البَخَسُ: أرض تنبت من غير سقيٍ»(١٨)، فهي أرضٌ تنبت دون سقي، بخلاف الخبراء التي يبقى الماء في منخفضها؛ ومن المادة نفسها فقء العين، ونقص الحق. ومن الباب البخق، وهو إذهاب العين(١٩)، والبخع وهو قتل النفس غيظاً من شدة الوجد(٢٠)، فهذه كلها جوفٌ يفارقه ما فيه، أو تسكن فورته، فيرتخي الجرم وينقص.
(خب) تحفظ المائع حيّاً في جوفه، و(بخ) تُطلقه فيتبخّر، أو تُفرغ منه الجوف فيرتخي. حرفان، عُكس ترتيبهما فاختلفت الجهة.
سداسية (خ ب ر)
عقد الخليل للحروف الثلاثة باباً واحداً، وسمّى في رأسه ثلاثة: «باب الخاء والراء والباء معهما خ ر ب، ب خ ر، ر ب خ مستعملات»(٢١)، ثم ذكر في متنه خبر وبرخ أيضاً. وأهمل رخب فلم يذكره، فكيف تُقرأ الخمسة بالكتلتين؟
أما خبر فقد مرّ: ماءٌ حيّ باقٍ في جوفه الليّن، والراء في آخره زخمٌ يُبقيه جارياً. وبخر مقابله التام. الماء الذي كان في الجوف يسخن فيثور ويطير، فلا يبقى شيء يُخاض فيه. والقيظ الذي عجز عن ماء الخبراء هو الذي يصنع البخار من غيره؛ فالحرّ واحد، وما صمد له خبر، وما لم يصمد بخار. وهنا لطيفة: الخبر ما بقي حاضراً من الحدث، والبخار ما فارق وعاءه وتفرّق في الهواء.
وأما ربخ فقال فيه الخليل: «وربِخَت الإبل في المُرْبخِ أي فترت في ذلك الرمل من الكلال»(٢٢)، وفيه أن الربوخ «المرأة يغشى عليها عند الملامسة»، فهو فتورٌ واسترخاء بعد قوة، من باب (بخ).
وأما خرب فالكتلة (خر) فيه أظهر، فالخُربة عند الخليل عروة المزادة، «وكل ثقبةٍ مستديرة فهي خُرْبةٌ»(٢٣)، فهو من (خر) لا من (خب).
وأما برخ فهو عند الخليل: «البَرْخ: ضربٌ بالسيف يقطع بعض اللحم. والبَرْخُ: الرخيص بلغة عمان»، وذكر أن «بَرِّخُوا أي بَرِّكُوا، أخَذَها من النَّبَطيّة»(٢٤)، فالدخيل «برّخوا» وحدها، وأما البرخ فضربٌ يذهب ببعض اللحم، ورخصٌ يذهب ببعض الثمن؛ وهذا نقصٌ على حدّ (بخ)، كالثمن البخس. ورخب مهمل، والميت لا يُحيا بالتكلّف.
وبهذا انحلّت السداسية: خبر وبخر متقابلان تقابلاً تاماً، وربخ وبرخ يلحقان بمقلوب الكتلة، وخرب تحكمه (خر)، ورخب مهمل.
الخبرة والعلم والبصر والإحاطة
النعوت التي تتعلق بالمعرفة لا تؤدي وظيفة واحدة لمجرد أن متعلقها واحد، فالعمل الذي يعلمه العالم هو نفسه الذي يبصره البصير ويحيط به المحيط ويخبره الخبير؛ لكن اختلاف الجهة هو سبب اختلاف النعت. العلم يدل على المعرفة، والبصر على إدراك ما يُبصر، والإحاطة على شمول العلم بالشيء، أما الخبرة فتتجه إلى الفعل في جريانه والحال في استمرارها.
وعندما يقال إن الله عليم بالكافرين أو محيط بهم، فإن الكلام يقرر معرفته بهم وإحاطته بأحوالهم. وعندما يقال إنه خبير بما يعملون، فإن النظر يتجه إلى عملهم الذي يصدر منهم ويستمرون عليه. لا يعني هذا أن علم الله لا يتناول المستقبل، أو أن بصره يغيب عنه الفعل الجاري؛ وإنما يبين الجهة التي يبرزها كل نعت.
ويتضح اجتماع الجهات في قوله:
﴿وَأَسِرُّواْ قَوۡلَكُمۡ أَوِ ٱجۡهَرُواْ بِهِۦٓۖ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ [الملك: 13].
﴿أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].
الآية الأولى تجمع إسرار القول والجهر به، وتقرر العلم بذات الصدور، ثم تأتي الثانية بالخلق وباللطيف الخبير، فالخالق يعلم الإنسان وما في صدره، ويعلم ما يصدر عنه. لا ينتهي النظر عند معلومة ساكنة عن شخص، بل يتصل بما يقوله ويكتمه ويجهر به، وبما يدفعه إلى ذلك.
ومن هنا لا يصح اتخاذ اشتراك هذه النعوت في المضارع دليلًا على ترادفها، فالقول إن بصيرًا وعليمًا يأتيان مع «تعملون» صحيح، لكنه لا يجيب عن سبب اختيار «خبير» في موضع، واختيار «بصير» أو «عليم» في موضع آخر. المضارع قرينة على الفعل الذي تجري معرفته، والفرق بين النعوت يحتاج قراءة الجهة التي يتناول بها كل منها ذلك الفعل.
خبر في القرآن
يأتي الجذر في القرآن بصيغ الخبر والخُبر والأخبار والخبير، ولكل صيغة جهتها في السياق. فالخَبَر ما يطلبه السائل من واقع حاضر، والخُبر الإحاطة بأحوال ذلك الواقع، والخبير من يعلم ما يصدر عنه وما يستمر منه. وتظهر هذه الجهات في طلب موسى الخبر عند النار، وفي معرفته بأحوال السفينة والملك والجدار، وفي الأخبار التي يظهرها الابتلاء.
الخبرة بالفعل الجاري
تأتي الخبرة متصلة بما يعمل الناس ويفعلون ويصنعون، فيتجه النظر إلى الفعل الصادر منهم: كيف يجري، وما يتكرر منه، وما يكشفه من حال صاحبه. وليست صيغة المضارع وحدها كافية لتحديد معنى الخبرة؛ فالعمل نفسه يتعلق به العلم والبصر والإحاطة، وإنما يتبين اختلاف النعت من الجهة التي يبرزها السياق.
وحين يأتي الخبير متصلًا بالعباد أو بذنوبهم، أو مقترنًا بالحكيم واللطيف والعليم، ننظر فيما يبيّنه السياق من أحوالهم وأفعالهم. وكذلك في مشهد القيامة: يُقرأ النعت مع ما يجري في ذلك المشهد، ومع ما يصدر عن الناس فيه. فالمطلوب فهم الصلة بين الخبرة وموضوعها، وبيان الفعل أو الحال التي تتناولها.
الخبر الذي طلبه موسى عند النار
﴿إِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهۡلِهِۦٓ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا سَـَٔاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ ءَاتِيكُم بِشِهَابٖ قَبَسٖ لَّعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ﴾ [النمل: 7].
وتذكر الروايات أن موسى كان في طريقه من مدين تائهاً بأهله في ليلٍ بارد، وقد فقد الطريق والنار والماء. ومن بقي في البرية بلا ماء فحاجته إلى الماء أشدّ من حاجته إلى الدفء، فطلب الأمرين معاً: قبساً يصطلون به، وخبراً. والخبر هنا على أصله: موضع الماء الباقي بعد المطر، يعرفه من أوقد تلك النار، لأن أهل البرية لا ينزلون إلا قريباً من ماء. ولهذا قال «منها بخبر»: يأتي به من عند النار كما يأتي منها بالقبس.
وجاءت القصة نفسها في القصص بالجذوة مكان الشهاب:
﴿۞ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ وَسَارَ بِأَهۡلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارٗاۖ قَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ جَذۡوَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ﴾ [القصص: 29].
وجاءت في طه بلفظ آخر بدل لفظ الخبر:
﴿إِذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى﴾ [طه: 10].
فالهدى هناك هو الخبر هنا: هادٍ يقف على النار فيدلّه على طريق الماء الباقي. وقد نُقل عن عكرمة في هذه الآية: «هاد يهديني إلى الماء»(٢٥)، وذكر ابن عطية في خبر تلك الليلة: «ويروى أنه فقد الماء فلم يدر أين يطلبه»(٢٦)، وذكر عند تفسير سورة النمل أنهم «مشوا في ليلة ظلماء ذات برد ومطر»(٢٧). وليلةٌ ممطرة تترك في الأرض مناقع وخبراوات، يعرفها أهل المكان ويجهلها الغريب التائه.
ولا يجعل هذا الخفاءَ أصلاً للخبر؛ فالماء الباقي غائبٌ عن موسى وأهله، وليس غائباً عن أهل المكان. والمطلوب معرفة حالٍ جارية في الأرض: أين بقي الماء الليلة، لا حكايةٌ ماضية عنه.
الخُبر الذي لم يحط به موسى
﴿وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا﴾ [الكهف: 68].
اللفظة هنا خُبرًا بضم الخاء، وهي من المعرفة والخبرة. وموسى يرى تصرفات صاحبه، لكنه لا يحيط بأحوال من تتصل بهم تلك التصرفات ولا بالمآلات التي يقصدها. ولهذا جاءت الإحاطة في الآية: فالمشاهدة الجزئية لا تعطي وحدها خبرة بالسلوك الجاري والعلاقات التي تحكمه.
﴿أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا﴾ [الكهف: 79].
في هذا البيان «يعملون» و«يأخذ»: للمساكين عمل قائم في البحر، وللملك منهج متكرر في أخذ السفن. خرق السفينة متصل بهذا المنهج، وحمايتها لا تفهم من مشاهدة الخرق وحده، فالخبير يعرف ما يفعله الملك، وما يتكرر منه، وما سيترتب على مرور السفينة به.
﴿وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا﴾ [الكهف: 80].
﴿فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا﴾ [الكهف: 81].
وفي الغلام جاءت خشية إرهاق أبويه طغيانًا وكفرًا. والخشية هنا من مسارٍ يتفاقم، لا من حدثٍ منفصل عن حال صاحبه؛ فالخبير يرى الطغيان وهو يجري قبل أن يبلغ غايته.
﴿وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا﴾ [الكهف: 82].
﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا﴾ [الكهف: 77].
وكان الجدار قد نعت بأنه يريد أن ينقض؛ فهناك حالة تتجه إلى سقوط، وإقامته تمنع ما يترتب على ذلك من انكشاف الكنز قبل بلوغ صاحبيه. وجود الكنز جزء من الأحوال التي يتصل بها الفعل، والخبرة بمجموع هذا المسار هي التي تجعل إقامة الجدار مفهومة. وما يخفى عن موسى هنا ليس تعريفًا للخبرة، بل موضوعًا من موضوعاتها.
الإحاطة بما لدى ذي القرنين
﴿حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَطۡلِعَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَطۡلُعُ عَلَىٰ قَوۡمٖ لَّمۡ نَجۡعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتۡرٗا﴾ [الكهف: 90].
﴿كَذَٰلِكَۖ وَقَدۡ أَحَطۡنَا بِمَا لَدَيۡهِ خُبۡرٗا﴾ [الكهف: 91].
لدى تدل هنا على المحيط الحاضر حول الشخص، فالكلام عن ذي القرنين وما بجواره من أقوام وأناس، وعن أحوالهم في الموضع الذي بلغه؛ وليس المقصود تحويل «لديه» إلى قائمة مقتنيات أو معارف مجردة. وقد جاءت الإحاطة بالخُبر وسط حركة الرحلة، بين بلوغ مطلع الشمس ومتابعة السير، فتتعلق بواقع حاضر يجري حوله.
وتؤيد قراءة الحضور والمجاورة مواضع أخرى من «لدى»، منها:
﴿ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 44].
﴿ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۖ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ أَجۡمَعُوٓاْ أَمۡرَهُمۡ وَهُمۡ يَمۡكُرُونَ﴾ [يوسف: 102].
في الموضعين «لديهم» حضور بجوار جماعة تفعل: يلقون أقلامهم ويختصمون، ويجمعون أمرهم ويمكرون، فالنفي متعلق بوجود النبي معهم في ذلك المشهد، وليس بحيازته مقتنياتهم. وعلى هذا نقرأ «بما لديه خبرًا» في رحلة ذي القرنين: الإحاطة بما يجري في محيطه الذي بلغه، وبأحوال القوم الحاضرين هناك.
الأخبار التي تبتلى
﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ﴾ [محمد: 31].
البلاء يصيب أخبار الناس، أي أحوالهم التي تظهر في العمل: الجهاد والصبر والوفاء عند الامتحان، فما يدعيه الإنسان عن نفسه لا يستوي مع ما يستمر عليه حين يختبر. وكذلك في التوبة: ٩٤، يجمع النص بين الإنباء من أخبارهم ورؤية عملهم؛ فالأخبار تتصل بأحوالهم، والإنباء يبلغ ما عرف من تلك الأحوال.
أخوات الخبر في القرآن
ولم يقف التنزيل من هذه الكتلة عند الخبر وحده؛ فقد جاء منها الإخبات والخبوّ والخبء والتخبّط والخبال والخبيث، ومن مقلوبها البخس والبخع. وكل لفظة منها في سياقها تحمل صورة الجوف الليّن وما فيه.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخۡبَتُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [هود: 23].
وفسّر الخليل المخبت بالخاشع المتضرع، غير أن الخَبْت عنده ما اتسع من بطون الأرض، فالمخبت قلبٌ نزل إلى ربه كما ينزل الماء إلى المنخفض فيستقر فيه. ولم يقل: وخشعوا لربهم، بل قال: وأخبتوا إلى ربهم، فجعل للإخبات وجهةً ينتهي إليها، كما ينتهي السيل إلى الخبراء. وفي الحج يأتي الإخبات بعد العلم:
﴿وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤۡمِنُواْ بِهِۦ فَتُخۡبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمۡۗ﴾ [الحج: 54].
يعلمون أنه الحق، ثم يؤمنون، ثم تخبت القلوب؛ فالإخبات آخر السلسلة، حين يستقر ما عُلم في القلب كما يستقر الماء في بطن الأرض، ولا يبقى طافياً على سطحها. ولهذا بشّر المولى أهله:
﴿وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ﴾ [الحج: 34].
وفي الإسراء جاء الخبوّ في النار:
﴿مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا﴾ [الإسراء: 97].
والخبوّ عند الخليل سكون الحرب وطفء النار، أي سكون ما كان يفور في جوفه، فالنار تسكن في مكانها، ثم يُزاد أهلها سعيراً، فلا تبقى على حالٍ واحدة يألفونها.
﴿أَلَّاۤ يَسۡجُدُواْۤ لِلَّهِ ٱلَّذِي يُخۡرِجُ ٱلۡخَبۡءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُخۡفُونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ﴾ [النمل: 25].
والخبء ما حُفظ في جوفٍ حتى يأتي وقته: الماء في السحاب، والحبّ في بطن الأرض. ونلاحظ أن الآية لم تجعل الخبء والإخفاء شيئاً واحداً؛ فذكرت إخراج الخبء، ثم ذكرت علم ما يُخفى وما يُعلن، فالخبء مخزونٌ ينتظر خروجه، والإخفاء فعلٌ يستر به الإنسان ما عنده. وهذا ما قررناه في المعاجم: الخفاء ليس هو الخبرة.
﴿ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ﴾ [البقرة: 275].
﴿لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا﴾ [التوبة: 47].
قال الخليل: «والشيطان يخْبِط الإنسان إذا مسه بأذى وأجنه وخبله»(١٣)، فالذي يتخبطه الشيطان لا يقوم قياماً ثابتاً، بل يقوم كما تقوم الدابة في الخبار: تتعتع فلا تثبت قوائمها. والخَبْل عند الخليل جنونٌ في القلب وفسادٌ في القوائم، والخبال منه؛ فهؤلاء لو خرجوا في الجيش ما زادوه إلا اضطراباً في القلوب والمواطئ، فلا يثبت صفّه في موضع.
﴿حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ﴾ [آل عمران: 179].
والخبيث ما يعطل ويضر، والخليل يجعله نعت كل شيء فاسد، ومنه خبث الحديد الذي يبقى في المذاب من رداءته حتى تفصله النار عن جيده، فالتمييز في الآية فصلٌ لما اختلط في جوفٍ واحد، كما يُفصل الخبث عن المعدن.
ومن المقلوب:
﴿وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ﴾ [يوسف: 20].
﴿فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6].
الثمن البخس ثمنٌ فرغ من قيمته كما يفرغ الجوف مما فيه. والباخع نفسه رجلٌ يستنزفه الأسف حتى يكاد يفرغ من حياته، فالبخس والبخع خروجٌ ونقص، على حدّ (بخ)، والإخبات والخبء استقرارٌ وحفظ، على حدّ (خب).
لماذا نعت الله نفسه بأنه خبير
تتكرر صلة الخبرة بالعمل لأن الإنسان يعمل ويختار، ويظهر من حاله ما كان يخفيه، ويتوقف عن فعل ثم يعاوده، أو يغير موقفه ويرجع عنه، فالخبرة تتناول هذا الواقع الذي يصدر عنه، ولا تقف عند مجرد إعلان يصدره عن نفسه.
ومن المواضع الواضحة في ذلك:
﴿إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾ [البقرة: 271].
الإبداء والإخفاء طريقان في فعل الصدقة، وكلاهما داخل في «بما تعملون خبير»، فلو جعلنا الخفاء نفسه معنى الخبرة، لم نوضح صلتها بالصدقة المبدَاة. الذي يجمع الطريقين هو العمل، والذي يختلف بينهما هو ظهوره للناس أو خفاؤه عنهم.
وبهذا تتضح كثرة النعت: العباد يعملون، وتتكرر أعمالهم، وتظهر فيها أحوالهم ومواقفهم، والله خبير بذلك كله. وتتصل الخبرة هنا بتعملون ويعملون وتفعلون ويصنعون، ولا تأتي بدلها «بما عملتم» أو «بما فعلتم»، فالمعنى متصل بما يصدر عن الإنسان في سير عمله، ثم يقرأ هذا الاتصال مع بقية المواضع التي لم يذكر فيها متعلق الخبرة بهذه الصيغة.
الخبرة وتوقع السلوك
يقال في كلام الناس: فلان خبير، ثم يستمعون إليه ليعرفوا ما يرجح أن يحدث. ووجه الصلة أن الخبير يعرف ما يجري، ويعرف الطريقة التي يستمر بها الفعل، فيستدل من الحال القائمة على ما سيصدر عن صاحبها إذا بقي على منهجه.
وهذا صنيع الأكار الذي سُمّي خبيراً: يعرف الأرض التي خابرها مواسم متتابعة، فيقول قبل الزرع إن هذه القطعة تسيخ إذا سُقيت، وإن تلك تحبس الماء إلى القيظ. لم يرَ الموسم القادم، لكنه رأى الأرض وهي تجري سنين، فعرف ما ستصنع.
فالخبير بالملك الذي يأخذ السفن يتوقع أن يأخذ السفينة القادمة أيضًا؛ لأنه يعلم أن الأخذ منهج يتكرر، وليس واقعة عارضة. والخبير بشخص اعتاد الغدر يعرف كيف تظهر هذه العادة في مواقف جديدة. أما مجرد سماع خبر عن غدر وقع مرة فلا يكفي وحده لمعرفة ما سيفعله صاحبه بعد ذلك.
التوقع هنا ثمرة الخبرة بالسلوك، لا المعنى الكامل للفظة، فالإنسان قد يخطئ لأن بعض الأحوال غابت عنه، أو لأن صاحب السلوك رجع عنه، أو لأن ظروف الفعل تغيرت. والخبرة بما يستمر من فعل لا تستلزم أن صاحبه عاجز عن تغييره؛ إنما تتناول ما هو عليه، وما يرجح أن يصدر عنه إذا استمر عليه.
وبهذا يتضح الفرق بين معرفة مسار محسوب وفق شروط معلومة، وبين الخبرة بتصرف إنسان له منهج وعادات واختيارات. لا يكفي أن نعرف اسم الإنسان أو تاريخ ميلاده لنعرف كيف يتصرف؛ بل ننظر في فعله المتكرر، وموقفه حين تتغير الأحوال، وما يظهر من طبعه في التعامل. وهذا ما تقربه عبارة العين عن مخبرة الإنسان وأخلاقه التي تبدو عند تجربته.
معنى الاستمرار وزمن الفعل
استمرار الفعل لا يعني وقوعه في كل ثانية دون انقطاع، فالملك الذي يأخذ كل سفينة غصبًا قد ينتظر السفينة، ثم يأخذها، ثم ينتظر غيرها؛ والأخذ منهج مستمر تتكرر آثاره. والعامل في البحر يتوقف ليستريح، ثم يعود إلى عمله. هذه هي الاستمرارية التي يبينها السياق، وليست دعوى أن الحركة لا تتوقف لحظة.
كما أن الحال الجارية تقاس بزمن المشهد الذي تتحدث عنه الآية، فإذا تحدث النص عن يوم القيامة، فما يفعله الناس في ذلك اليوم فعل جار هناك، وإن كان مستقبلًا بالنسبة إلى قارئ القرآن الآن. وإذا نعت حالًا في زمن مضى، نظرنا في استمرارها في ذلك الزمن، دون تحويل «خبير» إلى اسم لا يتعلق إلا بساعة قراءة النص.
لكن الاستمرار لا يثبت بمجرد أن شخصًا يروي الواقعة الآن، ولا بمجرد أن أعمالًا تشبهها تقع في مكان آخر، فلا بد من فعل أو حال يدل عليهما السياق؛ وإلا صار كل ماض حاضرًا بمجرد التلفظ به، وزال الفرق الذي نبحث عنه. ويكون الشاهد معارضًا لهذه القراءة إذا عيّن متعلق الخبرة واقعة انتهت، وفصلها عن كل حال قائمة أو عمل متكرر في الزمن الذي ينعته.
اعتراضات على معنى الاستمرار
تحتاج المواضع التي تتصل بالمستقبل أو بواقعة مضت إلى تحديد متعلق الخبرة وزمنه، فالاعتراض لا يثبت بمجرد العثور على ماض أو مستقبل في الآية، بل ببيان أن موضوع الخبرة منفصل عن الحال الجارية التي تقرؤها فيه.
الإخبار بما سيكون يوم القيامة
﴿إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ﴾ [فاطر: 14].
قد يعترض بأن الخبير هنا يخبر عن المستقبل، بينما الخبر متعلق بالحاضر الجاري. لكن الآية تجمع حال المدعوين ومآلهم: لا يسمعون الدعاء، ولا يستجيبون، ويوم القيامة يكفرون بالشرك، فالخبرة بحالهم لا تنقطع عند اللحظة التي يجهلها الداعي، بل يعلم الخبير ما يصدر عنهم وما سيؤول إليه موقفهم، فالمستقبل معلوم للخبير مع معرفته بالحال، دون جعل «خبير» مرادفًا لاسم ناقل الأنباء.
ولا يستقيم جعل كل معرفة بالمستقبل معرفة ناشئة عن تجربة؛ فالله يعلم ما لا يستطيع البشر معرفته. المقصود صلة النعت بحقيقة المنعوتين وموقفهم، لا قياس طريق معرفته على طريق المعرفة الإنسانية.
الخبير في يوم القيامة
﴿۞ أَفَلَا يَعۡلَمُ إِذَا بُعۡثِرَ مَا فِي ٱلۡقُبُورِ﴾ [العاديات: 9].
﴿وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ﴾ [العاديات: 10].
﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّخَبِيرُۢ﴾ [العاديات: 11].
الآيات تتحدث عن بعثرة ما في القبور وتحصيل ما في الصدور، ثم تقول «بهم يومئذ لخبير»، فلا يصح جعل «يومئذ» دليلًا على انتهاء الفعل؛ فهو يعين يومًا تقع فيه أفعال وأقوال، ويكون للناس فيه سلوك يظهر أمام الحساب. موضوع الخبرة هنا الناس في ذلك المشهد، وليس لفظًا يحصر المعرفة في سجل ماض منفصل عنهم.
وقد بيّن القرآن أن الإنسان يتكلم ويتخذ موقفًا يوم الحشر:
﴿وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَيۡنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ﴾ [الأنعام: 22].
﴿ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23].
﴿ٱنظُرۡ كَيۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ﴾ [الأنعام: 24].
الحشر والسؤال والجواب والكذب أفعال تقع في المشهد المنعوت، فالخبير بهم يومئذ يعلم حالهم وما يصدر عنهم فيه، كما يعلم ما سبق من أعمالهم. وبذلك لا تعارض الآية اتصال الخبرة بالفعل الجاري؛ إنما تعارض قصر معنى الجاري على الزمن الذي نعيش فيه نحن.
فاسأل به خبيرا
﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: 58].
﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا﴾ [الفرقان: 59].
السياق يبدأ بالحي الذي لا يموت وبذنوب عباده، ثم يذكر الخلق والاستواء على العرش، ويختم بالأمر بالسؤال. ليس من الصواب فصل «فاسأل به خبيرًا» عن هذا السياق، ثم جعل الماضي في «خلق» متعلق الخبرة الوحيد، فالحديث عن رب حي، وعباد تصدر منهم الذنوب، وسماوات وأرض قائمتين تحت تدبيره.
وتبين صلة الاستواء بالتدبير آية يونس:
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: 3].
«يدبر الأمر» بعد الاستواء فعل جار، لا مجرد خبر عن صنع انتهى. والعرش مركز المعلومات والتدبير، والكرسي للحفظ؛ فالعرش أشبه بالحاسوب الأعظم الذي تجري فيه معرفة ما في السماوات والأرض وإدارة شؤونهما.
واقتران الاستواء بالتدبير وارد في النص نفسه، فلا تقدم آية الفرقان مثالًا حاسمًا لخبرة بواقعة انقطعت، بل تدعو إلى سؤال الخبير في سياق الخلق القائم والتدبير المستمر.
الحكيم الخبير
﴿وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 18].
﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [سبأ: 1].
اجتماع الحكيم والخبير يلفت إلى جهتين متكاملتين: الحكمة والخبرة، فالخبرة تتعلق بحال ما يجري عليه التدبير، والحكمة بوجه ذلك التدبير. ولا يلزم أن يأتي متعلق كل نعت مفصلًا في الجملة نفسها؛ فقد يذكر النعت بعد بيان الملك والقهر والربوبية، فتكون الصلة بما تقدم من أحوال الخلق.
وفي افتتاح هود:
﴿الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1].
الإحكام والتفصيل يتصلان بحكيم خبير. وهذه الصيغة لا تحتوي «بما يعملون»، لكنها لا تحصر الخبرة في ماض انقضى؛ فالكتاب المفصل يواجه أحوال المخاطبين وأعمالهم، وتبين الآيات التالية وجه خطابه لهم، فغياب المضارع المباشر بجوار «خبير» ليس وحده دليلًا على انتفاء تعلقه بالحال والعمل.
الإفشاء الماضي والنية التي لم يرجع عنها صاحبتاها
﴿وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ﴾ [التحريم: 3].
﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4].
الإنباء في الآية يتعلق بواقعة إفشاء حدثت، لكن الكلام لا يقف عندها: القلوب صغت، والتوبة مطلوبة، والتظاهر على النبي محذر منه، فالواقعة الماضية يمكن أن تكشف توجهًا لا يزال قائمًا، والتوبة رجوع عن ذلك التوجه؛ وليس الاستمرار مشروطًا بأن تكون واقعة إفشاء ثانية قد حدثت بالفعل.
والتظاهر دعم لطرف على طرف، كما يبين الاستعمال في التوبة: ٤، والأحزاب: ٢٦، والممتحنة: ٩. وتقابل المظاهرة على النبي في هذه الآية ولاية الله له ونصرة جبريل وصالح المؤمنين والملائكة، فلا ينحصر الموضوع في انزعاج زوجي، بل يرد التحذير في لغة الدعم والنصرة.
والإفشاء في هذا السياق إبلاغ قوم الزوجة بما يمسهم من تدبير النبي، بقصد حمايتهم، وأثره دعمٌ لهم على المؤمنين. ولا حاجة في ذلك إلى تعيين أسماء الزوجتين أو القبيلة.
وتبين صلة الخيانة بالتوجه المبيت آية النساء:
﴿يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108].
ثم تضرب سورة التحريم مثلًا بامرأتي نوح ولوط:
﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمۡرَأَتَ نُوحٖ وَٱمۡرَأَتَ لُوطٖۖ كَانَتَا تَحۡتَ عَبۡدَيۡنِ مِنۡ عِبَادِنَا صَٰلِحَيۡنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمۡ يُغۡنِيَا عَنۡهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَقِيلَ ٱدۡخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ﴾ [التحريم: 10].
النص الأول يجمع الاستخفاء وتبييت القول، والثاني يذكر الخيانة في بيت النبوة. ويبين الشاهدان لماذا لا تنفصل قراءة الإفشاء عن التوجه والموقف الذي يصدر عنه. وبهذا تقرأ الواقعة في اتصالها بميل قائم يحتاج إلى رجوع، فلا يكون نعت «الخبير» معارضًا لمعرفة الحال المستمرة.
ولا تقوم قراءة الاستمرار على شرط التوبة وحده، بل على اجتماع ميل القلوب والتوبة والتحذير من المظاهرة ومثال الخيانة. وما انقطع من الإفشاء الأول واقعة ماضية، وما بقي من توجه صاحبتها حال قائمة؛ والتمييز بينهما يفسر اجتماع الإنباء والخبرة.
الخبرة بالعباد في سياق البغي
﴿۞ وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ﴾ [الشورى: 27].
متعلق الخبرة في ختام الآية العباد، لكن صدرها يبين الفعل الذي يتصل بمعرفتهم: لو بسط الله لهم الرزق لبغوا في الأرض، فالسياق لا يعرض أسماء أشخاص مجردة عن أعمالهم، بل يعرض صلة الرزق بما يصدر منهم تحت شرط معين، ثم يذكر التنزيل بقدر والخبرة بهم.
ولهذا لا يصح بناء التفريق بدعوى أن القرآن لم يقل إن الله خبير بعباده؛ فقد قال ذلك هنا وفي مواضع أخرى. وجه الاستدلال هو أن الخبرة بالعباد متصلة بأحوالهم وسلوكهم، وأن هذه الآية تعيّن البغي الذي يصدر منهم عند البسط. والباء تربط الخبرة بمتعلقها، أما العلاقة بين تقدير الرزق والسلوك فتتضح من تركيب الآية كله، فلا يتوقف بيانها على الجزم بأن الباء سببية.
ولا يلزم من إبراز البغي والذنوب قصر الخبرة على السلوك السلبي، فالآيات التي تصل الخبرة بالعمل تشمل الإنفاق والصدقة والعمل الصالح كما تشمل ما يحذر منه الإنسان. والجامع بينها الفعل الذي يصدر عن العباد، ظاهرًا أو خفيًا، لا حكم واحد على جميع تلك الأفعال.
ذنوب القرون التي أهلكت
﴿وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِنۢ بَعۡدِ نُوحٖۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا﴾ [الإسراء: 17].
متعلق الخبرة في الآية «ذنوب عباده»، لا مجرد أسماء القرون الماضية. وسياقها السابق يذكر فسق القرية قبل تدميرها، ثم تنتقل إلى كثرة القرون المهلكة، فالذنوب هنا أعمال وسلوك وقع من العباد، وكان سببًا في مصيرهم، وليست معلومات منفصلة عن حياتهم.
انتهاء القرن لا يجعل الله جاهلًا بالفعل الذي كان يجري فيه، ولا يجعل معرفته بذلك الفعل معرفة نشأت بعد انقطاعه، فهو خبير بذنوبهم في زمن فعلهم، كما يعلمها عند جزائهم. وتكرر العصيان في القرون يبين اتساع موضوع الآية، لكنه ليس البديل الوحيد عن قراءة حال كل قرن حين كانت أفعاله تجري.
والذنوب في هذا السياق مرتبطة بالفسق والتمرد الذي حق به القول على القرية، فلا يختزل موضوع الآية في مخالفة فردية عابرة، ولا يلزم أن يبقى المذنب حيًا إلى زمن تلاوة الآية حتى يكون الله خبيرًا بذنبه.
الحاضر والمستقبل في خاتمة سورة لقمان
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ﴾ [لقمان: 34].
تجمع الآية علم الساعة والغيث وما في الأرحام والكسب والموت، وتختم بعليم خبير. وفيها أحوال تجري، ومآلات يجهلها الإنسان. ولذلك لا يعارض ذكر الغد اتصال الخبرة بحال الإنسان ومسار حياته، لكنه يمنع قصر معرفة الله على ما أدركه البشر الآن من ذلك المسار، فمعرفة الحال الجارية لا تعني الجهل بعاقبتها، ونعت الله بالخبير لا يجعل علمه مقيدًا بزمان السائل.
أخبار الأرض وتحديثها
﴿إِذَا زُلۡزِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ زِلۡزَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1].
﴿وَأَخۡرَجَتِ ٱلۡأَرۡضُ أَثۡقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2].
﴿وَقَالَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة: 3].
﴿يَوۡمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا﴾ [الزلزلة: 4].
﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوۡحَىٰ لَهَا﴾ [الزلزلة: 5].
﴿يَوۡمَئِذٖ يَصۡدُرُ ٱلنَّاسُ أَشۡتَاتٗا لِّيُرَوۡاْ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ [الزلزلة: 6].
﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: 7].
﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: 8].
أخبار الأرض هنا ما يجري لها تلك الساعة: زلزالها، وإخراج أثقالها؛ حدثٌ حاضر يراه الإنسان فيسأل: ما لها؟ وهذا هو الخبر بحدّه: حالٌ جارية أمام من يشهدها. ولو كان الكلام عن ذنوب الناس لقال: أخبارهم، لكنه قال: أخبارها.
فمن الذي يحدّث بهذه الأخبار؟ ذهب المفسرون إلى أن الأرض تنطق وتشهد، ولست أدري بأي لغة تنطق وهي تتصدع، ومن يسمعها وسط هذا الهول والناس في رعب لا يدرون ما يحصل. ويأتي البيان في الآية التالية: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوۡحَىٰ لَهَا﴾، فلم يقل: بأن ربها أوحى لها، بل قال: ربّك؛ فالخطاب للرسول، وهو الذي يحدّث أخبارها، فقوله ﴿تُحَدِّثُ﴾ خطابٌ له: أنت يومئذ تحدّث الناس بأخبار الأرض، وتبيّن لكل سائل أن ما يجري بأمر الله، وأن ربك أوحى لها أن تسلك هذا المسلك فتستريح من أثقالها.
وههنا دقيقة: لم يقل: تخبر أخبارها، بل قال: تحدّث أخبارها. والتحديث استجلاب أخبار الماضي وإحياء ما نُسي، والأخبار نقل ما يجري الآن، فالرسول يقول للناس التائهين: قد أخبرتكم بهذا من قبل؛ فحديثه عن وعيدٍ قديم بلّغهم إياه، وموضوعه أخبار الأرض التي تجري أمامهم، فاجتمع في الآية اللفظان، كلٌّ بحدّه: خبرٌ يجري في الأرض، وحديثٌ يُحيي الوعيد القديم ويفسّره.
ثم يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم. والأعمال التي وقعت في الدنيا لا تعود أفعالاً جديدة لمجرد الكلام عنها، بل الجاري يومئذ رؤيتها ومواجهة أصحابها لها.
الخبر الجاري والخبرة بمساره
نعود إلى الخبراء: ماءٌ بقي من سيلٍ مضى، حاضرٌ يخوض فيه الناس، فالخبر هو الحدث ما دام فيه ماء، فإذا غاب عن السامع صار نبأً يُحمل إليه، وإذا أُعيد إلى الأذهان بعد نسيانه صار حديثاً.
الخبر في هذا الفهم يتصل بالواقع الحاضر الجاري، والخُبر هو الإحاطة بأحواله، والخبير يعلم ما يصدر عن الأشياء والناس وما يستمر من فعلهم وتوجههم. وقد يغيب ذلك عن غيره، لكن الغياب لا ينشئ معنى الخبرة؛ وقد يعرف مآل الفعل، لكن معرفة المآل لا تلغي معرفته بالمسار الذي يجري.
وأوضح أدلة هذه القراءة انتظام المضارع مع العمل والفعل والصنع، وخبرة صاحب موسى بمنهج الملك وعمل المساكين، واتصال الإحاطة بما لدى ذي القرنين بمحيطه الحاضر. وفي المواضع الأخرى يتبين أن الاستمرار لا يقتصر على فعل متصل بلا توقف؛ بل يشمل السلوك المتكرر، والحال القائمة، والتوجه الذي يبقى حتى يرجع عنه صاحبه.
ولهذا يكثر نعت الله بالخبير: فالإنسان يعمل ويختار، وتتكرر منه المواقف، وقد يتبدل قوله ولا يتبدل منهجه. والله يعلم ذلك في جريانه، فلا يغيب عنه ما يصدر من عباده ولا ما يستمرون عليه.
صلة الخبرة بسبق الكتاب
تتصل الخبرة ببحث سبق الكتاب من جهة الفرق بين معرفة الحال الجارية، وتوقع استمرارها، والعلم اليقيني بما سيقع، فهذه جهات لا ينبغي تسويتها: معرفة عادة الإنسان تساعد على توقع موقفه، لكنها لا تجعل مجرد العادة دليلًا على أن اختياره المقبل ثابت لا يتغير.
وفي قصة صاحب موسى يعرف موسى علاقة خرق السفينة بمنهج الملك، وعلاقة إقامة الجدار ببلوغ الغلامين أشدهما. وفي آية الشورى يبيّن النص ما يصدر من العباد لو بسط لهم الرزق. هذه الشواهد تصل الخبرة بالفعل ومنهجه وآثاره، لكنها لا تجعل لفظة خبير وحدها جوابًا عن كل مسائل الاختيار والعلم السابق.
فالقول إن معرفة الإنسان بالسلوك تقود إلى توقعه شيء، والقول إن الله يعلم كل اختيار قبل وقوعه، أو لا يعلمه قبل وقوعه، شيء آخر يحتاج شواهده الخاصة. ولا يصح نقل حدود التوقع البشري إلى علم الله، كما لا يصح اتخاذ تعريف الخبرة حسمًا مسبقًا لمسألة لم يتناولها التعريف وحده.
والابتلاء الوارد في آية محمد يتصل بالجهاد والصبر وبلاء الأخبار؛ فالعمل يصدر من الإنسان ويظهر موقفه فيه. أما السؤال عن غرض هذا الابتلاء وصلته بما يعلمه الله قبل وقوع الاختيار، فيبحث من نصوص الابتلاء والعلم نفسها. وجود الاختبار لا يحسم هذا السؤال بمجرده، كما أن الغضب لا يحسمه دون بيان متعلق الغضب وسياقه.
والخبرة بعادة الشخص لا تعني اختزال إرادته في ظروفه، فلو تشابهت ظروف شخصين ثم اختلف اختيارهما، ظهر قصور الحكم على فعلهما من الظروف وحدها؛ لكن هذا المثال لا يحدد بمفرده ماهية النفس ولا حدود العلم الإلهي، فلكل قضية دليلها، ولا يحمل شاهد واحد ما لا يبينه.
وبذلك تبقى نتيجة هذا المبحث محددة: الخبر متصل بواقع حي وحال قائمة، والخبرة معرفة ما يصدر عن صاحب هذه الحال وما يستمر منه؛ وقد يقود ذلك إلى معرفة المآل أو توقعه، أما الاختيار وسبق الكتاب فلهما موضعهما وأدلتهما.
هذا، والله أعلم.

التعليقات (0)