حرف الغين: لماذا هو الجسمُ الغائبُ بعد ظهور؟
أوّلاً - الكتلُ الشاهدةُ المباشرة
الغَمُّ. «أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على تغطيةٍ وإطباق»(١) - نصُّ الغيابِ بعد الظهور: ﴿لَا يَكُنۡ أَمۡرُكُمۡ عَلَيۡكُمۡ غُمَّةٗ﴾ [يونس ٧١]. والغِبُّ «زمانٌ وفترة؛ أن تَرِدَ الإبلُ يوماً وتغيبَ»(٢) - الورودُ ظهورٌ والغِبُّ غيبته.
الغَطُّ والغَلُّ والغَصُّ. غطَّه في الماء: غمسه حتى يغيب(٣)، وغلَّ الشيءَ: أدخله في خفاء - ومنه الغُلول(٤): ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ﴾ [آل عمران ١٦١]، والغُصّةُ لقمةٌ غابت في الحلق(٥): ﴿وَطَعَامٗا ذَا غُصَّةٖ﴾ [المزمل ١٣].
الغَضُّ والغَنُّ والغَثُّ والغُدّة. غضُّ البصرِ: تغييبُه عما لا يحلّ(٦): ﴿يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ﴾ [النور ٣٠]؛ والغُنّةُ صوتٌ غاب وضوحُه(٧)؛ والغَثُّ فسادٌ غاب به الصلاح(٨)؛ والغُدّةُ كامنةٌ في اللحمِ لا تُرى(٩). والزَّيغُ ميلٌ عن الجادّةِ الظاهرة، والغَيُّ امتدادُ الغيابِ عن الرشد: ﴿مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ [النجم ١٧].
ثانياً - فتحُ المعلقات
الغَرْزُ. نفاها ابن فارس: «الغينُ والزاءُ ليس فيها شيء»(١٠) - والحسُّ يردُّ عليه: الغرزُ نفاذٌ دقيقٌ يغيب في الأثناء (غرزُ الإبرة)؛ فالمعاجمُ شهودٌ لا حكّام. والرَّغوة «رَفاهةٌ ورفاغة؛ الرغرغةُ ورودُ الإبلِ مراراً»(١١) - فُتحت: تردُّدٌ بين ظهورٍ وغياب. والغُفّةُ «البُلْغةُ من العيش»(١٢) - ما يسدُّ غيبةَ الكفايةِ سدّاً يسيراً، واللغوُ كلامٌ يغيب أثرُه ساعةَ يقال(١٣).
ثالثاً - الإحياءات الثلاث
طغ حيّةٌ بطَغى - والقرآنُ شاهدُها مرّتين: «الطاءُ والغينُ والمعتلُّ مجاوزةُ الحدّ»(١٤): ﴿إِنَّهُۥ طَغَىٰ﴾ [طه ٢٤] - الطغيانُ عبورُ الحدِّ المضبوطِ إلى ما وراءه فيغيب. وثغ حيّةٌ بالثُّغاء: «الثاءُ والغينُ والمعتلُّ يدلُّ على الصوت»(١٥) - والثغرةُ فجوةٌ غابت مادتُها. ومغ حيّةٌ بمضعَّفها: «المغمغةُ: الاختلاط»(١٦) - تغييبُ البيانِ بعضِه في بعض.
الخلاصة
الغيابُ بعد الظهورِ صامدٌ في كلِّ حيٍّ من كتل الغين: إطباقاً في الغمّ، وغمساً في الغطّ، وخفاءً في الغلّ، واحتباساً في الغصّ، وتغييباً للبصرِ في الغضّ، وميلاً عن الجادّةِ في الزيغ. وانفتحتِ المعلقات - وفي غز شهد الحسُّ على ابن فارس نفسِه - وعادت ثلاثُ كتلٍ إلى الحياةِ إحداها بشاهدين قرآنيين (طغى). والغينُ نقيضُ العينِ الزمنيُّ. والنصوصُ منقولةٌ بمادّتها وجزئها وصفحتها، والتأويلُ قراءةُ علم آدمَ تحتها - لا منسوبٌ لأهلِ اللغة.
الهوامش (من «مقاييس اللغة» و«العين» بالجزء والصفحة)
- ابن فارس، مقاييس اللغة، (غم) جـ٤ ص٣٧٧: «الغينُ والميمُ أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على تغطيةٍ وإطباق؛ غممتُ الشيءَ: غطّيتُه». ↩
- نفسه، (غب) جـ٤ ص٣٧٩: «الغينُ والباءُ أصلٌ صحيح يدلُّ على زمانٍ وفترةٍ فيه؛ الغِبُّ أن تَرِدَ الإبلُ يوماً وتدعَ يوماً». ↩
- الخليل، العين جـ٤ ص٣٤٣: غطَّه في الماء: غمسه حتى يغيب (والغطغطةُ حكايةُ صوت). ↩
- ابن فارس، مقاييس اللغة، (غل) جـ٤ ص٣٧٥: «الغينُ واللامُ أصلٌ صحيح يدلُّ على تخلُّلِ شيءٍ وثبات» - ومنه الغُلولُ: الإخفاءُ في الأثناء. ↩
- نفسه، (غص) جـ٤ ص٣٨٣: «الغينُ والصادُ ليس فيه إلا الغَصَصُ بالطعام» - لقمةٌ غابت في الحلق. ↩
- نفسه، (غض) جـ٤ ص٣٨٣: «الغينُ والضادُ أصلان: أحدهما كفٌّ ونقص، والآخر طراوة؛ غضُّ البصرِ كفُّه». ↩
- نفسه، (غن) جـ٤ ص٣٧٨: «الغينُ والنونُ أُصَيلٌ صحيح يدلُّ على صوتٍ كأنه غيرُ مفهومٍ لاختلاطه». ↩
- نفسه، (غث) جـ٤ ص٣٧٩: «الغينُ والثاءُ أصلٌ صحيح يدلُّ على فَسادٍ في الشيء؛ واللحمُ الغَثُّ». ↩
- نفسه، (غد) جـ٤ ص٣٨٠: «الغينُ والدالُ كلمةٌ، وهي الغُدّةُ في اللحم» - كامنةٌ لا تُرى. ↩
- نفسه، (غز) جـ٤ ص٣٨٢: «الغينُ والزاءُ ليس فيها شيء» - والحسُّ يردُّ: الغرزُ نفاذٌ دقيقٌ يغيب في الأثناء. ↩
- نفسه، (رغو) جـ٢ ص٣٧٥: «الراءُ والغينُ أصلٌ يدلُّ على رَفاهةٍ ورفاغة؛ الرغرغةُ أن تَرِدَ الإبلُ الماءَ في اليومِ مراراً». ↩
- نفسه، (غف) جـ٤ ص٣٧٥: «الغينُ والفاءُ كلمةٌ واحدة، وهي البُلْغة؛ غُفّةٌ من العيش». ↩
- نفسه، (لغ) جـ٥ ص٢٠٦: «اللامُ والغينُ؛ لغلغ طعامَه: روّاه بالدسم» - واللغوُ كلامٌ يغيب أثرُه. ↩
- نفسه، (طغو) جـ٣ ص٤١٢: «الطاءُ والغينُ والمعتلُّ أصلٌ صحيح، وهو مجاوزةُ الحدِّ؛ طغى السيلُ، وطغى فرعون». ↩
- نفسه، (ثغا) جـ١ ص٣٧٨: «الثاءُ والغينُ والمعتلُّ أصلٌ يدلُّ على الصوت؛ الثُّغاءُ ثغاءُ الشاء». ↩
- نفسه، (مغ) جـ٥ ص٢٧٤: «الميمُ والغينُ... المغمغةُ: الاختلاط؛ مغمغ طعامَه: روّاه دسماً». ↩
فهرس دراسات الحروف (٢٩ حرفاً)
خريطةُ الحروفِ الـ٢٩ ومتجهاتُها - جدولُ علم آدم الدوري
التعليقات (0)