لماذا كلمة "وراء " في القرآن لا تعني خلف ؟

سداسيةُ «وري»: إخفاءُ المادّيّ، وتشعُّبُ كتلِها وجذورِها

من كتلِها الستّ يَنبني المعنى، وهي مرآةُ «رأى» المُبصِرة

﴿أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ • ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَآ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ﴾ [الواقعة: ٧١-٧٢]

«وري» ثلاثةُ أحرفٍ سيّالة: الواوُ مدٌّ وامتداد، والراءُ حركةٌ وزخم، والياءُ طيٌّ وانكفاءٌ إلى الداخل. ومن ترتيبِ هذه الثلاثة تَنشأ ستُّ كتلٍ ثنائية، لكلِّ كتلةٍ جذورُها التي تَشهد بمعناها. ولنَتشعّبْ فيها واحدةً واحدة قبل أن نَجمعها في الكلمة.

وري

مادّيٌّ يَستتر خلفَ حاجز

يَختفي خلفَ الحاجز

جسمٌ يَمتدّ ويَجري منطوياً إلى الجانب الآخر فيَخفى.

رأى

صورةٌ تُوجَد فتُبصَر

تَحضُر في العين

عكسُ «وري»: الهمزةُ تُوجِد صورةَ المرئيّ فتُرى، حيث تَمُدُّ الواوُ الجسمَ فيَغيب.

كتلةُ «ور» — الحركةُ الممتدّة

مدٌّ (و) بحركة (ر)، فهي حركةٌ ممتدّةٌ تَدور أو تَضطرب في موضعها. وتَتجلّى في عائلتها المتوسّطة (X-ور): دور دوراناً، وحور رجوعاً ودَوْراً، وكور دَوْراً وتجمُّعاً، ومور تردُّداً، وثور ثوراناً، وفور غلياناً، وغور هبوطاً، وهور تساقطاً، وجور ميلاً — ثمانيةَ عشرَ جذراً من اثنين وعشرين على الحركة. أمّا عائلتُها المتصدّرة (ور-X: ورق، ورع، ورس) فمبعثرةٌ لا يَجمعها معنىً واحد، لأنّ الواوَ تَضعُف في أوّل الكلمة. فالكتلةُ غَلَبةٌ لا تُطّرد على كلّ جذر.

كتلةُ «رو» — الحركةُ المنكفئة

عكسُ ترتيبها: حركةٌ (ر) تَكُفُّها الواوُ إلى الجوف فتَسكُن، فلا تَجري ظاهرة. ومنها: الرَّوع (رجفةُ القلب في باطنه)، والرُّوح، وراغ (مالَ مستتراً)، وراض (ذلَّلَ بلِينٍ خفيّ). فهي حركةٌ منطويةٌ في الباطن، تُقابل «ور» الظاهرةَ الدائرة.

كتلةُ «ري» — الجَرَيانُ المنطوي

وهنا كتلةٌ ثابتةٌ لا تُفتَّت: استعملها العربيُّ للجَرَيان المنطوي — حركةٌ تَجري ثم تَنطوي إلى الداخل، لا تَنساب حرّةً للخارج. شواهدُها: روي (الماءُ يَجري إلى الجوف فيُرويه)، ورَين — غِشاوةٌ تَجري فتَنطوي على القلب ﴿بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم﴾ [المطففين: ١٤] — وريب (اضطرابٌ يَجري في الباطن)؛ وفي عَجُز الجذور جرى ومرى. وهي حيّةٌ تَفتتح خمسةَ عشرَ جذراً، لا ميتةٌ كما قد يُحسب.

كتلتا «ير» و«يو» — الياءُ لا تَفتتح

تَبدآن بالياء، والطيُّ لا يكون أوّلاً، فلا تَفتتحان كلمة. لكنّهما حيّتان في عَجُز الكلمات: «ير» في خَير وطَير وسَير، و«يو» في يوم. فالكتلةُ لا تموت ما دام لها جذرٌ حيّ، وإنما قد يَمتنع أن تَبتدئ بها الكلمة.

كتلةُ «وي» — المصيبةُ المتوقّعة

تقدُّمٌ (و) ثم انكفاءٌ (ي) من خيفة، كمن يَخطو إلى الأمام ثم يَنثني فزِعاً من مصيبةٍ أمامه؛ فصارت «وي» تَعني المصيبةَ المتوقَّعة (لا صيحةً كما حسبت المعاجم). ثم يُحدِّد الحرفُ الثالثُ شكلَها: «ويل» مصيبةٌ شاخصةٌ أمام الناظر (باللام الشاخص)، و«ويح» موغلةٌ في الباطن، و«ويب» متراكمة، و«ويك» تحاصر، و«ويس» متسلّلة، و«ويه» متلاشية.

السداسيةُ، وأختُها «روي»

لـ«وري» ستُّ صور (وري، وير، روي، ريو، يور، يرو)، لم يَستعمل العربُ منها إلا اثنتين: «وري» و«روي». والعلّةُ قانونٌ مطّرد: إذا اجتمعت الواوُ والياءُ في جذرٍ لم يَحْيَ إلا ما كانت الواوُ فيه قبلَ الياء والياءُ خاتمة — التمدُّدُ يَفتح والطيُّ يَختِم — وهو حالُ «وري» و«روي» دون البقيّة. و«روي» أختُ «وري»، يَجمعهما الجَرَيانُ إلى الباطن: «روي» ماءٌ يَجري إلى الجوف فيُروى(١)، و«وري» شيءٌ مادّيٌّ يَجري منطوياً إلى الباطن فيَخفى.

معنى «وري»: إخفاءُ المادّيّ

فإذا جمعتَ كتلتَيها — «ور» الامتدادُ المتحرّك، و«ري» الجَرَيانُ المنطوي — فالجسمُ يَمتدّ ويَجري منطوياً إلى الجانب الآخر فيَخفى خلفَ حاجز = إخفاءُ الشيء المادّيّ المحسوس عن العين. ومن أصلِها «الوَرْيُ»: قيحٌ يَكمُن في جوف الجسد(٢). ومنها: وارى (أخفى ودفَن)، وتوارى (اختفى)، ووراء (الجانبُ المُغيَّب)، والموريات (تُخفي الحجارةَ المشتعلة)، وتورون (تُخفون النارَ في الحطب). ويُقابلُها «خفي» لِما هو معنويٌّ في النفس ﴿يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَىٰ﴾ [طه: ٧]؛ فالمادّيُّ إخفاؤه «وري»، والمعنويُّ إخفاؤه «خفي».

«وري» مرآةُ «رأى»، و«بدا» ليست «رأى»

واقلِبْ «وري» (و-ر-ي) تَجِدْ «رأى» (ر-أ-ي): الأولى لم تُشاهَدْ، والثانية شاهَدَتْ وأبصَرَتْ. والفرقُ حرفٌ واحدٌ هو مدارُ المعنى: في «وري» واو، وفي «رأى» همزةٌ متجهُها الإيجادُ من العدم. فالهمزةُ تُوجِد صورةَ المرئيّ في الناظر فتُرى — ومن هذا الأصل صار «الرأيُ» حُكماً يُنشئه العقل، و«الرؤيا» صورةً تَنشأ في المنام — والواوُ تَمُدُّ الجسمَ فيَغيب. فعكسُ «وري» هو «رأى»: ما لم يُشاهَدْ مقابلَ ما شُوهد كاملاً.

وأمّا «بدا» فليست «رأى»: «بدا» ظهورُ جزءٍ من الأسفل، نتوءٌ يَبرز — وهو من جهة الشيء لا الناظر؛ و«رأى» الإبصارُ الكامل من جهة الناظر. فحين قال ﴿لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٠] فالذي وارَتْه الواوُ بدا بعضُه فبَرَز؛ فـ«بدا» مقابلُ «وري» في الشيء، و«رأى» مقابلُه في الإدراك.

لا ترادفَ: «وري» وأخواتُ الإخفاء

لكلِّ لفظٍ آلتُه، فلا تَترادف:

الكلمةالفرقُ المميِّزشاهد
وريإخفاءُ الجسمِ المادّيّ المحسوس خلفَ حاجز﴿ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١]
خفيإخفاءُ المعنويّ في النفس (مشاعرَ وأفكاراً)﴿يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَىٰ﴾ [طه: ٧]
كتمحَبسُ الخبر والمعلومةِ عن الإظهار﴿يَكۡتُمۡنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٨]
سترتغطيةٌ بحاجزٍ، والشيءُ في مكانه﴿حِجَابٗا مَّسۡتُورٗا﴾ [الإسراء: ٤٥]
حجبمنعٌ بحاجزٍ يَفصِلُ بين طرفين﴿وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞ﴾ [الأعراف: ٤٦]

«وري» في القرآن

وردت «وري» نحوَ اثنتين وثلاثين مرّةً، كلُّها في المحسوس المادّيّ، نَعرضها بحسب طريقة الإخفاء:

مُواراةُ الجسم: ﴿يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١] دَفنٌ لجثمانِ هابيل؛ ﴿لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ﴾ [الأعراف: ٢٦] سَترُ المعايب الجسمية؛ ﴿لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٠] أُخفِيت فبدا بعضُها.

التواري: ﴿يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦ﴾ [النحل: ٥٩] يُخفي نفسه من العار؛ ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢] اختفَتْ خلفَ الساتر.

خلفَ حاجزٍ قائم: ﴿مِن وَرَآيِٕ حِجَابٖ﴾ [الشورى: ٥١]، و﴿مِن وَرَآءِ جُدُرِۭ﴾ [الحشر: ١٤]، و﴿مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ﴾ [الحجرات: ٤]: أبدانٌ وأصواتٌ خلفَ حواجزَ مادّية. ووراءَ الظهر: ﴿كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ﴾ [البقرة: ١٠١]، و﴿أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهۡرِهِۦ﴾ [الانشقاق: ١٠] — والظهرُ يَستحيلُ أن يُرى ما خلفَه، فإخفاءُ الشيء عند الظهر كنايةٌ عن مدى إهمالهم للكتب المقدّسة.

في غيبِ الزمن (والمستقبلُ حجابٌ زمنيّ): ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ﴾ [الكهف: ٧٩]، و﴿مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: ١٦]، و﴿وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، و﴿وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ يَعۡقُوبَ﴾ [هود: ٧١]. وهنا اضطرب المفسّرون: أهي «خلف» أم «أمام»؟(٣) وتبيّن لنا من خلال هذا الدرس أنّ «وراء» ليست خلفاً ولا أماماً، بل خفاءٌ فقط: فجهنمُ مخفيّة، والملكُ بجنوده مخفيّون، والبرزخُ مخفيّ، ويعقوبُ مخفيٌّ في خطِّ الزمن. وقد لاحظ ذلك الزجّاجُ فأشار إليه: «وراءُ = ما استتر عنك، وليس من الأضداد»(٤).

الكمون: ﴿فَٱلۡمُورِيَٰتِ قَدۡحٗا﴾ [العاديات: ٢] تُخفي الملائكةُ الحجارةَ المشتعلةَ حتى وقت الإغارة؛ و﴿ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١] يُخفي البشرُ النيرانَ التي في الحطب والوقود، فإذا جاء وقتها أخرجوها.

وأرى أنّ ﴿ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ﴾ هي الفحمُ على الحقيقة؛ فالآيةُ قالت «النار» لا «الحطب»، والنارُ لا تُخزَّن إلا فحماً: تُوقِدُ الحطبَ حتى يَصيرَ ناراً، ثم تُواري النارَ بحبسِ الهواء فتَكمُن في الفحم، فتُعيدُها متى شئتَ — وهو عينُ «وري». ويَشهد له ختامُ الآيات ﴿وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣]: والمُقْوون في التفاسير المسافرون النازلون بالأرض القَواء الجرداء، ولا حطبَ في القَفر؛ فالنارُ التي يَتزوّدونها لا بدّ أن تكون محمولةً مخزونة (جمراً أو فحماً) لا حطباً يُوقَد هناك. ويَبقى تساؤلٌ لغويّ: أمِن «المُقْوي» (المسافر) جُمِعت، أم تَلتقي صوتاً بـ«القَيْن» نافخِ الكِير الذي قِوامُ عمله الفحم — وإن افترق الجذران (قوي/قين)؟ وعلى الوجهين، فالنارُ المنتفَعُ بها في القَفر نارٌ مُوارَاةٌ مخزونة، وذلك مدلولُ «وري».

خاتمة

فهذه كلمةٌ قرأناها من كتلِها لا من ظاهرها: ستُّ كتلٍ تشعّبنا في جذورها، يَحكمها قانونُ الواو والياء، فاجتمعت في «وري» على معنىً واحد: إخفاءُ الشيء المادّيّ خلفَ حاجز؛ وهو مقلوبُ «رأى»، فالمُوارَى هو الشيءُ المخفيُّ، وأمّا المرئيُّ فهو الشيءُ الظاهرُ المُشاهَد، وكلاهما يَحتوي على الكتلة «ري». هذا، واللهُ تبارك وتعالى أعلم.


  1. المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده (جـ١٠ ص٣٥٢، مادّة ر و ي): «رَوِيَ من الماءِ ومن اللبنِ رِيّاً ورِوًى، وتَروَّى وارْتَوى، والاسمُ الرِّيُّ»؛ ولم يَرِد «روى» للماء في القرآن.
  2. المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده (جـ١٠ ص٣٥٧، مادّة و ر ي): «الوَرْيُ: قَيْحٌ يكونُ في الجَوف، وقيل: الوَرْيُ قَرْحٌ شديد يُقاءُ منه القيحُ والدم».
  3. المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده (جـ١٠ ص٣٥٠): «وقال ثعلب: الوَراءُ الخلفُ، ولكن إذا كان مما تمرُّ فهو قُدّامُ».
  4. نقله ابنُ سيده في المحكم والمحيط الأعظم (جـ١٠ ص٣٥٠): «وقال الزجّاجُ: وراءَ تكون كخَلفَ وقُدّامَ، ومعناها ما توارى عنك أي ما استتر عنك، قال: وليس من الأضداد كما زعم بعضُ أهل اللغة، وأما أمامُ فلا يكون إلا قُدّامَ أبداً».

التعليقات (0)