حرف الواو: لماذا هو الوصلُ وتمدُّدُ أثرِ السابق؟
مدخل: متجهُ الواو
على معيارِ علم آدمَ - الحرفُ ما له أثرٌ وفعاليّةٌ في المعنى - متجهُ الواوِ «تمدُّدُ أثرِ السابق»(١): امتدادٌ تابعٌ يَصِل ما قبلَه بما بعدَه ويُمِدُّ أثرَه؛ فهي حرفُ الوصلِ والاستمرار، نقيضُ الألفِ لا في الامتدادِ بل في جهتِه (الألفُ امتدادٌ مبتدئ، والواوُ امتدادٌ تابع).
أوّلاً - شهادةُ اللغويين
عدَّ سيبويهِ الواوَ من حروفِ المدِّ اللينة، ونبّه أنّك «تَضُمّ شفتيك في الواو»، وأنّ «الحركاتِ من الألفِ والياءِ والواو»(٢)؛ ووافقه الخليلُ فجعلها من الجوفيّةِ الهوائيّة(٣). وضمُّ الشفتين صوتُ نطقِها لا معناها؛ ومعناها الوصلُ والامتدادُ التابع.
ثانياً - فعاليّةُ الواو: الوصلُ في النحو
أصرحُ شاهدٍ على فعاليّةِ الواوِ وظائفُها النحويّة، وكلُّها وصلٌ وتمديد: «واوُ العطف» تَمُدّ حكمَ السابقِ إلى اللاحق (جاء زيدٌ وعمرٌو - مُدَّ المجيءُ إلى عمرو)، و«واوُ الجمع» في «فعلوا» تَمُدّ الفعلَ إلى الجماعة، و«واوُ الرفع» في «مسلمون»(١١). فالواوُ في الوسطِ تَمُدّ الكتلة.
ثالثاً - الكتلُ الشاهدة
ويُصدِّق المعجمُ النحوَ. «وصل» «ضمُّ شيءٍ إلى شيءٍ حتى يَعلَقه؛ والوصلُ ضدُّ الهِجران»(٤) - وصلٌ وامتدادٌ إلى. و«ولد» «دليلُ النَّجلِ والنَّسل»(٥) - والنسلُ امتدادُ أثرِ الوالد. و«ورث» «أن يكونَ الشيءُ لقومٍ ثم يصيرَ إلى آخرين»(٦)، و«وعد» «ترجِيةٌ بقول»(٧)، و«وصف» «تحليةُ الشيء؛ الصفةُ الأمارةُ اللازمة»(٨)، و«وسم» «أثرٌ ومَعلم؛ وسمتُ الشيءَ أثّرتُ فيه»(٩) - أثرٌ يمتدُّ في الموسوم.
رابعاً - فتحُ المعلقات: ما تُوهِم الضمَّ
وثَمّ كتلٌ تُوهِم أنّ الواوَ ضمٌّ وانقباض. «وأل» «تجمُّعٌ والتجاء؛ المَوْئِل الملجأ»، و«وأم» «موافقةٌ ومقاربة؛ الوئامُ الموافقة»(١٠). وظاهرُهما الجمعُ، وحقيقتُهما الوصل: فالالتجاءُ وصلٌ بالملجأ، والموافقةُ وصلٌ بالموافِق.
خامساً - الواوُ والياء: نقيضان جوفيّان
والواوُ لا تَستقرّ ملاصقةً لنقيضِها الطاوي: فاجتماعُها بالياءِ «(وي)» - تمدُّدٌ تابعٌ في مقابلِ طيٍّ منكفئ - يُنتج انهياراً ذاتيّاً، فلا تَحيا إلا بفصلِ حرفٍ ثالثٍ بينهما(١٣). فالواوُ نقيضُ الياء، لا نقيضُ الألف.
سادساً - الواو في القرآن
والقرآنُ يَشهد للوصلِ وتمدُّدِ الأثر: ﴿وَوَرِثَ سُلَيۡمَٰنُ دَاوُۥدَ﴾ [النمل ١٦] - امتدادُ أثرِ السابقِ في اللاحق؛ ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَ﴾ [مريم ٦]؛ و﴿وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ﴾ [الرعد ٢١](١٢). فالوصلُ والإرثُ كلُّها تمدُّدُ أثرٍ سابق.
الخلاصة
الواوُ - بمعيارِ الأثرِ والفعاليّة - حرفٌ فاعلٌ قائمٌ من حروفِ المدّ، متجهُه تمدُّدُ أثرِ السابق: الوصلُ والامتدادُ التابع. عدَّه سيبويهِ والخليلُ من المدِّ الجوفيّة (وضمُّ الشفتين صوتُ نطقِه لا معناه)، وشهد له النحوُ (واو العطفِ والجمعِ والرفع) والكتلُ (وصل، ولد، ورث، وعد، وصف، وسم). وهي نقيضُ الياءِ الطاوية لا الألفِ المبتدئ. والنصوصُ منقولةٌ بمادّتها وجزئها وصفحتها، والتأويلُ قراءةُ علم آدمَ تحتها - لا منسوبٌ لأهلِ اللغة.
الهوامش (من «الكتاب» و«العين» و«مقاييس اللغة» بالجزء والصفحة)
- الجدول الدوري ٢٤ (متجهات اللسان) - من علم آدم: الواو = تمدُّد أثر السابق، والألف = الامتداد المبتدئ، والياء = الانطواء. ↩
- سيبويه، الكتاب جـ٤: الواوُ من حروفِ المدِّ اللينة، «تَضُمُّ شفتيك في الواو» (ص٤٣٥)، و«إنما الحركاتُ من الألفِ والياءِ والواو» (ص١٠١)؛ وهي مع الألفِ والياءِ من «أخفى الحروفِ لاتساعِ مخرجها» (ص٤٣٦). ↩
- الخليل، العين جـ١ ص٥٧: «الألفُ اللينةُ والواوُ والياءُ» من الجوفيّةِ الهوائيّة، «تخرج من الجوف... هوائيةٌ، أي في الهواء». ↩
- ابن فارس، مقاييس اللغة، (وصل) جـ٦ ص١١٥: «أصلٌ واحدٌ يدلُّ على ضمِّ شيءٍ إلى شيءٍ حتى يَعلَقه؛ والوصلُ ضدُّ الهِجران». ↩
- نفسه، (ولد) جـ٦ ص١٤٣: «أصلٌ صحيح، وهو دليلُ النَّجلِ والنَّسل» - والنسلُ امتدادُ الوالد. ↩
- نفسه، (ورث) جـ٦ ص١٠٥: «الوِرْثُ والميراث... أن يكونَ الشيءُ لقومٍ ثم يصيرَ إلى آخرين بنسبٍ أو سبب». ↩
- نفسه، (وعد) جـ٦ ص١٢٥: «كلمةٌ تدلُّ على ترجِيةٍ بقول؛ وعدتُه أعِده وعداً». ↩
- نفسه، (وصف) جـ٦ ص١١٥: «أصلٌ واحد، هو تحليةُ الشيء؛ والصفةُ الأمارةُ اللازمةُ للشيء». ↩
- نفسه، (وسم) جـ٦ ص١١٠: «أصلٌ واحدٌ يدلُّ على أثرٍ ومَعلم؛ وسمتُ الشيءَ: أثّرتُ فيه بسِمة؛ والوَسْميُّ أوّلُ المطر». ↩
- نفسه، (وأل) جـ٦ ص٧٩: «تجمُّعٌ والتجاء؛ المَوْئِل الملجأ»، و(وأم) جـ٦ ص٨٠: «موافقةٌ ومقاربة؛ الوئامُ الموافقة». ↩
- الجدول الدوري ٢٤ (القوانين): «الواوُ في الوسطِ تَمُدُّ الكتلة»؛ وعليه واوُ العطفِ والجمعِ والرفع (وصلٌ وامتداد) - قراءةُ علم آدم. ↩
- القرآن: ﴿وَوَرِثَ سُلَيۡمَٰنُ دَاوُۥدَ﴾ [النمل ١٦]؛ ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَ﴾ [مريم ٦]؛ ﴿وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ﴾ [الرعد ٢١]. ↩
- الجدول الدوري ٢٤: «اجتماعُ متجهَين جوفيَّين متعاكسَين متلاصقَين (وي) يُنتج انهياراً ذاتيّاً» - تمدُّدٌ تابعٌ في مقابلِ طيٍّ منكفئ (قراءةُ علم آدم). ↩
فهرس دراسات الحروف (٢٩ حرفاً)
خريطةُ الحروفِ الـ٢٩ ومتجهاتُها - جدولُ علم آدم الدوري
التعليقات (0)