حرف الهمزة: لماذا هو الإيجاد من العدم؟

حرف الهمزة: لماذا هو الإيجاد من العدم؟

الهمزةُ قرينةُ الألفِ على الكرسيِّ ونقيضُها: نَبرةٌ تَنقدِح من العدمِ - بداءةٌ وخلقٌ وأصل؛ بمعيارِ الأثرِ حرفٌ فاعلٌ قائم
بقلم: علي موسى الزهراني
ءمن العدمِ ← وجود
حرف الهمزة
المتجه: الإيجاد من العدم
المعنى: نَبرةٌ تَنقدِح من سكونٍ فتُوجِد ما لم يكن - بدءٌ وخلقٌ وأصل.
الكتل الشاهدة: برأ، بدأ، نشأ، ذرأ، أوّل، أصل.
شاهد قرآني: ﴿ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُ﴾ - البارئُ المُوجِدُ من العدم.

مدخل: متجهُ الهمزة

على معيارِ علم آدمَ - الحرفُ ما له أثرٌ وفعاليّةٌ في المعنى - متجهُ الهمزةِ «الإيجادُ من العدم»(١): نَبرةٌ تَنقدِح فجأةً من انغلاقِ الحَلقِ بعد سكون، فتُوجِد الصوتَ حيث لم يكن. وهي قرينةُ الألفِ في الرسمِ (ا) ونقيضُها في الحقيقة: الهمزةُ إيجادٌ قاطعٌ يَبدأ، والألفُ امتدادٌ ساكنٌ يَستمرّ؛ الهمزةُ نقطةٌ، والألفُ خطّ. وهذه الدراسةُ تستقرئ كتلَ الهمزةِ وتَنقُل كلامَ اللغويِّين، ثمّ تَقرأ تحته متجهَ علم آدم مُميَّزاً أنّه تأويلُه لا نصٌّ منسوبٌ لأحد.

أوّلاً - شهادةُ اللغويين

صدَّر سيبويهِ تعدادَ الحروفِ بالهمزة: «فأصلُ حروفِ العربيةِ تسعةٌ وعشرون حرفاً: الهمزةُ، والألفُ، والهاءُ...»(٢) - فهي أوّلُ الحروفِ وأعمقُها مخرجاً (من أقصى الحلق)، شديدةٌ مجهورةٌ تَنغلِق ثمّ تَنفجِر. وعدَّها الخليلُ من الجوفيّةِ التي «تخرج من الجوف»(٣). فاللغويون يصفون صوتَها قَطعاً ونبرةً تَبدأ - وعلمُ آدمَ يقرأ تحته: الإيجادُ من سكون.

ثانياً - الكتلُ الشاهدة: الخلقُ والابتداءُ والأصل

أصرحُ شواهدِ الهمزةِ أفعالُ الخلقِ نفسُها، تَختِمها الهمزةُ كأنّها خاتَمُ الإيجاد. «برأ» قال ابن فارس: «أحدُهما الخَلْق؛ بَرَأَ اللهُ الخلقَ يبرؤهم، والبارئُ اللهُ»(٤)؛ و«بدأ» «افتتاحُ الشيء؛ بدأتُ بالأمرِ وابتدأت، واللهُ المُبدئُ والبادئ»(٥)؛ و«نشأ» «ارتفاعٌ في شيء» ومنه الإنشاءُ والنشأة(٦)؛ و«ذرأ» الخلقُ والبثُّ، «كالشيءِ يُبذَرُ ويُزرَع»(٧). فأربعةُ أفعالٍ للخلقِ - برأ، بدأ، نشأ، ذرأ - كلُّها مهموزةُ اللام، والهمزةُ فيها - بقراءةِ علم آدم - لحظةُ الإيجاد.

ويَمتدّ الأثرُ إلى الابتداءِ والأصل: «أول» «مبتدأُ الشيء»(٨)، و«أصل» «أساسُ الشيء» الذي منه يَنشأ غيرُه، و«أمر» منه أمرُ التكوينِ (كُن)(٩). فالهمزةُ في صدرِها وعَجُزِها نقطةُ بدءٍ يَصدُر عنها ما بعدها.

ثالثاً - فتح المعلقات: همزةُ الوصل

قد يُقال: همزةُ الوصلِ (في «اسم» و«ابن» و«استخرج») تَسقُط في الدَّرج، فكيف تكون إيجاداً؟ والجوابُ أنّها أصدقُ شاهدٍ على الإيجاد: جيءَ بها سُلَّماً للابتداءِ بالساكن - إذ الساكنُ لا يُبتدأ به - فتُوجِد النطقَ من العدمِ ثمّ تَسقُط إذا اتُّصِل بما قبلها فاستُغنيَ عن الإيجاد. وأمّا همزةُ القطعِ فثابتةٌ لأنّها إيجادٌ أصيلٌ في الكلمة(١٠). فالهمزتان كلتاهما إيجاد: قطعٌ ثابتٌ، ووصلٌ يُوجِد البدءَ ثمّ ينحسر.

رابعاً - الهمزةُ والألف: نقيضان على كرسيٍّ واحد

والهمزةُ والألفُ أوضحُ زوجٍ متقابل: تَشتركان الكرسيَّ (ا) فيقع اللبسُ، وتَفترقان في كلِّ صفة. الهمزةُ تَقبل الحركاتِ الثلاثَ ويُبتدأ بها وتكون أصلاً؛ والألفُ لا تَقبل حركةً ولا يُبتدأ بها ولا تكون أصلاً. بل إنّ الألفَ لا تُحرَّك، فإن عَرَضت لها حركةٌ انقلبت همزةً(١١) - فالهمزةُ صورةُ الألفِ حين تُوجَد فيها الحركة. فالإيجادُ (الهمزة) والامتدادُ (الألف) ضدّان: نقطةُ بدءٍ مقابلَ خطِّ استمرار.

خامساً - الهمزةُ في القرآن

والقرآنُ يَقرِن الهمزةَ بالخلقِ والإيجاد: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُ﴾ [الحشر ٢٤] - والبارئُ المُوجِدُ من العدم؛ ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ﴾ [الروم ٢٧]؛ ﴿قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖ﴾ [يس ٧٩]؛ ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ﴾ [المؤمنون ٧٨](١٢). فالبَرءُ والبَدءُ والإنشاءُ والأوّليّةُ كلُّها إيجادٌ من العدم.

الخلاصة

الهمزةُ - بمعيارِ الأثرِ والفعاليّة - حرفٌ فاعلٌ قائم، متجهُه الإيجادُ من العدم: نَبرةٌ تَنقدِح من سكونٍ فتَبدأ. صدَّر سيبويهِ بها الحروفَ، وهي أعمقُها مخرجاً، شديدةٌ تَنغلِق ثمّ تَنفجِر؛ وشهدت لها كتلُ الخلقِ (برأ، بدأ، نشأ، ذرأ) والابتداءِ والأصل (أول، أصل، أمر)، والقرآنُ (البارئ، يبدأ الخلق، أنشأها أوّل مرّة). وهي قرينةُ الألفِ على الكرسيِّ ونقيضُها: إيجادٌ يَبدأ مقابلَ امتدادٍ يَستمرّ. والتأويلُ بالإيجادِ قراءةُ علم آدمَ تحت وصفِ اللغويِّين، لا منسوبٌ إليهم.

الهوامش

  1. الجدول الدوري ٢٤ (متجهات اللسان) - من علم آدم: الهمزة = الإيجاد من العدم، والألف = الامتداد، والواو = تمدُّد أثر السابق، والياء = الانطواء.
  2. سيبويه، الكتاب جـ٤ ص٤٣١: «فأصلُ حروفِ العربيةِ تسعةٌ وعشرون حرفاً: الهمزةُ، والألفُ، والهاءُ، والعينُ، والحاءُ...» - فبدأ تعدادَ الحروفِ بالهمزة.
  3. الخليل، العين جـ١ ص٥٧: «وأربعةُ أحرفٍ جوفٌ، وهي: الواوُ والياءُ والألفُ اللينةُ والهمزةُ، وسُمّيت جوفاً لأنها تخرجُ من الجوف» - قاله الليثُ عن الخليل.
  4. ابن فارس، مقاييس اللغة، (برأ) جـ١ ص٢٣٦: «فأمّا الباءُ والراءُ والهمزةُ فأصلان... أحدُهما الخَلْقُ، يقال برَأَ اللهُ الخلقَ يبرَؤُهم برءاً، والبارئُ اللهُ جلَّ ثناؤه».
  5. نفسه، (بدأ) جـ١ ص٢١٢: «الباءُ والدالُ والهمزةُ من افتتاحِ الشيء، يقال بدأتُ بالأمرِ وابتدأت... واللهُ تعالى المُبدئُ والبادئُ».
  6. نفسه، (نشأ) جـ٥ ص٤٢٨: «النونُ والشينُ والهمزةُ أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على ارتفاعٍ في شيء» - ومنه «نشَأَ السحابُ: ارتفع، وأنشأَه اللهُ: رفَعه» (ص٤٢٩).
  7. نفسه، (ذرأ) جـ٢ ص٣٥٢-٣٥٣: «الذالُ والراءُ والهمزةُ أصلان... والآخرُ كالشيءِ يُبذَرُ ويُزرَع»، ومنه «ذرَأْنا الأرضَ أي بذَرْناها»، و«ذرَأَ اللهُ الخلقَ يذرَؤُهم» ﴿يَذۡرَؤُكُمۡ فِيهِ﴾.
  8. نفسه، (أول) جـ١ ص١٥٨: «الهمزةُ والواوُ واللامُ أصلان: ابتداءُ الأمرِ وانتهاؤه. أمّا الأوّلُ فالأوّلُ، وهو مبتدأُ الشيء».
  9. نفسه، (أصل) جـ١ ص١٠٩: «الهمزةُ والصادُ واللامُ... أحدُها أساسُ الشيء»؛ و(أمر) جـ١ ص١٣٧: «الهمزةُ والميمُ والراءُ أصولٌ خمسةٌ... والأَمَرُ النَّماءُ والبَرَكةُ». و«أمرُ التكوين (كُن)» قراءةُ علم آدم.
  10. همزةُ الوصلِ سُلَّمٌ للابتداءِ بالساكن (لا يُبتدأ بساكن)، تُوجِد البدءَ ثمّ تَسقُط في الدَّرج؛ وهمزةُ القطعِ ثابتةٌ أصيلة - والقراءةُ بأنّهما للبدءِ من علم آدم على وظيفةٍ نحويّةٍ معروفة.
  11. ابن الخشاب، المرتجل في شرح الجمل ص٤٥: «والألفُ لا يصحُّ تحريكُها لأنها إن حُرّكت انقلبت همزةً، فزال عنها لفظُها وخرجت عن كونها ألفاً» - فالهمزةُ صورةُ الألفِ المُحرَّكة (قراءةُ علم آدم).
  12. القرآن: ﴿ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُ﴾ [الحشر ٢٤]؛ ﴿يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ﴾ [الروم ٢٧]؛ ﴿أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖ﴾ [يس ٧٩]؛ ﴿أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ﴾ [المؤمنون ٧٨].

فهرس دراسات الحروف (٢٩ حرفاً)

خريطةُ الحروفِ الـ٢٩ ومتجهاتُها - جدولُ علم آدم الدوري

ءالهمزةالإيجاد من العدماالألفالامتداد الفاعلبالباءالتراكم والثِّقَلتالتاءالارتداد المتكررثالثاءالتشتت العشوائيجالجيمالجمع الماديحالحاءالتجويف المحتكّ بما فيهخالخاءالضغط للأسفلدالدالالدفع للأمامذالذالالتفكُّك الهشّرالراءالزخم الاندفاعيزالزايالضيق الإبريسالسينالانسياب البطيءشالشينالتفريق المنتظمصالصادالإحكام الصلبضالضادالضغط الجانبيطالطاءالتسطيحظالظاءالغطاء الجاثمعالعينالجسم الظاهر بعد خفاءغالغينالجسم الغائب بعد ظهورفالفاءانعكاس الفعلقالقافالتقييد والالتصاقكالكافالوعاء التفاعليلاللامالجسم الشاخص الرأسيمالميمالتكتُّل السكونينالنونالمستودَع الباطنهالهاءالفراغ والعلويةوالواوالوصل وتمدُّد أثر السابقيالياءالانطواء
علم آدم - الجدول الدوري لحروف العربية · مدونة قرآن عظيم

التعليقات (0)