حرف الهمزة: لماذا هو الإيجاد من العدم؟
مدخل: متجهُ الهمزة
على معيارِ علم آدمَ - الحرفُ ما له أثرٌ وفعاليّةٌ في المعنى - متجهُ الهمزةِ «الإيجادُ من العدم»(١): نَبرةٌ تَنقدِح فجأةً من انغلاقِ الحَلقِ بعد سكون، فتُوجِد الصوتَ حيث لم يكن. وهي قرينةُ الألفِ في الرسمِ (ا) ونقيضُها في الحقيقة: الهمزةُ إيجادٌ قاطعٌ يَبدأ، والألفُ امتدادٌ ساكنٌ يَستمرّ؛ الهمزةُ نقطةٌ، والألفُ خطّ. وهذه الدراسةُ تستقرئ كتلَ الهمزةِ وتَنقُل كلامَ اللغويِّين، ثمّ تَقرأ تحته متجهَ علم آدم مُميَّزاً أنّه تأويلُه لا نصٌّ منسوبٌ لأحد.
أوّلاً - شهادةُ اللغويين
صدَّر سيبويهِ تعدادَ الحروفِ بالهمزة: «فأصلُ حروفِ العربيةِ تسعةٌ وعشرون حرفاً: الهمزةُ، والألفُ، والهاءُ...»(٢) - فهي أوّلُ الحروفِ وأعمقُها مخرجاً (من أقصى الحلق)، شديدةٌ مجهورةٌ تَنغلِق ثمّ تَنفجِر. وعدَّها الخليلُ من الجوفيّةِ التي «تخرج من الجوف»(٣). فاللغويون يصفون صوتَها قَطعاً ونبرةً تَبدأ - وعلمُ آدمَ يقرأ تحته: الإيجادُ من سكون.
ثانياً - الكتلُ الشاهدة: الخلقُ والابتداءُ والأصل
أصرحُ شواهدِ الهمزةِ أفعالُ الخلقِ نفسُها، تَختِمها الهمزةُ كأنّها خاتَمُ الإيجاد. «برأ» قال ابن فارس: «أحدُهما الخَلْق؛ بَرَأَ اللهُ الخلقَ يبرؤهم، والبارئُ اللهُ»(٤)؛ و«بدأ» «افتتاحُ الشيء؛ بدأتُ بالأمرِ وابتدأت، واللهُ المُبدئُ والبادئ»(٥)؛ و«نشأ» «ارتفاعٌ في شيء» ومنه الإنشاءُ والنشأة(٦)؛ و«ذرأ» الخلقُ والبثُّ، «كالشيءِ يُبذَرُ ويُزرَع»(٧). فأربعةُ أفعالٍ للخلقِ - برأ، بدأ، نشأ، ذرأ - كلُّها مهموزةُ اللام، والهمزةُ فيها - بقراءةِ علم آدم - لحظةُ الإيجاد.
ويَمتدّ الأثرُ إلى الابتداءِ والأصل: «أول» «مبتدأُ الشيء»(٨)، و«أصل» «أساسُ الشيء» الذي منه يَنشأ غيرُه، و«أمر» منه أمرُ التكوينِ (كُن)(٩). فالهمزةُ في صدرِها وعَجُزِها نقطةُ بدءٍ يَصدُر عنها ما بعدها.
ثالثاً - فتح المعلقات: همزةُ الوصل
قد يُقال: همزةُ الوصلِ (في «اسم» و«ابن» و«استخرج») تَسقُط في الدَّرج، فكيف تكون إيجاداً؟ والجوابُ أنّها أصدقُ شاهدٍ على الإيجاد: جيءَ بها سُلَّماً للابتداءِ بالساكن - إذ الساكنُ لا يُبتدأ به - فتُوجِد النطقَ من العدمِ ثمّ تَسقُط إذا اتُّصِل بما قبلها فاستُغنيَ عن الإيجاد. وأمّا همزةُ القطعِ فثابتةٌ لأنّها إيجادٌ أصيلٌ في الكلمة(١٠). فالهمزتان كلتاهما إيجاد: قطعٌ ثابتٌ، ووصلٌ يُوجِد البدءَ ثمّ ينحسر.
رابعاً - الهمزةُ والألف: نقيضان على كرسيٍّ واحد
والهمزةُ والألفُ أوضحُ زوجٍ متقابل: تَشتركان الكرسيَّ (ا) فيقع اللبسُ، وتَفترقان في كلِّ صفة. الهمزةُ تَقبل الحركاتِ الثلاثَ ويُبتدأ بها وتكون أصلاً؛ والألفُ لا تَقبل حركةً ولا يُبتدأ بها ولا تكون أصلاً. بل إنّ الألفَ لا تُحرَّك، فإن عَرَضت لها حركةٌ انقلبت همزةً(١١) - فالهمزةُ صورةُ الألفِ حين تُوجَد فيها الحركة. فالإيجادُ (الهمزة) والامتدادُ (الألف) ضدّان: نقطةُ بدءٍ مقابلَ خطِّ استمرار.
خامساً - الهمزةُ في القرآن
والقرآنُ يَقرِن الهمزةَ بالخلقِ والإيجاد: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُ﴾ [الحشر ٢٤] - والبارئُ المُوجِدُ من العدم؛ ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ﴾ [الروم ٢٧]؛ ﴿قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖ﴾ [يس ٧٩]؛ ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ﴾ [المؤمنون ٧٨](١٢). فالبَرءُ والبَدءُ والإنشاءُ والأوّليّةُ كلُّها إيجادٌ من العدم.
الخلاصة
الهمزةُ - بمعيارِ الأثرِ والفعاليّة - حرفٌ فاعلٌ قائم، متجهُه الإيجادُ من العدم: نَبرةٌ تَنقدِح من سكونٍ فتَبدأ. صدَّر سيبويهِ بها الحروفَ، وهي أعمقُها مخرجاً، شديدةٌ تَنغلِق ثمّ تَنفجِر؛ وشهدت لها كتلُ الخلقِ (برأ، بدأ، نشأ، ذرأ) والابتداءِ والأصل (أول، أصل، أمر)، والقرآنُ (البارئ، يبدأ الخلق، أنشأها أوّل مرّة). وهي قرينةُ الألفِ على الكرسيِّ ونقيضُها: إيجادٌ يَبدأ مقابلَ امتدادٍ يَستمرّ. والتأويلُ بالإيجادِ قراءةُ علم آدمَ تحت وصفِ اللغويِّين، لا منسوبٌ إليهم.
الهوامش
- الجدول الدوري ٢٤ (متجهات اللسان) - من علم آدم: الهمزة = الإيجاد من العدم، والألف = الامتداد، والواو = تمدُّد أثر السابق، والياء = الانطواء. ↩
- سيبويه، الكتاب جـ٤: «فأصلُ حروفِ العربيةِ تسعةٌ وعشرون حرفاً: الهمزةُ، والألفُ، والهاءُ، والعينُ...» (محقَّقٌ بنصّه) - فصدَّر بالهمزة، وهي من أقصى الحلق، شديدةٌ مجهورة. ↩
- الخليل، العين جـ١: الهمزةُ مع «الواوِ والياءِ والألفِ اللينةِ» جوفيّةٌ، «سُمّيت جوفاً لأنها تخرج من الجوف». ↩
- ابن فارس، مقاييس اللغة، (برأ): «أصلان... أحدُهما الخَلْق؛ بَرَأَ اللهُ الخلقَ يبرؤهم، والبارئُ اللهُ» (محقَّق). ↩
- نفسه، (بدأ): «من افتتاحِ الشيء؛ بدأتُ بالأمرِ وابتدأت، واللهُ المُبدئُ والبادئ». ↩
- نفسه، (نشأ): «أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على ارتفاعٍ في شيء» - ومنه الإنشاءُ والنشأة. ↩
- نفسه، (ذرأ): «أصلان... والآخر كالشيءِ يُبذَرُ ويُزرَع» - والذرءُ الخلقُ والبثّ، ﴿وذَرَأكم في الأرض﴾. ↩
- نفسه، (أول): «أصلان: ابتداءُ الأمرِ وانتهاؤه؛ فالأوّلُ مبتدأُ الشيء». ↩
- نفسه، (أصل): «أساسُ الشيء»؛ و(أمر): منه أمرُ التكوينِ ﴿كُن﴾. ↩
- همزةُ الوصلِ سُلَّمٌ للابتداءِ بالساكن (لا يُبتدأ بساكن)، تُوجِد البدءَ ثمّ تَسقُط في الدَّرج؛ وهمزةُ القطعِ ثابتةٌ أصيلة - والقراءةُ بأنّهما للبدءِ من علم آدم على وظيفةٍ نحويّةٍ معروفة. ↩
- قاعدةٌ صرفيّةٌ مقرَّرة: الألفُ لا تُحرَّك، فإن عَرَضت لها حركةٌ انقلبت همزة - فالهمزةُ صورةُ الألفِ المتحرّكة، وهما على كرسيٍّ واحد متغايران (إيجاد/امتداد). ↩
- القرآن: الحشر ٢٤؛ الروم ٢٧؛ يس ٧٩؛ المؤمنون ٧٨. ↩
فهرس دراسات الحروف (٢٩ حرفاً)
خريطةُ الحروفِ الـ٢٩ ومتجهاتُها - جدولُ علم آدم الدوري
التعليقات (0)