إبليس الكسولُ المتنمِّر
لماذا سُمّي الشيطانُ الأولُ إبليس؟ — سداسيةُ (ب ل س) في ميزان علم آدم
إبليس الكسولُ المتنمِّر
لماذا سُمّي الشيطانُ الأولُ إبليس؟ سداسيةُ (ب ل س) في ميزان علم آدم
بقلم: علي موسى الزهراني
قبل أن نبدأ: بماذا سمّى العالَمُ الشيطان؟
لم يَختَرِع القرآنُ الشيطانَ؛ فقد عرفته الأممُ قبله وسمَّته بأسماء. وقد عرفت اللغات الساميّة القديمة «بعل» لقباً أو اسماً إلهياً يدلّ في أصله على السيّد أو المالك، وعرفت بلاد الرافدين «بِل/Bel» لقباً بمعنى السيّد أو المالك كذلك، وهو قريبٌ من «بعل» في الصوت والدلالة. والمقصود هنا الاستئناس بالتقارب الصوتي بين «بل/بعل» وطرف «بل» من «إبليس»، لا الزعم بأنّ الكنعانيين جعلوا بعل زعيم الأبالسة(1). وقسَم المجوسُ الكونَ بين «يَزدان» إلهِ الخير و«أهرَمن» إلهِ الشرّ، حتى زعم بعضُهم أنّ اللهَ وإبليسَ أخوان(2). وجعله اليونانُ والرومانُ من الآلهة الصُّغرى(3)، وعند الهنود «شيفا» إلهُ الدمار(4).
وأمّا اليهودُ فلا يعرفون «الجنّ»، وإنّما «الشيطان» (ساطان) أي العدوَّ المُعاند، ويرونه ملاكاً صالحاً سقطَ لأنّه أراد أن يكون إلهاً - وهي عقيدةُ «الملاك الساقط»5. وعندهم «عزازيل»: روحٌ شريرةٌ يُطلَق إليها كبشٌ يحمل ذنوبَ الجماعة إلى البرّيّة لاسترضائها6. ومن اليونانِ جاء «ديابولوس» (Diabolos) أي الخصمَ المُفتري، ومنه «devil» الإنجليزية و«diable» الفرنسية7.
فتأمّل: كلُّ هذه الأسماء تصف عداوتَه أو سقوطَه أو قوّتَه، لا حقيقتَه. حتى زعم بعضُ علمائنا أنّ «إبليس» العربيّةَ ليست إلا «ديابولوس» مُعرّبةً، لوزنِها القليل (إفعيل، مثل إنجيل)8. فهل وافق أحدُهم العربيّةَ حقّاً؟ لا. فاليونانيُّ وأخواتُه الأربعُ الأوربيّةُ تبدأ بالدال (د)، ولا يبدأ بها «إبليس» ولا حتى صورتُه السريانيّة، فليس منقولاً عنها9. والأهمُّ أنّ تلك الأسماءَ تصف خصومتَه، أمّا العربيُّ وحدَه فيصف فراغَه من الخير. واسمُه الأوّلُ كان «عزازيل»، و«إبليس» وصفٌ لَزِمَه10. فما سرُّ هذا الوصف؟ لنكتشفه بحروفه، خطوةً خطوة.
وأمّا لفظ «شيطان» في العربية فليس اسماً خاصاً بإبليس وحده، بل وصفٌ عامّ لكل عاتٍ متمرّد. والأقرب في ميزان هذا العلم ألا نحبسه في «شطن» وحدها، بل نقرأه من حقل «شيط/شوط»: فـ«شيط» ذهابٌ وإبطالٌ وإحراق، و«شوط» مضيٌّ وجريٌ إلى غاية، بل يذكر ابن فارس أن أصله مضيّ في غير تثبّت ولا حق. ومن هنا يكون الشيطان هو المُبعِد: لا يكتفي بأن يكون بعيداً عن الحق، بل يراك على صراطٍ فيزيحك عنه، ويدفعك في شوطٍ باطل، ويقطع اتصالك بالهدى. ولهذا تبقى قراءة «شطن» شاهدةً من جهة البعد والتمرد، أما «شيط/شوط» فتبيّن الوظيفة العملية: صناعة البعد في غيره. وبهذا نميّز بين الوصفين: «الشيطان» فاعل الإبعاد والإزاحة عن الطريق، و«إبليس» حالة الخلوّ من الخير ولزومها، فلا يتزاحمان، بل يتكاملان في رسم حقيقته11.
وهنا يتبيّن أن «إبليس» و«الشيطان» ليسا مترادفين في هذا العلم. فـ«إبليس» هو حالُ الكائن من الداخل: فراغٌ من الخير، وكسلٌ عن الطاعة، وغيرةٌ تتحول إلى تنمّر حين رأى آدم مكرّماً. لكنه لا يقف عند التنمّر؛ بل يتشيطن، أي ينتقل من حالته الداخلية إلى فعلٍ خارجي: يبعد الإنسان عن الطريق، ويدفعه إلى شوطٍ باطل، كأنه يريد أن يثبت عملياً دعواه الأولى: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾. فإبليس اسمُ السقوط في داخله، والشيطان اسمُ فعله في غيره.
وللفرق بين «شيط» و«شوط» ميزانٌ صرفيٌّ من قوانين هذا العلم. فأمّا «شيطان» من «شوط» فلا تصح قياساً؛ إذ فعلان من شوط «شَوْطان» كجَوَلان، فالمرشحان الصرفيان: فعلانُ من «شاطَ يشيط» كغضبان وكسلان، أو فيعالُ من «شطن» والنون أصلية، وبها قالت العرب «تشيطن»(12). وكلا الأصلين على كتلة (شط): تجاوزِ الخطِّ المضبوط: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾(13). والفصلُ بين الجذرين في حرف العلة الأوسط، ونصُّ القانون: «الواو في الوسط تمدُّ الكتلة، والياء في الوسط تطويها فتُنتج خطاً أو حافة»(14): فالشوط تجاوزٌ ممدودٌ إلى غايةٍ ثم عودة، ومنه أشواط الطواف والسباق؛ والشيط تجاوزٌ مطويٌّ على حافته: شيّط اللحمَ: أحرق ظاهرَه، وشاط دمُه: بلغ حافةَ الذهاب فذهب هدراً؛ و«شطن» خزنُ البعد: الشَّطَنُ الحبلُ الطويل. ولهذا كانت أفعالُه في التنزيل كلُّها أفعالَ مسارٍ لا أفعالَ فتك: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾، ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾، ﴿يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾؛ ونُسب إليه الشططُ بلفظ كتلته: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: ٤]. فالشيطانُ مُخرِجُ المسارات عن خطّها، لا يقتل ولا يسرق؛ إنما يُطيّشُ سهمَك عن شوطك حتى يشيطَ سعيُك ويشطَّ عن الحقِّ منزلُك.
أولاً: ما «الكتلة»؟ — حجرُ الأساس
في علم آدم، كلُّ كلمةٍ مبنيّةٌ على حرفين رئيسيّين يحملان معناها، كعمودين يقوم عليهما البيت؛ نسمّيهما «الكتلة»، والحرفُ الثالث كالثوب يُفصَّل على المعنى15. وللكتلة قانونٌ لطيف: إذا قلبتَ ترتيبَ حرفيها انقلب المعنى إلى ضدِّه، كمن يمشي في الطريق ذَهاباً ثمّ يعود إياباً. ولهذا نقرأ «إبليس» على مَهَل: أصلُها الحروف الصامتة (ب، ل، س)، وفيها كتلتان متتاليتان: (بل) ثمّ (لس). فإذا فهمنا الكتلتين، فهمنا الاسم.
ثانياً: (لب) و(بل) — اللُّبُّ الممتلئ والقشرةُ الفارغة
خُذ حبّةَ الجَوز: قشرةٌ صلبةٌ من خارج، ولُبٌّ طيّبٌ مخبوءٌ في الداخل تكسِر القشرةَ لتأكله. هذا هو معنى الكتلة (لب): الخلاصةُ الطيّبةُ المحفوظةُ داخلَ غلافها. ومنه «لُبّ» الجوز، و«لُباب» القمح أي أجودُ دقيقه، و«لُبُّ» الإنسان أي عقلُه الصافي16؛ وكلُّ جذور هذه الكتلة تدور على شيءٍ ثمينٍ محفوظٍ في الداخل17. وآدمُ -في ميزان هذا العلم- لُبٌّ: خلاصةٌ طيّبةٌ عُلِّمت الأسماء.
جدولُ جذورِ كتلة (لب) — ل قبل ب
انظر كيف تشترك كلُّها في معنى: جوهرٌ محفوظٌ متماسكٌ في الداخل.
| الجذر | المعنى |
|---|---|
| لبب | لُبُّ الشيء وخلاصتُه المحفوظةُ في جوفه، كلُبِّ الجَوزِ(18) |
| لبث | المُكثُ والبقاءُ الملازمُ للمكان(19) |
| لبد | تراكُمُ الشَّعرِ ونحوِه متماسكاً، كاللِّبْد(20) |
| لبس | الثوبُ يُغطّي ويُخالِطُ ويُلازِم(21) |
| لبن | اللبنُ مخبوءٌ في الضَّرع ثمّ يخرج فيتماسك(22) |
| قلب | القلبُ: باطنُ الجسم ولُبُّه(23) |
| صلب | الصلابةُ: تماسكٌ شديدٌ في الجِرم(24) |
| كلب | الإمساكُ الشديدُ الذي لا يُفلِت(25) |
والآن اقلب الحرفين فتصير (بل)، وهي عكسُ (لب). فإذا كان (لب) هو اللُّبَّ الممتلئَ، فإنّ (بل) هو القشرةُ بعد أن أُفرِغ لُبُّها26. ولهذا تقول العرب «بَلَّ الثوبَ» أي أفرغ فيه الماء، و«بَلْ» في الكلام تُبطل ما قبلها وتنتقل عنه27، و«البليد» مَن لا حِدّةَ في ذهنه ولا نفاذ28. فالخلاصة بسيطة: (لب) امتلاءٌ وحِفظ، و(بل) فراغٌ وإبطال.
جدولُ جذورِ كتلة (بل) — ب قبل ل [عكسُ لب]
لاحظ معنى الإصمات والإفراغ والإبطال يسري فيها.
| الجذر | المعنى |
|---|---|
| بلل | بَذْرٌ أو ماءٌ يُحبَس في جوف الأرض أو الثوب(29) |
| بلد | أرضٌ مُصمَتةٌ لا يَنفُذ منها شيء؛ ومنه «البلادة»(30) |
| بلس | باطنٌ فيه حِدّةٌ خفيّةٌ لا خيرَ فيها؛ ومنه «الإبلاس»: الخلوُّ من الخير(31) |
| بلع | جذبُ الشيء إلى الجوف بقوّةٍ فيُحبَس(32) |
| بلغ | وصولُ الشيء إلى غايته فيقف عندها(33) |
| بلو/بلى | إفناءُ الشيء وإبلاؤه بطول الزمن؛ والابتلاء(34) |
| بطل | ذهابُ الشيء سُدًى وبُطلانُه(35) |
| بسل | الحبسُ والمنعُ؛ و«أُبسِلَ»: أُسلِمَ للهلاك(36) |
ثالثاً: (لس) و(سل) — الشوكةُ تدخل والسيفُ يُسَلّ
تخيّل شوكةً رفيعةً تدخل في إصبعك فتعلَق ولا تكاد تخرج. هذا هو معنى الكتلة (لس): شيءٌ رفيعٌ يدخل ويَلزَم مكانَه فلا يفارقه37. ومنه «اللسان» يسحب الطعامَ إلى الداخل، و«لَبِسَ» الثوبَ أي خالطه ولازمه38. والآن اقلبها فتصير (سل): كأن تَسُلَّ السيفَ من غمده، أو تسحب خيطاً من ثوبٍ برفق — شيءٌ يخرج بهدوءٍ من مكانه39. فالفرق واضح: (لس) دخولٌ ولزوم، و(سل) خروجٌ ومفارقة.
جدولُ جذورِ كتلة (لس) — ل قبل س [الدخولُ واللزوم]
كلُّها طرَفٌ رفيعٌ يدخل أو يُسحَبُ إلى الداخل فيَلزَم.
| الجذر | المعنى |
|---|---|
| لسن | اللسانُ يسحب الطعامَ إلى الجوف(40) |
| لسع | لسعَتْه العقربُ: أدخلَتْ فيه إبرتها(41) |
| لسب | لسعٌ والتصاق؛ ولسَب العسلَ: لعِقه(42) |
| لسد | لسَد العسلَ: لعِقه بلسانه(43) |
| لسق | لسِقَ: التزقَ والتصق(44) |
| لسم | ألسمتُه الحجّةَ: ألزمتُه إيّاها(45) |
| لبس | الثوبُ يُخالِطُ البدنَ ويُلازِمه(46) |
| لحس | لحَس الشيءَ بلسانه(47) |
| لمس | طلَبَ الشيءَ بيده ولامَسه(48) |
| لوس | لاسَ الطعامَ: أداره في فمه(49) |
جدولُ جذورِ كتلة (سل) — س قبل ل [عكسُ لس: الخروج]
كلُّها شيءٌ يخرج منسرباً من مكانه برفقٍ.
| الجذر | المعنى |
|---|---|
| سلل | سلَّ السيفَ أو الخيطَ: أخرجه برفقٍ(50) |
| سلب | نزعَ ما يعلَق بالشيء فجرَّده(51) |
| سلخ | نزعُ الجلدِ المحيطِ فينكشف ما تحته(52) |
| سلك | نفاذٌ في طريقٍ ضيّقةٍ وخروجٌ منها(53) |
| سلم | خروجُ الشيء من الآفةِ سالماً(54) |
| رسل | السيرُ السهلُ المنسرب؛ والرسولُ يُرسَل(55) |
| عسل | العسلُ يخرج؛ واهتزازُ الرمح(56) |
| غسل | ماءٌ يجري على الشيء فيُزيل عنه(57) |
| كسل | التثاقلُ ومنعُ الخروج للعمل(58) |
| نسل | الولدُ يخرج؛ والتناسلُ(59) |
| وسل | الوسيلةُ يُتوصَّل بها(60) |
رابعاً: نركّب الكلمة — «بَلَس» ثمّ «إِبليس»
الآن نجمع ما عرفناه. كلمة «بَلَس» = (بل) + (لس). فـ(بل) معناها فراغٌ من الخير، و(لس) معناها لزومٌ لا يفارق. فيكون المعنى كلُّه: فارغٌ من كلّ خير، فراغاً لا يزول عنه ولا يفارقه. تأمَّل: هذا وصفٌ دقيقٌ لإبليس. ولنتأكّد أنّنا أصبنا، ننظر إلى عكس الكتلة في كلمة «بَسَل»: وهي الحبسُ والمنع، و«أُبسِلَ» أي أُسلِمَ للهلاك61؛ فالكتلة (بل) تدور على الحبس والإبطال كما قلنا. ولاحظ: إلى هنا لم نفتح معجماً واحداً؛ فهمنا المعنى من الحروف وحدها.
بقي أن نفهم الزياداتِ في الاسم. الأصلُ كتلتان: (بل) و(لس)، دُمِجتا فصار «بَلَس». ثمّ زِيدت في أوّله الهمزةُ، والهمزةُ في علم آدم حرفُ الإيجادِ والابتداء، فكأنّها تقول: هو أوّلُ من بَلَس وأصلُ البابِ فيه. ثمّ زِيدت قبل آخره الياءُ، والياءُ حرفُ الانطواءِ والتكثيف، تَطوي الصفةَ إلى داخل الكِيان حتى يصير منبعَها، مع ما فيها من معنى التقليلِ والتحقير62. فاجتمع في «إِبليس»: أصلٌ يصف فراغَه (بلس)، وهمزةٌ تجعله أوّلَه، وياءٌ تَطويه فيه؛ فليس في الكلمة حرفٌ زائدٌ بلا معنى.
خامساً: وماذا لو أضفنا ميماً؟ — «مُبلِس»
وقد يُسأل: ماذا تصنع الميمُ إذا دخلت على «بلس» فصارت «مُبلِس»؟ والجواب: الميمُ في علم آدم حرفٌ يُجمِّد الشيءَ ويجعله كتلةً ثابتة؛ ولهذا نصنع بها اسمَ المكان -كـ«مَجلِس» للمكان الذي يَثبُت فيه الجلوس- واسمَ الفاعل63. فإذا دخلت على «بلس» صار «المُبلِس» مَن تجمَّد على ذلك الفراغ فصار كتلةً جامدةً لا نفعَ فيها: عاجزاً فارغاً من كلِّ خيرٍ وقوّةٍ ونفع، لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاً. وهذا حالُ المجرمين يوم القيامة: ﴿فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ﴾ — لا قوّةَ لهم ولا حيلةَ ولا خيرَ يدفعون به عن أنفسهم.
سادساً: نسأل المعاجم — هل تشهد لنا؟
بعد أن استخرجنا المعنى بأنفسنا، نعرض كلامَ المعاجم تابعاً لا متبوعاً. ففي «لسان العرب» أن «أبلس» يقال للانقطاع والسكوت، وأن «إبليس» سُمّي بذلك لإبلاسه(64)؛ وفي مادة «صلت» شاهدٌ صرفي على بناء «إفعيل» من فعل الإبلاس(65). ثم يأتي «تاج العروس» فيجعل «البَلَس» نصاً فيمن لا خير عنده(66)، ويذكر «البَلِس» الساكت على ما في نفسه من حزن أو خوف(67). وأما اليأس فليس أصل المعنى عندنا، بل أثرٌ لاحق من الطرد والخلو؛ ولذلك لا نجعل المعجم إماماً للحروف بل شاهداً بعدها(68). وصورة البَلَس/الثمرة شاهدٌ حسي ثانوي لا يُبنى عليه أصل المقال(69). وأهلُ التفسير متّفقون أنّه من الجنّ لا من الملائكة(70).
سابعاً: الشاهد الأخير — معجمٌ قال ما قلناه بالحرف
بقيَ الشاهدُ الذي يُسعدنا حقّاً. فبعد أن انتهينا بأنفسنا إلى أنّ «بَلَس» = الفارغُ من الخير، فتّشنا فوجدنا معجماً كبيراً قال هذا المعنى صريحاً لا لبسَ فيه. قال صاحبُ «تاج العروس»: «البَلَسُ: مَن لا خيرَ عندَه»، وزاد: «والبَلِسُ: الساكتُ على ما في نفسه من الحزن أو الخوف»71. فانظر كيف جاء المعجمُ مصدِّقاً لِما نطقت به الكتلتان: فارغٌ من الخير، يكتم في صدره ما لا يُظهره. وهذا يوافق ما قرّره المؤلفُ نفسُه: أنّ «إبليس» لقبُ الكتومِ الغامضِ الذي يُطيل الصمتَ ويُخفي في قلبه حقدَه وحسدَه72. لم نبدأ بالمعجم، بل ختمنا به.
ثامناً: لماذا «وصفٌ» لا «اسمُ عَلَم»؟
الملائكةُ والجنُّ ليسوا كالبشر يحملون أسماءً خاصّة؛ إنّما يُعرَفون بأعمالهم وأوصافهم. فلمّا رفض السجودَ، ناداه اللهُ بوصف حاله لا باسمٍ سابق:
﴿قَالَ يَـٰٓإِبۡلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ [الحِجر: ٣٢]
﴿قَالَ يَـٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]
وقد صرّح القرآن بجنسه: ﴿إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦ﴾ [الكهف: ٥٠]. وأمّا زعمُ بعضهم أنّ «إبليس» أعجميٌّ لأنّه ممنوعٌ من الصرف، فلا حُجّةَ فيه؛ فليس كلُّ ممنوعٍ من الصرف أعجميّاً، ولصيغته «إفعيل» نظائرُ عربيّةٌ صريحة (إبريق، إبريز، إجفيل)(73)، ومنعُه يجري على قانون اللسان لا على عُجمةٍ مزعومة(74). وتذكر المراجع الحديثة احتمال النقل من اليونانية «diábolos» عبر السريانية، لكنّ هذا الاحتمال لا يلغي القراءة العربية من الجذر (ب ل س)، ولا سيما مع فرق الدال ومع شواهد المعاجم العربية(75). فالاسمُ في هذا المقال وصفٌ عربيٌّ دقيق، لا لقبٌ دخيل.
تاسعاً: لماذا قال ﴿أنا خيرٌ منه﴾؟
انظر الآن إلى جمال الجواب. لمّا وُصِف بأنّه «فارغٌ من الخير»، ردَّ على الوصف نفسِه بكلمة «خير»:
﴿قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ﴾ [ص: ٧٦]
وتأمَّل: إنّه ردَّ ردّين في آيةٍ واحدة. الأوّل: ﴿أنا خيرٌ منه﴾ ردٌّ مباشرٌ على وصفِ الفراغ من الخير؛ يأبى أن يكون خِلواً منه، فيزعم أنّ فيه خيراً بل هو خيرٌ من آدم76. والثاني: ﴿خلقتني من نارٍ وخلقته من طين﴾ ردٌّ آخرُ يدّعي فيه أنّه أكبرُ قدراً وأرفعُ أصلاً. فهما دعويان: دفعٌ عن الخيريّة، وزعمٌ بالأكبريّة. ثمّ كشف ما كان يكتمه في صدره من الحقد:
﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾ [الحِجر: ٣٩]
وهذا هو «الحدّةُ الخفيّة» التي في باطنه. ولأنّه كان جازماً بما أضمر، تحقّق ظنُّه: ﴿وَلَقَدۡ صَدَّقَ عَلَيۡهِمۡ إِبۡلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ﴾ [سبأ: ٢٠]77.
عاشراً: «استكبر» — كِبرٌ موهومٌ على لُبٍّ حقيقيّ
وقد يُقال: حين أخبر اللهُ أنّه تكبَّر، أكان تكبُّرُه لأنّه رفض السجود، أم لأنّه كبَّر نفسَه على آدمَ زاعماً أنّه خيرٌ منه وهو عكسُ ذلك؟ والجوابُ في الآية: ﴿أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ﴾78؛ فجَمعت أمرين: «أبى» وهو الفعلُ الظاهر (رفضُ السجود)، و«استكبر» وهو الباعثُ الخفيّ. والكِبَرُ في علم آدم تراكُمٌ يُكوَّم بعضُه فوق بعض79، ومجيئُها على «استفعال» دليلُ التكلُّف: فهو لم يَعلُ حقّاً، بل كوَّم على نفسه عظمةً موهومةً ليست فيه80.
ولهذا سأله اللهُ سؤالاً يفضحه: ﴿أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] — أتكبَّرتَ كِبراً مُدَّعىً، أم أنتَ من ذوي العُلوِّ الحقّ؟ ففرَّق بين كِبرٍ كاذبٍ وعُلوٍّ صادق. فتكبُّرُه إذن ليس مجرّدَ رفضٍ، بل هو أنّه كبَّر نفسَه على آدمَ زُوراً: كوَّم على فراغه (بَلَس) كِبراً موهوماً (كبر). وأمّا حُجّتُه «النارُ خيرٌ من الطين» فباطلةٌ من أصلها؛ إذ لا تفاضُلَ بين النار والطين في ذاتهما، فلكلٍّ عملٌ ووظيفة، فما حسِبه فضلاً ليس بفضل. وفضلُ آدمَ ليس في طينته، بل في اللُّبِّ الذي عُلِّم الأسماء.
حادي عشر: نهايتُه ونهايةُ من تبعه
والاسمُ الذي وُصِف به نبوءةٌ بمصيره ومصيرِ أتباعه؛ فالخلوُّ من كلِّ خيرٍ وقوّةٍ ونفع -وهو «الإبلاس»- جزاؤهم. وتأمَّل آياتِه: ليست في يأسٍ، بل في أقوامٍ فُرِّغوا من كلِّ قوّةٍ وحيلة. فيومَ القيامة لا يملك المجرمون لأنفسهم نفعاً ولا دفعاً:
﴿وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبۡلِسُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]
وكذلك إذا أخذهم العذابُ بغتةً في الدنيا، فُرِّغوا من كلِّ قوّةٍ ونفعٍ يدفعون به عن أنفسهم:
﴿أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]
ومثلُه حين يُمنَع عنهم المطرُ -وهو مادّةُ الخير والنفع- فيصيرون ﴿لَمُبۡلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩] لا غَناءَ عندهم، وعند بابِ العذاب ﴿إِذَا هُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٧]، و﴿وَهُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥]. فالمُبلِسُ في كلِّ موضعٍ: الفارغُ من كلِّ خيرٍ وقوّةٍ ونفع، لا اليائسُ الحزين. وبهذا يتّسق المقالُ من أوّله إلى آخره: إبليسُ هو البَلَس، وأتباعُه مُبلِسون.
ثاني عشر: لمسةٌ من لغات العالم — استئناسٌ صوتيٌّ لا دليل
وهذه فائدةٌ طريفةٌ تزيد الأمرَ وضوحاً. لغاتُ العالم -على بُعدِ ما بينها- حين تريد أن تقول «خالٍ تماماً من الشيء» تضيف مقطعاً صغيراً في أوّل الكلمة أو في آخرها. والعجيب أنّ نصفَي «بلس» يشبهان هذين المقطعين. فطرَفُ (لس) يشبه ما يُلحَق في آخر الكلمة: الإنجليزية «‑less» (useless = بلا فائدة)، والألمانية «‑los»، والسويدية «‑lös»، والتركية «‑siz» (evsiz = بلا بيت). وحرفُ الباء في أوّله يشبه ما يُوضَع في أوّل الكلمة: الفارسية «بی‑» (بیکار = بلا فائدة)، والهندية «بے‑»، والروسية «без‑»، وغيرُها كثير81. ولا نقول إنّ هذه اللغات أخذت من العربية؛ بل نقول إنّ صوتَ هذه الحروف يحمل في فطرة الناس معنى «العدم» — وهذا لُبُّ علم آدم. حتى كلمة «ليس» العربية (نفيُ الوجود) من الكتلة (لس) نفسها82.
ثالث عشر: سداسيّةُ (ب ل س) — ستّةُ وجوهٍ لمشهدٍ واحد
الحروفُ الثلاثة (ب، ل، س) لا تُفهم هنا على طريقة قلب الجذر كلّه، بل على منهج السداسية في علم آدم: كتلةٌ ثنائيةٌ ومعكوسُها، وحرفٌ سيّالٌ يدخل في ثلاثة مواضع. وفي هذه السداسية يكون العملُ المركزي على كتلة (بل) ومعكوسها (لب)، وتكون السين حرفَ السيولة والنفوذ الذي يغيّر موضع الحدث ولا ينسخ جوهر الكتلة.(83)
ولهذه الطريق سلفٌ ومنهج: جمَع ابنُ جنّي تقاليبَ الأصل الواحد على معنًى جامعٍ وسمّاه الاشتقاقَ الأكبر، وعلمُ آدم يمضي خطوةً أبعد: ستُّ فيزياءاتٍ لموضوعٍ واحد. وتتزاوج التقاليبُ على «فرضية الأزواج المتقابلة» بفاءٍ ثابتةٍ وقلبِ الكتلة الذيلية، كما في (كسَل ↔︎ كلَس) و(سلَك ↔︎ سكَل)؛ وعليه فأزواجُ هذه السداسية: (بلس ↔︎ بسل)، و(لبس ↔︎ لسب)، و(سبل ↔︎ سلب). وأمّا قلبُ الجذر التامّ (بلس ↔︎ سلب) فإضاءةٌ لفظيةٌ تُري الأطرافَ متعاكسة، وليست قانونَ الأزواج(84).
| التقليبة | البناء المنهجي | وظيفتها في السداسية |
|---|---|---|
| بلس | (بل) + س في العجز | فراغُ الخير إذا استقرّ في الذات ولزمها: الإبلاس. |
| لسب | (لب) والسين في القلب قبل الباء | الوجه المقابل لـ«بلس»: دخولٌ مؤذٍ يلصق أثره؛ فقدُ السلامة باللسب واللزوق. |
| لبس | (لب) + س في العجز | لبٌّ يُغطّى ويخالَط فيفقد البيان: اللباس واللَّبس. |
| سلب | س في الصدر + (لب) | انتزاعُ اللبّ من حِرزه: فقدُ الملك والستر إلى الخارج. |
| بسل | ب + س + ل على كتلة (بل) الممزّقة | دفعٌ إلى حبسٍ ومنعٍ وارتهان: فقدُ الخلاص. |
| سبل | س في الصدر + (بل) | انفتاح سبيلٍ وإرخاءٌ وإرسال: فقدُ القبض والتحكّم. |
وقد عرفنا من المقال كتلة (لب/بل): لُبٌّ محفوظ يقابله فراغٌ وإبطال. أمّا (بس/سب) فليستا أصل السداسية هنا، بل إضاءةٌ مساعدة تكشف طبيعة السين حين تلامس الباء: مرّةً تفكّ التماسك وتنشره، ومرّةً تمدّه في سبيلٍ موصول.
إضاءة مساعدة: جذور تماسّ (بس) — الباء مع السين [الفكّ والنشر]
هذه الجذور تُظهر جهة التفتيت والبسط: مادةٌ كانت مجتمعةً ثم فُتحت أو نُشرت أو امتدّت بعد انقباض.
| الجذر | المعنى |
|---|---|
| بسس | بَسَّ الشيءَ: فتَّه ونثَره؛ ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾(85) |
| بسط | مدُّ الشيءِ ونشرُه بعد انقباض(86) |
| بسم | انفتاحُ الشفتين عن تماسُكهما(87) |
| بسق | امتدادُ الطولِ علوّاً: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾(88) |
إضاءة مساعدة: جذور تماسّ (سب) — السين مع الباء [الامتداد الموصول]
وهذه تُظهر جهة السبيل والسبب والسباحة: امتدادٌ لا ينفلت في الفوضى، بل يمضي في خطّ أو علاقة أو ممرّ.
| الجذر | المعنى |
|---|---|
| سبب | الحبلُ، وكلُّ ما يُتوصَّل به إلى غيره(89) |
| سبح | المضيُّ الممتدُّ في ماءٍ أو فَلَك: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾(90) |
| سبق | التقدُّمُ في المدى الممدود(91) |
| سبر | إنفاذُ المِسبار في غَور الشيء لقياسه(92) |
| سبط | الشَّعرُ المسترسلُ الممتدُّ بلا تجعُّد(93) |
| سبت | السُّباتُ: السكونُ الممتدُّ: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾(94) |
بهذا نعود إلى السداسية نفسها. «بلس» ليست مجرد واحد من ستة جذور؛ إنها الحالة التي يقع فيها الفقد على الذات من داخلها: (بل) فراغٌ وإبطال، والسين في العجز تجعل هذا الفراغ نافذاً لازماً. لذلك صارت أصل وصف إبليس: خلوٌّ من الخير مستقرٌّ في الكيان.
وخُذ «لسب»، زوجَ «لبس» على الفرضية وجارةَ «بلس» بشركة (لس): تحضر (لب) أولاً، لكن السين تدخل في قلبها قبل أن تنغلق بالباء؛ فكأنّ اللبّ لم يُنتزع إلى الخارج، بل أصابه نفوذٌ مؤذٍ من الداخل، فصار لسعاً ولزوقاً وأثراً لا ينفكّ. ولهذا كان جِوارُ «بلس» و«لسب» أوثقَ الجِوار: فقدُ الخير في الذات، وفقدُ السلامة بدخول الأذى ولزومه؛ كلاهما لزومُ فقد.
وأما «لبس» فهو وجهٌ آخر: يبدأ باللبّ، ثم تلحقه السين في العجز، فيُغطّى اللبّ ويُخالَط حتى يضيع البيان. ومن هنا كان اللباس ستراً حسّياً، وكان اللَّبس ستراً معنوياً. وفي السيرة الإبليسية هذا هو التلبيس: لا يسلب الحقّ أولاً، بل يغطيه بباطلٍ يخالطه حتى لا يتميّز؛ وبهذا سمّى ابنُ الجوزي كتابَه المشهور «تلبيس إبليس».
وأما «سلب» فموضعه غير موضع «لسب»: السين تبدأ، ثم تأتي (لب)، فيكون الفعل من خارجٍ إلى داخل: سريانٌ يمدّ يده إلى اللبّ فينتزعه من حرزه. لذلك كان السلب نزعاً وتجريداً، وهو أثرٌ من آثار إبليس لا اسمه الأول؛ لأن السلب فعلٌ يقع على غيره، أما الإبلاس فحالٌ قائمةٌ في ذاته. وأوّلُ فعله بأبوَينا سلْبٌ وقع على لباس: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٧]؛ فجمعت الآيةُ السلْبَ واللباسَ في فعلٍ واحد.
ويبقى «بسل» و«سبل». في «بسل» تتمزق كتلة (بل) بدخول السين بين طرفيها، فيتحول الفراغ إلى حبسٍ ومنعٍ وارتهان: شيءٌ دُفع من حرزه ثم أُغلق عليه باب الخلاص(95). وفي «سبل» تتصدر السين ثم تأتي (بل)، فينفتح الامتداد طريقاً أو إرخاءً أو إرسالاً؛ فهو فقدُ القبض والتحكم، لا فقدُ الخير في الذات.
وفي السداسية علاقةٌ ثانيةٌ تُتمُّ الأولى: الجِوار. فكلُّ تقليبتين تشتركان في كتلةٍ واحدةٍ بلا قلبٍ جارتان، بينهما نسَبُ تلك الكتلة. فـ«بلس» و«لسب» تشتركان في (لس)، فكلاهما لزومُ فقدٍ: فراغٌ لازمٌ من الباطن في الأولى، وأذًى لازقٌ من الخارج في الثانية؛ وهذا وجهُ ما يُتوهَّم من مقابلة «بلس» بـ«لسب»: هو جوارُ كتلةٍ صحيحٌ لا زوجُ فرضية؛ فزوجُ «بلس» على «فرضية الأزواج المتقابلة» هو «بسل» بقلب الكتلة الذيلية(96). و«بلس» و«سبل» تشتركان في (بل): إفراغٌ مقيمٌ في الذات وإفراغٌ مُرسَلٌ في المسلك. وهكذا تنتظم الستُّ في مثلثي جوارٍ يقوم التضادُّ بينهما جسراً: (بلس، لسب، سبل) و(سلب، لبس، بسل). فللسداسية ثلاثُ علاقاتٍ مسمّاة: أزواجُ الفرضية بقلب الكتلة الذيلية، وجوارٌ بشركة الكتلة يجمع الأشباه، وقلبُ الجذر التامّ إضاءةٌ تُري الأطرافَ متعاكسة؛ والكتلةُ أصلُها جميعاً.
فالجامع العميق للسداسية ليس «القلب التام» وحده، بل حركة السين السيّالة حول كتلة اللبّ والفراغ. كلّ تقليبة تسأل سؤالاً واحداً: أين وقع الفقد؟ في «بلس» فُقد الخير من الذات، وفي «لسب» فُقدت السلامة بدخول الأذى، وفي «لبس» فُقد البيان بالستر، وفي «سلب» فُقد اللبّ بالانتزاع، وفي «بسل» فُقد الخلاص بالحبس، وفي «سبل» فُقد القبض بانفتاح السبيل. هذا هو المعنى المشترك: نفوذٌ يبدّل حال اللبّ بين حفظٍ وفقد، وبين سترٍ وانتزاع، وبين حبسٍ وإرسال.
ومن هنا نعرف لماذا سُمّي الشيطان الأول من «بلس» دون أخواتها: لأن «بلس» وحدها تجعل الفقد صفةً داخليةً لازمةً للذات، لا فعلاً عارضاً على غيرها. أما بقية السداسية فهي أعماله وآثاره: يلبّس الحق، ويلسب بالوسوسة الخفية، ويسلب الستر، ويُبسِل أتباعه للهلكة، ويقعد على السبيل.
والتنزيلُ يشهد لهذا البناء شهادةً مفصّلة، وأجمعُها في سورة الأنعام وحدها، فقد اجتمعت أربعُ تقاليبَ في سياقٍ واحدٍ هو سياقُ الأخذ والإسلام للهلَكة: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [٩]، ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [٤٤]، ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [٥٥]، ﴿أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ [٧٠]، ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [٨٢]، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [١٥٣]. وخامستُهنّ «سلب» في مثَل العجز التامّ: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: ٧٣]؛ وسادستُهنّ «لسب» لم تقع بلفظها، ووقع معناها في الوسوسة اللازقة(97).
الخلاصة في سطور
مشينا الطريقَ كلَّه: سمّت الأممُ الشيطانَ بعداوته، أمّا العربيّةُ فسمَّته بحقيقته. الكتلة (بل) فراغٌ وإبطال، والسين إذا لحقت بها جعلت هذا الفراغ نافذاً لازماً؛ فـ«بَلَس» = خلوٌّ من الخير استقرّ في الذات. وشهد الاشتقاقُ والمعجمُ بعد ذلك: «البَلَسُ: مَن لا خيرَ عندَه». وفتحنا سداسيّة (ب ل س) بمنهج الكتلة والحرف السيّال، وتزاوجت تقاليبُها على فرضية الأزواج بقلب الكتلة الذيلية: (بلس/بسل) و(لبس/لسب) و(سبل/سلب)؛ وإذا الجامع العميق: نفوذٌ يبدّل حال اللبّ بين حفظٍ وفقد، وبين سترٍ وانتزاع، وبين حبسٍ وإرسال. ولذلك كانت «بلس» اسم حاله، وكانت بقية السداسية أفعاله وآثاره: يلبّس، ويلسب، ويسلب، ويُبسِل، ويقعد على السبيل.
خاتمة: لماذا «الكسولُ المتنمِّر»؟
توّجنا هذا المقال بلقب «إبليس الكسولُ المتنمِّر» ولم نفسّره إلى الآن؛ فهذا تفسيرُه مباشرةً. وأمّا اختيارُ «الكسول» المعرَّف على «كسلان» فلأن فعولاً صيغةُ الدوام (كذوب، ظلوم)، وأل تجعل الصفةَ لقباً: فليس كسلُه حالاً تعرض، بل طبعٌ هو إمامُه. ولا تظنّ «التنمر» عاميّةً دخيلة؛ ففي اللسان: تنمّر له: تنكّر وتوعّد، وتنمّر: تشبّه بالنمر في تلوُّنه وشراسة خُلُقه(98). فالعنوانُ فصيحٌ، واخترنا لفظَ العصر لأن هذا الصنفَ يعيش بين أهل العصر، فليعرفوه باسمه المتداوَل.
فأمّا «كسلان» فمن حروفه عرفناه. مرَّ بنا في جدول كتلة (سل) أنّ الكسل «تثاقلٌ ومنعُ الخروج للعمل»(99): الكسولُ حبيسُ ذاته، لا يَسِلُّ نفسَه إلى فعل. وإبليسُ أُمر بعملٍ واحدٍ -سجدةٍ- فأبى. والجوابُ المباشر: هو كسلانُ لأنه كسلان؛ فالكسلُ عنده غايةٌ بذاتها، لا نتيجةُ سببٍ ولا وسيلةٌ لشيء. لم يقعد عن السجود لعلّةٍ لو زالت لسجد؛ القعودُ نفسُه هو مطلبُه. والدليلُ ترتيبُ المشهد: أبى أولاً، فلمّا سُئل: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] أخرج حجّةَ النار والطين؛ فالحجّةُ جاءت بعد القعود تبريراً له، لا قبله سبباً فيه. وهذا دأبُ كلِّ كسول: يقعد أولاً، ثم يفتّش لقعوده عن عذر. واسمُه يقول هذا بالحروف: (بل) فراغٌ و(لس) لزوم؛ فراغٌ لازمٌ قائمٌ بنفسه لا يُعلَّل بشيءٍ من خارجه: فليس كسلُه حالاً تطرأ وتزول، بل طبعٌ هو عينُ ذاته. وكذلك أمثالُه من البشر: الكسولُ الصريحُ لا يطلب من الدنيا إلا ألّا تطلبَ منه شيئاً، وينفق في تبرير قعوده جهداً لو أنفق نصفَه في العمل لأنجز. ولم يكن إباءُ إبليس عجزاً؛ كان استثقالَ مترفِّعٍ: استصغر العملَ لا لمشقّته، بل لأنه استصغر مَن العملُ لأجله. وهذا أخبثُ الكسلَين: فكسلُ الضعف يُرجى بُرؤه، أمّا كسلُ مَن جعل الكسلَ غايتَه فداءٌ يُكابِر صاحبُه دونه. والبَلَسُ كسلانُ بالضرورة؛ لأنّ الخلوَّ من الخير ليس إلا التوقفَ عن تحصيله: فالفراغُ اللازم (بلس) والامتناعُ عن الملء (كسل) وجهان لحالٍ واحدة. ومن لطائف التنزيل أنّ الكسل لم يقع في القرآن إلا وصفاً للمنافقين: ﴿قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾(100)؛ كسلٌ عن العمل ومراءاةٌ بالمظهر: هي عينُ الصنعة الإبليسية.
وأمّا «متنمر» فانظر ماذا صنع حين افتُضح فراغُه أمام لُبٍّ مُنجِز. آدمُ عُلِّم الأسماءَ فأنبأ بها -أنجزَ على أعين الملأ الأعلى- وإبليسُ لم يجد في إنجازه مطعناً، فطعن في مادّته: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وحقَّره باسم الإشارة: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢]؛ «هذا الذي»: هكذا يشير المتنمّرون إلى مَن عجزوا عن مطاولته. ثم انتقل من التحقير إلى التوعُّد، وكلامُه كلُّه لاماتُ قسمٍ ونوناتُ توكيد: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾، ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، ﴿لَأَقْعُدَنَّ﴾، ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾. فهذه سيرةُ المتنمر كاملةً: عجزٌ عن المطاولة، فتحقيرٌ للمنجِز، فتوعُّدٌ بالأذى، فأذًى بالفعل: نزعَ عنهما لباسَهما.
وهنا مرادُ المولى من إعادة القصة في سبع سور: ما أعادها لنحفظ تاريخَ عدوّنا، بل لنعرف نمطَه إذا تكرّر فينا. فالمولى يخبرنا أنّ الانحدار الأولَ في الوجود لم يكن عن جهلٍ ولا ضعف، بل عن كسلٍ وجنونِ عظمةٍ واحتقارٍ للمخلوق الجديد: عن فارغٍ استثقل العملَ وازدرى العامل(101). وسُنّةُ هذا الصنف واحدةٌ إلى يوم الدين: كلُّ كسولٍ على هذه الحال يقلِّل من شأن المنجزين العاملين؛ لا لعيبٍ رآه فيهم، بل لفراغٍ يجده في نفسه: عجزَ أن يستويَ معهم في الملء، فسعى أن يستووا معه في الفراغ. والسداسيةُ نفسُها قالتها من قبل: مَن لا لُبَّ له سعى في سلْب لُبِّ غيره، ومَن لم يسلك السبيلَ قعد عليها يصدُّ السالكين. وقابِل بين الأبوَين: أخطأ آدمُ فعمِل في إصلاح خطئه: ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]، حتى توبتُه عملٌ؛ وأخطأ إبليسُ فعمِل في تعميم خطئه، ليستويَ الخلقُ في سقطته. فهذا فرقُ ما بين العامل والكسول: العاملُ يُصلح العطبَ، والكسولُ يوسِّعه. فإذا رأيتَ فارغاً يزدري عاملاً، فاعلم أنك ترى مشهدَ السجدة يُعاد. وبهذا يُقرأ العنوانُ على وجهه: «الكسولُ» في الخير لا يعمله، «المتنمِّرُ» على أهله يعملونه.
وقِس على هذا السُّلَّم مَن شئتَ من الناس، فدرجاتُه ثلاث. كلُّ كسولٍ إبليسيُّ الصفة؛ لأن الكسل هو البَلَسُ بعينه: فراغٌ لازمٌ من العمل. فإن جمع إلى كسله احتقارَ الآخرين فهو إبليسيٌّ متنمِّر، يقول بلسان حاله ما قاله الأولُ بلسان مقاله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾. فإن بلغ به الحقدُ أن يحطِّم الآخرين ومشاريعَهم بإضلالهم عن طريقهم -يُطيّشُ سهامَهم عن أشواطها حتى يشيطَ سعيُهم- فهو إبليسيٌّ متنمِّرٌ شيطانيٌّ: اكتملت فيه الأسماءُ الثلاثة حالاً وموقفاً وفعلاً. وليس بين الدرجات أسوار؛ فمَن أدمن الأولى دُفع إلى الثانية، ومَن أقام على الثانية أوشك على الثالثة: إن الفارغ لا يطيق شهودَ الممتلئين طويلاً.
() ينظر: Wikipedia, “Baal” (https://en.wikipedia.org/wiki/Baal)، فقرة الافتتاح؛ وWikipedia, “Bel (mythology)” (https://en.wikipedia.org/wiki/Bel_(mythology))، فقرة الافتتاح، تاريخ الاطلاع 2026-07-01. المقصود هنا تقارب النطق والدلالة بين «بل/بعل» بوصفهما لقبين ساميين لمعنى السيادة أو الملك، لا نسبة دعوى أن الكنعانيين جعلوا بعل زعيم الأبالسة.↩︎
() مي المدهون، الملائكة والجن، ص٢٤٨؛ والطبري في جامع البيان ٢١/١٢١ عن ابن عباس: «زعموا أنّ اللهَ وإبليسَ أخوان». ومعنى «أهرَمن» (أنغرا مَينْيو): الروحُ المُدمِّرة؛ ينظر مادة Ahriman في ويكيبيديا والإيرانيكا.↩︎
() مي المدهون، الملائكة والجن، ص٢٤٩.↩︎
() مي المدهون، الملائكة والجن، ص٢٥٠.↩︎
() مي المدهون، الملائكة والجن، ص٢١٠ و٢١٤؛ وهي عقيدةُ «الملاك الساقط» الذي أراد أن يكون إلهاً.↩︎
() مي المدهون، الملائكة والجن، ص٢١٣؛ وعزازيلُ كبشُ التكفير في سفر اللاويّين ١٦ (يوم الغفران)؛ ينظر مادة Azazel في ويكيبيديا.↩︎
() «ديابولوس» (διάβολος) يونانيةٌ معناها «المُفتري/النمّام»، ومنها «devil» الإنجليزية و«diable» الفرنسية. ينظر: مادة «Devil» في ويكيبيديا.↩︎
() قولُ الزجّاج والأزهري؛ احتجّوا بوزن «إفعيل» القليل (مثل إنجيل) ومنعِه من الصرف. ونقاشُه في: محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ١ ص١٧٤.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ١ ص١٧٤ - ١٧٥: «ما يُدَّعى أنه الأصل اليوناني مبدوءٌ بالدال، وكذلك في أربع لغات أوربية، في حين أنّ الصورة السريانية غير مبدوءة بالدال كالعربية».↩︎
() ابن منظور، لسان العرب، جـ٦، ص٢٩-٣٠، مادة (بلس): «ومنه سُمِّيَ إبليسُ وكان اسمُه عزازيل».↩︎
() ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، جـ٣، ص٢٣٤-٢٣٥، مادة (شيط): الأصل يدل على ذهاب الشيء، وفيه: الشيطان من شاط يشيط إذا بطل؛ وانظر: ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص٥١٨-٥١٩، مادة (شيط). وانظر في (شوط): معجم مقاييس اللغة، جـ٣، ص٢٢٨-٢٢٩، إذ جعله أصلاً يدل على مضيّ في غير تثبّت ولا حق؛ ولسان العرب، جـ٧، ص٣٣٧-٣٣٨، مادة (شوط). وللمعنى التقليدي في البعد: مجمل اللغة، ص٥٠٢-٥٠٣، مادة (شطن).↩︎
() الخلاف في نون «شيطان» قديم: سيبويه يجعلها أصلية من (شطن) بدليل «تشيطن»، وغيرُه يجعلها زائدة من (شاطَ يشيط)، وذكر ابن فارس الوجهين؛ وأياً كان فكلا الأصلين من حقل (شط) نفسه.↩︎
() مقاييس اللغة، (شط) جـ٣ ص١٦٥: «الشينُ والطاءُ أصلان صحيحان: أحدهما البُعد، والآخر المَيل؛ شطّتِ الدارُ: بعُدت»؛ و(شيط): أصلٌ يدل على ذهاب الشيء. ولسان العرب، مادة (شيط): شيّط اللحمَ: أحرق ظاهرَه، وشاطت القدرُ: لصق بها الشيء، واستشاط غضباً.↩︎
() قوانين علم آدم، القانون الثاني (الحتمية الميكانيكية للمتجهات الجوفاء): «الواو في الوسط تَمدُّ الكتلة. الياء في الوسط تَطويها فتُنتج خطاً أو حافة». وفي جدول علم آدم ٢٢: الشين «التفريق المنتظم في مسارات ذات اتجاه واحد»، والطاء «التسطيح»، والواو «تمدد أثر الحرف السابق»، والياء «الانطواء».↩︎
() من قوانين علم آدم في تعريف الكتلة وقانون انعكاسها بنقل الطرفين (جدول الكتل الجامع).↩︎
() المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ٤ ص١٩٤٨: «لُبّ الجوز: ما في جوفه... ولُباب القمح: دقيقه الخالص».↩︎
() المصدر السابق، جـ٤ ص١٩٥٢: «معنى الفصل المعجمي (لب): اللزوم أي التلازم والتداخل».↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ٤، ص١٩٤٨.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ٤، ص١٩٤٩-١٩٥٠.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ٤، ص١٩٥٠.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ٤، ص١٩٥١.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ٤، ص١٩٥٢.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ٤، ص١٨٢٨-١٨٢٩.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ٣، ص١٢٤٩-١٢٥٠.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ٤، ص١٩٢٠-١٩٢١.↩︎
() صياغةُ علم آدم لكتلة (بل): «الإفراغ والإبطال، ضدّ (لب)» (جدول الكتل الجامع).↩︎
() المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ١ ص١٦٥: «و(بل) التي للإضراب بمعنى الحَبْس، أي إيقاف الأمر إبطالاً أو انتقالاً».↩︎
() المصدر السابق، جـ١ ص١٧١ - ١٧٢: «البلد: ما لم يُحفَر... ومنه البلادة، والذكاء حِدّةُ فكرٍ ونفاذ».↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ١، ص١٦٣.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ١، ص١٧١.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ١، ص١٧٣.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ١، ص١٧٦-١٧٧.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ١، ص١٧٧.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ١، ص١٦٥-١٦٦.↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص١٢٨-١٢٩.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ١، ص١٢٢.↩︎
() المصدر السابق، جـ٤ ص١٩٧٥: «معنى الفصل المعجمي (لس): قلّة مفارقة المنشأ أو المقرّ».↩︎
() المصدر السابق، جـ٤ ص١٩٥١: «لبس: تغطيةٌ بمُداخلةٍ وملازمة».↩︎
() المصدر السابق، جـ٢ ص١٠٤٤ (سلل)، وجـ٢ ص١٠٥٥ (سلب).↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ٤، ص١٩٧٥.↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص٨٠٦-٨٠٧.↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص٨٠٧.↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص٨٠٧.↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص٨٠٧.↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص٨٠٦-٨٠٧.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ٤، ص١٩٥١.↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص٨٠٣-٨٠٤.↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص٧٩٤-٧٩٥.↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص٧٩٨-٧٩٩.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ٢، ص١٠٤٤.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ٢، ص١٠٥٥.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ٢، ص١٠٥٦-١٠٥٧.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ٢، ص١٠٦١-١٠٦٢.↩︎
() محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ٢، ص١٠٦٢-١٠٦٣.↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص٣٧٦-٣٧٧.↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص٦٦٧-٦٦٨.↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص٦٩٦-٦٩٧.↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص٧٨٤-٧٨٥.↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص٨٦٥-٨٦٦.↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص٩٢٥-٩٢٦.↩︎
() المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ١ ص١٢٢ - ١٢٣؛ والشاهد: ﴿أُولَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ﴾ [الأنعام: ٧٠].↩︎
() للمعاني الحرفية في علم آدم ينظر: علي موسى الزهراني، الجدول الدوري للحروف، حرفا الياء والهمزة؛ وقوانين علم آدم محدث 13، القانونان الخاصان بأثر الواو والياء في وسط الكتلة، وبالحرف الزائد. وفي الجدول الدوري: «ي - الانطواء» و«ء - الإيجاد من العدم».↩︎
() الميمُ في علم آدم حرفُ تكتُّلٍ وتجميد؛ تُحوِّل الفعلَ السيّال إلى كتلةٍ ثابتة في اسم الفاعل والمكان والآلة.↩︎
() لسان العرب، جـ6 ص29، مادة (بلس): يذكر أن «أبلس» يقال للانقطاع والسكوت، وأن «أبلس من رحمة الله» بمعنى يئس وندم، ومنه سمي إبليس وكان اسمه عزازيل. الشاهد هنا هو اجتماع الانقطاع والسكوت والإبلاس في المادة لا الاقتصار على معنى اليأس.↩︎
() لسان العرب، جـ2 ص53، مادة (صلت): «وربما اشتقوا نعت أفعل من إفعيل، مثل إبليس، لأن الله أبلسه». فالشاهد صرفي: إمكان قراءة «إبليس» على بناء عربي متصل بفعل الإبلاس.↩︎
() تاج العروس، جـ15 ص462، مادة (بلس): «البَلَس، محركة: من لا خير عنده». وهذا هو الشاهد المعجمي الأصرح لمركز المقال: الخلو من الخير.↩︎
() تاج العروس، جـ15 ص462، مادة (بلس): يذكر «البَلِس» بمعنى الساكت على ما في نفسه من الحزن أو الخوف. وهذا يعضد جانب الكتمان والكمون في قراءة المقال.↩︎
() هذه خلاصة تأويلية من داخل المقال: اليأس المذكور في المعاجم أثرٌ لاحق للإبلاس والطرد، لا أصلٌ ميكانيكي سابق على الحروف. ينظر كذلك: علي موسى الزهراني، شيطان وإبليس، في نقد جعل اليأس أصل التسمية.↩︎
() المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ١ ص١٧٣: «المعنى المحوري: اشتمالُ باطنِ الشيء على حِدّةٍ لا تظهر».↩︎
() تهذيب اللغة للأزهري، مادة (بلس): «في التفسير أنّ إبليسَ من غير الملائكة... ﴿كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ﴾».↩︎
() النصُّ بحروفه في: تاج العروس من جواهر القاموس، ١٥/٤٦٢؛ والقاموس المحيط، ص٥٣٣؛ ومعجم متن اللغة، ١/٣٣٦: «البَلَسُ، محرَّكةً: مَن لا خيرَ عندَه، أو هو الذي عندَه إبلاسٌ وشَرٌّ».↩︎
() علي موسى الزهراني، شيطان وإبليس: «إبليسُ لقبٌ للكتوم الغامض الذي يُطيل الصمتَ ويُخفي في قلبه حقدَه وحسدَه».↩︎
() المعجم الاشتقاقي المؤصَّل، جـ١ ص١٧٤ - ١٧٥؛ فالعَلَميّةُ وحدها تكفي لمنع الصرف، ولصيغة «إفعيل» نظائرُ عربيّةٌ صريحة.↩︎
() علي موسى الزهراني، التنوين والممنوع من الصرف في نظرية فيزياء الحروف؛ وفيه أنّ منعَ الصرف يجري على قانون «مادّية اللسان» لا على عِلّة العُجمة أو العَدْل.↩︎
() تذكر مادة “Iblis” في ويكيبيديا، فقرة Naming, etymology, and origin (https://en.wikipedia.org/wiki/Iblis، تاريخ الاطلاع 2026-07-01)، احتمالين: اشتقاقاً من الجذر العربي ب-ل-س، أو نقلاً عن اليونانية diábolos عبر السريانية، مع ملاحظة عدم ثبوت الاسم في العربية قبل القرآن. وقارن: محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصل، جـ1 ص174-175، في مناقشة فرق الدال بين diábolos و«إبليس».↩︎
() ونحوُها: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ...﴾ [الأعراف: ١٢].↩︎
() لسان العرب، جـ10 ص194، مادة (صدق)، عن الفراء في قوله تعالى: ﴿ولقد صدق عليهم إبليس ظنه﴾: معنى قراءة التشديد أن إبليس حقق ظنه حين قال: ﴿ولأضلنهم ولأمنينهم﴾، لأنه قال ذلك ظاناً فحققه في الضالين.↩︎
() نص الآية: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34]. موضع الاستدلال هو الجمع بين «أبى» للفعل الظاهر و«استكبر» للدافع الباطن.↩︎
() ينظر في أصل مادة الكبر: ابن فارس، مجمل اللغة، مادة (كبر): «خلاف الصغر» و«الكبر معظم الأمر». ويستأنس بقراءة محمد حسن جبل في المعجم الاشتقاقي المؤصل لمادة (كبر) بوصفها نمواً وتراكماً لا مجرد علوّ مكاني.↩︎
() صيغة «استكبر» على الاستفعال تفيد التطلب والتكلف؛ وهذا يوافق التفريق القرآني في قوله تعالى: ﴿أستكبرت أم كنت من العالين﴾ [ص: 75] بين كبر مدعى وعلو ثابت.↩︎
() هذه مقارنة صوتية دلالية لا دعوى اقتراض تاريخي: لاحقة العدم أو الخلو تظهر في الإنجليزية -less، والألمانية -los، والسويدية -lös، والتركية -siz؛ وتظهر السابقة في الفارسية «بی-» والهندية/الأردية «بے-» والروسية bez-/без-. يذكر هذا للاستئناس لا للإثبات التاريخي.↩︎
() في العربية «ليس» أداة نفي، وهي قريبة من كتلة (لس) في هذا المقال. ولأصل (لس) في علم آدم ينظر: محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصل، جـ4 ص1975، في معنى لزوم الأليس بيته، مع قراءة المقال لكتلة (لس) بوصفها لزوماً لا يفارق.↩︎
() ينظر: منهج السداسية في علم آدم — الكتلتان وحرف السيولة؛ وقوانين علم آدم محدث 13، قانون استقلال الكتلة وبروتوكول السداسية بالكتلة الواحدة.↩︎
() علي موسى الزهراني، مقال السداسيات، فقرة «فرضية الأزواج المتقابلة»: «السداسيةُ ليست ستّةَ جذورٍ مستقلّة، بل ثلاثةُ أزواج؛ كلُّ زوجٍ فعلٌ وعكسُه، لأنّ قلبَ الكتلة يَعكس ترتيبَ الحدث: (كَسَلَ ↔︎ كَلَّسَ)، و(سَلَكَ ↔︎ سَكَلَ)، و(لَكِسَ ↔︎ لَسَكَ)»؛ وينظر: ابن جني، الخصائص، باب الاشتقاق الأكبر.↩︎
() ابن منظور، لسان العرب، جـ٦، ص٢٦-٢٧، مادة (بسس): «بسّ الشيءَ: فتّه»؛ والشاهد: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥-٦].↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص١٢٥-١٢٦: بسطُ الشيء: مدُّه ونشرُه.↩︎
() ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، جـ١، ص٢٤٩-٢٥٠.↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص١٢٥-١٢٦: بسقت النخلة: طالت؛ والشاهد: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠].↩︎
() ابن منظور، لسان العرب، جـ١، ص٤٥٥-٤٥٦، مادة (سبب): السببُ: الحبل، وكلُّ شيء يُتوصَّل به إلى غيره.↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص٤٨٢-٤٨٣؛ والشاهدان: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧].↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص٤٨٤-٤٨٥.↩︎
() ابن فارس، مجمل اللغة، تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة، ص٤٨٣-٤٨٤: سبرُ الجرح: قياسُ غَوره.↩︎
() ابن منظور، لسان العرب، جـ٧، ص٣٠٨-٣٠٩، مادة (سبط): شعرٌ سبْطٌ: مسترسلٌ غير جعد.↩︎
() ابن منظور، لسان العرب، جـ٢، ص٣٦-٣٧، مادة (سبت)؛ والشاهد: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ: ٩].↩︎
() لسان العرب، جـ١١، ص٥٣-٥٥، مادة (بسل).↩︎
() ينظر: علي موسى الزهراني، مقال السداسيات، فقرة «فرضية الأزواج المتقابلة»، وفيها أن الأزواج بفاءٍ ثابتة وقلبِ الكتلة الذيلية، كما في (كسَل ↔︎ كلَس)؛ فزوجُ «بلس» فيها «بسل». وأما (بلس/لسب) فجوارٌ بشركة كتلة اللزوم (لس).↩︎
() مواضع السداسية في التنزيل: (ب ل س): الأنعام ٤٤، المؤمنون ٧٧، الروم ١٢ و٤٩، الزخرف ٧٥، ومنه «إبليس» في أحد عشر موضعاً؛ (ب س ل): الأنعام ٧٠ لا غير؛ (ل ب س): البقرة ٤٢، آل عمران ٧١، الأنعام ٩ و٦٥ و٨٢، ومنه «اللباس»؛ (س ب ل): «السبيل» وأخواتها في مواضع كثيرة؛ (س ل ب): الحج ٧٣ لا غير؛ (ل س ب): لم تقع بلفظها.↩︎
() ابن منظور، لسان العرب، جـ٥، ص٢٣٤-٢٣٥، مادة (نمر): تنمّر: تشبّه بالنمر؛ وتنمّر لفلان: تنكّر له وأوعده؛ ونَمِرَ الرجلُ: غضب وساء خُلُقه. فاللفظ عربي قديم قبل أن يكون مصطلحاً معاصراً.↩︎
() المجمل لابن فارس، مادة (كسل)؛ وقد مرّ في جدول كتلة (سل) أنّ الكسل من بابها: تثاقلٌ يمنع خروجَ النفس إلى العمل، فهو ضدُّ الانسلال الذي عليه سائر الباب.↩︎
() موضعا الكسل في التنزيل كلِّه: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢]، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ﴾ [التوبة: ٥٤]؛ فلم يقع الكسلُ في القرآن إلا في المنافقين، وقد جمعت الآيةُ الأولى الكسلَ عن العمل والمراءاةَ بالمظهر معاً.↩︎
() وينظر ما مرّ في الفقرة العاشرة: الاستكبارُ تكويمُ عظمةٍ موهومةٍ على فراغ؛ فجنونُ العظمة والتنمرُ ثمرتا الإبلاس لا نقيضاه.↩︎
التعليقات (0)