لماذا قدّم الحِجرُ الكتابَ، بينما قدّمت النملُ القرآن؟
مطلعان لا ثالث لهما في المصحف يجمعان «الكتاب» و«القرآن» - ثمّ ينقلب أحدُهما على الآخر انقلابًا تامًّا
﴿ الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ ﴾ [الحجر: ١]
﴿ طسٓۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡقُرۡءَانِ وَكِتَابٖ مُّبِينٍ ﴾ [النمل: ١]
يمرّ أهلُ التراث كعادتهم على المصحف، من غير سبرٍ لأغوار الآيات والسور، فيقرأون هاتين الآيتين الكريمتين ولا يجدون تفسيرًا للأمر: لفظان اثنان - «الكتاب» و«القرآن» - لم يجتمعا في نسقٍ واحدٍ إلّا في هذين المطلعين، ثمّ انقلب ترتيبُهما فيهما انقلابًا تامًّا: في التقديم والتأخير، وفي التعريف والتنكير. فما الذي في السورتين حتى استحقّت كلٌّ منهما ترتيبَها دون الأخرى؟
ماذا قال المفسّرون؟
والموضعُ في كتب التفسير على حالين: منهم من مرّ عليه ولم يقف عنده، ومنهم من وقف عنده ليقرّر أن لا دلالة فيه.
فالطبريُّ عند صدر النمل يُحيل إلى ما تقدّم في فواتح السور، ثمّ يمضي إلى الكلام على «طس» وهل هو قسمٌ أو اسم، ولا يقف عند تقديم القرآن على الكتاب ولا عند تنكير الثاني.(١) وابنُ كثيرٍ يمرّ على الموضع بكلمتين: «(وَكِتَابٍ مُبِينٍ) أي: بيّنٌ واضح»، ثمّ ينتقل.(٢)
وأمّا الزمخشريُّ فطرح السؤال بنصّه، ثمّ أجاب بنفي الفرق: «فإن قلتَ: ما الفرقُ بين هذا وبين قوله: الٓر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ؟ قلتُ: لا فرقَ بينهما إلّا ما بين المعطوف والمعطوف عليه من التقدّم والتأخّر»؛ ثمّ جعل موضعَنا هذا من الضرب الذي «يجري مجرى التثنية لا يترجّح فيه جانبٌ على جانب».(٣)
وتابعه الرازيُّ فاختصر الجواب اختصارًا: «قلتُ: لا فرقَ، لأنّ واو العطف لا تقتضي الترتيب». ثمّ فسّر «كتابٍ مبين» في النمل باللوح المحفوظ، وجعل تنكيرَه للتفخيم؛ وقال في مطلع الحِجر: «والمرادُ بالكتاب والقرآن المبين الكتابُ الذي وعد اللهُ به محمّدًا صلّى الله عليه وسلّم، وتنكيرُ القرآن للتفخيم».(٤)
وأدقُّهم إحصاءً للفرق ابنُ عاشور؛ فقد عدّ ما بين المطلعين ثلاثةَ فروق: ذكرَ اسم القرآن، وعطفَ «كتاب» عليه، وتنكيرَ «كتاب». ثمّ ألغى دلالتها جميعًا، وجعل اللفظين اسمين لمسمًّى واحد.(٥)
فليست المسألةُ ممّا خفي إذن، بل هي ممّا طُرح وأُجيب عنه بأن لا جواب فيه: الترتيبُ عندهم لا يحمل معنًى، والتنكيرُ تفخيمٌ لا قصد. ونحن نخالف هذا كلَّه. فالقلبُ مقصود، وهو إعلانٌ عن مادّة السورة. وليس في القرآن مصادفة.
وبقيت بعد ذلك أسئلةٌ واجبةٌ لم تُطرح، ومنها:
- لماذا اجتمعت لفظةُ القرآن مع الكتاب في هاتين الآيتين فقط دون سائر المصحف؟
- ولماذا قُدّم مرّةً القرآن ومرّةً الكتاب؟
- ولماذا كان المقدَّمُ معرفةً في الموضعين، والمؤخَّرُ نكرةً فيهما؟
- وهل في السورتين سرٌّ يفسّر سببَ هذا الترتيب؟
- وهل بين الحرفين المقطَّعين «طسٓ» و«الٓر» وبين هذا الترتيب علاقة؟
إحصائيّة
ورد لفظ «القرآن» في سورة النمل أربع مرّات، وفي سورة الحِجر ثلاث مرّات. وهذه مواضعُه كلُّها:
في الحِجر
﴿ الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ ﴾ [الحجر: ١]
﴿ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ ﴾ [الحجر: ٨٧]
﴿ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلۡقُرۡءَانَ عِضِينَ ﴾ [الحجر: ٩١]
في النمل
﴿ طسٓۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡقُرۡءَانِ وَكِتَابٖ مُّبِينٍ ﴾ [النمل: ١]
﴿ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلۡقُرۡءَانَ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾ [النمل: ٦]
﴿ إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ أَكۡثَرَ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ﴾ [النمل: ٧٦]
﴿ وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ﴾ [النمل: ٩٢]
ويُلحَظ من الجرد أنّ «القرآن» في الحِجر لا يرد إلّا في سياق ما فُعِل به: عطاءٌ أُوتيَه النبيّ، وتجزئةٌ صنعها الخصوم. وفي النمل يزيد عليه موضعٌ ينفرد به: ﴿ إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ ﴾ - فهو القاصُّ وهم المقصوصُ عليهم. ولا نظير لذلك في الحِجر.
ونرجّح ترجيحًا قويًّا أنّ لفظ «الكتاب» يقصد التوراةَ تحديدًا، ما لم تأتِ قرينةٌ صارفةٌ إلى غيرها. وأنّ «القرآن» يشير إلى الكتاب الذي نزل على الرسول صلّى الله عليه وسلّم - وربّما لم يشر إلى كلّه، بل إلى جزءٍ منه. ولهذين اللفظين موضعٌ نفردهما فيه بالدرس.
ضبطُ التركيب
لاحظ - عزيزي القارئ - أنّ لفظ «آيات» في كلتا الآيتين يشمل القرآنَ والكتابَ معًا، فكلاهما آياتٌ من آيات الله جلّ جلاله؛ لأنّ الثاني معطوفٌ على الأول مجرورٌ مثله. فليست العلامةُ في الإضافة، وإنّما في أمرين اثنين:
- أيُّهما قُدِّم: فالمقدَّمُ هو الأصلُ الذي تُنسَب إليه مادّةُ السورة الغالبة.
- أيُّهما عُرِّف: فالمعرَّفُ مرجعٌ معهودٌ عند المخاطَب، والمنكَّرُ وصفٌ لا إحالة.
القاعدة
تقديمُ أحد اللفظين على الآخر إعلانٌ عن مادّة السورة الغالبة:
- إذا تقدّم «الكتاب» فجُلُّ قصص السورة قصصٌ توراتيّ، ممّا هو عندهم في كتابهم.
- وإذا تقدّم «القرآن» فجُلُّ قصصها ممّا لا وجود له في التوراة - كقصّة النملة والهدهد.
وما معنى «مبين»؟
إذا قيل «تلك آيات الكتاب وقرآنٍ مبين» فمعناه أنّ معظم السورة قصصٌ توراتيّ، وأنّ القرآن مبيِّنٌ له. والإبانةُ تحتمل ثلاثة أوجه، وكلُّها عاملة:
- أن يبيّنها لأنّ عندهم اضطرابًا فيها بينهم، فقد اختلفوا في القصّة الواحدة، فيأتي القرآن فاصلًا بينهم.
- أن يكون عندهم تشوّهٌ في القصّة وهم متّفقون عليها، فيأتي القرآن مزيلًا للتشوّه، مصحّحًا لما استقرّ عندهم على خطأ.
- أن يكون عند القرآن زياداتٌ ليست في التوراة تقدّم مزيدَ تفصيلٍ في الخبر نفسه.
وهذه الأوجه لا يُلغي بعضُها بعضًا، بل تجتمع في السورة الواحدة بحسب المقاطع.
موقف اليهود من قصص المصحف
اليهود يقبلون بعضَ المنزَّل ويردّون بعضَه أمرٌ نصَّ عليه القرآن في سورةٍ مكّيّةٍ نزلت في العهد نفسه الذي نزلت فيه هاتان السورتان:
﴿ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَۖ وَمِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ مَن يُنكِرُ بَعۡضَهُۥۚ قُلۡ إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشۡرِكَ بِهِۦٓۚ إِلَيۡهِ أَدۡعُواْ وَإِلَيۡهِ مَـَٔابِ ﴾ [الرعد: ٣٦]
والحِجر تصدّق القاعدة
قصصُ الحِجر توراتيّةٌ في الأكثر: آدمُ وإبليس، وضيفُ إبراهيم، ولوطٌ وقومُه. فالمادّةُ كتابيّة، والمطلعُ يعلن ذلك بتقديم «الكتاب» معرفةً.
ثمّ إنّ السورة تنصّ على قضيّتها نصًّا. ففي أوّلها اتّهامُ الخصوم موجَّهٌ إلى الذكر نفسه:
﴿ وَقَالُواْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونٞ ﴾ [الحجر: ٦]
فيأتي الجواب ضمانًا لحفظه:
﴿ إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ﴾ [الحجر: ٩]
و«الذكر» هاهنا ليس وعظًا ولا ترديدًا لفظيًّا؛ إنّما هو مخزنٌ عامٌّ لذكريات الماضي، تُستدعى منه وقائعُ من سبق، وسُمّي ذكرًا لأنّه يُذكّر بما كان. وعلى هذا يستقيم الاتّهامُ والجوابُ معًا: خصومُه رمَوا الرجلَ الذي نُزِّل عليه هذا المخزن، فجاء الضمانُ بحفظ المخزن نفسه.
واللام في «لَحَٰفِظُونَ» لامُ توكيدٍ لا لامُ استقبال؛ وهي التي يسمّيها النحاة «المزحلقة»، دخلت على خبر «إنّ» لتقويته، و«حافظون» اسمُ فاعلٍ يدلّ على ثبوت الوصف لا على زمنٍ مستأنَف.(٦) فالآيةُ لا تَعِد بحفظٍ في المستقبل، بل تُخبِر خبرًا قائمًا: هذا الذكرُ نحن أنزلناه، ونحن حافظوه. وأهلُ الكتاب هم المقصودون بالخطاب أوّلًا: عندهم ذكرٌ نُسي بعضُه وحُرِّف بعضُه، فيُقال لهم إنّ المصدر واحد، وإنّ هذا المنزَّل محفوظٌ من التحريف - وهو المعنى الذي نصّ عليه أهلُ الإعراب: «لحافظون له من التحريف».
وسورةُ الحِجر كلُّها استدعاءٌ من هذا المخزن - آدمُ وإبليس، وضيفُ إبراهيم، ولوطٌ وقومُه - وقائعُ ماضيةٌ يُذكَّر بها أهلُ الكتاب، وهي في كتبهم قد نسوا منها ما نسوا.
ثمّ تختم بالآيتين اللتين هما مفتاح السورة:
﴿ كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ ﴾ [الحجر: ٩٠]
﴿ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلۡقُرۡءَانَ عِضِينَ ﴾ [الحجر: ٩١]
ومَن المقتسمون؟
اللفظُ نفسُه يدلّ. فـ«عِضين» من التعضية، وهي التجزئة؛ قال أبو عبيدة: «أي عضّوه أعضاءً، أي فرّقوه فِرَقًا».(٧) وأصرحُ من ذلك ما رواه الطبريُّ بإسناده عن ابن عبّاسٍ في المقتسمين: «هم اليهودُ والنصارى، آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعض»، وعن سعيد بن جبير: «هم أهلُ الكتاب».(٨)
فهذا التفسير اللغويّ هو نفسُه وصفُ أهل الكتاب في الرعد وفي غيرها: إيمانٌ ببعضٍ وكفرٌ ببعض. والتجزئةُ لا تقع إلّا ممّن يقبل شيئًا ويردّ شيئًا. وقريشٌ كفرت بالقرآن كلِّه، فليس فيها تجزئة. ثمّ إنّ الآية تقول «كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ» - والإنزالُ إنّما كان على اليهود، ولم يُنزَّل على قريشٍ شيء، فهي وثنيّة.
فالمقتسمون عندنا هم اليهود: يقبلون من المصحف المنزَّل ما وافق معتقداتهم، ويردّون ما لم يقبل خرافاتهم. وقد نُقل في اللغة وجهٌ آخر - أنّ التفريق تفريقُ القول: قالوا شعرٌ وسحرٌ وكهانة - وهو أليقُ بقريش، غير أنّه عندنا بعيدٌ لا يصحّ؛ لدلالة «أنزلنا عليهم»، ولموافقة الأوّل لآية الرعد.
وعلى هذا يستقيم المطلعُ مع الخاتمة: الكتابُ معرفةً لأنّ المادّة كتابيّةٌ معهودة، و«قرآنٌ مبين» نكرةً لأنّ الجديدَ الطارئ هو الإبانة التي تردّ المقتسَم إلى أصله. فالمطلعُ مقدّمةٌ للآيتين ٩٠-٩١، والسورةُ كلُّها بينهما.
«سبعًا من المثاني»
في الحِجر أيضًا:
﴿ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ ﴾ [الحجر: ٨٧]
والمشهورُ عند المفسّرين أنّ «السبع المثاني» فاتحةُ الكتاب، وقيل السبعُ الطُّوَل.(٩) وقد قرّرنا في مقال «مثنى» أنّ أصل الكلمة يعني التطابقُ التامّ، لا مجرّد التكرار. فإن صحّ ذلك انفتح سؤالٌ:
- أهي سبعُ سورٍ متطابقة في المصحف نفسه؟
- أم هي سبعُ قصصٍ متطابقةٍ بين التوراة والقرآن - سبعٌ هنا وسبعٌ هناك؟
والوجهُ الثاني ألصقُ بسياق الحِجر؛ فالسورةُ افتتحت بالكتاب معرفةً، وقصصُها توراتيّةٌ في أكثرها، ثمّ عطفت «والقرآنَ العظيمَ» على «سبعٍ من المثاني». فيكون المعنى: أُوتيتَ ما يطابق ما عندهم، وأُوتيتَ القرآنَ العظيم زيادةً عليه. وهذا يشدّ ما قرّرناه في هذا المقال من أنّ الحِجر سورةُ البيان لما في الكتاب، وهو التوراة..
ويشدّ ذلك أنّ «مِن» في ﴿سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي﴾ للتبعيض: سبعٌ من جملةٍ أكبرَ منها، لا سبعٌ هي كلُّ المثاني. فالمثاني بابٌ واسع، أُوتيَ منه سبعًا. ولسنا نستقصي المسألة هنا، وإنّما نشير. والذي نجزم به أنّها وحيٌ كالقرآن والتوراة، وأنّها ممّا اختُصّ به الرسولُ صلّى الله عليه وسلّم فلم يُؤتَه أحدٌ قبله. فإن كانت سورًا فسبعُ سور، وإن كانت قصصًا فسبعُ قصصٍ من أعظم أخبار بني إسرائيل وأنبيائهم - إمّا مصحَّحةً لما عندهم، وإمّا جديدةً عليهم لا عهد لهم بها. ولها موضعٌ نفردها فيه.
والنملُ تصدّق القاعدة بالمقابل
في سورة النمل الأخبارُ معظمُها ليست في التوراة، فهي جديدةٌ عليهم. وهذا جردُ مقاطعها:
- خبرُ سليمان [النمل: ١٥-٤٤]، ثلاثون آية: وهو معظمُ قصص السورة، ولا يقابله في التوراة إلّا خبرُ زيارةٍ عابرة، كما سيأتي.
- خبرُ صالحٍ وثمود [النمل: ٤٥-٥٣]، تسعُ آيات: وثمودُ وصالحٌ لا ذكر لهما في العهد القديم أصلًا؛ فهم من نسلٍ خارج خطّ إبراهيم، فلم يُعْنَ بهم كتابُ بني إسرائيل.(١٠)
- خبرُ لوط [النمل: ٥٤-٥٨]، خمسُ آيات: أصلُه في التوراة، لكنّ النمل تزيد عليه ما ليس فيها: «أَتَأْتُونَ ٱلْفَٰحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ»، وقولَ قومه ساخرين: «إِنَّهُمْ أُنَاسٌۭ يَتَطَهَّرُونَ».
- خبرُ موسى [النمل: ٧-١٤]، ثماني آيات: وهو أقصرُ المقاطع، وفيه من الحكم ما ليس في سفر الخروج: «وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًۭا وَعُلُوًّۭا».
فتسعٌ وثلاثون آيةً من قصص السورة ممّا لا أصل له في التوراة أو لا يقابله فيها إلّا النزرُ اليسير، في مقابل ثلاثَ عشرة آيةً لخبرين أصلُهما فيها. والمطلعُ يعلن ذلك بتقديم «القرآن» معرفةً.
ويشهد لذلك استعمالُ لفظ «كتاب» داخل السورة نفسها. فقد ورد فيها خمسَ مرّات، وليس منها في التوراة شيء: مرّتان في رسالة سليمان إلى ملكة سبأ [النمل: ٢٨، ٢٩]، ومرّةً في «عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ» [النمل: ٤٠]، ومرّةً في سجلّ الغيب [النمل: ٧٥]، سوى المطلع. فالسورةُ التي نكّرت «كتابًا» في مطلعها، استعملت اللفظ في متنها للرسالة والسجلّ، لا لكتاب أهل الكتاب، وهو التوراة.
ثمّ تصرّح السورةُ بموقعها في آيةٍ فريدةٍ لا نظير لها في القرآن:
﴿ إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ أَكۡثَرَ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ﴾ [النمل: ٧٦]
فالقرآنُ هنا هو الراوي، وبنو إسرائيل هم المستمعون. ولم تقل الآية «يقصّ عليهم ما في كتابهم»، بل «أَكْثَرَ ٱلَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» - فالموضوعُ المعلَن هو المادّةُ المتنازَعُ فيها بينهم، لا المستقرّةُ في كتابهم.
خبر سليمان في التوراة
الذي في العهد القديم خبرٌ واحد: «زيارة ملكة سبأ». قدِمت لتلقيَ عليه أسئلةً عسيرة، في موكبٍ عظيمٍ وجمالٍ محمَّلةٍ بأطياب، فأجابها عن كلّ أسئلتها، ورأت حكمتَه وقصرَه ومائدته، ثمّ تبادلا الهدايا وعادت إلى بلدها.(١١) ولا إسلامَ فيه ولا سجودَ للشمس ولا شيءَ ممّا في السورة سوى أصل الزيارة.
| العنصر في سورة النمل | موضعه | في العهد القديم |
|---|---|---|
| الهدهد رسولًا | النمل: ٢٠-٢٨ | لا يرد لفظ «هدهد» في العهد القديم كلّه |
| تعليم منطق الطير | النمل: ١٦ | لا وجود له |
| النملة المتكلّمة ووادي النمل | النمل: ١٨-١٩ | النملة في «الأمثال» وحدها، في مثلٍ عن الكسلان(١٢) |
| جنودٌ من الجنّ والإنس والطير | النمل: ١٧ | لا وجود له |
| كتاب سليمان: «إنّه بسم الله الرحمن الرحيم» | النمل: ٢٩-٣١ | لا وجود له |
| العرش المنقول قبل ارتداد الطرف | النمل: ٣٨-٤٠ | لا وجود له |
| الصرح الممرَّد من قوارير | النمل: ٤٤ | لا وجود له |
| سجودها للشمس ثمّ إسلامها | النمل: ٢٤، ٤٤ | لا وجود له؛ تعود إلى بلدها كما جاءت |
وهنا الأمرُ الأكبر: القرآن يخالف التوراة ويدافع عن سليمان
ليست القضيّةُ أنّ في القرآن زيادةً ليست عندهم فحسب؛ بل إنّه يخالفهم في الحكم على سليمان نفسه.
ففي «الملوك الأول» أنّ سليمان أُولع بنساءٍ غريباتٍ كثيرات، وأنّ له سبعَ مئةِ زوجةٍ وثلاثَ مئةِ محظيّة، وأنّهنّ «فَانْحَرَفْنَ بِقَلْبِهِ عَنِ الرَّبِّ»، و«اسْتَطَعْنَ فِي زَمَنِ شَيْخُوخَتِهِ أَنْ يُغْوِينَ قَلْبَهُ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى»، حتى عبد عشتاروت. ثمّ غضبُ الرب عليه: «لأَنَّكَ انْحَرَفْتَ عَنِّي وَنَكَثْتَ عَهْدِي... فَإِنِّي حَتْماً أُمَزِّقُ أَوْصَالَ مَمْلَكَتِكَ».(١٣)
فالتوراةُ تجعل سليمان مشركًا في آخر عمره. وسورةُ النمل تردّ هذه التهمة، لا بتصريحٍ مجرَّدٍ فحسب، بل ببناء الصورة كلِّها على ضدّها.(١٤)
فبدل ملكٍ تُميله امرأةٌ وثنيّةٌ إلى آلهتها، ترسم النملُ صورةً معكوسةً تمامًا:
- سليمان شاكرًا موحّدًا [النمل: ١٩]: «رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحًۭا تَرْضَىٰهُ».
- والملكةَ وقومَها هم أهلُ الوثنيّة [النمل: ٢٤]: «وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ».
- ثمّ تنتقل هي إليه لا هو إليها [النمل: ٤٤]: «قَالَتْ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ».
فالتوراةُ تُنزل سليمان من التوحيد إلى الشرك بنساءٍ غريبات، والنملُ تُصعِد امرأةً غريبةً من الشرك إلى التوحيد على يديه. وهذا هو الفرق الحقيقيّ: ليست فرادةُ ما جاء به القرآن وحدَها، بل مخالفتُه للتوراة في الدفاع عن نبيّ الله سليمان.
فأين هذه القصّة عندهم؟
هي في التلمود لا في التوراة. ففيه خبرُ سليمان وآشميدا ملكِ الشياطين، وطلبِ سليمان الشاميرَ لبناء المعبد، وحيلةِ استخراجه من طائرٍ بتغطية عشّه بزجاج.(١٥) والطائرُ يعرّفه التلمودُ نفسُه في موضعٍ آخر بأنّه الهدهد.(١٦) وفيه أيضًا أنّ سليمان «قهر الكثيرَ من الجنّ والعديدَ من الشياطين».(١٧)
فعندهم إذن العنصران الغائبان عن كتابهم «التوراة»: جنودٌ من الجنّ مسخَّرون لسليمان، وهدهدٌ يؤدّي له مهمّة. وهما بعينهما ما تفتتح به السورة خبرَ سليمان: «وَحُشِرَ لِسُلَيْمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ وَٱلطَّيْرِ» [النمل: ١٧]، ثمّ «مَا لِىَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ» [النمل: ٢٠]. فالقصّةُ غائبةٌ عن الكتاب «التوراة»، حاضرةٌ في التراث الذي يختلفون فيه «التلمود» - وهو نصُّ الآية ٧٦ من النمل.
وأقربُ من ذلك كلِّه نصٌّ آخرُ عندهم هو «الترجوم الثاني» لسفر إستير؛ ففيه أنّ الهدهد أخبر سليمان بملكةٍ في سبأٍ تعبد الشمس ولا تدين له، فكتب إليها كتابًا وشدّه إلى جناح الهدهد، فطار به إليها ودعاها إلى الإذعان. وهذا هو خبرُ سورة النمل بعينه: الهدهدُ المخبِر، والملكةُ الساجدةُ للشمس، والكتابُ المُلقى إليها.(١٨)
غير أنّ هذا النصّ - وهو أقربُ ما عندهم إلى السورة - ليس من كتابهم في شيء؛ فالتوراةُ خِلوٌ منه، وهو ترجمةٌ تفسيريّةٌ متأخّرة، بل إنّ أشهرَ ما يُقال في تاريخه أنّه دُوّن بعد نزول القرآن. فمن أين يأخذ الأمّيُّ خبرًا لا يجده في كتابهم المقروء، وإنّما يجده في نصٍّ لم يكن قد استقرّ بعد؟
وليس شرطًا أن يكون هناك اقتباس. فقد يكون الخبرُ صحيحًا في أصله، وقعَ في زمن سليمان، فبقيت منه بقايا عندهم خارج كتابهم. وقد يكون أخذُهم من القرآن؛ فالتلمودُ لم يُغلَق دفعةً واحدة، بل ظلّ الحاخامات يضيفون إليه ويهذّبونه قرونًا بعد الرسول صلى الله عليه وسلم.(١٩) والذي لا يحتمل الجدل أنّ التفاصيل تختلف: فالتوراةُ تأتي بمعلوماتٍ مغلوطةٍ عن الملكة وعن سليمان معًا، والقرآنُ يصحّحها ويدافع عن نبيّه.
النتيجة
الذي يقرّره القرآن أمرٌ يقينيّ: أنّ قصص سليمان والهدهد والنملة لم تُذكر مطلقًا في التوراة التي يسمّيها القرآن «الكتاب». وهذا ممّا يؤكّد معجزةَ الرسول صلّى الله عليه وسلّم، الذي لم يكن يقرأ الكتب ولا يعلم بها. فجاء بخبرٍ مفصَّلٍ عن سليمان لا يجده قارئُ التوراة فيها، ثمّ خالفهم في الحكم عليه فبرّأه ممّا رمَوه به، ثمّ أعلن في السورة نفسها أنّه إنّما يقصّه على بني إسرائيل فيما هم فيه يختلفون. وإذا كان لا يعلم شيئًا عن التوراة - وهي كتابهم المقروء المعلن - فهو عن التلمود وعن تراجيمهم أبعدُ وأبعد؛ فذاك تراثٌ شبه سرّيٍّ لا يعرفه إلّا رجالُ الدين عندهم، وظلّ محجوبًا إلى القرون الأخيرة. فاطّلاعُه عليه مستحيل.
وللحروف المقطَّعة بقيّة
وممّا اكتشفناه أنّ الميم في «طسم» تشير إلى موسى، وأنّ «طسم» ملفُّ موسى في اللوح المحفوظ. وهي فرضيّةٌ قويّةٌ نُفرد لها الدرس لاحقًا. ويشهد لها التطبيق:
- الشعراء («طسم»): قصّة موسى من الآية ١٠ إلى ٦٨، تسعًا وخمسين آية، وهي أطولُ مقاطعها.
- القصص («طسم»): قصّة موسى من الآية ٣ إلى ٤٦، أربعًا وأربعين آيةً من ثمانٍ وثمانين - نحو نصف السورة.
- النمل («طسٓ»، بلا ميم): خبرُ موسى ثماني آياتٍ فقط، وأطولُ مقاطعها خبرُ سليمان.
فحيث حضرت الميمُ في الحروف المقطَّعة حضر ملفُّ موسى مهيمنًا، وحيث غابت حلّ محلَّه ما ليس في ملفّه. وهو موافقٌ لما قرّرناه من أنّ معنى الحرف المفرد ثابت، وأنّ الذي يتغيّر معنى التركيب.
ونحن في طور اكتشاف الكثير من أسرار علم الحروف المقطَّعة، وقد شرحنا شيئًا منه في مقال «كهيعص» وفي مقال «ن». وللباب مقالٌ مستقلٌّ يُفرَد له.
وممّا نفتحه للبحث أنّ «الراء» في «الٓر» قد تكون علامةَ التصحيح: تصحيحِ القرآن لما عند أهل الكتاب من أخبار أنبيائهم. وله موضعٌ نفرده.
الخلاصة
﴿ الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ ﴾ [الحجر: ١]
﴿ طسٓۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡقُرۡءَانِ وَكِتَابٖ مُّبِينٍ ﴾ [النمل: ١]
فالحِجر تقول: «الٓر» - هذه آياتُ الكتاب، أي آياتُ التوراة، وهي هاهنا القصصُ التوراتيّة؛ ومعها قرآنٌ مبين أي مصحِّحٌ لها موضِّحٌ، كما شرحنا.
وأمّا النمل فتقول: «طسٓ» - هذه آياتُ القرآن، وشيءٌ من كتاب التوراة؛ فمعظمُ قصصها قرآنيّةٌ لا أصل لها في التوراة.
وبين السورتين ثلاثون آيةً في النمل عن سليمان، لا يقابلها في كتابهم التوراة إلّا خبرُ زيارةٍ عابرة؛ وإنّما يقابلها في تراثهم المختلَف فيه: جنٌّ وهدهدٌ في التلمود، وقصّةُ الهدهد والملكة في «الترجوم الثاني». وكلاهما ليس من كتابهم، وتدوينُهما امتدّ إلى ما بعد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فلا يُستبعد أخذُهم من القرآن. ثمّ الأعظمُ من ذلك كلِّه: أنّ كتابهم يتّهم سليمان بالشرك، والقرآنُ يبرّئه. فما أعلنه المطلعُ ترتيبًا، صدّقه المتنُ خبرًا وحكمًا. وهذا هو الشاهد.
هذا، والله أعلم.
- (١)«جامع البيان» للطبريّ، ط دار التربية والتراث، جـ١٩ ص٤٢٦، عند صدر سورة النمل؛ فقد قال: «وقد بيّنّا القول فيما مضى من كتابنا هذا فيما كان من حروف المعجم في فواتح السور، فقوله: (طس) من ذلك»، ثمّ مضى إلى الكلام على «طس»، ولم يعرض لترتيب اللفظين. ↩
- (٢)«تفسير القرآن العظيم» لابن كثير، ت السلامة، جـ٦ ص١٧٧-١٧٨، عند النمل ١: «(وَكِتَابٍ مُبِينٍ) أي: بيّنٌ واضح». ولم يزد. ↩
- (٣)«الكشّاف» للزمخشريّ، جـ٣ ص٣٤٧، عند صدر سورة النمل. ↩
- (٤)«مفاتيح الغيب» للرازيّ، جـ٢٤ ص٥٤١ عند صدر النمل، وجـ١٩ ص١١٦ عند صدر الحِجر. ↩
- (٥)«التحرير والتنوير» لابن عاشور، جـ١٩ ص٢١٧. ↩
- (٦)«الإعراب المفصّل لكتاب الله المرتّل»، جـ٦ ص٦٧، عند الحجر ٩: «اللام: مزحلقة - للتوكيد - حافظون: خبر إنّ... بمعنى: لحافظون له من التحريف». ونظيرُه في يوسف ١٢ و٦٣: «اللام لام التوكيد - المزحلقة»، جـ٥ ص٢٧٥ وص٣٣٥. ↩
- (٧)«مجاز القرآن» لأبي عبيدة، جـ١ ص٣٥٥. ↩
- (٨)«جامع البيان» للطبريّ، جـ١٧ ص١٤٢-١٤٤؛ رواه بإسناده عن ابن عبّاسٍ من طرقٍ، وعن سعيد بن جبير. ↩
- (٩)«جامع البيان» للطبريّ، جـ١٧ ص١٢٨-١٣٧؛ يسوق فيه قولين: فاتحةُ الكتاب - وهو الأكثر عنده - والسبعُ الطُّوَل. ↩
- (١٠)فحصُ العهد القديم كلِّه لا يعطي ذكرًا لثمود ولا لصالح ولا لشعيب. ↩
- (١١)«الملوك الأول» ١٠: ١-١٣، ويوازيه «أخبار الأيام الثاني» ٩: ١-١٢، تحت عنوان «زيارة ملكة سبأ». ↩
- (١٢)«الأمثال» ٦: ٦-٨: «اذْهَبْ إِلَى النَّمْلَةِ أَيُّهَا الْكَسُولُ، تَمَعَّنْ فِي طُرُقِهَا وَكُنْ حَكِيمًا». وهو السياق الوحيد الذي ترد فيه النملة في العهد القديم. ↩
- (١٣)«الملوك الأول» ١١: ١-٤ في زوجاته، و١١: ٩-١٣ في وعيد الربّ له. ↩
- (١٤)وقد ردّ القرآنُ التهمة صريحًا في قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، غير أنّ البقرة مدنيّةٌ متأخّرةٌ عن السورتين، فشاهدُها على تحريفهم أخبارَ أنبيائهم، لا على ما نحن فيه. ↩
- (١٥)«التلمود البابلي»، باب «جيطين» (Gittin) ٦٨أ-٦٨ب، في خبر سليمان وآشميدا ملكِ الشياطين، وطلبِ الشامير لبناء الهيكل، وحيلةِ تغطية عشّ الطائر بزجاجٍ حتى يأتي بالشامير فيكسره. وهو في الترجمة العربيّة جـ١٠. ↩
- (١٦)الطائرُ في النصّ هو «الدُّوخيفَت» (dukhifat)، وهو الهدهد؛ نصّ عليه التلمود في الموضع نفسه، وفسّر اسمَه بالآراميّة «نَجَّار طورا» أي قاطعُ الجبال. ومن هنا جاء اضطرابُ الترجمة العربيّة التي جعلته «نقّار الخشب»، والصوابُ «نقّار الجبال». والتعريفُ من التلمود نفسه في جـ١٦: «أمّا الدوكيفت - الهدهد -». ↩
- (١٧)«التلمود البابلي» جـ١: «قهر سليمانُ الكثيرَ من الجنّ والعديدَ من الشياطين... لكنّه فقد القدرة عليها فيما بعد»، ويوافقه خبرُ آشميدا في «جيطين» ٦٨أ. ↩
- (١٨)«الترجوم الثاني» لسفر إستير (Targum Sheni)، عند إستير ١: ٢. وهو ترجمةٌ تفسيريّةٌ آراميّة، ليست من كتابهم المقدَّس. وتاريخُ تدوينه مختلَفٌ فيه اختلافًا واسعًا: تتراوح التقديرات بين القرن الرابع والقرن الحادي عشر للميلاد، وأشهرُها عند الدارسين أواخرُ القرن السابع أو أوائلُ الثامن - أي بعد نزول القرآن. ↩
- (١٩)«التلمود تاريخه وتعاليمه» [ص: ٥٣]: «رغم أنّ التلمود تمَّ تدوينه قبل ظهور الإسلام، إلّا أنّ الحاخامات ظلّوا يضيفون إليه ويهذّبونه حتى أواخر القرون الوسطى»، وقد ساقه في معرض ترجيح بعضهم «أنّ الحاخامات اقتبسوا هذه القصص من القرآن الكريم». والذين أضافوا شروحَهم في القرنين السادس والسابع يسمَّون «سابورائيم»، ثمّ جاء بعدهم «الجاؤونيم». ↩
التعليقات (0)