سداسية (خ ب ث)
الخبيثُ هو المُعطِّلُ الضارّ - ثِقَلٌ يَكبِح، وضررٌ
يَتفشّى
تأصيلٌ صوتيٌّ لمقالَي «الخبث والخبيث في القرآن» و«الطيب في
القرآن» بعلم آدم
بقلم: علي موسى الزهراني
أوّلاً: الأصلُ الذي أبني عليه -
الخبيثُ يُعطِّل ويَضُرّ
قرّرتُ في مقالي «الخبث والخبيث في
القرآن المكرم» - بعد استقراء المواضع - أنّ المعاجم وقفت عند «خلاف الطيّب»
و«المكروه الذي تنفر منه النفس»، وأنّ المحرّك أعمقُ من ذلك: الخبيثُ هو الذي
**يُعطِّل ويَضُرّ**، والطيّبُ عكسُه: الذي **يَنفع ويُصلِح ويَدفع الخيرَ إلى
الأمام**. وهذه السداسيةُ تأخذ ذلك أصلاً، ثمّ تُريك كيف نطقت به حروفُ الكلمة
الثلاث؛ فالغرضُ تأصيلُ المعنى في الصوت، لا إعادةُ تقريره.([1])
وبيّنتُ أنّ في الخبث ثلاثةَ أطرافٍ
لا طرفَين: **الخبيثُ** المُعطِّل الضارّ، و**المتضرِّرُ** الذي يَناله أذاه،
و**المتعطِّلُ** الذي يُعاق نفعُه. ومثالُه الحشيشةُ الخبيثةُ بين الزرع: تُزاحم
النافعَ على الماء والضوء، وتَؤوي الآفات، وتُفرِز السمّ - فتَضُرّ النبتَ
(المتضرِّر)، وتُعطِّل صاحبَه عن ثمرته (المتعطِّل). فالخبثُ فعلٌ يتعدّى، لا وصفٌ
قائمٌ بصاحبه وحده.([2])
وأتممتُ ذلك في مقالي «الطيب في
القرآن» حين وجدتُ الطيّبَ لا يستقيم إلّا على «المطاوعة واللين في البذل»، ونصصتُ
أنّه «يَنسجم مع معنى الخبيث الذي هو عكسُه، والذي يعني التعطيلَ والضرر».
فالطيّبُ يُعطي ويَلين ويَنفع، والخبيثُ يَمنع ويُعطِّل ويَضُرّ. وعلى هذين
القطبين يدور البابُ كلُّه.([3])
ثانياً: كيف نَطقت الحروفُ الثلاثُ
بالتعطيل والضرر؟
و(خ ب ث) - في بناء علم آدم -
سداسيةُ حروفٍ صلبةٍ ثلاث، لا حرفَ سيولةٍ فيها (واواً أو ياءً أو راء)، فهي
كأختها (ك ت ب) تُقرأ بكتلها الثنائية الستّ. بل من تقاليبها الستّة لا يحيا إلّا
واحد؛ قال الخليلُ في بابها: «خ ب ث يُستعمل فقط»، فالخمسةُ الباقية مهملةٌ لا
يعرفها العرب. فبحثُنا عن جذرٍ واحدٍ حيٍّ، تُضيئه متجهاتُ حروفه.([4])
والحروفُ الثلاثُ تَقتسِم المعنى:
كلُّ حرفٍ يَحمل وجهاً من «التعطيل والضرر»:
• الخاءُ - متجهُها الضغطُ للأسفل:
هبوطٌ وكبحٌ وإطباقٌ يَخفِض. فهي حرفُ **التعطيل**: تَضغط الشيءَ وتَحبِسه فتمنعه
أن يَنمو أو يَرتفع. وكتلُها ناطقة: خنق (ضيقٌ يَحبِس النَّفَس)، وخمد (سكونٌ
وسقوط)، وخفض ونقيضُه الرفع. والأرضُ «التي خبُثت» تَكبِح النبتَ فلا يَخرج إلّا
نكِداً.([5])
• الباءُ - متجهُها التراكمُ
والثِّقَل الذي يَنتأ فيَبرُز: فهي **العبءُ المُعطِّل**، ثِقَلٌ ميّتٌ يُركَم
فيُثقِل ويُعيق. وهذا نفسُ ما وصفتُ به الخبثَ يوم القيامة: «ركامُ قمامةٍ» لا
قيمةَ له - ﴿فيَركُمه جميعاً﴾. فالباءُ تُعطي الخبثَ جِرمَه وثِقَلَه، وبها يكون
عبئاً لا يَنفع.([6])
• الثاءُ - متجهُها التشتّتُ
والانتشار: فهي **الضررُ المتفشّي**، سوءٌ لا يَقِف عند صاحبه بل يَعدو إلى غيره -
كما تُفرِز الحشيشةُ سمَّها، وكما يَنتشر الإفكُ في المجتمع. فبالثاء يَبلُغ
الضررُ المتضرِّرَ، وبها يكون الخبثُ متعدّياً لا لازماً.([7])
فاجتمع من الثلاثة محرّكٌ واحد: عبءٌ
ثقيلٌ (ب) يَضغط فيُعطِّل (خ)، ويَتفشّى فيَضُرّ (ث). وهذا عينُ ما جزمتُ به في
المقال: المُعطِّلُ الضارّ. الخاءُ ناطقةٌ بالمتعطِّل، والثاءُ بالمتضرِّر،
والباءُ بالخبيث نفسِه ثِقَلاً وركاماً. فالأطرافُ الثلاثةُ التي استخرجتُها من
المعنى، تَقرؤها الحروفُ الثلاثةُ في اللفظ.
ثالثاً: الصورةُ الحسّيّة - خَبَثُ
الحديد
وأصلُ هذه المادّة الحسّيّ معدنٌ في
نار. خَبَثُ الحديد هو ما نَفاه الكِيرُ عند الإذابة، «ما لا فائدةَ منه» كما قلت؛
فهو الجزءُ الرديءُ الذي لو بقِيَ لَشابَ المعدنَ وأعاق نفعَه، فتَنفيه النارُ
ليَخلُص الجيّدُ نافعاً. فالخبثُ هنا ليس مجرّدَ «مكروهٍ»، بل عائقٌ يُفسِد
ويُعطِّل، والكِيرُ يُخلِّص منه.([8])
وبهذه الصورة ضربتُ المثلَ في تمييز
الناس: «كما أنّ في الحديد خبثاً نَعرِضه للنار كي يزول، كذلك البشرُ فيهم الطيّبُ
والخبيث، فيَعرِضهم المولى للمصائب كي يتميّز الطيّبُ من الخبيث». فالمصائبُ
كِيرٌ، والخبثُ ما يُطرَح لأنّه لا يَنفع بل يُعطِّل ويَضُرّ. ولذلك جاء في
الحديث: «إنّ الحُمّى تنفي الذنوبَ كما ينفي الكِيرُ الخَبَث»، و«المدينةُ كالكِير
تنفي خَبَثَها».([9])
وحتى المحقّقون من أهل الاشتقاق
قاربوا هذا. قال حسن جبل في المعنى المحوريّ: «رديءٌ مكروهٌ يَنتشر من الشيء أو
يتأتّى منه». فقولُه «يَنتشر» هو انتشارُ الضرر بالثاء بعينه؛ غير أنّي مضيتُ
أبعدَ من لفظ «المكروه» إلى عِلّته: لِمَ كُرِه؟ لأنّه يُعطِّل ويَضُرّ.([10])
رابعاً: الكتلُ الستُّ - وكيف
تَخدِم التعطيلَ والضرر
لها ستُّ كتلٍ ثنائية: (خب) و(بخ)،
و(خث) و(ثخ)، و(بث) و(ثب). وهي - لا الجذرُ وحدَه - لُبُّ السداسية. ننظر فيها
زوجاً زوجاً، ونسأل: أين المائزُ بين الكتلة ومعكوسها؟ وكيف يَخدِم كلٌّ منهما
معنى المنع والإضرار؟
١) (خب) ومعكوسُها (بخ): قال ابنُ
فارس في (خب): «أصلان: أن يمتدّ الشيءُ طولاً، والثاني جنسٌ من الخِداع»؛
والخِبُّ: الخِداعُ والغِشّ. والخِداعُ ضررٌ مستور، يوافق ما قلتُه من أنّ الإنسان
الخبيثَ «يتفنّن في إخفاء خبثه حتى تكشفه الفتنُ». أمّا المعكوسُ (بخ) فأصرحُ في
بابنا: **بخَس** = نَقَص وأنقص، و**بخِل** = مَنَع ما يُطلَب بذلُه - وهما عينُ
ضدِّ الطيّب الذي هو البذل. فالباخسُ يَضُرّ صاحبَه بالنقص، والبخيلُ يُعطِّل
الخيرَ بالمنع.([11])
والمائزُ: (خب) رداءةٌ كامنةٌ
تُخادِع وتُخفي (خاءٌ ساترةٌ في الصدر)، و(بخ) رداءةٌ تَمنع وتُنقِص علانيةً (خاءٌ
حاطّةٌ في العَجُز). فبكلتا الكتلتين يَنقُص الخيرُ ويُحبَس، وذلك هو التعطيل.
٢) (خث) ومعكوسُها (ثخ): وهنا أقف
وأخالف المعجم. قال ابنُ فارس في (خث): «الخاء والثاء ليس أصلاً ولا فرعاً صحيحاً
يُعرَّج عليه»، ثمّ قال في السطر نفسِه: «يقال الخُثُّ: غُثاءُ السَّيل إذا تركه
السيلُ فيبِس واسودّ». فأقول: هذا الوصفُ يُثبِت الكتلةَ لا يَنفيها؛ فالخُثُّ -
غُثاءٌ يبِس فاسودَّ ونُبِذ - هو عينُ صورةِ خَبَث الحديد: رديءٌ لا فائدةَ فيه
يُطرَح. فكيف يكون «ليس بشيء» وهو أدقُّ صورةٍ حسّيّةٍ لمادّتنا؟([12])
والمعكوسُ (ثخ) يُتمّ المعنى من جهة
الثِّقَل المُعيق: ثخُن الشيءُ رزُن في ثِقَل، و«أثخنتُه أي أثقلتُه»؛ ومنه ﴿حتى
إذا أثخنتموهم﴾ أي أثقلتموهم بالجراح فأعجزتموهم. فالإثخانُ ثِقَلٌ يُعطِّل الحركة
- وهو وجهُ الباء والخاء معاً: عبءٌ يَكبِح.([13])
٣) (بث) ومعكوسُها (ثب): قال ابنُ
فارس في (بث): «أصلٌ واحد، وهو تفريقُ الشيء وإظهارُه؛ بثُّوا الخيلَ في الغارة».
فهذه هي الثاءُ ناطقةً: نشرٌ وإظهارٌ وتفشٍّ. وهي جهةُ الضرر المتعدّي في «خبث»،
وتُصدِّق ما نبّهتُ عليه من أنّ الخبثَ «ليس مخفياً بل ظاهرٌ يفشو». والمعكوسُ
(ثب): «تناهي الشيء وتمامُه؛ ثبَّ الأمرُ إذا تمّ»، ومنه ثبَت: دوامٌ واستقرار.([14])
فإذا رجعتَ إلى (خبث) رأيتَها تَركَب
كتلتين متداخلتين: (خب) الرديءُ المانعُ المُعطِّل، و(بث) الضررُ الذي يتفرّق
فيَتفشّى. فخبث = عبءٌ رديءٌ يَمنع ويَكبِح (خب)، ثمّ يَنشُر أذاه (بث). والباءُ
في وسطها قلبُها: ثِقَلٌ يَضغط قبله، ويَنتشر بعده.
خامساً: المعجمُ شاهدٌ لا حاكم
وقفتِ المعاجمُ عند «أصلُ الخبث
المكروه» - قاله ابنُ الأعرابيّ - ثمّ فرّعت: في الكلام شتمٌ، وفي المِلَل كفرٌ،
وفي الطعام حرام. وهذا وصفُ فروعٍ لا محرّك؛ والسؤالُ الذي يَكشفه: لِمَ كُرِه؟
لأنّه يُعطِّل ويَضُرّ. والمعجمُ عملٌ بشريٌّ جليلٌ فيه خطأٌ، يُسجّل النتيجةَ
(الكراهة) لا الآلةَ (الإضرار والتعطيل).([15])
وأوضحُ شاهدٍ على أنّهم عدُّوا
أمثلةً لا محرّكاً: «الأخبثان». فقال الجوهريُّ: البولُ والغائط؛ وقيل: الرجيعُ
والبول؛ وقال الفرّاء: القيءُ والسُّلاح؛ وقيل: البَخَرُ والسَّهَر، والسهرُ
والضجر. خمسةُ أقوالٍ متدافعة! وعلمُ آدم يجمعها: كلُّها رديءٌ يُطرَح من البدن
لأنّه لا نفعَ فيه بل أذى - فالمحرّكُ واحد.([16])
سادساً: برهانُ الحرف الواحد - خبت
≠ خبث
وانظر كيف يقلب الحرفُ الواحدُ
المعنى: (خبت) و(خبث) تشتركان في كتلة (خب) - الانحطاط - وتفترقان في الثالث.
فالتاءُ في (خبت) ارتدادٌ وسكون، فصار المعنى هبوطاً إلى تطامُنٍ وخشوعٍ محمود:
﴿وبشِّرِ المُخبِتين﴾. والثاءُ في (خبث) تشتّتٌ وانتشار، فصار المعنى انحطاطاً إلى
سوءٍ يَتفشّى فيَضُرّ. الكتلةُ واحدة، والحرفُ الثالثُ وحدَه قلب الخشوعَ المحمودَ
ضرراً مذموماً؛ لأنّ التاء تَسكُن في صاحبها، والثاء تَعدو إلى غيره.([17])
سابعاً: القرآنُ سيّداً
وردتِ المادّةُ في المصحف ستَّ عشرةَ
مرّةً في عشر آيات، وكلُّها - كما فصّلتُ في المقال - على معنى التعطيل والضرر،
مقرونةً غالباً بضدّها الطيّب النافع.([18])
﴿لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ
بَعْضَهُۥ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُۥ جَمِيعًا﴾ [الأنفال: ٣٧]
الخبيثُ هنا الكافرُ الضارُّ
المُعطِّل. «يميز» فَصْلٌ كالكِير؛ ثمّ «يَركُمه» يَجعله بعضَه على بعضٍ كركامِ
القُمامة الذي لا قيمةَ له - وهذا ثِقَلُ الباء ناطقاً في سياق الخبث نفسِه.
فالقرآنُ يصوّر الخبيثَ ثِقَلاً مركوماً لا نفعَ فيه، ثمّ يُلقيه في جهنّم.
﴿وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ وَٱلَّذِى
خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾
[الأعراف: ٥٨]
الأرضُ التي خبُثت لا يَخرج نبتُها
إلّا نكِداً عسِراً؛ لأنّ فيها ما يُعطِّل الإنتاج - كأرضٍ جزءٌ منها صخريٌّ
يَكبِح النموّ. فالخبثُ هنا تعطيلٌ للنفع، لا رداءةٌ في الثمر وحده. وهذا وجهُ
الخاء: كبحٌ يَحبِس الخيرَ فلا يَخرج إلّا بمشقّة.
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ
ٱلْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾
[إبراهيم: ٢٦]
الشجرةُ الخبيثةُ هي الحشيشةُ
الضارّةُ التي تُزاحم الزرعَ النافعَ وتَخنُقه وتُفرِز سُمَّها، فيَجتثّها الزارعُ
لضررها. وهنا الأطرافُ الثلاثة: الحشيشةُ الخبيثة، والنبتُ المتضرِّر، وصاحبُه
المتعطِّل. والكلمةُ الخبيثةُ مثلُها: فكرةٌ ضارّةٌ تَنتشر فتُفسِد - والثاءُ «ما
لها من قرار»: تفشٍّ بلا رسوخٍ ولا أصل.
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَٰٓئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]
الطيّباتُ ما يَنفع ويُصلِح،
والخبائثُ ما يُعطِّل ويَضُرّ بالإنسان أو المجتمع؛ فحُرِّمت لأنّها مُضرّة. وهنا
تمامُ خلاصتي: كلُّ محرَّمٍ خبيثٌ (لأنّه ضارّ)، وليس كلُّ خبيثٍ محرَّماً.
والتحريمُ توعيةٌ بخطر الضرر، لا تعبُّدٌ بلا عِلّة.
وفي بقيّة المواضع الوجهُ نفسُه: ﴿لا
تيمَّموا الخبيثَ منه تُنفِقون﴾ [البقرة ٢٦٧] رديءُ الزرع الذي شوائبُه أكثرُ من
نفعه؛ ﴿لا يستوي الخبيثُ والطيّب ولو أعجبك كثرةُ الخبيث﴾ [المائدة ١٠٠] الكافرُ
لا نفعَ فيه وإن كثُر؛ ﴿القريةِ التي كانت تعمل الخبائث﴾ [الأنبياء ٧٤] أعمالُ قوم
لوطٍ الضارّةُ كقطع السبيل؛ ﴿حتى يَميز الخبيثَ من الطيّب﴾ [آل عمران ١٧٩] فَصلُ
المُعطِّل عن النافع بالفتن. كلُّها المُعطِّلُ الضارّ في مقابل النافع المُصلِح.
خلاصة
خبث = المُعطِّلُ الضارّ - كما
قرّرتُ في مقالي؛ وعلمُ آدمَ يُصدِّقه بالحروف: خاءٌ تَكبِح فتُعطِّل (المتعطِّل)،
وباءٌ تُركَم عبئاً ثقيلاً لا نفعَ فيه (الخبيث)، وثاءٌ تَتفشّى فتَضُرّ
(المتضرِّر). الطيّبُ يَنفع ويَبذُل ويَلين، والخبيثُ يَمنع ويُعطِّل ويَضُرّ؛
فهما قطبان. والصورةُ الأمُّ خَبَثُ الحديد الذي لا فائدةَ فيه فيُنفَى بالكِير،
وكتلُها الستُّ تدور على المنع والكبح والإضرار، حتى الكتلةُ التي ردَّها ابنُ
فارس (خث) أثبتها وصفُه لها. والقرآنُ سيّدٌ: خبيثٌ يُعطِّل النبتَ والناسَ
والمجتمع فيُركَم ويُطرَح، في مقابل طيّبٍ يَنفع ويَبقى. والمعجمُ شاهدٌ، والكلمةُ
الحاكمةُ ما نطق به القرآنُ ونطقت به الحروف.
هذا والله أعلم
([1])
مقالي «الخبث والخبيث في القرآن
المكرم»، وخلاصتُه: «الخبث هو الذي يُعطِّل ويَضُرّ الشيء، على عكس الطيّب الذي
يساعد ويَنفع، والخبيثُ هو الذي يُعطِّل ويَضُرّ الآخرين... فكلُّ محرَّمٍ خبيثٌ،
وليس كلُّ خبيثٍ محرَّماً».
([2])
من مقالي نفسِه في تفسير
﴿كشجرةٍ خبيثةٍ اجتُثّت﴾ [إبراهيم ٢٦]: «نصل إلى درجة الجزم أنّ الخبيثَ هو الذي
يَضُرّ ويُعطِّل الآخرين... ثلاثة أطراف: الخبيثُ كالحشائش الضارّة، والمتضرِّرُ
بقيّةُ النبات المفيد، والمتعطِّلُ صاحبُ النبات».
([3])
مقالي «الطيب في القرآن
المكرم»: بعد استبعاد «القبول» و«ظاهرٌ كباطن»، «لم نجد إلّا المطاوعةَ واللينَ في
البذل... كما أنّه ينسجم مع معنى الخبيث الذي هو عكسه، والذي يعني التعطيلَ
والضرر».
([4])
العين للخليل، باب الخاء والثاء
والباء: «خ ب ث يُستعمل فقط» [جـ ٤ - ص ٢٤٩]، وتَبِعه الأزهريُّ في التهذيب:
«استُعمل منه: خبث» [جـ ٧ - ص ١٤٦]. وحروفُ السيولة: و/ي/ر (ومعها في القانون
الأوّل س/ع/غ)؛ وليس في (خ ب ث) واحدٌ منها.
([5])
دراسة حرف الخاء (علم آدم):
«الضغط للأسفل - هبوطٌ وغُؤورٌ وتطامُن»، والسترُ فرعُه إطباقٌ يَخفِض. ومقاييس
اللغة: (خنق) «أصلٌ يدلُّ على ضِيق»، (خمد) سكونُ الحركة والسقوط. والكبحُ والحبسُ
وجهٌ من الإعاقة.
([6])
دراسة حرف الباء (علم آدم):
«التراكم والثِّقَل الذي يَنتأ فيَبرُز». وقولي في مقالي عند ﴿فيركمه جميعاً﴾
[الأنفال ٣٧]: «كيف أنّه لا قيمةَ لهم وكأنّهم رُكامُ قُمامة».
([7])
دراسة حرف الثاء (علم آدم):
«التشتّت والانتشار - دِقاقٌ تتبعثر»، شاهدُه ﴿فكانت هباءً منبثّاً﴾ و﴿وبثَّ فيها
من كلّ دابّة﴾. والانتشارُ هو الذي يُبلِغ الضررَ غيرَ صاحبه.
([8])
العين [جـ ٤ - ص ٢٤٩]: «خَبَثُ
الحديد وغيره: ممّا يُذاب بالنار، وهو ما يبقى من رداءته إذا أُخلِص جيّدُه».
ومقاييس اللغة: «الخاء والباء والثاء أصلٌ واحد يدلُّ على خلاف الطيّب».
([9])
من مقالي «الخبث الخبيث الطيب».
وحديثُ الكِير عند أبي عبيد في غريب الحديث [جـ ١ - ص ٤١٦] والأزهريِّ في التهذيب
[جـ ٧ - ص ١٤٦]؛ وحديثُ «المدينة كالكِير تنفي خَبَثَها وتَنصَع طِيبَها» في
النهاية لابن الأثير [جـ ٥ - ص ٦٥].
([10])
المعجم الاشتقاقيّ المؤصَّل،
مادّة (خبث) [جـ ١ - ص ٥٢٢]. وجبلٌ لا يفكِّك آحادَ الحروف، لكنّ «يَنتشر» في
معناه المحوريّ يوافق متجهَ الثاء هنا.
([11])
مقاييس اللغة: (خب) «الخاء
والباء أصلان... والثاني جنسٌ من الخِداع»؛ (بخس) «الباء والخاء والسين أصلٌ واحد،
وهو النقص»؛ (بخل) «الباء والخاء واللام... البُخْل». والبخلُ منعٌ، والبخسُ نقصٌ
- كلاهما تعطيلٌ للنفع وإضرارٌ بالمستحقّ.
([12])
مقاييس اللغة (خث). وهذا أوّلُ
موضعِ مخالفةٍ للمعجم في هذه الدراسة؛ فالخُثُّ (غُثاءٌ يابسٌ أسودُ منبوذ) صورةٌ
حسّيّةٌ لِما لا فائدةَ فيه، وهو محرّكُ خَبَث الحديد نفسِه.
([13])
مقاييس اللغة (ثخن): «الثاء
والخاء والنون يدلُّ على رزانةِ الشيء في ثِقَل... وقد أثخنتُه أي أثقلتُه». ﴿حتى
إذا أثخنتموهم فشدُّوا الوَثاق﴾ [محمد ٤]: أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى عَجَزوا.
([14])
مقاييس اللغة (بث): «الباء
والثاء أصلٌ واحد، وهو تفريقُ الشيء وإظهارُه»؛ و(ثب): «تدلُّ على تناهي الشيء؛
ثبَّ الأمرُ إذا تمّ»، و(ثبت) «دوامُ الشيء». فالباءُ إذا تصدّرت فرّقت ونشرت،
وإذا تأخّرت جمعت وثبّتت.
([15])
لسان العرب (خبث)، عن ابن
الأعرابيّ: «أصلُ الخُبث في كلام العرب المكروه؛ فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن
كان من المِلَل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام» [جـ ٢ - ص ١٤٤]. وهو
تعدادُ فروعٍ، لا محرّكٌ جامع.
([16])
الصحاح (خبث): «البول والغائط»؛
الجمهرة والأساس: «الرجيع والبول»؛ الفرّاء: «القيء والسُّلاح»؛ وزاد التاجُ:
«البَخَر والسَّهَر» و«السهر والضجر» [تاج العروس جـ ٥ - ص ٢٣٣].
التعليقات (0)