ثلاثيّة (ي م م): ماءٌ له وِجهة، وقَصدٌ لا يَلتفِت
فيزياءُ اليَمِّ والتيمُّمِ بقراءة الحروف
نهرُ النيل ماؤه عَذْبٌ يجري بين ضِفَّتين، وقد سمّاه القرآنُ يَمّاً. والبحرُ الملحُ المنبسطُ لا يُسمّى في تلك المواضع يَمّاً بل بحراً. ورجلٌ يُصوِّبُ رُمحَه إلى واحدٍ من القوم دون سائرهم فيقول: يَمَّمْتُه. وطائرٌ يُطلَقُ من بعيدٍ فيَرجِعُ إلى حيث أُطلِقَ لا يَعدِلُ عنه. ومسافرٌ لا يجدُ ماءً فيَخفِضُ بصرَه إلى الأرض حتى يقعَ على تُرابٍ بعينه فيَمسَحَ منه.
أربعةُ مشاهدَ لا يجمعُها ماءٌ ولا يابس، وتخرجُ كلُّها من حرفين اثنين: الياءِ والميم. ثمّ يَعرِضُ ما هو أعجب: أنّ القرآن يقولُ في آيةٍ ﴿فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا﴾، ويقولُ في التي تليها مباشرةً ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ﴾ - والماءُ واحد، والقصّةُ واحدة، واللفظُ اختلف. فما الذي جعل هذا الماءَ بحراً في سطرٍ ويَمّاً في السطر الذي يليه؟(١)
الفرضيّة
الجذرُ (ي م م) مُضعَّف، ونَواتُه الحرفيّةُ المُختَبَرة: كتلةٌ تَنثني إلى جهةٍ بعينها فتَقصِدُها دون سِواها. والتضعيفُ يُكثِّفُ الكتلةَ فيَجعلُ الوِجهةَ لازمةً لها لا عارضةً عليها. فالقصدُ والغَرَقُ والإلفُ كلُّها نتائجُ لهذه الميكانيكا، لا تعريفاتٌ لها.
أوّلاً: ما تقولُه المعاجم، وما سكتَتْ عنه
أوّلُ ما يَلفِتُ النظرَ في هذا الباب سكوتٌ لا نُطق. فابن فارس عقدَ للجذر كلامَه فقال: «الياء والميم: كلمةٌ تدلُّ على قَصْدِ الشيءِ وتعمُّده»، ثمّ استشهدَ بآيةِ التيمُّم، ثمّ نقلَ عن الخليل: «تَيمَّمْتُ فلاناً بسَهمي ورُمحي، إذا قَصَدته دون مَن سِواه» - ولم يَذكُرِ البحرَ ولا الماءَ البتّة، مع أنّ اليَمَّ في القرآن ثمانيةُ مواضع. فهو لم يَرَ في الباب معنيين اثنين - قصداً وبحراً - بل معنًى واحداً؛ وإنما تركَ لنا أن نسألَ: كيف يكون الماءُ قَصْداً؟(٢)
وأمّا الخليلُ فحدَّه بالسَّعة: «اليَمُّ: البَحْرُ الذي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ ولا شَطّاه. ويقال: اليَمُّ: لُجَّتُهُ». ثمّ زاد جُملتين لا تدخُلان في هذا الحدّ: «يُمَّ الرَّجُلُ فهو مَيمومٌ، إذا وقع في اليَمِّ وغَرِقَ فيه»، و«يُمَّ السّاحلُ، إذا طَما عليه اليَمُّ فغَلَبَ عليه». وفي المادّة طائرٌ أيضاً - اليَمامُ - اختلفوا فيه: أوحشيٌّ هو أم آلِفٌ للبيوت.(٣)
وهذا الحدُّ ردَّه الأزهريُّ صراحةً، وردَّه بالقرآن: «ويَقَع اسمُ اليَمّ على ما كان ماؤه مِلْحاً زُعاقاً، وعلى النَّهْرِ الكبيرِ العَذْبِ الماء... وهو نَهَرُ النِّيلِ بمصر... وماؤه عَذْب. قال الله عز وجل ﴿فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِل﴾؛ فجعل له ساحِلاً، وهذا كلُّه دليلٌ على بُطْلانِ قولِ الليثِ إنه البحرُ الذي لا يُدْرَكُ قَعْرُه ولا شَطّاه».(٤)
وهذا الردُّ يُغلِقُ بابين ويَفتحُ ثالثاً. يُغلِقُ أن يكون حدُّ اليَمِّ في العُمق، ويُغلِقُ أن يكون في المُلوحة أو في سَعةٍ لا شاطئَ لها - فالنيلُ عَذْبٌ ذو ضِفَّتين، وقد سُمِّي يَمّاً. فماذا بقي يَجمعُ النيلَ الجاريَ بالبحر الذي أَغرقَ فرعون؟ بقيَ شيءٌ واحد: أنّ الماءَ فيهما ماضٍ إلى جهة.
ثانياً: مفتاحان في المعاجم لم يُوصَل بينهما
المفتاح الأوّل: طَما
لم يقُلِ الخليلُ «غَطّى الساحلَ» ولا «عَلاه»، بل قال: «طَما عليه اليَمُّ فغَلَبَ عليه». وطَما في المعاجم فعلُ ماءٍ ماضٍ: «طَما الماءُ... ارتفعَ وملأ النهرَ»، و«طَمى يَطمي مثل طَمَّ يَطِمُّ، إذا مرَّ مُسرِعاً»، وفي الحديث «ما طَمَا البحرُ وَقَامَ تِعارٌ» أي ارتفعَ مَوجُه. فعملُ اليَمِّ بالساحل ليس سكوناً عليه، بل تقدُّمٌ نحوَه وغَلَبةٌ عليه.(٥)
المفتاح الثاني: رَهْو
وفي الطرف المقابل وصفَ القرآنُ البحرَ وصفاً واحداً: ﴿وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًا﴾ [الدخان ٢٤]. وأهلُ اللغة يَحُدُّون الرَّهْوَ بالسكون؛ قال ابن فارس: «الرَّهْو: البحر الساكن. ويقولون: عيشٌ راهٍ، أي ساكن»، وقال الجوهريّ: «ورَها البحرُ، أي سَكَن»، وقال الأصمعيّ: «يقال لكلِّ ساكنٍ لا يتحرّك: ساجٍ وراهٍ وراءٍ».(٦)
على أنّ المفسِّرين اختلفوا في «رَهْواً» ههنا اختلافاً واسعاً لا يُكتَم: قيل ساكناً على هِينتك، وقال الزَّجّاجُ يَبَساً، وقال ابنُ الأعرابيّ واسعاً، وقال خالدُ بنُ جَنبة دَمِثاً، وقال أبو سعيد: دَعْه كما فلَقْتَه لك. وليس يَعنينا ترجيحُ واحدٍ منها؛ يَعنينا أنّها على تباينها تَصِفُ حالاً واحدةً في جوهرها: سكوناً أو يُبْساً أو سَعةً أو دَماثة. ولم يَقُلْ أحدٌ إنّ «رَهْواً» ههنا مُضِيٌّ إلى جهة. فالبحرُ في الآية موصوفٌ بما يُقابِلُ الوِجهةَ على كلِّ قول.
فاجتمعَ لنا من كلام أهل اللغة أنفسِهم طرفانِ لم يُوصَل بينهما: البحرُ موصوفٌ بالسكون، واليَمُّ موصوفٌ بأنّه يَطمو فيَغلِب. وهذا هو المائز.
ثالثاً: متجهاتُ حروف الجذر
| الحرف | المتجه | بيانُه في هذا الجذر |
|---|---|---|
| الياء (ي) | الانطواء | تَنثني إلى ناحيةٍ بعينها؛ والانثناءُ إلى ناحيةٍ هو إخراجُ ما سِواها |
| الميم (م) | التكتُّل السكونيّ | الكتلةُ التي تَنثني - ماءً كانت أو بصراً أو طائراً |
| الميم الثانية | تضعيفُ الكتلة | تُكثِّفُ الكتلةَ فتَلزَمُها الوِجهةُ ولا تُفارِقُها |
في فهرس مقاييس اللغة خمسةَ عشرَ جذراً تَلي الميمُ فيها الياءَ مباشرةً: يم، ويمن، وأيم، وتيم، وخيم، وذيم، وريم، وزيم، وشيم، وضيم، وعيم، وغيم، وليم، ونيم، وهيم. غير أنّ الياءَ في أكثرها واقعةٌ في الوسط، وهي هناك تَعمَلُ عملاً آخرَ - تَطوي الكتلةَ فتُنتِجُ حافةً - فلا تَصلُحُ لاختبار الكتلة على وجهها. والذي تَتصدَّرُ فيه الياءُ جذران: يم ويمن. وفيهما معاً الوِجهةُ صريحة.(٧)
فأمّا (يمن) فقال ابن فارس: «الياء والميم والنون: كلماتٌ من قياسٍ واحد. فاليَمين: يَمين اليَدِ... واليُمْن: البَرَكة... واليمين: الحَلِف، وكلُّ ذلك من اليد اليُمْنى. وكذلك اليَمَنُ، وهو بلدٌ». فاليمينُ جهةٌ من الجهتين، واليَمَنُ بلدٌ سُمِّي بموقعه منها، والحَلِفُ سُمِّي يميناً لأنّ المتحالِفَين يَصفِقُ أحدُهما بيمينه على يمينِ صاحبه. جهةٌ في اليد، وجهةٌ في الأرض، وجهةٌ في العهد.(٨)
وأمّا (شيم) - والياءُ فيه في الوسط - فقد بقيَ فيه من الوِجهة أثرٌ لافت: «شِمْتُ البرقَ أشيِمُه شَيماً، إذا رقَبْتَه تنظر أينَ يَصُوب». فالشائمُ للبرق لا يَنظرُ إليه فحسب، بل يَنظرُ إلى الجهة التي يَقصِدُها.(٩)
فالنواةُ إذاً: كتلةٌ ذاتُ وِجهةٍ تَلزَمُها. والياءُ إذا تصدَّرت كانت هي المُوَجِّهة، والكتلةُ موجَّهةٌ بها.
رابعاً: الكتلةُ (ي م) ومعكوسُها (م ي)
وأصدقُ ما يُثبِتُ الوِجهةَ أن نَعكِسَ الحرفين فنَنظُرَ ما يَخرُج. فإذا سبقتِ الميمُ في (مي) صارتِ الكتلةُ هي الفاعلة، والانثناءُ مآلَها لا أداتَها: فبدل أن تُوجَّهَ إلى جهةٍ، تَزيغُ عن جهتها. وشواهدُ ذلك أحدَ عشرَ جذراً في بابٍ واحدٍ من المقاييس: مالَ (انحرَفَ إلى جانب)، ومادَ (تمايَلَ)، وماسَ (تبختَرَ مَيَلاناً)، وماطَ (أُزيحَ عن الطريق)، ومازَ (انفَصَل)، وماعَ (جَرَى على وجه الأرض بلا مَجرًى)، وماثَ (ذابَ)، وماحَ (انحدَرَ)، وماشَ (فُرِّقَ بعضُه عن بعض)، والمِيرةُ (نُقِلَت عن مكانها)، ومانَ (زاغَ قولُه عن الصِّدق).(١٠)
في (يم) تُوجَّهُ الكتلةُ إلى جهةٍ فتَلزَمُها، وفي (مي) تَزيغُ الكتلةُ عن جهتها فتُفارِقُها. حرفان اثنان، عُكِسَ ترتيبُهما فانعكسَ لزومُ الوِجهة.
ولا نُنكِرُ أنّ للأحدَ عشرَ وجهاً آخرَ في القراءة، ولا نُرجِّحُ بينهما هنا؛ فالنتيجةُ واحدةٌ على الوجهين.(١١)
خامساً: تنبيهٌ بنيويّ - الجذرُ مضعَّفٌ لا حُرّ
الجذرُ (ي م م) ليس ثلاثيّاً حُرّاً بحروفٍ ثلاثةٍ مختلفة، بل مضعَّفٌ حرفُه الثاني والثالث واحد. فالتقاليبُ فيه ثلاثٌ رياضيّاً لا ستّ، والحيُّ منها واحدٌ فقط. ولذلك لا تُبنى عليه سداسيّة، وإنما تُبنى عليه ثلاثيّة:
| التقليب | الحالة | بيانُه |
|---|---|---|
| ي م م | حيٌّ بقوّة | اليَمُّ، ويَمَّمَ، وتيمَّمَ، واليَمامُ، ومَيمومٌ |
| م ي م | لا فعلَ له | «الميم» اسمُ الحرف، لا جذرٌ يُشتَقُّ منه |
| م م ي | ميتٌ قطعاً | لا وجودَ له في المعاجم |
وهذا شأنُ المضعَّف كلِّه: تقليبٌ واحدٌ يَحمِلُ الميكانيكا كلَّها، ولا يُتكلَّفُ له نظائرُ ميتة.(١٢)
سادساً: تطبيقُ النواة على الاشتقاقات
اليَمّ
ماءٌ له وِجهةٌ يَمضي إليها. ولذلك استوى فيه المِلحُ والعَذْب، والبحرُ والنهرُ الكبير - فالمائزُ ليس في طَعم الماء ولا في سَعته، بل في أنّه ماضٍ. ومن هنا صحَّ أن يُسمَّى النيلُ يَمّاً وهو عَذْبٌ ذو ضِفَّتين، وصحَّ «يُمَّ الساحلُ إذا طَما عليه اليَمُّ فغَلَبَ عليه» - إذ لا يَغلِبُ الساحلَ ماءٌ واقف.
اليَمام
وههنا وقفةٌ لا بدّ منها. فقد قال الشاميّون والكسائيُّ إنّه الطائرُ الآلِفُ للبيوت، وقال الأصمعيُّ والجوهريُّ إنّه الحمامُ الوحشيّ. والوجهان يَلتقيان على أمرٍ واحدٍ لا يَختلفان فيه: أنّه الطائرُ الذي يَرجِعُ إلى حيث أُطلِق. فالآلِفُ يَلزَمُ بيتَه، والوحشيُّ الذي «يَسْتَفْرِخُ» يَعودُ إلى وَكْرِه. وليس المائزُ في الأُلفة، بل في لزوم الوِجهة - وهو القدرُ الذي عليه المُعوَّل، وهو ثابتٌ على القولين معاً.
يَمَّمَ وتيمَّمَ
إذا يَمَّمْتَ رجلاً برُمحك فقد وجَّهتَه إليه «دون مَن سِواه» - والقيدُ في آخر العبارة هو الحدُّ كلُّه: وِجهةٌ واحدةٌ تُخرِجُ ما عداها. والتيمُّمُ على وزن التفعُّل: تكلُّفُ هذا التوجيه مرّةً بعد مرّةٍ حتى يقعَ على المقصود بعينه.(١٣)
سابعاً: الثلاثيّةُ في القرآن
١) اليَمُّ يَمضي، والبحرُ يَسكُن
اجتمعَ اللفظان في قصّةٍ واحدةٍ فافترقا افتراقاً مطَّرِداً. فحيثُ الماءُ ساكنٌ أو مفلوقٌ أو مَعبورٌ فهو بحر: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ﴾ [البقرة ٥٠]، ﴿ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ [الشعراء ٦٣]، ﴿فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا﴾ [طه ٧٧]، ﴿وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًا﴾ [الدخان ٢٤]، ﴿وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ﴾ [الأعراف ١٣٨]. وانظر الأوصافَ: يَبَساً، ورَهْواً أي ساكناً، وكالطَّوْدِ العظيم أي كالجبل الثابت. ثلاثةُ أوصافٍ للسكون في لفظٍ واحد.
وحيثُ الماءُ ماضٍ يَحمِلُ أو يَغشى فهو يَمّ:(١٤)
| الآية | فعلُ اليَمّ |
|---|---|
| ﴿فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ﴾ [طه ٣٩] | حَمَلَ التابوتَ ومضى به حتى أَلقاه |
| ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ﴾ [طه ٧٨] | تقدَّمَ عليهم فغَشِيَهم |
| ﴿فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ﴾ ... ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ﴾ [القصص ٧] | حَمَلَ ورَدَّ - وهو فعلُ الجاري |
| ﴿لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلۡيَمِّ نَسۡفًا﴾ [طه ٩٧] | ذَرْوٌ في ماضٍ يَذهبُ به |
| ﴿فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ﴾ [القصص ٤٠، والذاريات ٤٠] | نَبْذٌ فيما يَمضي بهم |
| ﴿فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ﴾ [الأعراف ١٣٦] | إغراقٌ بالماء العائدِ عليهم |
وأحسمُ ما في الباب آيةُ طه ٣٩: ﴿فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ﴾. جُعِلَ اليَمُّ فاعلاً يُلقي - والماءُ الساكنُ لا يُلقي بالساحل شيئاً، إنما يُلقي الجاري. ولذلك احتجَّ الأزهريُّ بهذه الآية على بُطلان تعريفه بالسَّعة؛ وهي عندنا حجّةٌ على أنّ حدَّه في المُضِيّ لا في السَّعة.
٢) التيمُّم: وِجهةٌ تُخرِجُ ما سِواها
جاء التيمُّمُ في ثلاثة مواضع، وفي كلٍّ منها كتلةٌ حاضرةٌ يُنتقى منها بعضُها:(١٥)
﴿وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ﴾ [البقرة ٢٦٧]. والنهيُ لم يقع على التوجُّه المجرَّد، بل على تعيينِ الوِجهة: «مِنْه» تبعيضيّةٌ تُصرِّحُ أنّ المُتيمَّمَ بعضٌ من كتلةٍ حاضرة. ولو أُريدَ مجرَّدُ القصدِ لكفى «ولا تَقصِدوا».
﴿فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة ٦]. وههنا «مِنْه» أيضاً: تُوجِّهُ نظرَك إلى الصعيد، فتُعيِّنُ منه الطيِّبَ دون ما سِواه، ثمّ تَمسَحُ منه لا منه كلِّه.
فالآيتان على نواةٍ واحدة: كتلةٌ حاضرةٌ - محصولٌ أو صعيد - يُوجِّهُ إليها الناظرُ بصرَه فيُعيِّنُ منها المقصود. وفي الأولى نُهِيَ عن تعيين الرديء، وفي الثانية أُمِرَ بتعيين الطيّب.
٣) أَمَّ في مقابل يَمَّ
وفي التنزيل موضعٌ واحدٌ لاسم الفاعل من (أمّ): ﴿وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًا﴾ [المائدة ٢]. والآمُّ ماضٍ إلى البيت أمامَه على طريقٍ معلوم، والمُتيمِّمُ يُعيِّنُ وِجهتَه من بين ما حولَه. وقد فرَّق الخليلُ بينهما في موضعٍ بعينه تفريقاً معلَّلاً بالشاهد.(١٦)
ثامناً: اعتراضٌ يَنقُضُ الباب من أصله
في المعاجم جملةٌ تَهدِمُ ما مضى إن أُخِذَت على إطلاقها. قال ابنُ منظور: «وأمّا التيمُّمُ الذي هو التوخِّي، فالياءُ فيه بدلٌ من الهمزة». ومثلُها في التاج: «الياءُ بدلٌ من الهمزة، يقال: تيمَّمْتُه وتأمَّمْتُه»، وفيه أيضاً «ويمَّمَه برُمحه تيميماً وأمَّمَه» - فسوَّى بين الفعلين. وقبلَهما الجوهريُّ: «وأصلُه التعمُّدُ والتوخِّي، من قولهم: تَيَمَّمْتُكَ وتَأَمَّمْتُكَ». فإن كانت الياءُ بدلاً من الهمزة فالكلمةُ من (أ م م)، وسقطَ الجذرُ كلُّه من حسابنا.(١٧)
والجوابُ من ثلاثة أوجه. أوّلُها أنّ دعوى الإبدال حكمٌ على أصلٍ مفترَض، لا وصفٌ للفظِ الذي نَزَل. وقراءةُ الحرف إنما تكونُ على ما رُسِم لا على ما قُدِّر؛ والذي رُسِم ياء.
وثانيها - وهو أقواها - أنّ القائلين بالإبدال أنفسَهم لم يُسوُّوا بينهما في كلِّ موضع. فالخليلُ يُطلِقُ التسويةَ أوّلاً: «وتقول: أَمَّمْتُ ويَمَّمْتُ»، ثمّ يُبطِلُها بعد أسطرٍ في موضعٍ بعينه بعلّةٍ يَذكرُها: أنّ الطعنَ شَزْرٌ، والشَّزْرُ من ناحيةٍ لا من أمام. فالتسويةُ عنده في الأصل، والفرقُ في الاستعمال - وعلى الاستعمال المُعوَّل.
وثالثها أنّ القرآنَ لم يَخلِطْ بينهما. جاء ﴿ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ﴾ لقاصدي غايةٍ واحدةٍ معلومةٍ أمامَهم لا يَنتقونها من بين غاياتٍ سِواها؛ وجاء التيمُّمُ في مواضعه لانتقاءِ واحدٍ من متعدِّد: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ من الصعيد، و﴿ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ﴾ من المال. ولم يُسمَّ قاصدُ البيتِ مُتيمِّماً قطُّ، ولا سُمِّي المُتيمِّمُ آمّاً.
على أنّ هذا لا يَنفي القرابةَ بين البابين، فهما يَلتقيان في القصد. إنّما يَنفي أن يكونا واحداً، وأن يُلغى ما بينهما من فرقٍ نصَّ عليه أقدمُ مَن دوَّن.
تاسعاً: حدودُ ما يَدَّعيه هذا التحليل، والاعتراضاتُ عليه
يَدَّعي التحليلُ ثلاثةَ أشياء: أنّ نواةَ (ي م م) وِجهةٌ تَلزَمُ الكتلة؛ وأنّ توزيعَ «البحر» و«اليمّ» في قصّة موسى يَجري على السكون والمُضِيّ اطِّراداً؛ وأنّ التيمُّمَ تعيينُ وِجهةٍ من كتلةٍ حاضرة لا مطلقُ قصد.
وعليه اعتراضان نَذكُرهما ولا نُخفيهما. الأوّل: أنّ «اليَمَّ لُجّتُه» قد تُفسِّرُ التوزيعَ القرآنيَّ بالعُمق لا بالمُضِيّ؛ وجوابُه أنّ اللُّجّةَ لا تُلقي بالساحل ولا تَطمو على الشاطئ، وأنّ النيلَ ليس ذا لُجّة. والثاني: أنّ مواضعَ اليَمِّ الثمانيةَ كلَّها في قصّة موسى، فقد يكون اختيارُ اللفظ لسببٍ يخُصُّ القصّة؛ وجوابُه أنّ البحرَ أيضاً في القصّة نفسِها، فالافتراقُ داخلَها لا بينها وبين غيرها.
ولا يَدَّعي التحليلُ أنّ العربيَّ الأوّلَ كان واعياً بهذه الميكانيكا؛ ولا أنّ (يم) كتلةٌ صلبةٌ بالمعنى المعتاد، فالياءُ حرفُ سيولةٍ لا يَعقِدُ كتلةً؛ ولا يَدَّعي الفصلَ في قراءة الأحدَ عشرَ من باب (مي)؛ ولا أنّ اليَمامةَ العَلَمَ - اسمَ المرأةِ والبلد - داخلةٌ في القياس، فالأعلامُ بابٌ آخر.
عاشراً: مشتقاتُ الجذر - شاهدٌ يَجمعُ الطرفين
وأصرحُ ما في الباب مشتقٌّ قلَّ مَن التفتَ إليه: «واليَمامةُ: القَصْدُ كاليَمام، يقال: هو يَمامتي ويَمامي أي قَصْدي». فاسمُ الطائر واسمُ القصدِ لفظٌ واحد. ولم يَبقَ بعد هذا سؤالٌ عن الرابط بين طائرٍ يَرجِعُ إلى حيث أُطلِق وبين رجلٍ يُصوِّبُ رُمحَه إلى واحدٍ دون سِواه: كلاهما يَمامة.(١٨)
ومن مشتقاته أيضاً ما هو أشبَهُ بالبُرهان الصامت: أنّ اليَمَّ «لا يُثنّى ولا يُكسَّر ولا يُجمَعُ جمعَ السلامة». والأسماءُ التي لا تُثنّى ولا تُجمَع ليست أعياناً تُعَدّ، بل أحوالٌ تُوصَف. فليس اليَمُّ بحراً من البحار حتى يُقال يَمّان ويُموم، وإنما هو حالُ الماء حين تكونُ له وِجهة.
وتمامُ الباب: يُمَّ الرجلُ فهو مَيمومٌ إذا طُرِح فيه؛ ويَمَّمَ المريضَ للصلاة تَيميماً إذا مسحَ وجهَه ويديه بالتراب فتيمَّمَ هو - ففي هذا الأخير يقعُ التوجيهُ من غيرِه عليه، وهو أدقُّ ما يُبيِّنُ أنّ التيمُّمَ فعلُ توجيهٍ لا فعلُ مسحٍ فحسب.
الخاتمة: ثلاثةُ أعمدة
الأوّل: الجذرُ مضعَّفٌ لا حُرّ. تقاليبُه ثلاثٌ وحيُّها واحد، فلا سداسيّةَ له. والتضعيفُ يُكثِّفُ الكتلةَ حتى تَلزَمَها وِجهتُها.
الثاني: النواةُ وِجهةٌ لازمة. ومنها انبثقَ الماءُ الماضي عَذْباً كان أو مِلحاً، وطُموُّه على الساحل، والغَرَقُ فيه، ورُجوعُ اليَمامةِ إلى حيث أُطلِقَت، وتوجيهُ الرامي رُمحَه إلى واحدٍ دون سِواه.
الثالث: القرآنُ يُفرِّقُ حيث فرَّقَ اللسان. ماءٌ واحدٌ يُسمّى بحراً حين يَسكُنُ ويَنفلِقُ ويَيبَس، ويُسمّى يَمّاً حين يَمضي فيَحمِلُ أو يَغشى. وليس هذا من تنويعِ اللفظِ طلباً لحُسنِ العبارة، ولا اليَمُّ مرادفاً يُوضَعُ موضعَ البحر متى شاء المتكلِّم؛ بل لكلٍّ منهما حالٌ لا يَقومُ فيها الآخَر. ولو كان اللفظان سواءً لَصحَّ أن يُقال «فاضرِبْ لهم طريقاً في اليمِّ يَبَساً»، ولا يصحّ.
فالتيمُّمُ ليس قصداً مجرَّداً إلى التراب، بل توجيهُ النظرِ إلى كتلةٍ لتعيينِ الطيِّب منها دون ما سِواه. واليَمُّ ليس مرادفاً للبحر، بل الماءُ حين تكونُ له وِجهةٌ يَمضي إليها. واليَمامةُ سُمِّيت يَمامةً لأنّها لا تَعدِلُ عن وِجهتها.
هذا، والله أعلم.
- المصادرُ التي نستقرئ منها خمسةٌ: كتابُ العين للخليل، والصحاحُ للجوهري، ومقاييسُ اللغة لابن فارس، ولسانُ العرب لابن منظور، وتاجُ العروس للزَّبيدي. ↩
- نصُّ ابن فارس بتمامه: «الياء والميم: كلمةٌ تدلُّ على قَصْدِ الشئِ وتعمُّده...» ثمّ استشهدَ بقوله تعالى ﴿فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، ثمّ قال: «قال الخليل: يقال تَيمَّمْتُ فلاناً بسَهمِى ورُمْحى، إذا قَصَدته دون مَنْ سِواه» (المقاييس جـ٦ صـ١٥٢). وهي في العين بلفظٍ قريب: «ويَمَّمْتُ فلاناً بسَهْمي ورُمحي، أي: توخَّيتُه به دون ما سواه» (جـ٨ صـ٤٣٠). وفي الصحاح: «ويَمَّمْتُهُ برمحى تيميما، أي توخيته وقصدته دون من سواه» (جـ٥ صـ٢٠٦٤). فالقيدُ «دون مَن سِواه» ثابتٌ في المعاجم الثلاثة بلفظه. ↩
- نصُّ العين في مادة يم: «اليَمُّ: البَحْرُ الذي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ ولا شَطّاه. ويقال: اليَمُّ: لُجَّتُهُ. وتقول: يُمَّ الرَّجُلُ فهو ميموم، إذا وقع في اليَمِّ وغَرِقَ فيه. ويقال: يُمَّ السّاحلُ، إذا طَما عليه اليَمُّ فغَلَبَ عليه. واليمامةُ: الحمامة. واليمامُ: طيرٌ على ألوانٍ شتّى يأكلُ العِنب. وأهلُ الشّام يقولون: اليَمامُ يَأْلَفُ كما يَأْلَفُ الحَمامُ» (العين جـ٨ صـ٤٣١)، ثمّ قال: «واليمامةُ: موضعٌ من محلّة العرب». وقولُه «ويقال: اليَمُّ لُجَّتُه» إثباتُ محقِّقٍ من التهذيب؛ والذي في أصول العين «ولا يقال». وقولُ الشاميّين في اليَمام ليس هو الراجحَ عند غيرهم: «الجوهريُّ: اليَمامُ الحمامُ الوحشيُّ... قال الكسائيّ: هي التي تألَفُ البيوت»، ثمّ في اللسان: «اليَمامُ الَّذي يَسْتَفْرِخُ، والحَمامُ هو البرِّيُّ الذي لا يَأْلفُ البُيوتَ» (جـ١٢ صـ٦٤٨). ↩
- نصُّ اللسان في مادة يمّم: «الليث: اليَمُّ البحرُ الذي لا يُدْرَكُ قَعْرُه ولا شَطّاه، ويقال: اليَمُّ لُجّتُه. وقال الزجاج: اليَمُّ البحرُ... وزَعَم بعضُهم أنها لغةٌ سُرْيانية فعرَّبته العرب، وأصلُه يَمَّا، ويَقَع اسمُ اليَمّ على ما كان ماؤه مِلْحاً زُعاقاً، وعلى النَّهْرِ الكبيرِ العَذْبِ الماء، وأُمِرَتْ أُمُّ موسى حين ولدته وخافت عليه فرعون أن تجعلَه في تابوتٍ ثمّ تقذفَه في اليَمِّ، وهو نَهَرُ النِّيلِ بمصر... وماؤه عَذْب. قال الله عز وجل ﴿فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِل﴾؛ فجعل له ساحِلاً، وهذا كلُّه دليلٌ على بُطْلانِ قولِ الليثِ إنه البحرُ الذي لا يُدْرَكُ قَعْرُه ولا شَطّاه» (لسان جـ١٢ صـ٦٤٧). والكلامُ للأزهريِّ نصّاً، نقلَه ابنُ منظور بلا عزوٍ؛ وقد عزاه إليه الزَّبيديُّ صريحاً: «قال الأزهريُّ: ويقع اسمُ اليَمِّ على ما كان ماؤُه مِلْحاً زُعاقاً... وهذا كلُّه يدلُّ على بُطلانِ قولِ الليث» (التاج جـ٣٤ صـ١٣٩-١٤٠). ↩
- «طَما الماءُ يَطْمو طُمُوًّا ويَطْمي طُمِيًّا، فهو طامٍ، إذا ارتفعَ وملأ النهرَ... وطَمى يَطمي مثل طَمَّ يَطِمُّ، إذا مرَّ مُسرِعاً» (الصحاح جـ٦ صـ٢٤١٥). وفي اللسان: «طَمَا الماءُ يَطْمُو طُمُوًّا ويَطْمِي طُمِيّاً: ارْتَفَعَ وعَلا ومَلأَ النَّهْرُ، فَهُوَ طامٍ... وفي حديث طَهْفة: ... مَا طَمَا البحرُ وَقَامَ تِعارٌ... أَي ارْتَفَع موجُه» (جـ١٥ صـ١٥). وفي التاج عبارةٌ يَنبغي التنبُّهُ لها: «ويُمَّ الساحلُ بالضمِّ يَمّاً: إذا غَلَبَه البحرُ وغَطّاه فطَما عليه» (جـ٣٤ صـ١٤٢) - فنَسَبَ الطُّموَّ إلى البحر. والأصلُ الذي شرحَه عبارةُ الخليل: «يُمَّ السّاحلُ إذا طَما عليه اليَمُّ فغَلَبَ عليه»؛ فـ«البحرُ» في التاج شرحٌ من الزَّبيديّ بالمعنى العامّ، لا نقلٌ للفظ. ↩
- في مادّة (رهو): «الراء والهاء والحرف المعتل أصلان، يدلُّ أحدُهما على دَعَةٍ وخَفْضٍ وسكون... فالأوّل الرَّهْو: البحر الساكن. ويقولون: عيشٌ راهٍ، أي ساكن» (المقاييس جـ٢ صـ٤٤٦). وفي الصحاح: «ويقال: افعَلْ ذلك رَهْواً، أي ساكناً على هِينَتك... وعيشٌ راهٍ، أي ساكنٌ رافِهٌ... ورَها البحرُ، أي سَكَن» (جـ٦ صـ٢٣٦٦). وفي العين: «والرَّهْوُ: مشيٌ في سكون» (جـ٤ صـ٨٣)، وفسّر الآيةَ بـ«أي: ساكناً على هينةٍ» (جـ٤ صـ٨٤). وفي اللسان: «الأصمعيّ: يقال لكلِّ ساكنٍ لا يتحرّك: ساجٍ وراهٍ وراءٍ» (جـ١٤ صـ٣٠٣)، وفي مادّة (رها): «وكلُّ ساكِنٍ لَا يتحَرَّكُ راهٍ ورَهْوٌ» (جـ١٤ صـ٣٤١). وفي التاج: «الرَّهْوُ: السكون. يقال: رَها البحرُ إذا سَكَن، وبه فُسِّر قولُه تعالى ﴿وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًا﴾ أي ساكناً على هِينتِك. قال الزجاج: هكذا فسّره أهلُ اللغة؛ وجاء في التفسير: يَبَساً. وقال أبو سعيد: أي دَعْه كما فلَقْتَه لك لأنّ الطريقَ كان فيه رَهْواً بين فِلْقَيه» (جـ٣٨ صـ٢٠٣). وأقوالُ المفسِّرين مجموعةٌ في اللسان (جـ١٤ صـ٣٤١)، وفيها أنّ اللفظَ من الأضداد: «والرَّهْوُ أيضاً: الكثيرُ الحركة، ضدٌّ... والرَّهْوُ أيضاً: السَّريعُ». وقد بُيِّن في المتن أنّ المُعوَّلَ ههنا على القدر المشترك بين الأقوال، لا على ترجيحِ واحدٍ منها. ↩
- العدُّ من فهرس جذور مقاييس اللغة (٤٥٣٠ جذراً): ما فيه (يم) متلاصقةً خمسةَ عشرَ جذراً، وما فيه (مي) متلاصقةً عشرون. والقليلُ إنما هو ما تَتصدَّرُ فيه الياءُ من الأولى - وهو جذران. ↩
- «الياء والميم والنون: كلماتٌ من قياسٍ واحد. فاليَمين: يَمين اليَدِ. [و] يقال: اليَمِين: القُوَّة... واليُمْن: البَرَكة، وهو ميمونٌ. واليمين: الحَلِف، وكلُّ ذلك من اليد اليُمْنى. وكذلك اليَمَنُ، وهو بلدٌ» (المقاييس جـ٦ صـ١٥٨-١٥٩). ثمّ قال: «وسمِّى الحَلِفُ يميناً لأنَّ المتحالِفَينِ كأنَّ أحدَهما يَصْفِقُ بيمينه على يمينِ صاحبه». ↩
- «الشين والياء والميم أصلانِ متباينان... فالأول قولهم: شِمْت السّيفَ، إذا سللتَه... ومن الباب: شِمْت البرقَ أشيِمُه شَيماً، إذا رقَبْتَه تنظر أينَ يَصُوب» (المقاييس جـ٣ صـ٢٣٦). ↩
- شواهدُ المعكوس (مي) من بابٍ واحدٍ في المقاييس (جـ٥ صـ٢٨٧-٢٩٠): ميث «سهولةٍ في شيء... والمَيثاء: الأرضُ السَّهلة»؛ ميح «أصلٌ صحيح يدلُّ على إعطاء... ماح يَميحُ: انحدَرَ في الرَّكِيِّ فملأ الدَّلْو»؛ ميد «حركةٍ في شيء... ومادت الأغصانُ تَمِيد: تمايلَتْ»؛ مير «المِيرَة: الطعام له إلى بلده»؛ ميز «تزيُّلِ شيءٍ من شيء... وانمازَ الشيءُ: انفَصَل عن الشيء»؛ ميس «كلمةٌ تدلُّ على مَيَلان... ومَاسَ مَيَسانًا: تبختر»؛ ميش «خلطِ شيءٍ بشيءٍ ونَفْشه»؛ ميط «دفعٍ ومدافَعة. ومَاطَه عنه: دَفَعه... تمايَطُوا: تباعدوا»؛ ميع «جريانِ شيءٍ واضطرابِ شيءٍ وحركتِه. وماعَ الشيءُ يَمِيع: جَرَى على وجه الأرض»؛ ميل «انحرافٍ في الشيء إلى جانبٍ منه»؛ مين «المَيْن: الكَذِب». ↩
- ويصحُّ في هذه الأحدَ عشرَ وجهٌ ثانٍ لا يُناقضُ الأوّل: أن تُقرأ كتلاً ميميّةً دخلتها الياءُ في الوسط - مَدَّ فمادَ، ومَطَّ فماطَ، ومَرَّ فالمِيرة، ومَزَّ فمازَ، ومَلَّ فمالَ - على قانون «الياء في الوسط تَطويها فتُنتج خطاً أو حافة». والوجهان يلتقيان في النتيجة: زَيغٌ عن الجهة. وتَركُ الترجيح بينهما هنا أصدقُ من الجزم. ↩
- والتقليبان الآخران: (ميم) - وهو اسمُ الحرف لا فعلٌ يُشتَقّ؛ و(ممي) - لا وجودَ له. فالحيُّ واحدٌ لا غير، وهذا شأنُ المضعَّف كلِّه. ↩
- وقد أُفرِدَ للتيمُّم مقالٌ سابق انتهى إلى أنّ التيمُّم «توجيه البصر نحو الأرض للفحص والتدقيق»، ثمّ البعثرةُ والتقليبُ للوصول إلى المراد. ↩
- عددُ (اليمّ) في المصحف ثمانيةُ مواضعَ في سبع آيات، لتكرُّرِه في طه ٣٩: الأعراف ١٣٦، وطه ٣٩ (مرّتان)، وطه ٧٨، وطه ٩٧، والقصص ٧، والقصص ٤٠، والذاريات ٤٠. وأمّا (البحر) مفرداً معرَّفاً فاثنان وثلاثون موضعاً، ومجموعُ الجذر بصِيَغِه كلِّها - البحرين والبحران والأبحر والبحار والبحيرة - واحدٌ وأربعون. ↩
- وردت (تيمَّم) في ثلاثة مواضع: البقرة ٢٦٧، والنساء ٤٣، والمائدة ٦. ولم يَرِد الجذرُ في القرآن على غير هذين الوجهين - اليمِّ والتيمُّم. ↩
- ﴿وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًا﴾ [المائدة ٢] - وهو الموضعُ الوحيدُ لاسم الفاعل من (أمّ) في القرآن. ونصُّ الخليل في التفريق بينهما (العين جـ٨ صـ٤٣١): «يَمَّمْته الرُّمحَ شَزْراً ثمّ قلتُ له: ... هذي المروءةُ لا لعب الرحاليق... ومن قال في هذا البيت: أمّمته فقد أخطأ، لأنّه قال: شزراً ولا يكون الشّزر إلاّ من ناحيةٍ، ولم يَقصِدْ به أَمامه. والأَمُّ: القَصْدُ، فعلاً واسما». والشَّزْرُ من جانبٍ لا من أمام: «وطعنٌ شَزْرٌ، أي من ناحيةٍ ليست على شَجيحةٍ الطريقة» (العين جـ٦ صـ٢٣١). والبيتُ لعامر بن مالكٍ مُلاعِبِ الأسِنّة. وروايةُ «شَزْراً» هي روايةُ العين والمقاييس والتاج، وروايةُ الصحاح في مادّة (زحلق): «يَمَّمْتُه الرمحَ شَزْراً ثمّ قلتُ له - هذي المروءةُ لا لعبُ الزَّحاليق» (جـ٤ صـ١٤٨٩)؛ وإنما جاء «صَدْراً» في مادّة (يمم) من الصحاح وحدَها (جـ٥ صـ٢٠٦٥). و«الرحاليق» في نصِّ العين أعلاه هكذا في المطبوع، وصوابُها الزَّحاليق كما في العين نفسِه (جـ٦ صـ١٧٧) والمقاييس والصحاح. على أنّ الخليلَ يُسوِّي بين الفعلين قبلَ البيت بأسطر: «وتقول: أَمَّمْتُ ويَمَّمْتُ» (العين جـ٨ صـ٤٣٠) - فالتخطئةُ في البيت وحدَه بعلّةِ الشَّزْر، لا في كلِّ موضع. ↩
- «وأمّا التيمُّمُ الذي هو التوخِّي، فالياءُ فيه بدلٌ من الهمزة» (لسان جـ١٢ صـ٦٤٨). وفي التاج: «الياءُ بدلٌ من الهمزة، يقال: تيمَّمْتُه وتأمَّمْتُه. ويمَّمَه برُمحه تيميماً وأمَّمَه: قصدَه وتوخّاه دون سواه» (جـ٣٤ صـ١٤٠). وفي الصحاح: «وتَيَمَّمْتُ الصعيدَ للصلاة، وأصلُه التعمُّدُ والتوخِّي، من قولهم: تَيَمَّمْتُكَ وتَأَمَّمْتُكَ» (جـ٥ صـ٢٠٦٤). ↩
- نصُّ التاج في مادة يمم (جـ٣٤ صـ١٣٩-١٤١): «اليَمُّ: البحرُ... لا يُثنّى ولا يُكسَّر ولا يُجمَعُ جمعَ السلامة... ويُمَّ الرجلُ بالضمِّ فهو مَيمومٌ: طُرِحَ فيه... اليَمُّ: الحَمَامُ الوَحْشِيُّ، كاليَمَامِ، واليَمَمِ، مُحَرَّكَةً... والتيمُّم: التوخّي والتعمُّد، الياءُ بدلٌ من الهمزة، يقال: تيمَّمْتُه وتأمَّمْتُه. ويمَّمه برُمحه تَيميماً وأمَّمه: قصدَه وتوخّاه دون سواه... وقال ابن السكّيت: قولُه تعالى ﴿فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أي اقصِدوا لصعيدٍ طيّب... واليَمامةُ: القَصْدُ كاليَمام، يقال: هو يَمامتي ويَمامي أي قَصْدي». وفي المادّة نفسِها روايةٌ أخرى تُفسِّرُ اللفظَ بالجهة لا بالقصد: «وامْضِ يَمامي ويَمامتي، أي أمامي» (جـ٣٤ صـ١٤٢)، وهي التي اقتصرَ عليها اللسانُ: «وقالوا: هو يَمامَتي ويَمامِي كأَمامي» (جـ١٢ صـ٦٤٨). فالنقلُ فيه وجهان لا وجهٌ واحد. وجملةُ «الياءُ بدلٌ من الهمزة» اعتراضٌ على أصلِ هذا التحليل، وقد أُفرِدَ له بابٌ في آخِر المقال. ↩
التعليقات (0)