هل كانت قريش مانويةً زرادشتية؟
كيف اقتبست مكةُ الحلَّ المانويَّ لمشكلة الشر ثم عرَّبته
خلاصة الحكم
نعم. أخذت قريشٌ الحلَّ المانويَّ لمشكلة الشر، ثم أعادت صياغته دينًا عربيًّا يلائم مكة وآلهتَها ومصالحَها. لم تصر مكةُ كنيسةً مانوية، ولم تحفظ أسماء النور والظلمة ولا طقوس ماني بحروفها؛ لكنها التقطت الفكرة المركزية: أن الإله الأعلى مصدرُ الخير وحده، وأن للضرِّ والموت والفساد فاعلًا آخر. ثم وزَّعت هذا الجانب المظلم على الدهر والطبيعة والجن والشياطين والسحر والنحس وكيد الخصم، وجعلت الملائكة والآلهة وسائطَ للشفاعة والحماية، وأحيانًا للعقاب.
فجاء القرآن يهدم هذه القسمة. ولم يكن يهدمها بقوله إن الله خالق السماوات والأرض، فقريش تُقرُّ بذلك أصلًا ولا تنازع فيه. هدمها حين قال إن الله الواحد هو الذي يُضحك ويُبكي، ويُميت ويُحيي، ويُغني ويُقني، ويخلق الذكر والأنثى، ويُهلك الأمم، وعليه النشأة الأخرى. جرَّد الدهرَ والجنَّ والشيطانَ والملائكةَ والآلهةَ من كل سلطان مستقل، ثم جعل الآخرة ضرورةً للعدل، حتى لا تنتهي آلامُ الدنيا ومظالمُها إلى عبث.
وهذا الحكم لا يقوم على تشابهٍ عارضٍ بين دينين — فالتشابه وحده لا يثبت اقتباسًا — بل على اجتماع أربعة أمور: أن الفكرة المانوية كانت موجودة قبل الإسلام بقرون، وأن مكة كانت متصلةً اتصالًا مباشرًا بالعالم الذي يتداولها، وأن ظرفًا سياسيًّا ودينيًّا قام يجعلها حديثَ العامة لا ترفَ الفلاسفة، ثم أن نسخةً عربية منها ظهرت في حجج قريش نفسها كما نقلها القرآن وردَّ عليها.
1. مكةُ لم تكن صحراءَ معزولة
لا يستقيم تفسير دين قريش بوصفه نتاجَ بادية مغلقة على نفسها. كانت مكة عقدةً في طريقٍ يصل اليمن بالشام والحيرة، تعيش من قوافلَ تعبر المجالات الحبشية والبيزنطية والفارسية وتعود. ولم يكن الإيلاف اتفاقًا تجاريًّا فحسب؛ لقد جمع القبائل في المواسم والأسواق، ففتح بابًا واسعًا لتبادل الأخبار والشعر والأنساب والعقائد. وقد أدرك فيكتور سحاب في دراسته «إيلاف قريش» أن الأمر أبعد من التجارة، فجعل للإيلاف صعيدين: «أولهما، صعيد خارجي يختصّ بتسلُّم العرب أزمّة الخطوط التجارية الدولية المارّة عبر ديارهم… واستعادة العرب لدور الوساطة التجارية. وثانيهما، صعيد داخلي يختصّ بالبذور التوحيدية التي تنشأ من مثل هذا الالتفاف حول المشروع العربي الواحد، واحتمالات تطوير أثره الفاعل في كل الميادين السياسية والثقافية والفكرية والاجتماعية».(١)
ويبيِّن أن حروب الفرس والروم كانت «العامل الأول في السياسة الدولية في القرون التي سبقت الإسلام»، وأن احتلال طرق التجارة العربية «كان يلبس لبوس الذرائع الدينية». فالتجارة والدين كانا في تلك القرون وجهين لعملة واحدة؛ ومن سار في الطريق حمل الاثنين معًا.
ولهذا لم تكن الحروب الكبرى خبرًا أجنبيًّا يمرُّ على أهل مكة. القرآن نفسه خاطبهم بخبر هزيمة الروم، ثم بانقلاب الغلبة:
﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾.(٢)
ولم يكن ذلك الصراع عسكريًّا مجردًا. الرومُ إمبراطورية مسيحية، وفارسُ إمبراطورية ذات دين وصراعٍ مذهبي طويل، وكان النصر والهزيمة يُقرآن في الأفواه بوصفهما امتحانًا لقوة الدين وربِّه. وفي زمنٍ كهذا يصير سؤال الخير والشر، والقدر، ومصدر الألم، حديثَ الناس على الطريق وفي السوق، لا مسألةً في مدرسة.
وكانت مكة مدينةَ سَمَر. يسمر القرشيون وضيوفهم بعد انقضاء التجارة، فتُتبادل الأخبار والقصص والحجج تحت النجم. وقد اتخذ الرسول مجالسهم تلك ميدانًا لدعوته، حتى وصف القرآن موقفهم فيها:
﴿مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ﴾.(٣)
وفي مجلسٍ كهذا لا تحتاج المانوية إلى كتابٍ يُترجَم ولا إلى داعيةٍ يُرسَل. تكفي جملة واحدة يعود بها تاجرٌ من الحيرة أو الشام أو اليمن: الإله الخيِّر لا يصنع الشر؛ للشرِّ أصلٌ آخر. جملة سهلة الحفظ، شديدة الجاذبية، تجيب في لحظتها عن موت الطفل ومرض البريء وهزيمة الصالح. الفكرة تنتقل أسرعَ من الطقس، ثم يعيد كل مجتمع تركيبها بلغته وكائناته المقدسة.
ما يرويه الأخباريون: طريق الحيرة
وإلى جانب ما يُستخرج من القرآن، تحفظ كتبُ الأخبار خبرًا صريحًا. يقول ابن قتيبة في باب أديان العرب في الجاهلية: «وكانت الزندقة في قريش، أخذوها من الحيرة».(٤) ويفصِّل ابن حبيب في «المحبَّر» فيعقد بابًا عنوانه «زنادقة قريش»، ويسمِّي فيه ثمانية من ساداتها: أبا سفيان بن حرب، وعقبةَ بن أبي معيط، وأُبيَّ بن خلف الجمحي، والنضرَ بن الحارث بن كَلَدة، ومُنبِّهًا ونُبيهًا ابنَي الحجاج السهميَّين، والعاصَ بن وائل السهمي، والوليدَ بن المغيرة المخزومي. ثم يختم بجملة حاسمة: «تعلَّموا الزندقة من نصارى الحيرة. فلم يُسلم منهم غير أبي سفيان».(٥)
وهذه القائمة ليست أسماءً عابرة؛ فهؤلاء هم رؤوس الخصومة في مكة، ومنهم من نزل فيه القرآن. والحيرة يومئذ مدينةٌ عربية تحت الظل الساساني، عامرة بالنصرانية والمانوية معًا، وبينها وبين مكة طريقُ تجارةٍ وقرابة.
على أن في نص ابن حبيب قيدًا يجب ألا يُطوى: قال «من نصارى الحيرة» لا من مانوييها. ولفظ «الزندقة» في الاستعمال المتقدم يدل على المانوية وما قاربها من الثنوية، لكن نسبة التعليم إلى النصارى تجعل الطريق مركَّبًا لا مفردًا: عربٌ من مكة يترددون على مدينةٍ عراقية تختلط فيها النصرانية بالمانوية، فيعودون بأفكارٍ لا بمذهبٍ منظَّم. وهذا يوافق تمامًا ما يدل عليه القرآن: أن الذي انتقل هو الفكرة لا المؤسسة.
فالخبر إذن يعضِّد ما استخرجناه من القرآن، وإن بقي الدليل الأقوى حججَ قريش المنقولة في سور الجدل المكي، فهي أوثق من كل رواية جاءت بعدها بقرون.
2. ما الذي أخذته قريشٌ من المانوية؟
أولًا: المانوية والزرادشتية — أهما دينٌ واحد؟
قبل الدخول في حجج قريش، يحسن أن يعرف القارئ ما هذان الاسمان، فالعنوان يجمعهما.
الزرادشتية أقدمهما، وهي دين فارس القديم، وتسمِّيها كتب المقالات الإسلامية «المجوس». يقول الشهرستاني: «أثبتوا أصلين اثنين، مدبِّرين قديمين؛ يقتسمان الخير والشر، والنفع والضر، والصلاح والفساد، يسمُّون أحدهما: النور والآخر الظلمة. وبالفارسية: يزدان وأهرمن».(٦)
وقد ضبط البغدادي دافع هذا المذهب في جملة واحدة، هي مفتاح الباب كله: «إن الأجسام نوعان: نور وظلمة، وأن الخير من النور والشر من الظلمة، وأن فاعل الخير والصدق لا يفعل الشر والكذب، وفاعل الشر والكذب لا يفعل الخير والصدق».(٧) فهي إذن ليست فلسفةً في الطبيعة، بل جوابٌ عن سؤال الألم.
والمانوية أحدثهما. تُنسب إلى ماني، وظهر في القرن الثالث الميلادي في العراق تحت الحكم الساساني. وهي أيضًا تقوم على أصلين: نورٍ وظلمة، «متضادَّين في النفس والصورة والفعل والتدبير»، ثم امتزجا فكان العالم. يقول الشهرستاني في تلخيص المذهب: «فما في العالم من منفعة وخير وبركة فمن أجناس النور، وما فيه من مضرَّة وشر وفساد فمن أجناس الظلمة».(٨) وغاية الوجود كله عنده أن تتخلص أجزاء النور من سجن الظلمة.
فهل هما شيء واحد؟ لا، وإن التقيا في العمود الفقري. يجمعهما جوابٌ واحد عن مشكلة الشر: أن للخير أصلًا وللشر أصلًا آخر، فلا يصدران عن فاعلٍ واحد. ويفترقان في أمرين:
- في قِدَم الأصلين — وهذا هو الفرق الجوهري. المانوية «أصحاب الاثنين الأزليَّين، يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان، بخلاف المجوس، فإنهم قالوا بحدوث الظلام». أما المجوس فـ«النور أزلي، والظلمة محدَثة»، أي إن أهرمن مخلوق حدث بعد أن لم يكن. فالزرادشتية أقرب إلى التوحيد، والمانوية ثنويةٌ خالصة.(٩)
- في الصلة بينهما. ماني نفسه عدَّ زرادشت نبيًّا مرسلًا إلى فارس، وجعل نفسه خاتم النبيين بعده. فالمانوية ترى نفسها وارثةً للزرادشتية لا خصمًا لها؛ ولهذا يقترن الاسمان في كلام أهل المقالات.(١٠)
فإذا جُمعت الفروق في سطور:
- الزرادشتية: أصلاها يزدان وأهرمن، والنور أزلي والظلمة محدَثة؛ مذهبٌ منظَّم له طقوسه.
- المانوية: أصلاها النور والظلمة، وكلاهما أزليان قديمان؛ مذهبٌ منظَّم له كتبه ومراتبه.
- النسخة القرشية: الله وحده الخالق، ثم الدهر والجن والشياطين للضرِّ والموت؛ فكرةٌ شعبية بلا مؤسسة ولا كتاب ولا طقس.
ويجمع الثلاثةَ دافعٌ واحد: تنزيه فاعل الخير عن أن يصدر عنه شر.
وهنا الجملة التي تختصر المقال كله. يصف البغدادي صنيع الثنوية والمجوس فيقول: «أضافوا اختراع جميع الخيرات إلى الله تعالى، وإنما أضافوا فعل الشرور إلى الظلمة وإلى الشيطان».(١١) فأمسك بهذه العبارة، ثم ضعها إلى جانب ما ستقرؤه بعد قليل من حجج قريش — وانظر كم بينهما من شبه.
والذي انتقل إلى مكة ليس هذا النظام المدرسي بتفاصيله. لم تسمع قريشٌ بأجناس النور الخمسة ولا بعمود الصبح. الذي انتقل هو الفكرة، مجرَّدةً من لغتها: أن الإله الخيِّر لا يصدر عنه الشر، فللشرِّ فاعلٌ آخر. وهذه جملةٌ لا تحتاج ديناً يُعتنق، بل تكفي مجالسة ليلة.
ثانيًا: النسخة التي أخذتها قريش
انتشرت هذه الفكرة شرقًا وغربًا انتشارًا سريعًا، وبقيت حيَّةً في المجال الفارسي والعربي إلى ما بعد الإسلام. وهي في نهاية أمرها جوابٌ عن سؤالٍ واحد: كيف يبقى الله خيِّرًا والضرُّ واقع؟
وهذا هو السؤال بعينه الذي وقفت أمامه قريش. فأخذت الجواب ولم تأخذ المؤسسة. لم تُسمِّ النورَ والظلمة باسميهما المانويين، ولا يزدان وأهرمن في صيغتهما الفارسية، ولم تبنِ للظلمة معبدًا في مكة، ولم تتعلم صومًا مانويًّا ولا مراتبَ «الصدِّيقين» و«السماعين». أبقت الله خالقًا أعلى، ثم فصلت عنه بهدوءٍ كلَّ فعلٍ يسوء الإنسان.
وكانت النسخة القرشية أوسعَ مرونةً من الأصل المدرسي، وأشدَّ التصاقًا بحياة الناس:
- الحياةُ والرزقُ والخير من الله.
- الموتُ والهلاك من الدهر.
- الشرورُ الخفية والسحر والإضلال من الجن والشياطين.
- الملائكةُ والآلهة قوًى قريبة تشفع وتحمي، وقد تغضب فتعاقب.
- المصيبةُ التي تصيبهم مع محمد من شؤمه أو من دينه الجديد.
- المالُ والأمن والنجاح علاماتُ رضا الإله الأعلى عن دين مكة.
هذه مانويةٌ عربية شعبية. وليست ساذجةً كما قد يُحسب؛ بل هي من أيسر الفلسفات على فطرةٍ لا تتأمل. ما سرَّ الإنسانَ نسبه إلى الإله الخيِّر، وما آلمه التمس له شيطانًا أو عينًا أو نحسًا أو طبيعةً عمياء. وما زالت هذه العقلية تجري على ألسنة الناس اليوم، حتى على ألسنة من يحسبون أنفسهم قد تجاوزوا الخرافة.
3. دينٌ قويٌّ، لا عبادةَ أحجارٍ ساذجة
كانت قريش تُقرُّ بأن الله خلق السماوات والأرض، وسخَّر الشمس والقمر، وأنزل الماء، وخلق البشر، وأنه يرزق من السماء والأرض، ويملك السمع والأبصار، ويخرج الحيَّ من الميت والميتَ من الحي، ويدبِّر الأمر. وتُقرُّ بأن له الأرضَ والسماواتِ والعرش، وأن بيده ملكوتَ كل شيء، وأنه يُجير ولا يُجار عليه.(١٠)
فلم يكن الخلاف على وجود الله ولا على علوِّه، بل على كيف يُدار العالم تحته. جعلته قريش خالقًا أعلى بعيدًا، ثم ملأت المسافة بينه وبين الإنسان بكائناتٍ ووظائف: ملائكةٍ مؤنَّثة زعموها بناتٍ له، وآلهةٍ تقرِّبهم إليه زلفى، وشفعاءَ يكشفون الضرَّ أو يخففونه، وجنٍّ يعوذ بهم الرجال، وشياطينَ تفسِّر الشرَّ والوحيَ المرفوض، ودهرٍ يحمل عنهم مسؤولية الموت.
ومن هنا كان توحيد محمدٍ أخطرَ بكثير من عبارة «الله واحد». إنه يُلغي الإدارات الكونية التي وزَّعوها على تلك الكائنات، ويردُّ الضرَّ والرحمة والموت والحياة والعقاب إلى مشيئةٍ واحدة. ولهذا جاء تعجُّبهم في صيغةٍ لا تُفهم إلا على هذا الوجه:
﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ﴾.(١١)
لم يتعجَّبوا من عددٍ اسمه واحد. تعجَّبوا من تركيز وظائف الكون كلها في يدٍ واحدة. فإذا بطل الوسيط لم يبقَ من يُجير من الله، وإذا بطل الدهر صار الله هو المميت، وإذا بطل سلطان الشيطان صار الإنسان مسؤولًا عن استجابته، وإذا ثبت البعث صار نجاح مكة الدنيوي حكمًا مؤقتًا لا شهادةَ نجاة.
4. القرآن ينسب الضرَّ إلى الله صراحةً
لم يقبل القرآن تنزيهًا يقوم على إخراج الضر من سلطان الله. قال إن الله إذا مسَّ الإنسان بضرٍّ فلا كاشف له إلا هو، وإنه يبلو الناس بالشر والخير فتنة، وإنه خلق الموت والحياة ليبلوهم أيهم أحسن عملًا.(١٢)
وليس معنى ذلك أن الله يأمر بالفحشاء أو يرضى الظلم. القرآن يفرِّق تفريقًا حاسمًا بين الضرِّ الواقع في نظام الابتلاء والجزاء وبين الشرِّ الأخلاقي الذي يكسبه الإنسان. فالمرض والموت والغرق والهزيمة لا تقع خارج الملك، أما الكذب والظلم والخيانة فأعمالٌ يكسبها البشر ويُحاسَبون عليها.
وهنا تظهر ثمرة المسألة كلها. إذا كان الضرُّ من الله لم يعد ضربةَ حظ؛ فقد يكون امتحانًا، أو أثرًا لقانونٍ أخلاقي، أو عقوبةً على فعل. عندئذٍ يسأل المصابُ نفسه: ماذا صنعتُ؟ وما الذي يجب أن أصلحه؟ أما إذا نُسب الشرُّ إلى الدهر أو الجن أو قوةٍ مظلمة مستقلة، فقد صار حادثًا بلا معنًى ولا مسؤولية، وصار العلاج استرضاءَ الوسيط أو انتظارَ تبدُّل الحظ.
5. الدهر: المتهم الذي حمَّلوه الموت
تجمع سورة الجاثية القضية كلها في نسقٍ متتابع. تُنكر أولًا التسوية بين المحسن والمسيء:
﴿أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَلِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾.(١٣)
ثم تعرض قولهم:
﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.(١٤)
ثم يأتي الردُّ في جملةٍ واحدة:
﴿قُلِ ٱللَّهُ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يَجۡمَعُكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾.(١٥)
قولهم «وما يهلكنا إلا الدهر» ليس وصفًا بريئًا لمرور الزمن. إنه موقفٌ عقدي كامل: الله يمنح الحياة والخير، وأما الذي يُهلك فشيءٌ آخر اسمه الدهر. فردَّ القرآن الفعلين إلى فاعلٍ واحد — الله يُحيي، ثم الله يُميت — وأضاف الفعل الذي يهدم عبث الدورة من أساسها: ثم يجمعكم.
ولاحظ ترتيب السورة: جاءت مقارنةُ المحسن بالمسيء قبل نقل مقالتهم. وهذا الترتيب هو المفتاح. فإذا مات الجميع بفعل الدهر ولا جمعَ بعده، انتهى المظلوم والظالم إلى مصيرٍ واحد، وصارت القوة هي الحَكَم الأخير. أما إذا كان الله هو المميت ثم الجامع، فالموت انتقالٌ إلى القضاء، لا إغلاقٌ للملف.
6. «نموت ونحيا»: نحن، لا أجيالنا
قالوا:
﴿إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ﴾.(١٦)
وفاعل «نموت» هو فاعل «نحيا»: نحن. لم يقولوا نموت وتحيا ذريتنا، ولم يتحدثوا عن جيلٍ يذهب وجيلٍ يجيء. ثم قدَّموا الموت على الحياة، فدلَّ نظم كلامهم على تصوُّرٍ لحياةٍ تعود بعد الموت داخل سلسلة الدنيا نفسها.
وهذا هو القدر الذي يُثبته النص ولا يزيد: كانوا يُثبتون عودةً إلى حياةٍ دنيوية، ويُنكرون البعث. أما تفاصيل انتقال النفس، والجسم الذي تحلُّ فيه، ومدة الدورة، فلم يحفظها القرآن، ولا حاجة إلى اختراعها؛ لأن الفرق بين العقيدتين يظهر بدونها. فالحياة التي يثبتونها امتدادٌ للدنيا يعودون فيها إلى مثل ما كانوا عليه. أما البعث الذي أنكروه فهو — في وصف القرآن له — إخراجٌ من القبور وجمعٌ إلى موقف الحساب؛ وهذا الوصف هو الذي رفضوه بقولهم «وما نحن بمبعوثين»، فأنكروا الجمع والحساب، ولم ينكروا عودةً إلى الدنيا.
ولهذا أتبعوا «نموت ونحيا» بقولهم «وما نحن بمبعوثين». ولو كانت الحياة التي يثبتونها هي البعثَ نفسه لتناقض كلامهم في نَفَسٍ واحد. لكنها عندهم دورةُ حياة، والبعثُ إرسالٌ وجمعٌ ومسؤولية. وقد كشف القرآن الدافع الحقيقي: أن الإنسان يريد أن يفجر أمامه، ويحب العاجلة ويذر الآخرة، ويحسب أن يُترك سدًى.(١٧)
فالنزاع إذن ليس عن قدرة الله على جمع العظام وتسويتها. النزاع عن غاية العودة. قريشٌ تقبل حياةً لا تحاسبها، وترفض بعثًا يسوقها إلى محكمة.
7. الآلهة والملائكة: جهاز شفاعةٍ وحمايةٍ وعقاب
قالوا عن معبوداتهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. ولم يزعموا قط أن اللات خلقت السماء؛ إنما جعلوها قوةً مقرِّبة تقف بين الإنسان وبين الله.(١٨)
ويكشف سؤال القرآن الوظيفةَ العملية لهذا الوسيط في كلمتين: كشفُ الضر وإمساكُ الرحمة.
﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ﴾.(١٩)
على أن هذا الجهاز لم يكن لجلب الخير وحده. الكائن الذي يُرجى نفعُه يُخشى ضرُّه، فيُسترضى بالذبيحة والنَّصْب والسجود. ولسنا نملك صورةً كاملة لطقوس دفع العقاب عند قريش — أكان بقربان، أم بطقسٍ خاص، أم بسجودٍ عند الصنم الذي يمثل الملَك — لكن كثرة الذبائح والأنصاب والشفاعة تدل على أن العلاقة لم تكن محبةً مجردة، بل إدارةً للخوف والرجاء معًا.
وجاء الرد القرآني قاطعًا لكل خيطٍ في هذه الشبكة: لا يملكون مثقال ذرة، ولا شركةَ لهم في الملك، ولا يُعينون الله، ولا يشفعون إلا بإذنه. وحين تُسأل الملائكةُ يوم الحشر عن عبادة هؤلاء لها، تتبرأ وتقول إن القوم كانوا يعبدون الجن، ثم يُختم الأمر بأن بعضهم لا يملك لبعضٍ نفعًا ولا ضرًّا.(٢٠)
ولهذا كانوا يشمئزُّون إذا ذُكر الله وحده، ويستبشرون إذا ذُكر مَن دونه.(٢١) لم يكونوا يكرهون الله؛ كانوا يكرهون إلغاء الشبكة. فـ«الله وحده» تعني ألا كاشفَ لضرٍّ أراده، ولا شفيعَ مستقلًّا يُلجأ إليه، ولا قوةَ يُحتمى بها من حكمه.
8. الشيطان ليس إلهَ الشر
للعقيدة المانوية خدمةٌ تقدِّمها للشيطان من حيث لا يُنتبه: إنها تُبعد الله عن حياة الإنسان. فإذا قيل إن الله صنع العالم ثم تركه يعمل وحده، وإن الشر يأتي من كائناتٍ أخرى، لم يعد للإنسان معنًى في أن يدعو الله أو يستهديه؛ بل يلتفت إلى الكائن الأقرب الذي يحسبه متدخلًا. وهكذا تنبت الوسائط، ويُنسى الربُّ لأنه — في التصور — لا يجيب ولا يتدخل.
والقرآن لا ينكر الشيطان، لكنه يحطِّمه بوصفه سلطانًا كونيًّا. ففي المشهد الأخير يقف إبليس خطيبًا:
﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ﴾.(٢٢)
فهو لا يخلق شرًّا ولا يُكره أحدًا. يدعو، والإنسان يستجيب. وتؤكد سبأ المعنى نفسه: صدَّق إبليسُ عليهم ظنه، ولم يكن له عليهم من سلطان.(٢٣) وبهذا تعود المسؤولية إلى صاحبها؛ فلا يستطيع أحدٌ أن يُلقي جريمته على قوة ظلامٍ قهرته.
بل إن الاستعاذة نفسها إعلانٌ عن ميزان السلطان: الله هو الملجأ من الشيطان، ومن كان يُستعاذ منه بغيره فليس ندًّا لمن استُعيذ به. إنه عدوٌّ داخل المملكة، لا صاحبُ مملكةٍ مقابلة.
9. الجنُّ ومصدر الوحي المرفوض
كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجن، وجعل المشركون الجنَّ شركاء لله، وزعموا بين الله وبين الجنة نسبًا. ومن هذا الأصل خرج تفسيرهم للقرآن المخالف لدينهم: سحرٌ، أو كهانة، أو جنون؛ والرسول عندهم مسحورٌ أو شاعرٌ أو كاهن.(٢٤)
فردَّ القرآن على أصل التصور لا على الشتيمة وحدها: ما تنزَّلت به الشياطين، وما ينبغي لهم وما يستطيعون، وإنهم عن السمع لمعزولون. ثم جاء حرس السماء في الصافات والجن ليقطع الطريق على الاعتقاد بأن الوحي خبرٌ سرقه جنيٌّ من الملأ الأعلى.(٢٥)
وفي أواخر سورة الجن يُنطَق الرسول نفسه بأدقِّ ما في الباب:
﴿قُلۡ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا رَشَدٗا قُلۡ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٞ وَلَنۡ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدًا﴾.(٢٦)
لا رسولٌ ولا مَلَكٌ ولا جنيٌّ يُجير من الله. وهنا تسقط المسافة المانوية كلها: حتى حاملُ الوحي لا يملك ضرًّا ولا رشدًا استقلالًا، ولا يجد من دون الله ملتحدًا.
10. لماذا رفضوا رسولًا بشرًا؟
إذا كان الإله الأعلى بعيدًا عن العالم، فمن المعقول — في منطقهم — أن ينزل كلامه على مَلَك، أو على رجلٍ من ذوي المنازل يليق قدره بجلال المرسِل. أما رجلٌ يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، فاختياره يهدم الهرمَ الديني والاجتماعي معًا.
قالوا:
﴿وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا﴾.(٢٧)
وقالوا: أبعث الله بشرًا رسولًا؟ ولولا نُزِّل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم! وأأُنزل عليه الذكر من بيننا؟(٢٨)
ولم تكن هذه أسئلةً عن الدليل. كانت دفاعًا عن ترتيب العالم كما يعرفونه. فإذا اتصل الله مباشرةً برجلٍ من عامة السوق، سقط احتكارُ الملأ للقرب، وبطلت ضرورة الوسطاء، وصار الفقير قادرًا على حمل كلامٍ يعلو كلام الغني.
11. الأنثى والملائكة: فضيحة التنزيه المزعوم
زعموا أن الملائكة إناث، وأنهنَّ بنات الله، ثم كانوا يكرهون الأنثى لأنفسهم:
﴿وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ﴾.(٢٩)
ثم يمضي القرآن إلى ما هو أفضح: إنهم يجعلون لله ما يكرهون، وتصف ألسنتهم الكذبَ أن لهم الحسنى، وأن الشيطان زيَّن لهم أعمالهم.(٣٠) كانوا يرون أنفسهم أصحابَ الدين الأفضل، فاحتفظوا لأنفسهم بالذكر والمال والجاه، ثم أعطوا الله الأنثى التي يستثقلونها، وسمَّوا ذلك تعظيمًا.
وجاء الرد من أصل الخلق لا من باب الأدب: الله خلق الزوجين الذكر والأنثى. فلا الذكرُ صنعةُ الأب، ولا الأنثى شرٌّ تسلَّل إلى البيت من قوةٍ مظلمة، ولا الأمُّ متهمةٌ في جنس جنينها. كلاهما قرارُ الخالق وحده.
12. سورة النجم: استردادُ الأفعال كلها
ليست سورة النجم مواعظَ متفرقة جُمعت في نسق. تبدأ بإثبات مصدر الوحي، ثم تهدم اللات والعزى ومناة، ثم تنقض قسمة الذكر والأنثى، ثم تعلن أن لله الآخرة والأولى، ثم تُبطل شفاعة الملائكة وتربط تأنيثهم بإنكار الآخرة، ثم تقرر أن كل امرئ يحمل عمله وحده. وبعد ذلك كله تأتي سلسلة «وأنه هو».(٣١)
﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلۡمُنتَهَىٰ وَأَنَّهُۥ هُوَ أَضۡحَكَ وَأَبۡكَىٰ وَأَنَّهُۥ هُوَ أَمَاتَ وَأَحۡيَا وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰ مِن نُّطۡفَةٍ إِذَا تُمۡنَىٰ وَأَنَّ عَلَيۡهِ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰ وَأَنَّهُۥ هُوَ أَغۡنَىٰ وَأَقۡنَىٰ وَأَنَّهُۥ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعۡرَىٰ وَأَنَّهُۥٓ أَهۡلَكَ عَادًا ٱلۡأُولَىٰ وَثَمُودَاْ فَمَآ أَبۡقَىٰ وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ هُمۡ أَظۡلَمَ وَأَطۡغَىٰ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَةَ أَهۡوَىٰ فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ﴾.(٣٢)
اقرأها بوصفها قائمةَ استردادٍ لوظائفَ كانت موزَّعة، وسترى المقابلة بندًا ببند:
- الضحك والبكاء منه، لا من حظٍّ يبتسم ويعبس.
- الموتُ والحياة منه، لا الحياةُ لله والموتُ للدهر.
- الذكرُ والأنثى خلقُه، لا فضلَ ذاتيًّا لأحدهما ولا عارَ في الآخر.
- النشأة الأخرى عليه، لا دورةٌ تتكرر بلا حساب.
- الغنى والاقتناء منه، فلا المال برهانُ نجاة.
- الشِّعرى مربوبةٌ له، لا قوةٌ سماويةٌ مستقلةٌ تُعبد.
- إهلاكُ الأمم فعلُه، فلا يخرج الدمار من سلطانه بحجة التنزيه.
13. «لو شاء الرحمن»: موافقةُ الخير لا نسبةُ الشر
احتجُّوا فقالوا: لو شاء الله ما أشركنا، ولو شاء الرحمن ما عبدناهم.(٣٣) وقد يُحسب أن هذا اعترافٌ منهم بأن الله يفعل الشر. وليس كذلك؛ لأنهم لم يعدُّوا عبادتهم شرًّا أصلًا. رأوها دينًا حسنًا رضيه الله، واستدلوا على رضاه ببقائها ونجاح مكة عليها.
وكذلك حين قالوا عن الفاحشة إنهم وجدوا عليها آباءهم وإن الله أمرهم بها، لم يكونوا يقرُّون بفحشها ثم ينسبونها إليه. القرآن هو الذي سمَّاها فاحشة؛ أما هم فسمَّوها أمرًا دينيًّا موروثًا.(٣٤)
وهنا يتضح الخط الفاصل: قريشٌ تنسب إلى الله ما تسميه خيرًا، وتُبعد عنه ما تسميه ضرًّا. والقرآن يُثبت أن الضر والابتلاء والموت في سلطانه، وينفي في الوقت نفسه أن يأمر بالفحشاء أو يظلم أحدًا.
14. الفطرةُ عند الشدة لا تصنع عقيدة
إذا ركبوا في الفلك واشتد الموج دعوا الله مخلصين له الدين، فإذا نجَّاهم إلى البر عادوا إلى شركهم.(٣٥) وهذا رجوعٌ فطري لا يصلح دليلًا على أنهم كانوا يحملون نظرية التوحيد القرآني. الإنسان في لحظة الغرق يترك جدله ويستغيث بأعلى قوةٍ يعرفها، ثم يعود بعد النجاة إلى ثقافته ووسطائه.
وهنا ينكشف مقصدهم من القسمة كلها: التملُّص من المسؤولية الاجتماعية. فهم يلعبون على الوجهين معًا. إذا نزلت المصيبة نسبوها إلى الدهر والجن والحظ، حتى لا يُسألوا عن ذنبٍ ولا يُطالَبوا بإصلاح. وإذا طولبوا بالإنفاق على الفقير نسبوا فقره إلى الله، وقالوا: ﴿أَنُطۡعِمُ مَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطۡعَمَهُۥٓ﴾ — أي إن الله أفقره فلا يجوز لنا نقض حكمه!(٣٦) فهم ينزِّهون الله عن الشر حين يخدمهم التنزيه، ويحتجُّون بمشيئته حين تخدمهم المشيئة. والقرآن لا يقبل الحجتين، ويلزمهم بالإنفاق ولا يعذرهم. أما الباعث الحقيقي تحت الاحتجاجين، فهو ما كشفته سورة القيامة: ﴿بَلۡ يُرِيدُ ٱلۡإِنسَٰنُ لِيَفۡجُرَ أَمَامَهُۥ﴾؛ يريد أن يمضي في شهوته بلا حساب، فيبحث عن عقيدةٍ تُعفيه.
فالمال إذن ليس حركةً عمياء، والدنيا لم تُترك سُدًى. من رزقه الله فهو مسؤول عن المحتاج، وعملُه سببٌ في دوام الخير واتساعه. وسورة هود تكشف القانون في طرفيه: السيئاتُ أعمالٌ يعملها الإنسان فتجلب عليه السوء، والحسناتُ التي يقدِّمها إلى الناس تُذهب عنه تلك السيئات؛ ﴿إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ﴾. فالبرُّ والصدقة ليسا زينةً أخلاقية، بل دخولٌ في قانونٍ يرفع الضر، كما أن الظلم والإمساك دخولٌ في قانونٍ يجلبه.(٣٧)
وهكذا يعيد القرآن المسؤولية إلى موضعها مرتين: المصابُ يراجع طريقه، والقادرُ ينفق. أما العقلية المانوية فتريح الطرفين معًا: المصيبة من قوة شرٍّ أو من حظ، والغنيُّ غير مطالَبٍ بإصلاحها.
15. المال والأمن والحرم: براهين دينهم
كان لدين قريش برهانه المادي الملموس: مكة آمنة، والتجارة رابحة، والحاجُّ يفد، والملأ أكثر أموالًا وأولادًا. قالوا: إن نتبع الهدى معك نُتخطَّف من أرضنا. وقالوا: نحن أكثر أموالًا وأولادًا وما نحن بمعذبين. واعترضوا على نزول القرآن على رجلٍ ليس من عظماء القريتين.(٣٨)
وقد بقي هذا المنطق حيًّا فيهم حتى بعد الهجرة، حين نزل يوازن بين سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وبين الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد؛ فالآية مدنيةٌ في زمنها، لكن المفاخرة التي تردُّها مكيةُ النشأة قرشيةُ المنبت.(٣٩) فلم يكن دينهم مجموعة خرافاتٍ هزيلة؛ كان مؤسسةً تنتج الأمن والتجارة والمرتبة والهوية. ولذلك قرؤوا نجاحه دليلَ رضا الإله الأعلى، وقرؤوا دين محمدٍ خطرًا يجلب الانقسام والخسارة، ثم ينسب الضر إلى الله، ثم يهدد بحسابٍ جديد لم يكن في حسابهم.
وبلغ من ثقتهم أن زعموا أنهم لو أوتوا الكتاب لكانوا أهدى من أهل الكتاب، وأقسموا لئن جاءهم نذيرٌ ليكوننَّ أهدى من إحدى الأمم، ثم قارنوا القرآن بما أوتي موسى، واعترضوا على المتلقِّي لا على الرسالة.(٤٠) وهذه لغة قومٍ لهم دينٌ يفخرون به، لا لغة قومٍ ينتظرون من يعلمهم أن الله موجود.
16. لماذا قاوموا البعث؟
لأن كل شيءٍ يتغير به. إذا نُسب الضرُّ إلى الله دخلت الحادثة في معنى الامتحان والجزاء، وإذا ثبت البعث دخلت في محكمة. أما إذا كان الموت من الدهر والشرُّ من كائناتٍ أخرى، فالمصائب ضرباتُ حظٍّ لا تحمل سؤالًا أخلاقيًّا ولا تنتظر جوابًا.
ولهذا ربطت الجاثية بين إنكار البعث وتسوية المحسن بالمسيء. ولهذا قالت القيامة إن الإنسان يريد أن يفجر أمامه، ويحسب أن يُترك سدًى. فالبعث الذي أنكروه أكبر من إحياء جسم؛ هو إرسال الشخص نفسه إلى مهمة الحساب.
وسخريتهم المتكررة — متى هذا الوعد؟ — وطلبهم تعجيل نصيبهم قبل يوم الحساب، لم يكونا سؤالًا عن موعد. كانا دفاعًا عن عالمٍ لا محكمة بعده.(٤١)
وتأمَّل الفرق: عقيدة الحياة الدنيوية المتكررة تمنح صاحبها جولةً أخرى، لكنها لا تستدعيه أمام ضحاياه. أما البعث القرآني فيوقف الدورة، ويجمع الأولين والآخرين، ويجعل كل نفسٍ ترى ما عملت.
17. حلُّ القرآن لمشكلة الشر
المعضلة التي وقفت أمامها قريشٌ هي المعضلة التي يرفعها الملحد اليوم بحرفها: كيف يكون الله خيِّرًا ثم يموت إنسانٌ بالسرطان، ويغرق آخر، ويحترق طفل، وينجو ظالم؟
الحلُّ المانوي سهلٌ ومريح: الله للخير، والمرض والموت من الطبيعة أو الشيطان أو قوة شرٍّ مستقلة. فتَسلَم صورةُ الإله، لكن يُقسَم سلطانه، وتضيع المسؤولية، ويبقى المظلوم بلا قضاءٍ أخير.
أما القرآن فيقبل تبعة التوحيد كاملةً غير منقوصة:
- لا سرطانَ ولا غرقَ ولا موتَ يقع في مملكةٍ خارجةٍ عن سلطان الله.
- الله لا يأمر بالفحشاء ولا يظلم؛ فالضر الكوني غير الشر الأخلاقي.
- الشيطان عدوٌّ داخل المملكة لا صاحبُ مملكة، ولا يملك على أحدٍ إكراهًا.
- المصيبة ليست حكمًا أخيرًا على قيمة الإنسان، والغنى ليس شهادةَ نجاة.
- الدنيا ابتلاء، والآخرة هي التي تمنع أن ينتهي الألم إلى عبث.
ثم إن الدنيا نفسها لم تُترك عبثًا للأقوياء. فيها قوانين تعمل قبل يوم الحساب: من عمل الصالحات تيسَّرت حياته وانشرح صدره ولو قلَّ ماله، ومن أساء وأمسك ولم ينفق ضاقت معيشته ولو كثر ماله؛ ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا﴾. فالغنى وحده لا يشتري الطمأنينة، والفقر وحده لا يُغلق باب السَّعة. وهذا هو الفرق بين عالمٍ محكومٍ بقانونٍ أخلاقي وعالمٍ متروكٍ لمن يملك القوة.(٤٢)
والأحوال بعد ذلك متقلبة لا ثابتة: يتحول الإنسان من فقرٍ إلى غنًى ومن غنًى إلى فقر، بحسب اتباعه للقانون أو مخالفته له. فمن اتقى ووصل رحمه وأنفق جعل الله له مخرجًا ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن بغى وقطع ومنع سُلبت البركة من يده وهو يظن ماله كثيرًا. فالحال الحاضرة ليست حكمًا نهائيًّا على أحد، بل موقعٌ في قانونٍ يتحرك.
فالقرآن لا يُنزِّه الله بإعلان عجزه عن نصف العالم، بل ينزِّهه عن الظلم مع إثبات سلطانه على العالم كله. ولا يجعل الشيطان شمَّاعةً لجرائم البشر، بل يردُّه داعيًا بلا سلطان. ولا يجعل الموت نهاية القصة، بل بدايةَ الحساب.
الخاتمة: اقتباسٌ مانويٌّ صاغته مكةُ بطريقتها
لم تخترع قريشٌ حلَّها لمشكلة الشر في فراغ. كانت مكة قلبًا تجاريًّا ينبض في لحظة صراعٍ إمبراطوري وديني هائل: تسمع أخبار فارس والروم، وتصل الحيرة واليمن والشام، وتستقبل القبائل والوفود، وتسمر بالدين والسياسة والقصص. وفي هذا المناخ التقطت من المانوية أشدَّ أفكارها بساطةً وجاذبية: أن الخيِّر لا يصدر عنه الشر.
ثم عرَّبت الفكرة. جعلت الله الخالق الأعلى للخير، والدهرَ للموت، والجنَّ والشياطينَ للشر والخبر الخفي، والآلهةَ والملائكةَ وسائطَ للشفاعة والحماية والعقاب. واحتفظت لنفسها بالمال والأمن والذكور والحسنى، ثم رأت في نجاح مكة برهانًا على تفوق دينها.
ولهذا جاء الرد القرآني موزَّعًا على كل موضعٍ وزَّعت فيه قريشٌ سلطان الكون:
- الدهرُ لا يُهلك؛ الله يُحيي ثم يُميت ثم يجمع.
- الشيطانُ لا سلطان له؛ يدعو والإنسان يستجيب.
- الجنُّ لا يحمون ولا يسرقون الوحي.
- الملائكةُ والآلهة لا تملك نفعًا ولا ضرًّا ولا شفاعةً مستقلة.
- الذكرُ والأنثى كلاهما خلق الله.
- الغنى والفقر ليسا حكم كرامةٍ ولا إهانة؛ إنما هما اختبارٌ مؤقت، والحال تتبدل بتبدل العمل.
- الرسولُ لا يبطل لأنه بشرٌ يمشي في الأسواق.
- الحياةُ لا تدور عبثًا؛ تنتهي إلى بعثٍ وحساب.
وهذا هو سرُّ السلسلة الحاسمة في سورة النجم: هو أضحك وأبكى، وهو أمات وأحيا، وهو خلق الذكر والأنثى، وعليه النشأة الأخرى، وهو أغنى وأقنى، وهو أهلك. ليست صفاتٍ مبعثرة جُمعت للتسبيح؛ إنها إعلانُ استردادٍ لكل فعلٍ وزَّعته عقيدة قريش على القوى. وقد صُدِّرت السلسلة بأن المنتهى إلى الرب وحده، ثم خُتمت بإهلاك الأمم الغابرة، فبدأت بالغاية وانتهت بالقدرة.
فقريشٌ إذن كانت مانويةً باقتباسٍ وتحويل، لا بمجرد تشابه. أخذت من المانوية حلَّها لمشكلة الشر، وخلطته بدين الملائكة والجن والشفاعة والدهر، فبنت منه عقيدةً قويةً تحمي صورتها عن الله وتحمي مصالح مكة في وقتٍ واحد. فجاء الإسلام في قلب ذلك الجدل ليقول كلمةً واحدة: ليس ثمة إلهٌ للخير يقابله سلطانٌ للشر، ولا طبيعةٌ عمياء تُخرج الموت من يد الله. الأمرُ كله لله، والإنسانُ مسؤول، والآخرةُ هي التي تُكمل الصورة وتُظهر العدل تامًّا.
هذا، والله جلَّ جلاله أعلم.
الحواشي والمصادر
- (١)فيكتور سحاب، «إيلاف قريش: رحلة الشتاء والصيف»، المركز الثقافي العربي – بيروت، الطبعة الأولى 1992، ص 99 (مطلع الفصل الثالث: «الأحوال الدولية في القرن السادس»)؛ وانظر ص 33 و86 و115. ↩
- (٢)القرآن الكريم، سورة الروم، الآيات 2-5. ↩
- (٣)القرآن الكريم، سورة المؤمنون، الآية 67. ↩
- (٤)ابن قتيبة، «المعارف»، ج1 ص 621، باب «أديان العرب في الجاهلية»؛ ونصه: «وكانت الزندقة في قريش، أخذوها من الحيرة». ↩
- (٥)محمد بن حبيب البغدادي، «المحبَّر»، ص 161-162، باب «زنادقة قريش»؛ وفيه تسمية الثمانية، وقوله: «تعلَّموا الزندقة من نصارى الحيرة. فلم يُسلم منهم غير أبي سفيان». ↩
- (٦)الشهرستاني، «الملل والنحل»، مؤسسة الحلبي، ج2 ص 37 (تمهيد باب المجوس). ↩
- (٧)عبد القاهر البغدادي، «الفرق بين الفرق»، دار الآفاق الجديدة – بيروت، 1977 ص 315. ↩
- (٨)الشهرستاني، «الملل والنحل»، مؤسسة الحلبي، ج2 ص 49 و52 (الفصل الثاني: الثنوية/المانوية). وانظر الماتريدي، «التوحيد»، دار الجامعات المصرية، تحقيق فتح الله خليف، ص 156، في امتزاج النور والظلمة؛ والفخر الرازي، «اعتقادات فرق المسلمين والمشركين»، ص 88. ↩
- (٩)الشهرستاني، «الملل والنحل»، مؤسسة الحلبي، ج2 ص 38 (المجوس: النور أزلي والظلمة محدثة) وص 49 (المانوية: أزليان قديمان). ↩
- (١٠)علي عبد الفتاح المغربي، «الفرق الكلامية الإسلامية: مدخل ودراسة»، مكتبة وهبة – القاهرة، الطبعة الثانية، ص 66، نقلًا عن القاضي عبد الجبار في «المغني» ج5؛ وفيه أن ماني جعل زرادشت مبعوثًا إلى فارس، وجعل نفسه خاتم النبيين. ↩
- (١١)عبد القاهر البغدادي، «الفرق بين الفرق»، دار الآفاق الجديدة – بيروت، 1977 ص 260. وانظر أيضًا ص 268 وص 348 في وصف الثنوية، وص 320-321 في يزدان وأهرمن. ↩
- (١٢)القرآن الكريم: الأنعام 17؛ يونس 107؛ الأنبياء 35؛ الملك 2. ↩
- (١٣)القرآن الكريم، سورة الجاثية، الآيتان 21-22. ↩
- (١٤)القرآن الكريم، سورة الجاثية، الآية 24. ↩
- (١٥)القرآن الكريم، سورة الجاثية، الآية 26. ↩
- (١٦)القرآن الكريم، سورة المؤمنون، الآية 37. وانظر الجاثية 24. ↩
- (١٧)القرآن الكريم، سورة القيامة، الآيات 5-6 و20-21 و36-40. ↩
- (١٨)القرآن الكريم: يونس 18؛ الزمر 3. ↩
- (١٩)القرآن الكريم، سورة الزمر، الآية 38. وانظر يس 23. ↩
- (٢٠)القرآن الكريم: سبأ 22-23 و40-42. ↩
- (٢١)القرآن الكريم، سورة الزمر، الآية 45. ↩
- (٢٢)القرآن الكريم، سورة إبراهيم، الآية 22. ↩
- (٢٣)القرآن الكريم، سورة سبأ، الآيتان 20-21. وانظر النحل 98-100؛ الإسراء 65؛ فاطر 6. ↩
- (٢٤)القرآن الكريم: الأنعام 100؛ الحجر 6؛ الإسراء 47؛ الأنبياء 3-5؛ الفرقان 8؛ الصافات 158؛ الطور 29؛ الجن 6؛ الحاقة 42. ↩
- (٢٥)القرآن الكريم: الشعراء 210-212؛ الصافات 8-10؛ الجن 8-9؛ التكوير 25. ↩
- (٢٦)القرآن الكريم، سورة الجن، الآيتان 21-22. ↩
- (٢٧)القرآن الكريم، سورة الفرقان، الآيتان 7-8. ↩
- (٢٨)القرآن الكريم: الإسراء 90-95؛ ص 8؛ الزخرف 31؛ المدثر 52. ↩
- (٢٩)القرآن الكريم، سورة النحل، الآيتان 57-58. ↩
- (٣٠)القرآن الكريم، سورة النحل، الآيتان 62-63. وانظر الإسراء 40؛ الصافات 149-158؛ الزخرف 16-20؛ النجم 19-28. ↩
- (٣١)القرآن الكريم، سورة النجم، الآيات 1-41. ↩
- (٣٢)القرآن الكريم، سورة النجم، الآيات 42-54. ↩
- (٣٣)القرآن الكريم: الأنعام 148؛ النحل 35؛ الزخرف 20. ↩
- (٣٤)القرآن الكريم، سورة الأعراف، الآية 28. ↩
- (٣٥)القرآن الكريم، سورة العنكبوت، الآية 65. ↩
- (٣٦)القرآن الكريم، سورة يس، الآية 47. ↩
- (٣٧)القرآن الكريم، سورة هود، الآيتان 10 و114. ↩
- (٣٨)القرآن الكريم: القصص 57؛ سبأ 35؛ فصلت 50؛ الزخرف 31؛ الفجر 15-16. ↩
- (٣٩)القرآن الكريم، سورة التوبة، الآية 19. ↩
- (٤٠)القرآن الكريم: الأنعام 156-157؛ القصص 48-50؛ فاطر 42-43؛ ص 7-8؛ الأحقاف 11. ↩
- (٤١)القرآن الكريم: يونس 48؛ الأنبياء 38؛ النمل 71؛ السجدة 28؛ سبأ 29؛ يس 48؛ ص 16؛ الملك 25. ↩
- (٤٢)القرآن الكريم، سورة طه، الآية 124. وانظر النحل 97؛ الطلاق 2-3. ↩
التعليقات (0)