(رف) و(فر): عائلتان متقابلتان

(رف) و(فر): عائلتان متقابلتان

ما يَتحرَّكُ ولا يَبرَحُ مكانَه، وما يَنفرِجُ ثمّ يَخرُجُ فلا يَعود

في سورة الرحمن نصّان متشابهان في مطلعهما، بينهما اثنتان وعشرون آية. قال في الأولى ﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ فُرُشِۭ بَطَآئِنُهَا مِنۡ إِسۡتَبۡرَقٖۚ﴾ [الرحمن: 54]، وقال في الثانية ﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ﴾ [الرحمن: 76]. المتكأ واحد، واللفظ اثنان. فلماذا لم يقل في الثانية فُرُشاً وقد قالها في الأولى؟

وفي هود يقول المولى عن العذاب ﴿بِئۡسَ ٱلرِّفۡدُ ٱلۡمَرۡفُودُ﴾ [هود: 99]. والرِّفد في كلام العرب معونة وعطاء، ورَفَدَه أعطاه. فكيف صار العذاب رِفداً؟

وفي آل عمران يقول ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [آل عمران: 30]. تحذير شديد، ثم رأفة. ولم يقل والله غفور رحيم وهي أكثر ما يُختم به. فلماذا الرأفة ههنا بعينها؟

وفي النور ينهى المؤمنين عن الرأفة فيقول ﴿وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ﴾ [النور: 2]. ولم ينههم عن الرحمة، ولا عن العفو، ولا عن المغفرة. فما الذي في الرأفة وحدها يُخاف منه على إقامة الحد؟

وفي الذاريات ﴿فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ﴾ [الذاريات: 50]. والفرار لا يكون إلا من شيء، والقرآن نفسه يقول ﴿إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ﴾ [الأحزاب: 16]. فكيف يستقيم فرار إلى؟

وفي الإسراء يحكي عن منكري البعث ﴿أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا﴾ [الإسراء: 49]. والعربية فيها الحطام والدَّكّ والهشيم. فلم اختار الرُّفات دونها؟

وفي الشرح ﴿فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ﴾ [الشرح: 7]. والفراغ عند الناس راحة، والنَّصَب تعب. فكيف أمره أن يتعب إذا استراح؟

فهل تستطيع الكتلة الثنائية أن تكشف لنا أسرار القرآن؟ هذا ما نمتحنه ههنا. ولن نبدأ من الآيات، فمن بدأ منها فسّرها بما يريد. نبدأ من الحروف.

أولاً: الكتلتان

حرفان اثنان: الراء والفاء. إن تقدمت الراء فهي (رف)، وإن تقدمت الفاء فهي (فر). وحدُّهما في سطرين:

(رف): يتحرك كثيراً ولا يبرح مكانه.
(فر): ينفرج ثم يخرج فلا يعود.

والمثل ماثل في اللفظين أنفسهما. قال الخليل: "الرَّفرَفة: تحريك الطائر جناحه في الهواء وهو لا يبرح مكانه". وقال ابن دريد: "أن يرفرف بجناحيه ولا يبرح كأنه يحوم على الشيء". فالجناح لا يسكن، والطائر لا يفارق موضعه. حركة كاملة، ولا انتقال.(١)

وفي مقابله قال الخليل في القِدر: "أفَرَتِ القِدرُ تأفِرُ أفراً، إذا جاشت واشتد غليانها، كأنما تنزو نزواً". وقال في الفَور: "الفوّارة: العين تجيش وتفور بمائها". فما علا من القدر لا يرجع إليها، والعين تدفع ماءها فيمضي.(٢)

وليس هذا التقابل من عندنا؛ فابن دريد نفسه أورد رفف ورفرف ثم قال: "ومن معكوسه: الفَرفَرة". فالعائلتان متقابلتان عند أهل اللغة أنفسهم.(٣)

ثم استقرأنا كل جذر في العربية اجتمع فيه الحرفان، فبلغ واحداً وثمانين. ثم ميّزنا منها ما تعقد فيه الكتلة يقيناً مما تنازعها فيه غيرها؛ فإن الراء حرف سيّال في أكثر مواضعها، تدخل على كتل غيرها فتكثر بها الجذور ولا تعقد هي. والذي لا منازع فيه خمسة وأربعون جذراً، وأخذنا صورتها الحسية من أقدم المعاجم لا من المتأخر منها. فماذا وجدنا؟

أخوات (رف)

وجدنا الجناح يتردد في كل واحدة منها تقريباً. قال الخليل في الرفق: "الرفق: انفتال المِرفق عن الجنب"، فالعضو ينفتل ويعود ثم ينفتل. وقال في الرفه: "الرَّفه: وِرد كل يوم"، و"الإرفاه: الادّهان كل يوم"، فورد يعود بعد ورد. وقال أبو عمرو في الرفص: "الرُّفصة في الوِرد، لهذا رُفصة ولهذا أخرى"، وهي المناوبة. وقال الأزهري في الرفز: "رفز العرق إذا ضرب، وإن عرقه لرفّاز أي نبّاض"، وهو النبض يخرج ويرجع في مكانه.(٤)

وقال الخليل في الرفس: "الرَّفسة: الصدمة بالرِّجل في الصدر"، والرِّجل تندفع ثم ترتد إلى صاحبها. وفي الرفع: "الحمار يُرفِّع في عدوه ترفيعاً: عدواً بعضه أرفع من بعض"، فارتفاع بعد ارتفاع. وفي الرفل: "الرَّفل: جرّ الذيل وركضه بالرِّجل"، فذيل يتردد مع الخطو. وفي الرفد: "رِفادة السَّرج، لأنها تدعم السرج من تحته حتى يرتفع"، وهو سند لا نفوذ.(٥)

وأصرح ما وجدنا في هذا الباب نصٌّ لأبي عمرو في ارفأنّ: "إذا غضب الرجل ثم سكن غضبه فقد ارفأنّ؛ والإبل إذا نفرت ثم سكنت فقد ارفأنّت". غضب ثار ثم ارتد، ونِفار خرج ثم عاد. هذه هي الكتلة عارية.(٦)

وأنظف هذه الأخوات ما اجتمع فيه الحرفان ولم يكن الثالث صلباً ينازعهما. فمن ذلك ورف: "الوارف من الشجر: النَّضِر الذي يهتز من رِيّه" - اهتزاز في موضعه. ورفأ: "الثوب مرفوّ أي ملؤوم خرقه"، و"أرفأت السفينة: قرّبتها إلى الشط" - دنوّ يقف عند الحدّ ولا يجاوزه.(٧)

أخوات (فر)

وهنا لا ترتد حركة واحدة. قال الخليل في سفر: "سفرت الشيء عن الشيء سَفراً أي كشطته فانسفر وذهب"، وفي السَّفير: "ما تساقط من الشجر أيام الخريف، سفرت به الريح". وفي طفر: "الطَّفر: وثوب في ارتفاع، كما يطفر الإنسان حائطاً أي يثبه إلى ما وراءه". وفي زفر: "الزفير: أن يملأ صدره غمّاً ثم يزفِر به، أي يرمي به ويخرجه من صدره". وفي نفر: "نفرت الدابة تنفِر نِفاراً ونُفوراً".(٨)

وفي فرخ: "أفرخ البيض: خرج فرخه"، و"الفَرخ: الزرع إذا تهيأ للانشقاق". وفي فرص: "الفَرص: شقّ الجلد بحديدة عريضة الطرف، كما يفرص الحذّاء أذني النعل بالمِفراص". وفي فرغ: "الفَرغ: مَفرَغ الدلو، وهو خرقه الذي يأخذ الماء، والفِراغ ناحيته التي يصبّ الماء منها". وفي فرس: "الفَرس: دقّ العنق"، وفي حديث عمر "لا تنخعوا ولا تفرِسوا، أي لا تكسروا العنق". وفي فري: "الفَري: الشقّ، والتفرّي: التشقّق".(٩)

وحتى المضاعف يصرح بالانفراج قبل الخروج. قال الخليل: "الفَرّ: مصدر فررتُ عن أسنان الدابة، أي كشفتُ عنها. وافترّ عن ثغره إذا تبسّم". فالفرار عندهم آخر الفعل لا أوله؛ أوله انكشاف، وآخره مضيّ.(١٠)

جناح يرتدّ فلا يبرح، وقِدر تنزو فلا ترجع. حرفان اثنان، عُكس ترتيبهما فانعكست الجهة.

هذا ما تعطيه الحروف. والآن نعود إلى الأسئلة التي بدأنا بها.

ثانياً: العائلتان في القرآن

1) الرَّفرَف والفُرُش: لفظان لمُتَّكَإٍ واحد

قال المولى في أول الوصف ﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ فُرُشِۭ بَطَآئِنُهَا مِنۡ إِسۡتَبۡرَقٖۚ﴾ [الرحمن: 54]، وقال في آخره ﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ﴾ [الرحمن: 76]. والفعل واحد: الاتكاء. فما الفرق؟

الفَرش من (فر)، وهو ما بُسط فامتدّ عن موضعه إلى ما حوله؛ قال الخليل: "فرشت الفراش: بسطته". والرَّفرَف من (رف)، وهو ما تدلّى فتحرّك ولم يفارق؛ قال الخليل: "الرَّفرَف: كِسر الخِباء ونحوه، وهو أيضاً خِرقة تُخاط في أسفل السُّرادق". فالفَرش مبسوط على الأرض، والرَّفرَف مُعلَّق يتذبذب. ولذلك وُصف الأول ببطائنه من داخله، ووُصف الثاني بلونه الظاهر: ﴿خَضِرٗ﴾.(١١)

ولو أراد المولى معنى واحداً لقال فُرُشاً في الموضعين، ولم يكن به إلى تبديل اللفظ حاجة. فالتبديل نفسه هو الدليل.

2) الرِّفد المرفود

قال المولى في قوم فرعون ﴿وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِۦ لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ بِئۡسَ ٱلرِّفۡدُ ٱلۡمَرۡفُودُ﴾ [هود: 99]. والرِّفد عطاء ومعونة. فكيف يكون العذاب رِفداً؟

الجواب في صورة الجذر عند الخليل: "رِفادة السَّرج، لأنها تدعم السرج من تحته حتى يرتفع". فالرِّفد سَنَدٌ يُوضع تحت الشيء فيلزمه ولا يفارقه. ولهذا وُصف بـ﴿ٱلۡمَرۡفُودُ﴾ بعد ﴿ٱلرِّفۡدُ﴾: عطاء موصول بعطاء، لعنة في الدنيا تحتها لعنة يوم القيامة. والذي يجعله بئيساً أنه لا ينفكّ عنهم؛ لَعنة تلحقها لَعنة، كما تلحق الرِّفادة السرجَ فلا تسقط.

ولم يقل بئس العذاب المعذَّب، ولا بئس الجزاء المجزيّ. اختار لفظاً معناه الملازمة والسَّنَد، ثم جعله في العذاب. وهذا من أعجب ما في الآية.

3) الرأفة: ما يحبس اليد

قال المولى ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ﴾ [النور: 2].

ونلاحظ أنه لم ينههم عن الرحمة ولا عن العفو ولا عن المغفرة، وإنما عن الرأفة وحدها. فلماذا؟

لأن الجلد وقوع، والرأفة هي التي تحبس اليد فلا تقع. فهي من (رف): حركة تتحرك في النفس ولا تنفذ إلى الفعل. وقد قال المولى ﴿وَلَا تَأۡخُذۡكُم﴾، ولم يقل ولا ترأفوا بهما؛ فجعلها آخذةً لصاحبها لا فعلاً منه، وهذا شأن الحال التي تقوم بالقلب. ويصدّقه أنه جعلها في القلوب صراحة: ﴿وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ﴾ [الحديد: 27].

فأما قوله ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [آل عمران: 30] فليس استدراكاً على التحذير كما يُظن؛ هو تعليل له. فالتحذير نفسه رأفة: لو شاء لأخذ بغتة، فلما قدّم البيان ووقف عند حدّ الإنذار فقد دنا ولم يوقع. ولم يقل والله غفور رحيم، ولو قالها لانقلب المعنى إلى محو الصحيفة، والمقام مقام منعٍ قبل الوقوع لا محوٍ بعده.

وههنا دقيقة: لفظ ﴿بِٱلۡعِبَادِ﴾ لم يقع في القرآن إلا خمس مرات، مرتين مع رؤوف وثلاثاً مع بصير، ولم يقع مع غفور ولا رحيم ولا عفوّ قطّ. وكلها في مقام مباشرة وملابسة: بصرٌ يلاحظ، أو رأفة تدنو.(١٢)

4) الرفث: كلام يتردد فلا ينفذ

قال المولى ﴿أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ﴾ [البقرة: 187] ثم قال في الآية نفسها ﴿فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ﴾.

ثلاثة ألفاظ مرتبة: الرفث، ثم المباشرة، ثم الابتغاء. والمباشرة مسّ البشرة بالبشرة، والابتغاء الجماع. فماذا بقي للرفث؟ بقي ما يسبق المسّ، وهو الكلام.

ولم يقل الرفث بنسائكم بل قال ﴿إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ﴾. وإلى للغاية والتوجّه، والباء للإلصاق. فالرفث يُوجَّه إليهنّ ولا يقع عليهنّ، وهذا حدّ الكتلة بعينه: يتحرك ولا ينفذ. وقد قال الخليل نفسه في هذا الجذر: "الرَّفَث: الجِماع، رفث إليها وترفّث، وهذه كناية. وفلان يرفُث أي يقول الفحش" - فجعل الجماع كناية والقول أصلاً.(١٣)

وفي الآية نفسها صورة الكتلة كاملة: ﴿هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ﴾. واللباس يلابس البدن ولا ينفذ فيه، ويلازمه ولا يفارقه.

5) المِرفَق والرفيق

قال المولى في الفتية ﴿فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا﴾ [الكهف: 16]. والمِرفَق من الرفق، وهو عند الخليل "انفتال المِرفق عن الجنب" - عضو ينفتل ويعود ولا ينفصل.

ولم يقل ويهيّئ لكم من أمركم مَخرَجاً، وهو أشهر ما يُقال في مثل هذا المقام. اختار لفظاً معناه أن الأمر يلتوي بهم ثم يعود إليهم مُيسَّراً، لا أنهم يخرجون منه. وهم في كهف لم يفارقوه ثلاثمائة سنة.

ومنه ﴿وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا﴾ [النساء: 69]. والرفيق ليس الصاحب مطلقاً؛ هو الملازم الذي لا يفارق، من الرفق الذي هو المقاربة بلا انفصال.

6) الرفع: زخم يرتدّ عن الأرض

قال المولى ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ﴾ [الرعد: 2]. ولم يقل أعلى السماوات ولا رفعها فذهبت. والرفع في العربية عند الخليل صورته: "الحمار يُرفِّع في عدوه ترفيعاً: عدواً بعضه أرفع من بعض" - وثبات متتابعة لا انفصال واحد.

فالمرفوع باقٍ في مكانه لم يفارق، وإنما ارتدّ عن الأرض وثبت. ولهذا صحّ أن يقال ﴿بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ﴾: شيء قائم في الهواء لا يسقط ولا يذهب.

7) الفِرار: مضيّ لا رجعة فيه

وننتقل إلى العائلة الأخرى. قال المولى ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ﴾ [الأحزاب: 16]، وقال ﴿قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمۡۖ﴾ [الجمعة: 8]، وقال ﴿يَوۡمَ يَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِيهِ﴾ [عبس: 34]، وشبّههم فقال ﴿كَأَنَّهُمۡ حُمُرٞ مُّسۡتَنفِرَةٞ﴾ ﴿فَرَّتۡ مِن قَسۡوَرَةِۭ﴾ [المدثر: 50-51].

وفي هذه المواضع كلها حرف واحد يلزم الفرار: مِنْ. لا يقع الفرار إلا عن شيء يُترك ولا يُعاد إليه.

8) ﴿فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ﴾

ثم يأتي الموضع الذي يخالف هذا كله ظاهراً: ﴿فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ﴾ [الذاريات: 50]. فرار إلى، لا فرار مِن. فكيف؟

لو قال فروا إلى الله بمعنى اقصدوه لكفاه أن يقول أقبلوا إلى الله، أو توجّهوا، أو أنيبوا - وكلها في القرآن. فلماذا اختار الفرار وهو لا يتعدّى بإلى في سائر المواضع؟

لأن المطلوب ههنا ليس القصد؛ المطلوب القطع. الفرار في أصله انفراج ثم خروج لا رجعة فيه، فحين يقال فرّوا إلى الله فالمعنى: اقطعوا ما أنتم فيه قطعاً لا عود بعده، ثم امضوا. فالغاية ذُكرت وسُكت عن المتروك، لأن المتروك معلوم، ولأن التصريح به يجعله شيئاً يُذكر، والمراد أن يُنسى.

وتأمّل ما بعدها: ﴿إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ﴾ - فجاءت مِنْ في الآية نفسها، لكن مع النذير لا مع الفرار.

9) الفَري والفُرجة والفُرقان

وفي هذه العائلة جذور القطع كلها. قال المولى لمريم على لسان قومها ﴿لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡـٔٗا فَرِيّٗا﴾ [مريم: 27]، والفَري عند الخليل "الشقّ"، و"فريت الشيء بالسيف وبالشَّفرة: قطعته وشققته". فليس المراد أنها جاءت بأمر عظيم فحسب، بل بأمر شقّ المألوف وخرج عنه.

ومن الباب الفُرقان، وهو ما يميّز فيفصل، لا ما يجمع. ومنه الفَرْج، وهو عند الخليل "كل فُرجة بين شيئين"، ومنه ﴿فُرِجَتۡ﴾ في السماء. ومنه الفَرْض، وهو "الحزّ في الشيء" - أثر قاطع يبقى ولا يُمحى.

10) ﴿فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ﴾

والفراغ من (فر). وصورته عند الخليل: "الفَرغ: مَفرَغ الدلو، وهو خرقه الذي يأخذ الماء، والفِراغ ناحيته التي يصبّ الماء منها". فليس الفراغ خلوّاً ساكناً؛ هو انصباب: ماء يخرج من الدلو دفعة فلا يعود إليها.

فقوله ﴿فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ﴾ [الشرح: 7] ليس أمراً بالتعب بعد الراحة؛ هو أمر بأن تُتبع الصبّة صبّة. إذا أفرغت ما في يدك من عمل فاملأ اليد بغيره. ولهذا جاء بعده ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب﴾ - توجّه لا سكون.

ولو أراد الراحة لقال فإذا استرحت، أو فإذا فرغت فاسترح. لكنه لم يقل ذلك.

11) الرُّفات: لماذا لا الحُطام؟

قال المولى حكاية عنهم ﴿وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدٗا﴾ [الإسراء: 49]. والرُّفات عند الخليل: "رفتُّ الشيء بيدي رفتاً فارفتَّ، كما يرفتُّ العظم البالي والمدر، حتى يصير رُفاتاً فيترفّت أي يتكسّر".

فالرُّفات ليس الحطام مطلقاً؛ هو ما بلي في مكانه حتى تفتّت من غير أن يُنقل. والحطام يكون بضربة، والدَّكّ يكون بثقل، والهشيم تذروه الريح. أما الرُّفات فيتفتّت حيث هو. وهذا أدقّ ما يوصف به العظم في القبر، وهو موضع اعتراضهم بعينه: كيف يُبعث ما تفتّت في موضعه ولم يبق منه شيء متماسك؟

على أن هذا الجذر خالف حدّنا في الجرد، فالتفتّت مضيّ لا ارتداد. وقد أثبتناه مخالفاً ولم نتكلّف له وجهاً.

ثالثاً: لئلا يختلط

ليس كل ما فيه راء وفاء من هاتين العائلتين. والراء حرف سيّال في أكثر مواضعها، تدخل على كتل غيرها فتكثر بها الجذور، ولا تعقد هي.

فإذا كانت الراء وسطاً بين حرفين صلبين فليست الكتلة (رف) ولا (فر)، وإنما كتلة الصلبين والراء تدور عليها. فـجرف كتلته (جف)، ودليله من العين نفسها: "الجَلْف أخفى من الجَرْف وأشدّ استئصالاً". وسرف كتلته (سف)، ومنه "السُّرفة: دويبة تنقب الشجر"، و"سرفت السرفة الشجرة إذا أكلت ورقها". وزرف كتلته (زف)، وفي الجمهرة "زَرْفة: السرعة والخفّة". وفرج كتلته (فج)، وفي الجمهرة "قوس فُرُج إذا انفجّت سِيَتاها" - فشُرح فرج بمصدر فجج.

وليس هذا تكلّفاً منا لدفع ما خالفنا؛ بل جردنا كل واحدة من هذه الكتل الأربع على أخواتها وحدها قبل أن ننظر في الجذر المتنازع، ثم طبّقنا عليه. فخرجت الأربعة كلها إلى منافسيها ولم يشذّ واحد.

وبقي في الباب مخالفان لا نتكلّف لهما وجهاً: الرفض، وهو عند الخليل "تركك الشيء، والرَّفَض: الشيء المتحرك المتفرق"؛ والرفت، "كما يرفتّ العظم البالي والمدر حتى يصير رفاتاً فيترفّت أي يتكسّر". وكلاهما نفوذ ومفارقة.

ووجدنا في المقابل أربعة من عائلة (فر) مالت إلى الجهة الأخرى: غفر وكفر وهما الستر والتغطية، وضفر وهو ضمّ الشيء إلى الشيء نسجاً، ووفر وهو عند الجوهري "الوفراء: الأرض التي لم ينقص من نبتها شيء". وأربعتها حبس لا نفوذ.

وهذا في نظرنا شاهد للعائلتين لا عليهما: القطبان متجاوران، فما لم ينفذ ارتدّ.

رابعاً: حدود ما ندّعيه

ندّعي أن الحرفين إذا اجتمعا أعطيا جهة، وأن الجهة تنعكس بانعكاس الترتيب. وميزان ذلك: خمسة وأربعون جذراً لا تنازع فيها الكتلة منازعة ظاهرة، حوكم منها خمسة وثلاثون، فوافق واحد وثلاثون وخالف أربعة. والباقي لم تظهر لنا صورته فتركناه معلّقاً ولم نتكلّف له تخريجاً.

وأصفى هذه الجذور أربعة عشر، وهي التي اجتمع فيها الحرفان وكان ثالثهما حرف علّة أو همزة - وهو باب الخليل بعينه. وفي هذه لم يخالف إلا واحد. فحيث لا منازع، الكتلة نظيفة.

ولا ندّعي أن الحرفين يعملان في كل جذر وقعا فيه؛ فقد امتحنّا ذلك امتحاناً صريحاً، فوجدنا أن الكتلة العاملة هي كتلة الحرفين الصلبين، متجاورين كانا أو مفصولين. وصدق هذا في ستة من سبعة جذور اختبرناها.

ولا ندّعي أن العربي كان يستحضر هذا وهو يتكلم، ولا أن السامع كان يفكّ الحروف قبل أن يفهم. إنما ندّعي أن الوضع الأول جرى على هذا، ثم استقرّ الاستعمال فنُسي الأصل وبقي الأثر. ونحن نخبر عن ميكانيكة الوضع، لا عمّا دار في ذهن السامع.

الخاتمة: نعود إلى الأسئلة

سألنا في الصدر سبعة أسئلة، وهذه أجوبتها على الحدّين.

لِمَ الرَّفرَف بعد الفُرُش؟ لأن الفَرش مبسوط ممتدّ عن موضعه، والرَّفرَف معلّق يتذبذب ولا يفارق. متكآن لا متكأ واحد.

وكيف صار العذاب رِفداً؟ لأن الرِّفد سَنَد يُوضع تحت الشيء فيلزمه، والرِّفد المرفود لعنة تحتها لعنة لا تنفكّ.

ولماذا الرأفة بعد التحذير؟ لأن التحذير نفسه رأفة: دنوّ بالبيان قبل الوقوع. وهي تعليل التحذير لا استدراك عليه.

ولماذا نُهوا عن الرأفة وحدها في الحد؟ لأنها وحدها هي التي تحبس اليد قبل أن تقع. والرحمة ترفع الضرر بعد وقوعه، والمغفرة تستر أثره؛ وليس في الجلد شيء منهما، فيه وقوع يُمنع أو لا يُمنع.

وكيف يكون فرار إلى؟ لأن المراد القطع لا القصد. اقطعوا ما أنتم فيه قطعاً لا رجعة فيه، ثم امضوا. وسُكت عن المتروك لأن المراد أن يُنسى.

ولماذا الرُّفات دون الحطام؟ لأن الرُّفات ما تفتّت في موضعه ولم يُنقل، وهو حال العظم في القبر بعينه.

وكيف يُؤمر بالنَّصَب إذا فرغ؟ لأن الفراغ انصباب لا سكون؛ فإذا أفرغت الدلو فاملأها. والراحة ليست في الآية أصلاً.

هذه هي الفائدة التي نطلبها من الكتلة الثنائية: أن نعرف لماذا اختار المولى هذا اللفظ دون أخيه، وأن يكون الجواب من داخل اللفظ نفسه لا من خارجه.

هذا، والله أعلم.

  1. الخليل، كتاب العين، مادة (رفف). وابن دريد، جمهرة اللغة، مادة (رفرف).
  2. الخليل، كتاب العين، مادة (أفر) ومادة (فور).
  3. ابن دريد، جمهرة اللغة: أورد (رفف) و(رفرف) ثم قال "ومن معكوسه: الفرفرة".
  4. الرفق والرفه: الخليل، كتاب العين، في مادتيهما. والرفصة: أبو عمرو الشيباني، كتاب الجيم، مادة (رفص). والرفز: الأزهري، تهذيب اللغة، مادة (رفز)، وقد شكّ الأزهري في ضبطه وقال "ولعله راقز بالقاف".
  5. الرفس والرفع والرفل والرفد: الخليل، كتاب العين، في موادها.
  6. أبو عمرو الشيباني، كتاب الجيم، مادة (رفن). وابن فارس يجعل النون في ارفأنّ زائدة ويردّ الجذر إلى رفل.
  7. صرف وطرف وورف وعرف وغرف: الخليل، كتاب العين، في موادها. وفي هذه الجذور الراء ثانية بين حرفين صلبين، وإدخالها في العائلة موضع نظر، وقد صُرّح به في الجرد.
  8. سفر وطفر وزفر ونفر: الخليل، كتاب العين، في موادها.
  9. فرخ وفرص وفرغ وفرس وفري: الخليل، كتاب العين، في موادها.
  10. الخليل، كتاب العين، مادة (فر).
  11. الفرش والرفرف: الخليل، كتاب العين، في مادتيهما.
  12. مواضع ﴿بِٱلۡعِبَادِ﴾ خمسة: البقرة 207 وآل عمران 30 مع رؤوف، وآل عمران 15 و20 وغافر 44 مع بصير. عُدّت على ملف المصحف.
  13. الخليل، كتاب العين، مادة (رفث). وقد أُفرد للرفث مقال مستقلّ.

التعليقات (0)