لماذا يؤاخذنا الله بالنسيان رغم أنه نسيان
لأن النسيان في التنزيل ليس زلّةَ ذاكرة، وإنما هو تأخيرُ الشيء عن رتبته
مدخل: ثماني آيات لا نجد لها في كتب اللغة جواباً
قال المولى في المشركين إذا ركبهم الخوف في البحر ﴿بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ﴾ [الأنعام: 41]. وهم في تلك الساعة لم تغب آلهتُهم عن رؤوسهم، ولا ذهبت من ذاكرتهم، وإنما دعوا الله وحده وتركوها. فأيُّ نسيان هذا الذي يقع في لحظة الشدة ثم يزول؟
وقال لأحبار بني إسرائيل ﴿أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. ولا نعرف أحداً تغيب نفسُه عن ذهنه. فكيف ينسى الإنسان نفسه وهو يحملها؟
ونهى المطلِّقين فقال ﴿وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ﴾ [البقرة: 237]. ونلاحظ أنه نهي، والنهي لا يتوجه إلى ما ليس في الوسع. فهل يُؤمر أحد بألا تزلَّ ذاكرته؟
وقال في آدم ﴿وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا﴾ [طه: 115]، وقال في دعاء المؤمنين ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ﴾ [البقرة: 286]. فآدم نسي فأُهبط من الجنة، والمؤمنون يسألون ألا يؤاخَذوا بنسيانهم. فكيف يُؤاخَذ آدم بالنسيان وهو نسيان؟
ونادى أهلُ النار أهلَ الجنة ﴿أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ﴾ [الأعراف: 50]، فجاء الجواب بعدها ﴿فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا﴾ [الأعراف: 51]. وهم ينادون حاضرون يُسمَع صوتهم. فأيُّ نسيان يقع على من هو بين يديك يستغيث؟
وقال في منكر البعث ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ﴾ [يس: 78]. ولم يكن الرجل شاكّاً في أنه مخلوق، وإنما ضرب المثل ولم يقدّم خلقه. فما الذي نسيه وهو يعرفه؟
وقال في صاحب يوسف في السجن ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: 42]، ثم قال بعد آيتين ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: 45]. فالرجل أُنسي سنين ثم ادَّكر. ولو كان الأمران واحداً لجاء اللفظ واحداً. فلماذا فرَّق المولى بين اللفظتين في قصة واحدة ورجل واحد؟
وقال موسى لفرعون ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه: 52]، وقال في الكفار ﴿ٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰكُمۡ كَمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَا﴾ [الجاثية: 34]. فنفى النسيان عن نفسه جل جلاله في موضع، وأثبته لنفسه في موضع. فكيف يستقيم هذا؟
فهل تكشف لنا كتب اللغة أسرار هذا اللفظ؟ هذا ما نمتحنه ههنا. ولن نبدأ من الآيات، فمن بدأ منها فسّرها بما يريد. نبدأ من المعاجم.
أولاً: ما تقوله المعاجم - وقد قالته صريحة ثم انصرف عنها الناس
الذي يفتح المعجم على مادة (نسي) يحسب أنه سيجد النسيان مقابلاً للحفظ لا غير. وليس الأمر كذلك. فأول ما يواجهه صورة محسوسة لا علاقة لها بالذهن أصلاً.
قال الجوهري: «والنِّسْيُ أيضاً: ما نُسِيَ وما سقط في منازل المرتحلين من رُذال أمتعتهم. يقولون: تتبعوا أنساءكم».[١] ومثله عند ابن فارس سواء.[٢] فالنِّسْي متاع، لا خاطر في رأس.
وأدقُّ من هذا ما نقله الأزهري عن يونس: «العرب إذا ارتحلوا من الدار قالوا: انظروا أنساءكم، أي: الشيء اليسير نحو العصا والقَدَح والشِّظاظ».[٣] فانظر إلى الأشياء التي عدّها: عصا وقَدَح وخشبة يُشدّ بها العِدْل. وهي أشياء موجودة تُرى بالعين، وإنما هي يسيرة لا يُرجَع إليها.
وصرَّح الزجاج بهذا فقال: «النِّسْيُ في كلام العرب: الشيء المطروح لا يُؤبَه له».[٤] وقال ابن سيده: «والنِّسْيُ: الذي لا يُعَدُّ في القوم لأنه منسيّ».[٥] وقال المناوي: «النِّسْي بالكسر، أصله ما يُنسى كالنِّقْص لما يُنقَص، وصار في التعارف اسماً لما يقلّ الاعتداد به».[٦]
فتأمل هذه الثلاثة: لا يُؤبَه له، ولا يُعَدُّ في القوم، ويقلُّ الاعتداد به. وليس في واحدة منها أنه غاب عن الذهن، بل كلها في أنه لم يُقدَّم ولم يُحسَب له حساب. والشيء الذي لا يُؤبَه له حاضر يُرى، وإنما تُرك في آخر الرتبة.
ومنه بيت الشنفرى الذي يستشهد به أهل اللغة كلهم: «كأنّ لها في الأرض نِسْياً تَقُصُّه … على أُمِّها وإن تُخاطِبْك تَبْلَتِ».[٧] قال ابن دريد في شرحه: «والنِّسْيُ: ما يُنسى من شيء. يقول: إذا مشت نظرت إلى الأرض كأنها تطلب شيئاً سقط منها».[٨] فهي تنظر إلى الأرض كمن يبحث عن متاع سقط. وهذه صورة حسية لا تحتمل غير وجه واحد.
فإذا كان النِّسْي متاعاً مطروحاً لا يُؤبَه له، فما النسيان؟
الجواب عند الجوهري نفسه، وقد قالها في ثلاث كلمات: «والنِّسيان: الترك. قال الله تعالى: {نسوا الله فنسيهم}، وقال تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم}».[٩] ونلاحظ أنه استشهد على الترك بآية الفضل. فالجوهري - وهو صاحب «خلاف الذكر والحفظ» في أول المادة - يرى أن ﴿وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ﴾ [البقرة: 237] من باب الترك لا من باب الذاكرة.
ومثله عن الفراء، نقله الأزهري: «والنسيان ها هنا على وجهين: أحدهما: على الترك، نتركها فلا ننسخها، كما قال الله جل وعز: {نسوا الله فنسيهم}، يريد: تركوه فتركهم. والوجه الآخر من النسيان الذي يُنسى».[١٠] فأثبت الوجهين ولم يجعلهما واحداً.
وقال ثعلب: «لا يَنسى الله جل وعز، إنما معناه تركوا الله فتركهم، فلما كان النسيان ضرباً من الترك وضعه موضعه».[١١]
وأصرح من هؤلاء كلهم ابن الأنباري في كتاب الأضداد. قال: «ومن الأضداد نسيتُ، يكون بمعنى غفلتُ عن الشيء، ويكون بمعنى تركتُ متعمداً من غير غفلة لحقتني فيه». ثم ساق الحجة فقال: «وتأويل: نسوا الله: تركوا العمل لله تبارك وتعالى بتعمُّد لا بغفلة أيضاً؛ لأن الله عز وجل لا يؤاخذ بالنسيان، ولا يعاقب عليه». وزاد: «وقال الله عز وجل: فنسي ولم نجد له عزماً، فمعناه: ترك ما أمرناه به متعمداً، فأُخرج من الجنة لذلك».[١٢]
فانظر إلى حجّته، فإنها هي الحجة كلها: لو كان نسيان آدم زلّة ذاكرة لما عوقب عليه. وقد عوقب. فليس زلّة ذاكرة. وهذا برهان لا يحتاج إلى غيره.
وتابعه ابن سيده فقال في قوله ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: 115]: «معناه أيضاً ترك، لأن الناسي لا يؤاخذ بنسيانه، وآدم عليه السلام قد أُوخِذ بنسيانه فهبط من الجنة».[١٣]
وقال ابن الأثير: «أصل النسيان الترك».[١٤] ونقل الزَّبيدي عن شيخه: «وأكثر أهل اللغة فسروه بالترك وهو المشهور عندهم»، ثم نقل عن ابن حجر: «هو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم، لأنه من نسي الشيء تركه بلا عكس».[١٥] وقال الفيّومي: «أحدهما ترك الشيء على ذهول وغفلة وذلك خلاف الذكر له، والثاني الترك على تعمُّد، وعليه {ولا تنسوا الفضل بينكم} أي لا تقصدوا الترك والإهمال».[١٦]
فهؤلاء ثمانية من أئمة اللغة يقولون إن النسيان ترك، وواحد منهم يقول إنه المشهور عندهم. ولست أدري كيف يقف الناس عند السطر الأول من المادة ويتركون ما بعده.[١٧]
فإن كان النسيان تركاً، فأيُّ ترك هو؟
ثانياً: ومن الترك إلى التأخير
الترك لفظ واسع، يقع على الإهمال وعلى الرفض وعلى القطع. والذي في المعاجم أضيق من هذا وأدقّ.
فقد أنشد ابن الأعرابي - ونقله الأزهري -: «إنّ عليَّ عُقْبَةً أقضيها … لستُ بناسيها ولا مُنسيها». ثم فسّرها فقال: «بناسيها: بتاركها، ولا مُنسيها: ولا مؤخِّرها».[١٨] فجمع في بيت واحد اللفظتين وفرّق بينهما: الناسي تارك، والمُنسي مؤخِّر. وهذا نصّ لا يحتمل تأويلاً.
وقال الخليل في مادة (نسي) نفسها، وهو يفرّق بين اللفظين: «قال الله تعالى: {فإني نسيتُ الحوت}، ولم يقل: أُنسيتُ، ومعنى أُنسِيتُ: أُخِّرت».[١٩] فالخليل نفسه يجعل الرباعيَّ من التأخير.
فإذا مضينا إلى المهموزة وجدنا الصورة تنكشف كلها. قال الخليل: «والنَّسيئة: تأخير الشيء ودَفْعُه عن وقته». ثم قال بعده مباشرة: «والناسئ: الرجل المؤخِّر الأمورَ غيرُ المُقدِّم، وكذلك: النَّسّاء».[٢٠]
فههنا موضع يخطئ فيه كثيرون. فالخليل لم يقل: الناسئ الذي ينسى، ولا الذي يغفل، بل قال: المؤخِّر الأمورَ غير المقدِّم. وهذا حدّ في لفظتين: من لا يقدِّم. وأيُّ شيء أدلّ من هذا؟
ثم إن العرب لم تفرّق بين المهموز وغيره في القرآن نفسه. قال ابن دريد: «والنَّسيئة: البيع بتأخير، وكلُّ متأخِّرٍ فهو نَسيء». ثم قال: «والنَّسيء والنَّسِيُّ في التنزيل: شيء كان يُفعل في الجاهلية، يقدَّم المحرم سنة ويُنسأ سنة، أي يؤخَّر».[٢١] فجعل (النَّسيء) و(النَّسِيّ) لفظة واحدة للشيء الواحد.
وأصرح منه بناء اللفظة عند الفراء: «والنَّسيء فعيل بمعنى مفعول من قولك: نسأتُ الشيء، فهو منسوءٌ إذا أخّرتَه، ثم يُحوَّل منسوءٌ إلى نسيء، كما يُحوَّل مقتول إلى قتيل».[٢٢] فقارن الآن بين ﴿إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ﴾ [التوبة: 37] في التوبة و﴿مَّنسِيّٗا﴾ [مريم: 23] في مريم: بناء واحد، ومعنى واحد، ولم يفرّق بينهما إلا الهمز.
وقرأ أبو عمرو ﴿مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا﴾ [البقرة: 106] بالهمز، قال: «أو نُنسِئها: نؤخِّرها ولا نُنزِلها».[٢٣] وكان عبيد بن عمير يقول في الآية نفسها: «أي: نؤخّرها، ونُنسِها، أي: نتركها».[٢٤] فالقراءتان تعطيان الترك والتأخير، وهما شيء واحد عند من تأمل: فمن أخّر شيئاً فقد تركه في ساعته، ومن تركه فقد أخّره عن رتبته.
وقد جمع الكفوي الطرفين في سطر فقال: «وقد يجيء النسيان بمعنى الترك، ومنه النَّسيء»، ثم قال بعدها: «وهو ما يسقط في منازل المرتحلين من رُذال أمتعتهم».[٢٥] فوصل النَّسيء بالنِّسْي بالنسيان في نفَس واحد.
ومنه في السنة: «لا تَستنسِئوا الشيطان»، قال ابن الأثير: «أي إذا أردتم عملاً صالحاً فلا تؤخِّروه إلى غد، ولا تستمهلوا الشيطان».[٢٦] فالذي يستنسئ الشيطان لم يَغِب عنه العمل الصالح، وإنما أخّره عن رتبته وقدّم عليه غيره.
فالناسي عند الخليل هو المؤخِّر الأمورَ غير المقدِّم. والنِّسْيُ ما لا يُؤبَه له ولا يُعَدُّ في القوم. فالنسيان في أصل اللغة أن يسقط الشيء من رتبة الأول، لا أن يسقط من الذهن.
فما الذي يقوله القرآن؟
ثالثاً: النسيان في القرآن - خمسة وثلاثون موضعاً
ورد الجذر في المصحف في ثلاثة وأربعين لفظاً، في خمسة وثلاثين موضعاً، في ثماني عشرة سورة.[٢٧]
وقبل عرضها نقف على الصيغ، فإن فيها دلالة.
أولها أن لفظ «النسيان» لم يجئ في المصحف قط. لا معرَّفاً ولا منكَّراً ولا مضافاً. وهذا لافت؛ فإن العلم جاء منه المصدر (العلم) كثيراً، والذكر جاء منه (الذِّكر) و(الذِّكرى)، ولم يجئ النسيان مرة واحدة. ولو كان حالاً تعرض للذهن كما يعرض السهو لجاء اسماً لتلك الحال.
والثاني أن الرباعي (أنسى) جاء ستَّ مرات، وفاعله في كلها مذكور: الشيطان في أربع،[٢٨] والمولى جل جلاله في اثنتين.[٢٩] ولم يجئ مرة واحدة بلا فاعل. فالنسيان في التنزيل فعل يُفعَل بالإنسان، له صانع يصنعه. وزلّة الذاكرة لا صانع لها.
والثالث أن النهي جاء عنه: ﴿وَلَا تَنسَوُاْ﴾ [البقرة: 237]. والنهي لا يتوجه إلا إلى مقدور.
١) ما لا يغيب عن ذهن أحد
أوضح ما في الباب ثلاثة مواضع، المنسيُّ فيها حاضرٌ لا يمكن أن يغيب.
الأول ﴿بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ﴾ [الأنعام: 41]. فهؤلاء قوم في بحر أو شدة، دعوا الله وحده. ولم تذهب أصنامهم من رؤوسهم في تلك الساعة، ولا خفي عليهم أنهم يعبدونها منذ سنين. وإنما سقطت من الرتبة، فلم تُدعَ ولم تُذكَر.
وقد قال الزجاج في هذه الآية بعينها: «تنسون هنا على ضربين: جائز أن يكون تنسون: تتركون، وجائز أن يكون المعنى أنكم في ترككم دعاءهم بمنزلة من قد نسيهم».[٣٠] فأثبت الترك وجهاً، والوجه الثاني منه لا مقابلاً له.
والثاني ﴿أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ﴾ [البقرة: 44]. ولا نعرف أحداً تغيب نفسُه عن ذهنه. والذي وقع منهم أنهم قدّموا أمر الناس وأخّروا أنفسهم.
والثالث ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ﴾ [يس: 78]. والرجل جاء بعظم رميم يفتّه، وهو يعلم أنه مخلوق، ولم يقل أحد إنه شكّ في ولادته. وإنما لم يُقدِّم خلقه فيقيس عليه.
فإن قيل: فما وجه النهي في ﴿وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ﴾ [البقرة: 237]؟
٢) النهي عن النسيان - ولا يُنهى أحد عن زلّة
والجواب أن النهي نفسه هو الحجّة، فإنه لا يُنهى أحد عن زلّة. قال المولى في المطلَّقات قبل المسيس ﴿وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ﴾ [البقرة: 237].
ولو كان النسيان زوال الشيء عن الذهن لكان النهي عنه تكليفاً بما لا يُطاق. ولم يقل: ولا تجهلوا الفضل، ولا: واذكروا الفضل، بل قال ﴿وَلَا تَنسَوُاْ﴾ [البقرة: 237]. والذي يقع في هذا الموضع معلوم مشاهَد: رجل طلّق فوقف عند نصف الفريضة، لا لأنه لا يتذكّر أن الإحسان حسن، بل لأنه قدّم حقّه وأخّر الفضل. وهذا هو النسيان بعينه.
وقد فسّرها الفيّومي بهذا فقال: «أي لا تقصدوا الترك والإهمال».[٣١] فجعل فيه القصد.
٣) النسيان يُجازى عليه - وهو الذي يقطع المسألة
جاء النسيان في التنزيل موجباً للعذاب في ستة مواضع، وهذا وحده كافٍ.
قال ﴿فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا﴾ [الأعراف: 51]، وقال ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ﴾ [السجدة: 14]، وقال ﴿ٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰكُمۡ كَمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَا﴾ [الجاثية: 34]، وقال ﴿لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ﴾ [ص: 26]، وقال ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ﴾ [طه: 126]، وقال في آدم ﴿وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا﴾ [طه: 115].
فههنا «ذوقوا بما نسيتم» و«عذاب شديد بما نسوا» - والباء للسبب. ولا يُعاقَب أحد على ما لا يملكه.
فإن قيل: قد جاء في الحديث «رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه»، فكيف يُرفَع النسيان في الحديث ويُعاقَب عليه في ستة مواضع من كتاب الله؟
فالجواب أن نردّ الحديث ولا نلوي له عنق الآيات. فمتنه يخالف متن القرآن، والقرآن هو الحاكم؛ وما خالف القرآن فهو مردود ولو صحّ إسناده، ولسنا نعلم صدقه أصلاً. وقد ذهب الزَّبيدي إلى التوفيق بينهما فقال: «وكلُّ نسيانٍ من الإنسان ذمّه الله تعالى فهو ما كان أصلُه عن تعمُّدٍ منه لا يُعذَر فيه، وما كان عن عذر فإنه لا يؤاخَذ به».[٣٢] وهذا ترقيع ظاهر؛ فإن لفظ الحديث مطلق لا قيد فيه: «النسيان» هكذا. ولو أراد صاحبُه المتعمِّد لما سمّاه نسياناً، إذ المتعمِّد لا يُسمّى ناسياً في العرف الذي بُني عليه الحديث. فالحديث يرفع ما أثبته القرآن ست مرات، والتوفيق بينهما يُدخل في اللفظ قيداً ليس فيه.
والصواب أن يُترَك الحديث ويُمضى على القرآن. فالنسيان الذي في التنزيل لم يكن قط زلّة ذاكرة حتى يُحتاج إلى رفعه، وإنما هو تأخير في الرتبة يقع من العبد بصنعه، فيُجازى عليه.
وتأمل ﴿فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ﴾ [الأعراف: 51]، وانظر ما قبلها. فقد نادى أهلُ النار قبلها بآية واحدة ﴿أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ﴾ [الأعراف: 50]. فهم ينادون، وصوتُهم مسموع، وحاجتهم معلومة. ثم قال ﴿فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ﴾ [الأعراف: 51]. فلم يقل: فاليوم نهلكهم، ولا: فاليوم نطردهم، بل قال ننساهم - وهم بين يديه يستغيثون. فأيُّ شيء هذا إلا أن يُتركوا في مكانهم فلا يُلتفَت إليهم؟
وقد قال ابن سيده في هذه الآية: «أي نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا».[٣٣]
فإن كان النسيان تركاً وتأخيراً، فما وجه اقترانه بالذكر؟
٤) نسي وذكر - لا نسي وتذكَّر
هذا أدقّ ما في الباب، وهو الذي يفصل بين ما نسميه نحن نسياناً - وهو ألا نتذكّر - وبين ما يسميه القرآن نسياناً، وهو ألا نُقدِّم.
فقد قابل التنزيلُ النسيانَ بالذِّكر في ثلاثة مواضع، ولم يقابله بالتذكُّر في موضع واحد:
﴿وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: 24]
﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأنعام: 68]
﴿فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ﴾ [الكهف: 63]
وموضع الحجّة في الثلاثة أن ما أُمر به بعد النسيان هو الذِّكر لا التذكُّر. فآية الكهف جاءت بعد النهي عن قول الرجل ﴿إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: 23] من غير استثناء؛ فالرجل لم يَغِب عنه ربُّه، وإنما لم يُقدِّمه في كلامه، فأُمر أن يعود فيقدّمه. و﴿ٱلذِّكۡرَىٰ﴾ [الأنعام: 68] في آية الأنعام هي القرآن وما ذُكِّر به، فالمأمور به أن يرجع إلى ما قُدِّم له لا أن يستحضر خبراً ضاع.
والذِّكر ليس استرجاع غائب، وإنما هو إحضار وتقديم. ولهذا قيل للقرآن (الذِّكر)، وليس فيه استرجاعُ غائب.
وأما اللفظ الذي وضعه المولى للاسترجاع بعد الغياب فهو (ادَّكَر)، وقد جاء في سبعة مواضع.[٣٤] والشاهد الفاصل فيه أنه ورد مع النسيان في قصة واحدة ورجل واحد، بينهما ثلاث آيات.
قال ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: 42]، ثم قال ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: 45].
فالرجل أُنسي، ثم ادَّكر بعد حين. ولم يقل: فتذكّر، ولم يقل في الأولى: فأغفله الشيطان. بل جعل الأول ﴿فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ﴾ [يوسف: 42] والثاني (ادَّكَر). ولو كان النسيان ذهاب الخبر من الرأس لكان (ادَّكَر) نقيضَه وكفى. لكن الذي وقع للرجل شيء آخر: أنه لم يكترث لمطلب يوسف، فنسيه أي أخّره عن اهتمامه بضع سنين، حتى سمع رؤيا الملك فعاد المطلب إلى المقدّمة فذكره. ولو كان الخبر قد ذهب من رأسه لما عادت به رؤيا الملك، فليس بين الرؤيا وبين حاجة يوسف صلة إلا أنها أعادتها إلى أول الاهتمام.
وانظر إلى قوله ﴿فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ﴾ [يوسف: 42]، فإنه لم يقل: فأنساه ربَّه، بل قال ﴿ذِكۡرَ رَبِّهِۦ﴾ [يوسف: 42] - أي أسقط عنه التقديم لا العلم. ومثله ﴿ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ﴾ [المجادلة: 19].
٥) نَسْياً منسيّاً - الصورة الحسية في القرآن
قالت مريم عند الجذع ﴿يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا﴾ [مريم: 23].
ولم تقل: ليتني كنت مجهولة، ولا: ليتني كنت ميتة فحسب، وقد قالت ﴿مِتُّ﴾ [مريم: 23] ثم زادت عليها ﴿نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا﴾ [مريم: 23]. فطلبت أمرين: الموت، ثم أن تكون شيئاً لا يُعتدُّ به.
وقد فسّرها ابن سيده باللفظ نفسه الذي مضى في المعجم: «والنِّسْيُ: الذي لا يُعَدُّ في القوم لأنه منسيّ».[٣٥] وقال الزجاج: «الشيء المطروح لا يُؤبَه له».[٣٦]
فمريم عليها السلام لم تطلب أن تُمحى من الأذهان - ومن يطلب ذلك وهو يعلم أنه محال؟ - وإنما طلبت أن تسقط من الحساب: ألا تكون لها قيمة في نظرهم فلا تحضر على ألسنتهم. وهذا هو معنى النِّسْي في كلام العرب: العصا والقَدَح يُتركان في المنزل ولا يُرجَع إليهما.
٦) نسوا الله - وهل يُنسى الله؟
بقي أشدّ المواضع إشكالاً في ظاهره ﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ﴾ [التوبة: 67]، و﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ﴾ [الحشر: 19].
ولو كان النسيان ذهاب الخبر لكان المعنى أن المنافقين لم يعودوا يعلمون أن الله موجود. وهم يعلمون، بل هم في المسجد يصلّون ويحلفون بالله في السورة نفسها. وإنما الذي وقع منهم أنهم لم يقدّموه، فأخّرهم.
ونلاحظ في آية الحشر لطيفة: ﴿فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ﴾ [الحشر: 19]. وقد فسّرها ابن سيده بقوله: «إنما معناه أنساهم أن يعملوا لأنفسهم».[٣٧] فالجزاء من جنس العمل: أخّروا ربَّهم فأخّروا أنفسهم، إذ لم يعملوا لها.
ومثله قوله ﴿أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ﴾ [المجادلة: 6]. فقابل الإحصاء بالنسيان. والإحصاء عدٌّ وضبط، فيكون النسيان ألا يُعَدَّ الشيء ولا يُحسَب له حساب. وهو الذي مضى في المعجم سواء: «الذي لا يُعَدُّ في القوم».
رابعاً: لئلا يختلط النسيان بعدم التذكُّر
بقي سؤال: فإن كان النسيان في التنزيل تأخيراً في الرتبة، فلماذا صار في كلام الناس زلّةَ ذاكرة حتى لا يكادون يعرفون له معنًى غيره؟
والجواب أن اللسان حيّ يتطوّر، وأن اللفظ ينزل من صورته الأولى إلى ما يلزم عنها. فالذي يؤخّر الشيء عن رتبته ولا يعود إليه، يُشبِه في الظاهر من لم يتذكّره. ثم كثر استعمال اللفظ في اللازم حتى غطّى الأصل. وقد نبّه ابن حجر على هذا فقال: «هو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم، لأنه من نسي الشيء تركه بلا عكس».[٣٨] أي أن من لم يتذكّر فقد ترك، ولا ينعكس: فليس كل من ترك شيئاً قد عجز عن تذكّره. فالترك هو الأعمّ، وهو الأصل.
ونلاحظ أن أهل اللغة فرّقوا بين النسيان والسهو والغفلة والذهول تفريقاً دقيقاً، وأن الذي نسميه نحن نسياناً هو أقرب إلى السهو عندهم. قال أبو هلال العسكري: «أن النسيان إنما يكون عمّا كان، والسهو يكون عمّا لم يكن. تقول: نسيت ما عرفته، ولا يقال: سهوت عمّا عرفته».[٣٩] وقال الكفوي: «السهو: هو غفلة القلب عن الشيء بحيث يتنبّه بأدنى تنبيه. والنسيان: غيبة الشيء عن القلب بحيث يحتاج إلى تحصيل جديد».[٤٠]
فالسهو عندهم هو ما يزول بأدنى تنبيه - وهو الذي يقع لنا كل يوم فنسميه نسياناً.
ويبقى في المسألة أربعة مواضع ترد على ما قررناه، ولا بدّ من جوابها.
الأول قوله ﴿سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ﴾ [الأعلى: 6]. وظاهره أن النسيان ههنا زوال المحفوظ. والذي يظهر لي أن الآية على معناها الأول أيضاً؛ فقد قال أبو إسحاق الزجّاج في تفسيرها: «أي فلستَ تترك إلا ما شاء الله أن تترك».[٤١] والرسول لم يُوعَد فيها بحفظ الحروف فحسب، بل بألا يسقط الوحي من عمله ورتبته. ثم إن السورة نفسها قال فيها ﴿بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا﴾ [الأعلى: 16] - والإيثار تقديم. فقابل ما وُعد به الرسول بما وقع فيه غيره: هو لا يؤخّر، وهم يؤثرون الأدنى.
والثاني قوله ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طه: 52] مع قوله ﴿ٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰكُمۡ﴾ [الجاثية: 34]. وليس بينهما تعارض؛ فإن آية طه في العلم المكتوب، وقد قال قبلها ﴿عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ﴾ [طه: 52]. فالمنفيّ أن يسقط من الكتاب شيء. وأما ﴿نَنسَىٰكُمۡ﴾ [الجاثية: 34] فهو في الالتفات يوم القيامة لا في العلم. وقد فرّق الكفوي بين اللفظين فقال: «والضلال هو أن تخطئ الشيء في مكانه ولم تهتدِ إليه، والنسيان أن تذهب عنه بحيث لا يخطر ببالك».[٤٢] فنفى المولى عن نفسه الأمرين معاً: ألا يضلّ عنه موضع الشيء، وألا يسقط عنده من الاعتبار.
والثالث قوله ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ﴾ [البقرة: 286]. وقد قرن النسيان بالخطأ. والخطأ فعل يقع من الفاعل ثم لا يُؤاخذ به، لا شيء يعرض للذهن. فالمسألة في الآية واحدة: أن يقع من العبد تقصير في التقديم من غير قصد، فيسأل ربه ألا يؤاخذه به.
والرابع قول موسى للعبد الصالح ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا﴾ [الكهف: 73]. وموسى لم يكن غافلاً عن الشرط، وقد شرطه على نفسه قبل قليل بلسانه ﴿سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا﴾ [الكهف: 69]. وإنما قدّم إنكار المنكر على الشرط، فأخّر الشرط. وهذا نسيان بالمعنى الذي نقرّره، ولهذا اعتذر ولم يقل: قد غاب عني.
ومثله قول فتاه ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ﴾ [الكهف: 63]. ولم يقل: وما أذهبه من رأسي إلا الشيطان، بل قال ﴿أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ﴾ [الكهف: 63] - فالذي منعه الشيطان منه هو الذكر أي التقديم، لا العلم بأن الحوت ذهب.
الخاتمة: نعود إلى الأسئلة التي بدأنا بها
افتتحنا بثماني آيات وسألنا عنها، فهذه أجوبتها:
أما المشركون في البحر فلم تذهب آلهتهم من رؤوسهم، وإنما سقطت من الرتبة ساعة الشدة. والنسيان أن يسقط الشيء من رتبة الأول، لا من الذهن.
وأما أحبار بني إسرائيل فلم تغب أنفسهم عنهم، وإنما قدّموا أمر الناس وأخّروا أنفسهم.
وأما النهي عن نسيان الفضل فمستقيم، لأن التأخير في الوسع والزلّة ليست في الوسع. وقد فسّرها الفيّومي بأنه القصد إلى الترك والإهمال.
وأما آدم فعوقب بنسيانه لأنه لم يكن زلّة؛ ولو كان زلّة لما عوقب - وهذه حجّة ابن الأنباري وابن سيده، وهي حجّة لا تُردّ.
وأما أهل النار فهم ينادون ويُسمَع صوتهم، ومع ذلك قال ﴿نَنسَىٰهُمۡ﴾ [الأعراف: 51]. فلم يُنفَ عنهم الوجود، وإنما نُفي عنهم الالتفات.
وأما ضارب المثل بالعظم الرميم فكان يعلم أنه مخلوق، ولكنه لم يُقدِّم خلقه فيقيس عليه.
وأما صاحب يوسف فأُنسي ثم ادَّكر؛ فاللفظان اثنان لأن الفعلين اثنان: تأخيرٌ في الرتبة، ثم استرجاعٌ للخبر.
وأما ﴿لَا يَنسَى﴾ [طه: 52] مع ﴿نَنسَىٰكُمۡ﴾ [الجاثية: 34] فالأولى في الكتاب والثانية في الالتفات، ولا تعارض بين نفي السقوط من السجلّ وإثبات التأخير في الرتبة.
فالنسيان في القرآن ليس خواء الذهن من الخبر، بل سقوط الشيء من رتبة الأول. والناسي عند الخليل هو المؤخِّر الأمورَ غيرُ المقدِّم، والنِّسْيُ هو المتاع الذي يُترَك في المنزل لأنه لا يُؤبَه له.
وبقي أن نقول إن هذا الفهم يقلب معنى نعتذر به كل يوم. فنحن نقول «نسيت» فنحسب أننا رفعنا عن أنفسنا اللوم، والقرآن يجعل النسيان نفسَه موجباً للوم؛ لأنه لم يكن غياباً بل كان ترتيباً. وكم من شيء ما عجزنا عن تذكّره، وإنما وضعناه في آخر القائمة.
التعليقات (0)