تفسير آية: يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا
تحرير جذر (ظ هـ ر) في القرآن، وعرضه على سورة الروم
الخلاصة
الظهر ليس ما يقابل البطن، ولا هو الجهة الخلفية من الإنسان؛ فتلك دبره. وإنما الظهر جهة الشيء العليا الحاملة، التي يوضع عليها الثقل أو يركب. وظهر الدابة سمي ظهرا لأنه يجعل من ركبه ظاهرا، لا لأنه بارز.
فالظهور ركوب الظهر والعلو عليه. والظاهر هو الذي جعل غيره له ظهرا فركبه. والظهير هو الذي أعطى ظهره فصار سندا يحمل. والانكشاف أثر لاحق قد يقع وقد لا يقع، وليس أصل الكلمة في شيء.
ولهذا لم يقل يعلمون ظاهر الحياة الدنيا، بل قال ظاهرا منكرا مبعضا بحرف من. فمعلومهم راكب واحد من ركاب هذه الحياة: قوة واحدة في زمن واحد علت وركبت ظهر غيرها. فليس الظاهر تعلم النظريات الفيزيائية، ولا كيف يجنون الثمار وينشئون العمار، ولا هو قشرة الدنيا ولا زخارفها، وإنما هو معرفة من ركب من.
وقريش أهل هذه الصناعة وحدها، لها شبكة عهود وأسواق تفد إليها أخبار العالم المعروف كله في موسم واحد. ومع هذا فقد سبقهم الرسول صلى الله عليه وسلم في صناعتهم بقوة الوحي، فأخبرهم بأخبار مرة عليه حلوة لهم: أن الفرس انتصروا على الروم. وليست هذه المرارة حبا في الروم فهم ظالمون، وإنما خشية من غرور الكفار الذين يسلكون مسلك الفرس في الاعتقاد بالله. ولم يكتف بإخبارهم بما حدث، بل أخبرهم بما سيحدث.
ثم وضعت السورة القاعدة في مطلعها فجمعت الهزيمة والغلبة في يد واحدة. فالذي عندهم راكب واحد بين قبل وبعد، والذي عند المولى جل جلاله الأمر كله قبل الركوب وبعد النزول.
وأما آخر الآية فلم يقل غير عالمين حتى يكون نفيا للعلم، وإنما قال غافلون. والغفلة تشتت النظر عن الشيء لوجود ما هو أجذب منه، وضدها الوجه أي شدة التركيز. فقد شغلتهم السياسة عن الآخرة، والخبر العاجل أحضر في القلوب من الأجل الآجل.
المدخل
﴿يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]
آية واحدة قصيرة، وقد تفرقت فيها أقوال المفسرين تفرقا بعيدا؛ فمنهم من جعل هذا الظاهر الزراعة والتجارة والصناعة، ومنهم من جعله زخارف الدنيا وملاذها، ومنهم من جعله ظاهرا يقابله باطن. وثلاثتها بنيت على أن الظهور انكشاف. وهذا موضع الزلل الأول، وعليه يقوم كل ما بعده.
ونلاحظ أن في الآية ثلاث ثنائيات: يعلمون ويقابلها غافلون، والحياة الدنيا ويقابلها الآخرة، وظاهرا وليس في النص ما يقابله. فطرفا الثنائيتين الأوليين مذكوران، وأما الثالثة فقد ذكر أحد طرفيها وسكت عن الآخر. فما الذي سكت عنه؟
والقوم قدروه الباطن، فقالوا: للدنيا ظاهر وباطن، وقريش تعلم ظاهرها ولا تعلم باطنها. وههنا موضع يخطئ فيه كثيرون؛ فإن النص لم يذكر الباطن أصلا، والمذكور في الآية قسيما للدنيا هو الآخرة لا الباطن. فالطرف المسكوت عنه في السورة نفسها لا في تقديرنا نحن.
ولا سبيل إلى تحرير هذا كله حتى نعرف ما الظهور في لسان العرب أولا، ثم ما الذي صنعه التنكير والتبعيض بهذه اللفظة، ثم ما الذي كان يجري في الأرض يوم نزلت السورة. فنبدأ بالأول.
أولا: الظهر ظهر الدابة لا ظهر الإنسان
المعاجم رصدت النتيجة البصرية ولم ترصد الحركة المادية. فقال ابن فارس في ظهر: «أصل واحد يدل على قوة وبروز»، ثم قال: «وأصل كل ذلك ظهر الإنسان، وهو خلاف بطنه، لأن الظهر يجمع البروز والقوة».(١) فجعل الأصل ظهر الإنسان، وجعل العلة أنه بارز.
والصواب خلافه. فظهر الإنسان في القرآن هو الدبر، وقد بيناه في موضعه. وأما الظهر فظهر الدابة؛ لأن الحيوان يمشي على أربع فعموده الفقري مستو متجه إلى الأعلى، فمن ركبه صار ظاهرا. فليس الظهر بارزا فسمي ظهرا، وإنما هو حامل يركب فيظهر راكبه.
فإن قيل: وما الدليل على أن الركوب هو الأصل لا البروز؟
فالجواب أن النص قرن اللفظين قرنا صريحا:
﴿وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ﴾ [الزخرف: 12]
﴿لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ﴾ [الزخرف: 13]
فذكر الركوب ثم فسره بالاستواء على الظهور. ولو كان الظهر هو البارز المنكشف لم يكن للاستواء عليه معنى؛ فأنت لا تستوي على انكشاف. وزاد فقال إذا استويتم عليه، فأعاد الاستواء مرتين تثبيتا لصورة الراكب فوق المركوب.
ثم قريش نفسها تشهد بهذا في تحريمها:
﴿وَأَنۡعَٰمٌ حُرِّمَتۡ ظُهُورُهَا﴾ [الأنعام: 138]
فلم يحرموا رؤيتها ولا بروزها، وإنما حرموا ركوبها. فالمحرم هو وظيفة الظهر، وهي الحمل.
الظهر جهة الحمل، والدبر جهة الفرار
وليس الظهر هو الحمل نفسه، وإنما موضعه وآلته؛ ولهذا أضيف الحمل إليه إضافة الفعل إلى أداته:
﴿إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ﴾ [الأنعام: 146]
﴿وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡ﴾ [الأنعام: 31]
فلو كان الظهر هو الحمل لكان الكلام تكرارا.
وأما الجهة الخلفية من الإنسان فدبره لا ظهره:
﴿وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ [آل عمران: 111]
﴿وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ﴾ [الأنفال: 16]
فلم يقل يولوكم الظهور، ولم يقل يحملون أوزارهم على أدبارهم. فالدبر جهة التولية والفرار، والظهر جهة الحمل. والجهة في البدن واحدة، والاسم يختلف باختلاف الوظيفة.
ويجري هذا في كل محمول:
﴿إِن يَشَأۡ يُسۡكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظۡلَلۡنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهۡرِهِۦٓ﴾ [الشورى: 33]
﴿مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهۡرِهَا مِن دَآبَّةٖ﴾ [فاطر: 45]
﴿ٱلَّذِيٓ أَنقَضَ ظَهۡرَكَ﴾ [الشرح: 3]
فظهر البحر يحمل الفلك، وظهر الأرض يحمل الدواب، وظهر الرسول صلى الله عليه وسلم أنقضه ما حمل؛ والنقض صوت الحامل تحت ثقله.
الفرق عن البروز
وقد قررنا في موضعه أن البروز اندفاع كتلة من حيز عبر مضيق تحت ضغط، وأن الانكشاف أثر لاحق فيه لا أصله. فالبروز خروج، والظهور علو. والانكشاف نتيجة تصل إليها الطريقان، وليس هو واحدة منهما.
الكتلة: ظه وهظ
وللجذر ستة تقاليب: ظهر، وظره، وهظر، وهرظ، ورظه، ورهظ. ونلاحظ أن واحدا منها وحده حي ثابت في المعاجم الخمسة، وهو ظهر. وصرح الخليل بذلك فقال: «باب الهاء والظاء والراء معهما ظ هـ ر فقط».(٢) فالسداسية ناقصة، وبيتها خال إلا من ساكن واحد.
وإذا سقطت التقاليب فمن أين يلتمس المعنى؟ يلتمس من الحرفين اللذين تنعقد بهما الكتلة. والراء حرف سيال، زخم اندفاعي يدخل الكلمة ويخرج منها ولا يعقد كتلة. فالكتلة في الظاء والهاء لا غير. فأما الظاء فالغطاء الجاثم، وأما الهاء فالفراغ والعلوية. فكتلة ظه هي أعلى الجاثم، وهو الظهر الحامل بعينه.
وأما الكتلة المعكوسة هظ فحية نادرة، وشاهدها بهظ. قالوا: بهظه الحمل إذا أثقله وغلبه.(٣) وههنا لطيفة: فظه أن تعلو الحمل، وهظ أن يعلوك الحمل. حرفان اثنان عكس ترتيبهما فانعكست الجهة، والمعنى في الحالين واحد: من فوق من.
الظهر يحمل، والظاهر راكب. وكل راكب إلى نزول.
ثانيا: مشتقات الجذر في القرآن
أحصينا الجذر في القرآن فإذا هو تسعة وخمسون لفظا، في سبع وخمسين آية، من ثلاثين سورة. وهذا جدولها جامعا، ثم نحرر كل مشتقة على حدة.
| المشتقة | الصيغة | المعنى | العدد |
|---|---|---|---|
| ظَهْر وظُهُور | اسم | الجهة العليا الحاملة، موضع الثقل والركوب | ١٥ |
| ظِهْرِيّ | منسوب | ما طرح وراء الظهر فلم يحمل | ١ |
| الظَّهِيرة وتُظْهِرون | اسم وفعل | الحين الذي تعلو فيه الشمس ذروتها | ٢ |
| ظَهَرَ | ثلاثي | علا على الشيء وركب ظهره | ١٠ |
| أَظْهَرَ | رباعي | أركب غيره على ظهر ثالث | ٦ |
| ظاهِر وظاهِرون | اسم فاعل | الراكب فوق غيره، والجهة العليا | ١٠ |
| ظَهِير | فعيل | السند الذي يعطي ظهره فيحمل | ٦ |
| ظاهَرَ | مفاعلة | حمل غيره عليك في العداوة | ٣ |
| تَظاهَرَ | تفاعل | تحامل متبادل بين طرفين | ٣ |
| الظِّهار | مفاعلة | تحريم المرأة بلفظ الظهر | ٣ |
| المجموع | ٥٩ |
١) ظَهْر وظُهُور
خمسة عشر موضعا. وقد تقدم أنه الجهة العليا الحاملة. ويلحق به ما طرح وراء الظهر؛ فأنت تضع على ظهرك ما تحمله، وتطرح وراء ظهرك ما أبيت حمله:
﴿نَبَذَ فَرِيقٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ﴾ [البقرة: 101]
﴿وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهۡرِهِۦ﴾ [الانشقاق: 10]
﴿وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: 189]
فالوجهان من باب واحد: الحمل عليه، أو الإخراج من دائرته.
٢) ظِهْرِيّ
﴿وَٱتَّخَذۡتُمُوهُ وَرَآءَكُمۡ ظِهۡرِيًّا﴾ [هود: 92]
موضع واحد، وهو منسوب إلى الظهر، والمراد نفي وظيفته لا إثباتها؛ أي جعلتموه مما لا يحمل ولا يركب.
٣) الظَّهِيرة وتُظْهِرون
﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ﴾ [النور: 58]
﴿وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ﴾ [الروم: 18]
موضعان. وقالوا: سمي الظهر بذلك لأنه أظهر أوقات النهار. والصواب أنه الوقت الذي ركبت فيه الشمس ذروة قوسها فصارت فوق كل شيء. والدليل أن الظلال تكاد تنعدم فيه، فهو أقل الأوقات كشفا للأبعاد لا أكثرها. فالتسمية من العلو لا من الوضوح.
٤) ظَهَرَ
عشرة مواضع. ويتعدى بحرف على وهو حرف الاستعلاء، ولا يشذ:
﴿كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗ﴾ [التوبة: 8]
﴿إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ﴾ [الكهف: 20]
﴿أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ﴾ [النور: 31]
ولم يجئ في القرآن مرة واحدة ظهر له. ولو كان انكشافا لتعدى باللام؛ فالمنكشف ينكشف لك لا عليك.
ويتعدى بنفسه فيكون ركوبا مباشرا:
﴿فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا﴾ [الكهف: 97]
فقابل بين أن يركبوا ظهر السد وأن يخرقوا بطنه. ولو كان الظهور انكشافا لبطل التقابل.
﴿وَمَعَارِجَ عَلَيۡهَا يَظۡهَرُونَ﴾ [الزخرف: 33]
﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ﴾ [الروم: 41]
فركب الفساد البر والبحر، وأركبته أيدي الناس.
٥) أَظْهَرَ
ستة مواضع. والهمزة للتعدية، فالمعنى جعله ظاهرا أي أركبه:
﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 33]
﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا﴾ [الجن: 26]
﴿وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ﴾ [التحريم: 3]
وههنا دقيقة: الموضعان اللذان يحملان على الاطلاع جاءا بحرف على أيضا. فليس المعنى أن المولى جل جلاله يكشف لأحد غيبه، بل أنه لا يقعد أحدا فوقه. والرؤية أثر العلو لا عينه؛ فالراكب يرى لأنه راكب.
٦) ظاهِر وظاهِرون
عشرة مواضع، وهو اسم الفاعل من ظهر، فمعناه من جعل غيره له ظهرا فركبه:
﴿فَأَيَّدۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُواْ ظَٰهِرِينَ﴾ [الصف: 14]
فقال على عدوهم ثم قال ظاهرين، فجاء بالحرف والوصف معا.
﴿يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا﴾ [غافر: 29]
وهذا أصرحها. فقوم فرعون ظاهرون في الأرض، وقد بين النص من الذي كانوا يركبونه:
﴿إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ﴾ [القصص: 4]
فعلا في الأرض، وجعل طائفة تحته يستضعفها. فالظهور ملك فوق رقاب. وليس ظاهرين بمعنى مرئيين، فأي فائدة في أن يقال لقوم فرعون أنتم مرئيون في الأرض؟
٧) ظَهِير
ستة مواضع. وهو فعيل، وبناؤه للثبوت. فالظهير من أعطى ظهره فصار سندا يحملك وتعتمد عليه:
﴿وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4]
﴿وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا﴾ [الإسراء: 88]
﴿فَلَنۡ أَكُونَ ظَهِيرٗا لِّلۡمُجۡرِمِينَ﴾ [القصص: 17]
﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرٗا لِّلۡكَٰفِرِينَ﴾ [القصص: 86]
فقوله فلن أكون ظهيرا معناه: لن أكون الظهر الذي يركبونه ويحملون عليه أثقالهم. ولهذا جاء باللام في الظهير، وجاءت على في الظاهر؛ فاللام للمنتفع، وعلى للمقهور.
﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ﴾ [سبأ: 22]
وهذا موضع بديع، فقد نفى عن المولى جل جلاله أن يكون له من شركائهم ظهير؛ أي محمول عليه معتمد فيه. فالمعبود الحق لا يستند إلى ظهر.
﴿وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرٗا﴾ [الفرقان: 55]
فجاء بحرف على ههنا مع الظهير، لأنه ظهر حمل عليه في المعاداة لا في النفع.
٨) ظاهَرَ
ثلاثة مواضع، كلها في العداوة، وكلها بحرف على:
﴿ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا﴾ [التوبة: 4]
﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ﴾ [الأحزاب: 26]
﴿وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ﴾ [الممتحنة: 9]
فالمظاهرة أن تجعل ظهرك تحت غيرك يعتمد عليك في عداوة ثالث. وقولك لم يظاهروا عليكم أحدا: لم يحملوا عليكم أحدا.
٩) تَظاهَرَ
ثلاثة مواضع. وبناء التفاعل للمشاركة، فيحمل كل صاحبه بالتناوب:
﴿تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ﴾ [البقرة: 85]
﴿وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ﴾ [التحريم: 4]
﴿قَالُواْ سِحۡرَانِ تَظَٰهَرَا﴾ [القصص: 48]
والفرق بين ظاهر وتظاهر أن الأولى حمل من طرف لطرف، والثانية حمل متبادل بين طرفين. ولهذا لا تقع تظاهرا على كتابين جامدين؛ فالكتاب لا يعطي ظهره ولا يعتمد على ظهر.
١٠) الظِّهار
﴿وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡ﴾ [الأحزاب: 4]
﴿ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡ﴾ [المجادلة: 2]
ثلاثة مواضع، وهي أقطع الأدلة. فالعرب سمت هذا التحريم ظهارا، وصيغته أنت علي كظهر أمي. ولو كان الظهر مجرد ما يقابل البطن لاستوى أن يقال كبطن أمي أو كوجه أمي، وهو لا يقال. فإنما اختاروا الظهر لأنه موضع الركوب، والمراد تحريم ركوبها. وأي شهادة على أصل اللفظ أوثق من هذه؟
فأين الانكشاف؟
بقيت مواضع يظن فيها الانكشاف، وهي على الحد نفسه.
﴿وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَا﴾ [النور: 31]
فقد جمع بين يبدين وظهر في جملة واحدة. فلو كان ظهر بمعنى بدا لصار الكلام: ولا يبدين زينتهن إلا ما بدا منها، وهو دور لا يفيد. فثبت أن الإبداء غير الظهور: الإبداء إخراج للعيان، والظهور ركوب على البدن.
والضابط من الآية نفسها: الظاهر ما لم يركبه ساتر، والمخفي ما ركبه ساتر فصار تحته. فقد قال:
﴿وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31]
فجاء بحرف على، فالخمار يركب الجيب فيصير الجيب مركوبا مستورا. ثم قال في آخرها:
﴿وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: 31]
والذي يسمع عند ضرب الرجل هو الخلخال، وهو حلي محمول على البدن، ومع ذلك سماه النص مما يخفين. فبطل أن يكون كل حلي محمول ظاهرا؛ وإنما صار الخلخال مخفيا لأن الثوب ركبه فصار تحته. فالزينة الظاهرة ما استقر فوق البدن ولم يعله كاس، كالخاتم في الإصبع والقرط في الأذن والسوار في المعصم. والفرق ليس بين حلي وبدن، ولا بين مرئي وغير مرئي، وإنما بين راكب فوق ومركوب تحت.
﴿وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ ٱلۡقُرَى ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا قُرٗى ظَٰهِرَةٗ وَقَدَّرۡنَا فِيهَا ٱلسَّيۡرَۖ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ﴾ [سبأ: 18]
فقرى ظاهرة قرى متمكنة غالبة على ما جاورها، مبسوطة السلطان على الطريق. والدليل خاتمة الآية: آمنين. فالأمن ثمرة ظهورها؛ إذ الطريق إنما يأمن حين يكون لأهل منازله سلطان على ما حولهم، فإن ضعفوا ملكه قطاع الطريق. ولو كانت ظاهرة بمعنى مرئية لم يفد ذلك أمنا؛ فكم من قرية ترى ولا يأمن من مر بها. ويؤيده ما بعدها، فلما زال ذلك السلطان تمزق النظام كله:
﴿فَقَالُواْ رَبَّنَا بَٰعِدۡ بَيۡنَ أَسۡفَارِنَا وَظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَ وَمَزَّقۡنَٰهُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: 19]
﴿فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ﴾ [الحديد: 13]
فللسور وجهان: وجه من داخل ووجه من خارج، والخارجي هو الحامل للعذاب. وكذلك ﴿وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗ﴾ [لقمان: 20]، فجهة عالية محيطة وجهة داخلة. فثبت أن الانكشاف أثر لاحق لا حد للكلمة.
ثالثا: تنكير ظاهرا وتبعيض من
فإذا تقرر أن الظهور ركوب وعلو، بقي في الآية قيدان يمر بهما القارئ ولا يقف: التنكير، والتبعيض. فما الذي صنعاه؟
﴿يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ [الروم: 7]
لم يقل الظاهر بالتعريف، بل قال ظاهرا بالتنكير. والنكرة في مثل هذا واحد من جملة لا الجنس كله. فمعلومهم راكب واحد: قوة واحدة في زمن واحد علت وركبت ظهر سواها.
ثم لم يقل ظاهر الحياة الدنيا بالإضافة، بل قال ظاهرا من الحياة الدنيا بحرف التبعيض. وبين اللفظين فرق ما بين الكل والبعض. فلو قال ظاهر الحياة الدنيا لكان لهم ظاهرها كله، من أولها إلى آخرها، وفي مشارق الأرض ومغاربها. لكنه بعض بحرف من، فجعل معلومهم بعضا من ظاهرها لا ظاهرها. فأي بعض هذا؟
هو بعض محدود بزمانهم وبالقرب من مكانهم: القوى التي علت في أرضهم وفي عصرهم، من ركب منها ومن ركب. فأما الماضي فلا علم لهم بمن ظهر فيه إلا ما بقيت آثاره أو أخبر به الوحي، وأما الآتي فمغيب عنهم، وأما الآخرة فباب آخر بالكلية.
فلم قال من الحياة الدنيا ولم يقل من أهل الدنيا؟
وهذا سؤال في محله، وجوابه من أربعة أوجه.
الأول أن التقابل داخل الآية يوجبه. فالمذكور قسيما هو الآخرة، لا أهل الآخرة. ولو قال من أهل الدنيا لوجب أن يقول وهم عن أهل الآخرة غافلون. فالقسمة قسمة دارين لا قسمة أشخاص. وقد أحصينا لفظ الحياة الدنيا في القرآن فإذا هو في واحد وستين موضعا، قرن بالآخرة في الآية نفسها في تسعة عشر منها. فهي قرينتها المعهودة، ولا قرين لها من الأشخاص.
والثاني أن المركوب ليس الناس وحدهم. ففي السورة نفسها ظهر الفساد في البر والبحر، وليسا من أهل الدنيا. فالمركوب في هذا الجذر يقع على الدابة، وعلى البحر، وعلى الأرض، وعلى البيت، وعلى السد، وعلى الأمم. فلفظ الحياة الدنيا يسعها كلها، ولفظ أهل الدنيا يخرج أكثرها.
والثالث أن النقص في الدار لا في العدد. فلو قال من أهل الدنيا لأفاد أنهم يعلمون بعض الناس ويخفى عليهم بعضهم، فيكون العيب في مقدار أخبارهم. وليست الآية في هذا؛ فهي لم تعب عليهم قلة معلوماتهم عن الأمم، بل أثبتت لهم إحاطة. وإنما قال من الحياة الدنيا ليعلم أن علمهم كله محبوس في دار واحدة، وأن الدار الأخرى خارج دائرته أصلا. فالحد حد نطاق لا حد كمية.
والرابع أن الحياة الدنيا هي الظهر الأكبر. فالدول ركاب يتناوبون سرجا واحدا:
﴿وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]
والمداولة إدارة الشيء بين الأيدي، فالأيام تدار بين الناس كما تدار الدابة بين الركاب. فقريش علمت راكبا واحدا استوى على هذا الظهر في زمانها، ولم يبلغها أن الذي يركب وينزل واحد.
وفرق بين أن يقصر علمك على قوم دون قوم، وأن يقصر على دار دون دار.
رابعا: نظير الآية الوحيد
استقرأنا التركيب فإذا لفظ ظاهر لم يقع نكرة مبعضة بحرف من على اسم ظاهر إلا في موضعين اثنين في القرآن كله:
﴿أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ﴾ [الرعد: 33]
﴿يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ [الروم: 7]
وما عداهما فمن فيه للظهار أو للبيان أو لابتداء الغاية. فالآيتان توأمان في البنية ولا ثالث لهما.
ثم انظر إلى السياق فإذا هو سياق قريش بعينه: شركاء جعلوا لله، ثم قيل سموهم. والقسمة في الآية بين أمرين: أتخبرونه بواقع في الأرض لا يعلمه، أم بظاهر من القول؟
والقول هو المحتوى المصاغ المهيأ في الداخل، يسبق اللفظ وينفصل عنه. فيكون ظاهر من القول محتوى صاغوه في أنفسهم ثم علا وساد بينهم فركب ألسنتهم. فهو ظاهر لأنه غلب وتداول، لا لأنه صدق.
فتكون الآيتان على حد واحد: في الرعد سموا الشركاء بما ساد من كلامهم، وفي الروم حكموا على الدين بما علا من الدول. وفي الموضعين الخطأ واحد: جعل ما غلب هو ما ثبت.
خامسا: نفي وإثبات في آيتين متجاورتين
﴿وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: 6]
﴿يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]
ونلاحظ أن الآيتين تجمعان ما يبدو متناقضا: نفت الأولى عنهم العلم، ثم أثبتت الثانية لهم علما. واللفظ واحد نفيا وإثباتا، في آيتين متجاورتين لا فاصل بينهما. ولو أريد نفي مستقيم لقيل: ولكن أكثر الناس لا يعقلون، أو لا يفقهون، أو لا يشعرون؛ وكلها في القرآن. فما وجه ذلك؟
ووجهه أن المنفي غير المثبت. فالمنفي علم الوعد، وأن الأمر لله من قبل ومن بعد، وأن الموازين تقلب بمشيئته لا بأسبابها وحدها. والمثبت علم راكب واحد ركب في زمانهم.
ويشهد لهذا أن اللفظة نفسها عادت في السورة مقرونة بما لا يتبدل:
﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: 30]
فقرن النفي مرتين بما لا يتبدل: بالوعد الذي لا يخلف، وبالفطرة التي لا تبديل لها. فالمنفي عنهم في الموضعين واحد: العلم بالثابت. والمثبت لهم واحد: العلم بالمتقلب.
وأما قوله وهم عن الآخرة هم غافلون فلم يقل غير عالمين حتى يكون نفيا للعلم. والغفلة تشتت النظر عن الشيء لوجود ما هو أجذب منه، وضدها الوجه أي شدة التركيز عليه. ونلاحظ أنه كرر الضمير مرتين، ولو أراد الخبر المجرد لقال وهم عن الآخرة غافلون والمعنى تام؛ فالتكرار قصر وتخصيص.
أحاطوا بجولة، وغاب عنهم من يدير الجولات.
سادسا: ما الذي حدث حين نزلت السورة
نزلت السورة إثر وقعة من وقائع حرب طويلة بين فارس والروم، انكسرت فيها الروم على تخوم الشام، وكان الملتقى بين أذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إلى أرض العرب.(٤)
فبلغ الخبر مكة ففرح المشركون، ونقل النسفي قولهم كما أورده ابن عجيبة في البحر المديد: «أنتم والنصارى أهل الكتاب، ونحن وفارس أميون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنظهرن نحن عليكم».(٥)
والخبر يدور في كتب التفسير بغير إسناد يساق، فلا نجعله وحده أصلا يبنى عليه. غير أن فيه لفظة واحدة هي موضع الشاهد: إخواننا. فلم يقولوا حلفاؤنا، ولا شركاؤنا في التجارة، وبينهم وبين فارس تجارة وعهود ورحلة شتاء؛ وإنما قالوا إخواننا، في سياق قسموا فيه الناس قسمة دينية لا سياسية: أهل كتاب في جهة، وأميون في جهة. ثم أنزلوا أنفسهم مع فارس في الجهة الثانية.
فالأمية ههنا ليست عجزا عن الخط والقراءة، وإنما هي في هذا الميزان من لا كتاب لدينه. فقريش تعد نفسها في ملة المجوس لا في ملة أهل الكتاب، وتفرح بظهور فارس فرح من ظهر دينه، لا فرح من ربحت قافلته.
ونلاحظ أنهم استعملوا اللفظ نفسه مرتين: ظهر إخواننا، ولنظهرن نحن. والكلمة كلمتهم لا كلمة المفسرين، وهي عندهم في الركوب والتمكن لا في الانكشاف. فانظر كيف جاء استعمالهم على الحد الذي قررناه سواء.
ولقد تأكد لقريش ولعامة من يدين بدينها أن دينهم حق؛ فالوسائط الروحانية هي التي تتدخل في المعارك، والمولى جل جلاله بعيد عن هذه الشؤون قد تركها للملائكة والجن. ثم النصر بعد يعتمد على الوسائط المادية، فقوة الجيش وتنظيمه وسلاحه هي التي تحدد المنتصر لا إله السماء. فقولهم لنظهرن نحن عليكم قياس تام على مقدمتين: ديننا كدينهم، وقد ركبوا، فسنركب.
فبأي شيء رد النص الكريم؟
لم يرد عليهم بتخطئة الخبر، فالخبر صحيح والهزيمة واقعة. وإنما رد بأربع آيات:
﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ﴾ [الروم: 2]
﴿فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ﴾ [الروم: 3]
﴿فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [الروم: 4]
﴿بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الروم: 5]
فصدق الخبر ولم ينكره، ثم زاد عليه ما ليس عندهم: أنها ستغلب بعد غلبها في بضع سنين. فأقر الجولة الأولى ونازعهم في الحكم المبني عليها.
صدقهم في الخبر، وخالفهم في القانون.
سابعا: شبكة العهود
فمن أين لقريش هذا العلم بمن ركب ومن سقط؟
والجواب أنها كانت تملك أوسع جهاز أخبار في الحجاز، وأنه لم ينشأ بالمصادفة ولا بكثرة الأسفار وحدها، وإنما نشأ بالعهد المعقود. فالإيلاف الذي امتن الله به عليهم ليس ألفة قلوب كما يتبادر إلى الذهن، وإنما هو العهود؛ نص عليه ابن حبيب فقال: «والإيلاف: العهود». وحديثه أن أربعة إخوة من بني عبد مناف اقتسموا الآفاق، فأخذ هاشم عهدا من قيصر، وعبد شمس من النجاشي، والمطلب من ملوك اليمن، ونوفل من كسرى.(٦)
﴿لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ﴾ [قريش: 1]
﴿إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ﴾ [قريش: 2]
فهي أربع معاهدات مع أربع قوى، تجدد بالرحلتين كل عام. ويزيد ابن سعد أن هاشما كان يدخل على قيصر بنفسه، وأن رحلة الصيف «ربما بلغ أنقرة».(٧) فالرجل يقطع ألوف الأميال إلى قلب دولة الروم ثم يعود، وفي رحله الخبر مع المتاع.
ثم تنضم إلى الرحلتين دورة الأسواق: دومة الجندل، والمشقر بهجر وفيه «توافي بها فارس يقطعون البحر إليها ببياعاتهم»، ودبا التي «يأتيها تجار السند والهند والصين وأهل المشرق والمغرب»، وصحار، والشحر، وعدن، وصنعاء، وعكاظ، وذو المجاز. وكان التجار كلهم يستجيرون بقريش ما داموا في بلاد مضر.(٨) فأنت أمام قوم تفد إليهم أخبار العالم المعروف كله في موسم واحد، ولهم عيون في كل طريق.
فمن أحاط بهذا كله عد نفسه عليما بمن يركب ومن يركب، وهو أصل من أصول السياسة، به تعقد الأحلاف وتؤمن القوافل وتقدر المخاطر. فليس العيب في الميزان نفسه.
ومقياسهم صحيح لا خلل فيه، فالغلبة والقوة في النهاية هي المعيار. وقد يتغلب الله عليهم بنفسه فيدمر بلادهم ويشرد سكانها، وقد يسلط عليهم قوة أخرى، وقد يمكن للمستضعفين فينتصرون عليهم. فمنطق القوة منطق صحيح، ومن ملك القوة فقد كان قريبا من الحق. لكن الأمر في العجلة وعدم الصبر، والنظر من خرم الباب، وترك استشراف المستقبل؛ فالمولى يمهل ولا يهمل. فلا يصح الحكم من أول نظرة، بل الصواب النظر إلى النتائج الأخيرة.
ثامنا: من أين جاء الخبر، من قريش أم من الوحي
والروايات تجعل قريشا هي التي عرفت الخبر أولا، وهذا في المنطق معقول؛ فهم أصحاب الشبكة التي تقدم وصفها، ومعظم القبائل في حلف معهم وائتلاف. والرسول صلى الله عليه وسلم يومئذ في مكة مع قليل من المؤمنين، ليس لهم من التجارة ولا من الرجال ما يقاس بقدرة قريش.
فإن كان الخبر قد ورد على ألسنتهم قبله، فلم جاءت هذه الأنباء في السورة أصلا؟ والجواب أن الخبر نزل من عند الله، لا أن قريشا حملته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذه أدلته.
أولها المسافة. فبين مواضع القتال على تخوم الشام وبين مكة نحو ألف ومئتي كيلومتر، ولا بريد ولا خيل ساع، وإنما قوافل تسير في مراحل تنزل وترعى وترد. فالخبر يقطعها في شهر أو شهرين على قدر الراكب. ولم تسم الروايات من حمل الخبر، ولا حددت مدة وصوله. فبين الحدث وبلوغه فجوة لا يملؤها إلا الوحي.
وثانيها انتفاء الفائدة من إخبارهم بما يعلمون. فلو كان الخبر قديما عندهم لقام أبو جهل أو الوليد بن المغيرة فقال: أنت لم تأت بجديد، فنحن أهل العيون والأخبار، وإنما تعيد علينا كلامنا. فذكر الحدث وتحديد موضعه إنما يفيد من لم يبلغه، لا من هو مصدره. وأذرعات موضع يعرفونه معرفة التاجر لا معرفة السامع، ينزلونها في طريق الشام، وينسب إليها الخمر في شعرهم.(٩)
وثالثها أنه لم يقل إذ ولا وأنتم. فالقرآن إذا ذكر قوما بواقعة شهدوها شدها إليهم برابط يحضرها في نفوسهم:
﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123]
﴿لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا﴾ [التوبة: 25]
فههنا وأنتم أذلة، وههنا إذ أعجبتكم كثرتكم. وأما في الروم فقيل: غلبت الروم، عارية عن كل ما يشدها إلى ذاكرة السامع. وفرق بين أن يقال لك تذكر يوم كذا، وأن يقال لك وقع كذا.
ورابعها الحروف المقطعة. فالسور المفتتحة بها تسع وعشرون، وقد استقرأناها ونظرنا فيما يلي حروفها، فإذا هو في ست وعشرين منها ذكر الكتاب أو القرآن أو التنزيل أو الوحي أو القلم. وتخرج عن ذلك ثلاث: آل عمران، افتتحت بتقرير التوحيد ثم جاء الكتاب في الثالثة؛ والعنكبوت، افتتحت بالفتنة والابتلاء؛ والروم.
فلم يجئ بعد الحروف خبر حادثة من حوادث زمانهم في سورة واحدة إلا في الروم.
فالذي يلي الحروف على قاعدتها من مخازن علمه جل جلاله: كتاب ينزل، وقرآن يتلى، ووحي يوحى. فلما جاء بعدها ههنا خبر معركة، ثم أتبع بنبإ عن غلبة بعد بضع سنين، عرف أنه من ذلك الباب نفسه لا من أخبار الركبان.
وخامسها أن باب الجن مغلق. فقريش ستقول: أخبره الجن، وهو اعتقاد له أصل عندهم؛ فالجن يسترقون السمع من الملإ الأعلى. غير أن هذا الباب قد سد في تلك الفترة:
﴿وَأَنَّا لَمَسۡنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدۡنَٰهَا مُلِئَتۡ حَرَسٗا شَدِيدٗا وَشُهُبٗا﴾ [الجن: 8]
﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن يَسۡتَمِعِ ٱلۡأٓنَ يَجِدۡ لَهُۥ شِهَابٗا رَّصَدٗا﴾ [الجن: 9]
فسقط أن يكون الخبر مسروقا من فوق، كما سقط أن يكون منقولا من دون.
وههنا خبر يجري هذا المجرى وإن لم نقبله في نفسه. فقد جمع ابن مسعود القمر والروم في حديث واحد فقال: «خمس قد مضين: الدخان، والقمر، والروم، والبطشة، واللزام».(١٠) وفي خبر انشقاق القمر أن قريشا قالت: «هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا ما رأيتم فهو سحر»، فسئل السفار وقدموا من كل وجه فقالوا: رأينا.(١١)
ونحن نرد خبر انشقاق القمر ولا نقيم له وزنا في نفسه. غير أن راويه يشهد لنا من حيث لم يقصد: أن قريشا كانت تحتكم إلى السفار في تحقيق الأخبار، وأنها تجعل شبكتها ميزانا للصدق والكذب. فمن ألف الخبر أو رواه كان يدرك هذا من حالهم، وهذا موضع الشاهد لا غير.
تاسعا: ميزانهم، العلو دليل الحق
وهذا الميزان بعينه هو الذي نطق به هرقل حين سأل أبا سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم: «فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم».(١٢) فالسؤالان عن الملك والوجاهة، لا عن صدق الخبر ولا عن موافقته لما قبله من الكتب.
وقد قالته قريش صريحا في سورة أخرى:
﴿وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]
فذكر الطبري عن قتادة أن الوليد بن المغيرة قال: «لو كان ما يقول محمد حقا أنزل علي هذا».(١٣) فانظر كيف جعل نزول الوحي تابعا للعظمة في الأرض، لا العظمة تابعة للوحي. فهي القاعدة نفسها في الموضعين: من ركب فهو المحق، ومن ركب فلا حق معه.
وهذا الميزان هو الذي حكموا به على الرسول الذي هو في نظرهم ضعيف فاشل، ومعظم جماعته من الكتابيين مهزومون؛ فأين الله لكي ينصرهم؟ أم هو كما يقول دينهم لا يتدخل في الشر، ويترك هذه الأمور للكائنات الروحانية الطيبة والشريرة؟
فلما جعلوا الركوب ميزانا للحق، سبقهم الوحي إلى الركوب نفسه فأخبرهم به.
عاشرا: جواب السورة
﴿فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُ﴾ [الروم: 4]
فلم يقل من بعد وحدها فيكون النصر منه دون الهزيمة، بل جمعهما. وقبل الهزيمة، وبعد الغلبة. فاليد التي أنزلت الروم عن السرج هي اليد التي سترده إليها.
ثم سمى غلبة الروم الآتية نصر الله وهم غير مسلمين، ثم عمم فقال ينصر من يشاء، ولم يقل من يستحق. فالنصر قسمة تقسم لا أجرة تستحق. ثم امتد لفظ المشيئة إلى كل برهان عولوا عليه: النصر، والرزق، والمطر، والقوة والضعف؛ أربعة مواضع في السورة لا خامس لها.
﴿۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ﴾ [الروم: 54]
فهذه دورة الراكب في بدنه هو: ضعف، ثم قوة، ثم ضعف. ومن لم يثبت على سرج بدنه فكيف يثبت على سرج الأرض؟
ثم جاء الجواب العملي: أن يبنى الدين على ما لا يتبدل، لا على من علا اليوم:
﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ﴾ [الروم: 30]
ثم أحالهم على معرض من سبقهم، وهم أعرق منهم في العمارة والقوة:
﴿أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ [الروم: 9]
فقوم أتقنوا قوانين الأرض والسياسة معا ثم سقطوا. وقريش تمر بديارهم في رحلتي الشتاء والصيف، فالمعرض على طريقها لا في كتاب.
حادي عشر: طوق الجذر في السورة
ونلاحظ أن الجذر ورد في سورة الروم ثلاث مرات لا رابعة لها، وفي ثلاثة مواضع لا يجمعها في الظاهر جامع:
﴿يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ [الروم: 7]
﴿وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ﴾ [الروم: 18]
﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ [الروم: 41]
فالأول راكب ركبته قريش بأخبارها فحسبته العلم، والثاني وقت ركبت فيه الشمس ذروتها ثم تنحدر، والثالث فساد ركب البر والبحر بأيدي الناس. ثلاثة ركوبات، كلها علو مؤقت لصاحبه أن ينزل عنه.
ولهذا ختم الثالث بقوله لعلهم يرجعون. فالراكب إذا علم أنه سينزل رجع، وإذا حسب السرج ملكا له مضى.
الخاتمة
فقريش لم تخطئ في الخبر، ولا في الميزان، ولا في الحساب. أخبرت بمن ركب فأصابت، وقاست القوة بالقوة فأصابت. وإنما ظنت أن الراكب لا ينزل، وأن السرج ملك من استوى عليه.
فجاءها النص الكريم بخبرين لا بخبر: أن الذي ركب اليوم سينزل في بضع سنين، وأن اليد التي تركب وتنزل واحدة قبل الجولة وبعدها. ثم أراها أن دورة الركوب والنزول تجري في بدنها هي: من ضعف إلى قوة إلى ضعف. ثم دلها على ما لا يركب ولا يركب: فطرة الله التي لا تبديل لخلقها.
ونتعجب من قوم أحاطوا بأخبار الأرض من الصين إلى أنقرة، ثم لم يسألوا سؤالا واحدا: ومن الذي أنزل الراكب الذي قبل هذا؟
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني

التعليقات (0)