المُلك في القرآن تصرُّفٌ لا استحواذ
مقابلةُ (ملك) بتسعةٍ من قرائنه في التنزيل: الغصب والاستحواذ والسيطرة والطغيان والقهر والتسخير والهيمنة والتدبير والحكم
أسئلةٌ قبل أن نبدأ
رجلٌ واحد في آية واحدة، سمّاه المولى ملِكاً، ثم سمّى فعله في السفينة غصباً:
﴿أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا﴾ [الكهف: 79]
فإن كان المُلك هو الأخذ والحيازة، فما الذي بقي للغصب حتى يُفرَد بلفظ؟ ولم لم يقل: يملك كل سفينة؟
وقال المولى لرسوله عليه الصلاة والسلام:
﴿لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]
ونفى المُصيطر عن المشركين أيضاً:
﴿أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ﴾ [الطور: 37]
فلم تُثبَت السيطرة في كتاب الله لأحد قط، لا لنبيٍّ ولا لكافر. والمُلك يُثبَت لله ولطالوت ولبلقيس ولسليمان ولملك مصر. فما الفرق بين بابٍ لا يُثبَت لأحد وبابٍ يُثبَت للأنبياء؟
ولفظةٌ ثالثة لم ترد في التنزيل إلا مرتين، وفي المرتين كانت ذمّاً:
﴿ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ [المجادلة: 19]
وقالها المنافقون عن أنفسهم:
﴿ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمۡ فَإِن كَانَ لَكُمۡ فَتۡحٞ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ وَإِن كَانَ لِلۡكَٰفِرِينَ نَصِيبٞ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَيۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]
فلم يُنسب الاستحواذ في القرآن إلا إلى الشيطان وإلى المنافقين. ولو كان المُلك استحواذاً لكان الله جل جلاله أحقَّ الناس بهذا اللفظ. فلماذا نُزِّه عنه؟
وفي آية واحدة من سورة الحشر اسمان يُقرأ أحدهما بعد الآخر:
﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [الحشر: 23]
فالمَلِك اسم، والمهيمن اسم، وبينهما ثلاثة أسماء. والأسماء الحسنى لا يُعطَف الاسم فيها على مرادفه. فإن كان المُلك هو الهيمنة فما وجه التغاير؟
وقال ملأ بني إسرائيل عن طالوت:
﴿وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 247]
فاعترضوا بالمال، وردّ عليهم المولى بالعلم والجسم. ولو كان المُلك حيازةً لكان اعتراضهم في محلّه. فلم رُدّ عليهم بالعلم؟
وقال فرعون:
﴿وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾ [الزخرف: 51]
ونلاحظ أن القرآن لم يُكذّبه في دعوى المُلك. وإنما جاء الإنكار على قوله:
﴿فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ﴾ [النازعات: 24]
فما الذي أُنكر على فرعون إذاً؟ ولم لم يُقل له: لا مُلك لك؟
ونصٌّ يفسّر نفسه بنفسه:
﴿يَوۡمَ لَا تَمۡلِكُ نَفۡسٞ لِّنَفۡسٖ شَيۡـٔٗاۖ وَٱلۡأَمۡرُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ﴾ [الانفطار: 19]
فنُفي المُلك في الشطر الأول، ثم فُسّر النفي في الشطر الثاني بأن الأمر لله. فلم قابل المولى المُلك بالأمر؟
وضرب المولى مثلاً للمملوك فعرّفه بما لا يقدر عليه:
﴿۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [النحل: 75]
فلم يقل: عبداً مملوكاً لا يُملَك، بل قال لا يقدر على شيء. وقابله بمن ينفق. فهل المُلك حيازةٌ في اليد، أم قدرةٌ على الإنفاق والتصريف؟
تسعةُ أسئلةٍ لا نجد لها في كتب اللغة جواباً، لأن كتب اللغة سوّت بين هذه الألفاظ كلها ووضعت لها معنى واحداً: الغلبة والاستيلاء.
ولن نبدأ من الآيات، فمن بدأ منها فسّرها بما يريد. نبدأ من مقابلة اللفظ بأخيه، ومن الصورة الحسّية التي وُضع لها كل واحد قبل أن يصير مصطلحاً. فإذا انفصلت الألفاظ بعضها عن بعض عدنا إلى الآيات نسألها.
الحدّ
المُلك: التصرّف في الأشياء وإدارتها. لا غير. فالمالك مدير، لا مستحوذ ولا حائز.
وليس هذا حدّاً استخرجناه من المعاجم ثم حمّلنا الآيات عليه؛ بل النصّ الكريم يقابل المُلك بالأمر مقابلةً صريحة، كما مرّ في الانفطار. فمن كان له الأمر فهو المالك، ومن سُلب الأمر سُلب المُلك وإن بقيت الأشياء بين يديه.
وحدّ المملوك في التنزيل جاء على هذا المحور نفسه. فالعبد المملوك في النحل عُرّف بأنه ﴿لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ﴾، وقُوبل بمن رزقه المولى فهو ينفق منه سراً وجهراً. ولو كان المُلك حيازةً لكان الفرق بينهما في مقدار ما في اليد، وقد جعله المولى في القدرة على التصريف. فالعبد قد تكون في يده الأموال يديرها لسيده، وهو مع ذلك مملوك؛ والحرّ قد لا يكون في يده شيء وهو مالك لأمر نفسه.
والمعاجم شاهدةٌ لنا في أصل المادّة. قال ابن فارس: «الميم واللام والكاف أصلٌ صحيح يدلُّ على قوّةٍ في الشيء... وصحّة. يقال: أملَكَ عجِينَه: قوَّى عَجنَه... والأصل هذا. ثم قيلَ مَلَك الإنسانُ الشَّيء يملِكُه... لأنَّ يدَه فيه قويّةٌ صحيحة...».(٢٠) فجعل القوّة أصلاً والحيازة فرعاً عليها. وشواهد المادّة كلها قِوامٌ وإدارة: مِلاك الأمر ما يُعتمَد عليه، والقلب مِلاك الجسد، ومُلُك الدابّة قوائمها، ومَلْك الطريق وسطه ومعظمه، ومَلَكت المرأة العجين إذا شدّت عَجنه حتى يأخذ بعضه بعضاً.(٢١) وجاء فعل المُلك في التنزيل في سبعة وخمسين موضعاً، وقع فيها على الضرّ والنفع والرزق والشفاعة والسمع والأبصار والموت والحياة والنشور والخطاب والرقاب، ولم يقع في موضع واحد منها على مال ولا دار ولا ذهب. والمال في كتاب الله يُؤتى ويُرزَق ويُخزَن.
وأصرح من ذلك مُلك سليمان عليه السلام. فقد سأل ربه:
﴿قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ [ص: 35]
ثم فسّرت الآيات ما أُعطي: ريحاً تجري بأمره، وشياطين بنّائين وغوّاصين، وآخرين مقرّنين في الأصفاد. ثم خُتم الباب بجملة هي تعريف المُلك:
﴿هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [ص: 39]
فلم يقل: هذا عطاؤنا فاحفظ أو اخزُن، بل قال فامنن أو أمسك. وأيُّ شيءٍ بعد هذا؟ المُلك أن تعطي أو تمنع بغير حساب. وهذا تصريفُ أمرٍ لا حيازةُ عين.
شروط المُلك - ولا يُنزَع من أحد إلا بسوء إدارته
فإذا كان المُلك تصرّفاً وإدارة، فالسؤال الذي يليه: متى تصحّ لصاحبه، ومتى تُنزَع منه؟
والتنزيل يذكر لها شروطاً، ثلاثةٌ منها في ابتداء المُلك وواحدٌ في بقائه، وهو أشدّها.
الأول: أن يكون خلقه
فمن صنع الشيء عرف لِمَ صنعه، وكان أحقَّ الناس بتصريفه. وانظر إلى ترتيب الأسماء في الحشر: جاء اسم المَلِك في آية، ثم جاءت الآية التي تليها مباشرة:
﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [الحشر: 24]
فالخالق البارئ المصوّر في أثر المَلِك القدّوس. وليس هذا اتفاقاً في النظم.
الثاني: أن يعلم نظامه
وهذا أدقّ الثلاثة، وأظهر ما يفصل المُلك عن الحيازة. فقد مرّ اعتراض ملأ بني إسرائيل على طالوت بأنه لم يؤت سعة من المال، وكان الجواب ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِ﴾. فلم يُردّ عليهم بمال أخفاه طالوت، ولا بجندٍ له، بل ببسطةٍ في العلم والجسم. والعلم أوّلاً. ونلاحظ أن الاعتراض كان في الحيازة والجواب في المعرفة، ولو كان المُلك حيازةً لكان الملأ أصوب من نبيّهم.
ومثله سؤال يوسف عليه السلام:
﴿قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ﴾ [يوسف: 55]
فلم يقل: اجعلني على خزائن الأرض إني قويّ غالب، بل قال إني حفيظ عليم. فعلّل طلبَ التصرّف بالعلم والحفظ. وههنا لطيفة: لم يسأل أن يملك الخزائن، بل أن يكون عليها. والفرق بين اللام و«على» في هذا الباب فرقٌ بين ملكِ عينٍ وولايةِ تصريف.
الثالث: أن تكون عنده خزائنه
فمن لا رصيد عنده لا يُعقل أن يتصرّف. وقد مرّت آية الطور، وفيها جمع المولى الخزائن والتصرّف ونفاهما معاً عن المشركين. فانظر كيف قرن بين الأمرين: أعندهم الخزائن، أم هم المصيطرون؟ كأن الثاني لا يُدّعى إلا بعد الأول.
والخزائن لله وحده:
﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْۗ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَفۡقَهُونَ﴾ [المنافقون: 7]
﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ﴾ [الحجر: 21]
وحين فُرض تمليك البشر الخزائن فرضاً، كان مآل الفرض الإمساك لا العطاء:
﴿قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا﴾ [الإسراء: 100]
فثبت أن الخزائن مبنى التصرّف، وأن الإنسان لو ملكها لعطّل التصريف بالإمساك.
الرابع، وهو شرط البقاء: حسن الإدارة
والثلاثة التي مضت شروطُ ابتداء، وهذا شرط دوام. فالمُلك في كتاب الله لا يبقى لصاحبه لأنه أخذه، بل لأنه أحسن تصريفه. ولهذا لم يُستخلَف قومٌ في الأرض إلا قُرن استخلافُهم بالنظر في أعمالهم:
﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ﴾ [يونس: 14]
وقال موسى عليه السلام لقومه:
﴿قَالُوٓاْ أُوذِينَا مِن قَبۡلِ أَن تَأۡتِيَنَا وَمِنۢ بَعۡدِ مَا جِئۡتَنَاۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُهۡلِكَ عَدُوَّكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ﴾ [الأعراف: 129]
فلم يقل: ويستخلفكم في الأرض فتملكوها، بل قال فينظر كيف تعملون. فالاستخلاف مقدّمة، والنظر في العمل هو الحكم.
فإن أساء المدير إدارته نُزع منه وأُعطي غيره:
﴿وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ﴾ [الأنعام: 133]
﴿وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]
فلم يقل: يرثها عبادي الأقوياء، ولا الأكثرون مالاً، بل قال الصالحون. والصلاح ههنا صلاح العمل، أي حسن التصريف.
وأصرح موضع في هذا قصة فرعون. فقد كان له مُلك مصر، ثم دُمّر ما كان يصنع وأُورث المستضعفون مكانه:
﴿وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ﴾ [الأعراف: 137]
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ﴾ [القصص: 5]
فانظر: لم يُنزع المُلك من فرعون لأنه لم يكن يملك، بل لأنه أساء تصريف ما يملك. ولهذا كان المنتزَع منه مالكاً والمنتزَع له مستضعفاً، فانقلب المستضعفون أئمة ووارثين.
فالمُلك عند الله وظيفة لا غنيمة: يُعطاها من يُحسن، وتُنزع ممن يُسيء فتُدفَع إلى غيره. ولهذا يُؤتى ويُنزَع، ولا يُؤتى المالُ ويُنزَع.
لئلّا يختلط المُلك بقرائنه
والعربية لا ترادف فيها. وهذه تسعة ألفاظ قاربت المُلك حتى حَسِبها الناس واحداً، وهي في التنزيل تسعة أبواب.
وننبّه قبل الدخول إلى أن ستّة من هذه الجذور لم نُفرد لها دراسةً بعدُ، وهي الغصب والاستحواذ والسيطرة والقهر والهيمنة والتدبير. فما نقوله فيها ترجيحٌ لا تقرير، وإنما نأخذ منها ما يميّز المُلك عنها، ونرجئ تحرير حدودها إلى مواضعها. وأما الطغيان والتسخير والحكم فقد درسناها، فنمضي فيها على ما تقرّر.
١) الغصب: نرجّح أنه التصرّف بغير حقّ
وهو أقطع شاهد في الباب كله، لأنه لم يرد في القرآن إلا مرة واحدة، وردت ملصقةً بمَلِك. فالرجل في الكهف ملِكٌ بنصّ الآية، وفعله في السفينة غصبٌ بنصّ الآية. رجلٌ واحد وفعلان ولفظان. ولو كان المُلك والغصب شيئاً واحداً لاستغنى النظم بأحدهما.
وقد تفرّد الغصب من بين هذه الجذور كلها بأن حدّه في المعاجم فيه لفظ الظلم. قال الليث: «الغَصْبُ: أخذ الشيء ظلماً وقهراً».(١) وقال الجوهري: «الغصب: أخذ الشيء ظلماً».(٢) ولست أجد لفظ الظلم في حدّ القهر ولا السيطرة ولا الاستحواذ ولا التسخير.
وأصله الحسّي أدلّ من حدّه. قال الأزهري: «وسمعتُ العربَ تقول: غَصَبْتُ الجِلْدَ غَصْباً إذا كَدَدْتَ عنه شعره أو وبره قسراً ولم تعطنه حتى يسترخي عنه شعره أو صوفه فيُمرَط».(٣) فنرجّح أن الغصب نزعُ الشيء من منبته قبل أن يُهيَّأ للنزع؛ أي الأخذ الذي لم تسبقه تهيئة: يدٌ تنتزع ما لم تُهيّئه.
فالمُلك والغصب طرفان في محورٍ واحد: كلاهما تصرّف، والأول بحقّ والثاني بغير حقّ. ولهذا احتاج النظمُ إليهما معاً في وصف رجلٍ واحد.
٢) الاستحواذ: نرجّح أنه الضمّ إلى النفس
ولم يرد في التنزيل إلا مرتين، كلتاهما ذمّ، كما مرّ. والمعنى في المعاجم سَوقٌ وضمّ لا تصريف. قال الجوهري: «الحَوْذُ: السَّوقُ السريعُ. تقول: حُذْتُ الإِبِلَ أَحوذُها حَوْذاً».(٤) وفسّر الأصمعي الأحوذيّ بأنه «المُشَمِّرُ في الأمورِ القاهرُ لها، الذي لا يَشِذّ عليه منها شيء».(٥)
فنرجّح أن المستحوذ يضمّ الشيء إلى نفسه حتى لا يشذّ عنه منه شيء، والمالك يصرّف أمر الشيء وقد يعطيه ويمنّ به. وأنت ترى الفرق في سليمان عليه السلام: أُعطي المُلك، فقيل له فامنن أو أمسك. ولو كان مستحوذاً ما قيل له امنن.
وههنا موضعٌ يخطئ فيه كثيرون. فقد ذهب الناس إلى أن أعظم المُلك أشدُّه قبضاً. والقرآن على خلافه: أعظم المُلك أوسعُه عطاءً. ولهذا كان المولى جل جلاله هو الوهّاب.
٣) السيطرة: نرجّح أنها الرقابة وإحصاء العمل
وقد مرّ أنها لم تُثبَت لأحد في التنزيل. والسبب يظهر من أصلها الحسّي. قال الليث: «والسَّيْطَرةُ مصدر المُسَيْطِر، وهو كالرَّقيب الحافظ المُتَعَهِّد للشيء».(٦) وزاد الجوهري: «المُسَيْطِرُ والمُصَيْطِرُ: المسلَّط على الشيء ليشرف عليه ويتعهد أحواله ويكتب عمله. وأصله من السطر».(٧)
فنرجّح أن المسيطر يكتب عمل من تحته ويحصيه عليه، وأنها وظيفة الرقيب المحاسب لا وظيفة صاحب الأمر. ولهذا نُفيت عن الرسول عليه الصلاة والسلام: فليس عمله أن يحصي على الناس أعمالهم، إنما عمله البلاغ.
وههنا لطيفة في الآية نفسها. فقد نُفيت السيطرة عن المشركين في سياق الخزائن، ونُفيت عن الرسول في سياق التذكير. فلا هؤلاء يملكون الرصيد الذي يُصرَّف، ولا الرسول موكَّلٌ بالإحصاء.
٤) الطغيان: مجاوزة المالك حدَّه
وهذا أدقّ الأبواب وأخطرها. فقد حَسِب الناس أن الطاغية ضدُّ المَلِك، وأنه من لا مُلك له. وليس الأمر كذلك.
وقد قرّرنا في سداسيّة هذا الجذر أن الكتلة فيه تجاوزُ السطح المضبوط حتى يغيب الحدّ.(٨) فالطغيان مجاوزةُ حدٍّ قائم، لا انعدامُ حدّ. وهو الذي نقلته المعاجم قبل أن يُنقل اللفظ إلى السلوك: وفي كتاب العين: «وكل شيء يجاوز القدر فقد طَغَى مثلَ ما طَغَى الماءُ على قَوْمِ نُوْحٍ».(٩) وقال ابن دريد: «وكل متجاوز حدَّه فقد طَغَى يطغَى. طَغَى السيلُ إذا جاء بماء كثير يتجاوز حدّ ما كان يجري عليه».(١٠)
والماء الطاغي ماءٌ له مجرى خرج عنه، لا ماءٌ بلا مجرى. فالطاغي صاحب حدٍّ تجاوزه.
وههنا يتبيّن موضع الطغيان من المُلك: الطاغية مالكٌ يدير ويتصرّف، غير أنه يدير بسوء وإجرام. فليس الطغيان بابا آخر غير المُلك، وإنما هو المُلك نفسه أُسيء تصريفه. ولو كان الطاغية لا يملك ما استطاع أن يذبّح ولا أن يستضعف؛ إنما استطاع لأن الأمر كان بيده، ثم صرّفه في الفساد.
ولهذا لم يُنكر المولى على فرعون مُلك مصر. وإنما أنكر عليه دعوى الربوبية. وانظر إلى ما أُمر به موسى عليه السلام:
﴿ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ﴾ [النازعات: 17]
﴿فَقُلۡ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ﴾ [النازعات: 18]
﴿وَأَهۡدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخۡشَىٰ﴾ [النازعات: 19]
فلم يقل له: قل له لا مُلك لك، ولا: قل له إنك مغتصب، بل قال: هل لك إلى أن تزكّى. ومثله في طه:
﴿ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ﴾ [طه: 43]
﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ﴾ [طه: 44]
فالمطلوب من فرعون أن يُحسن إدارة ما بيده، لا أن يُنزع ما بيده. ولو تزكّى لبقي ملِكاً يدير ويتصرّف. والشرائع لا تريد تدمير الشعوب بإسقاط حكامها، بل تحسين أعمالهم.
وهذا الذي ظهر لي، وهو مطّرد في مواضع الطغيان كلها: لم يُوصف طاغٍ في القرآن بأنه لا يملك، وإنما وُصف بأنه تجاوز.
٥) القهر: نرجّح أنه الغلبة بالقدرة وحدها
والقهر عند العرب أخذٌ من فوق. قال الليث: «أخذهم قَهْراً، أي: من غير رضاهم»، وهو عنده «الغلبة، والأخذ من فوق».(١١) وأدقّ ما فُرّق به عن أخيه ما قاله أبو هلال العسكري: «ولا يكون القهر إلا بفضل القدرة، ألا ترى أنك تقول ناوأه فقهره ولا تقول حاجه فقهره ولا تقول قهره بفضل علمه كما تقول غلبه بفضل علمه».(١٢)
فنرجّح أن القاهر يغلب بقدرته وحدها، والمالك يدير ويتصرّف، وشرطه العلم والخلق والخزائن ثم حسن الإدارة. ولهذا جاء الاسمان لله جل جلاله اسمين لا اسماً واحداً: هو المَلِك، وهو القهّار:
﴿يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ﴾ [غافر: 16]
فانظر كيف جُمع في هذه الآية بين المُلك والقهر في موضعٍ واحد، ولم يُستغنَ بأحدهما عن الآخر.
ونُهي الإنسان عن قهر اليتيم:
﴿فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ﴾ [الضحى: 9]
ولم يُنهَ عن أن يملك أمره. بل الوليّ مأمور بتصريف مال اليتيم بالتي هي أحسن. فالقهر منهيٌّ عنه والتصرّف مأمور به. وأيُّ فرقٍ أبين من هذا؟
٦) التسخير: انقيادٌ بلا أجر
وقد قرّرنا فيما مضى أن السخرة الاستفادة من الشيء أثناء حركته. والمعاجم تزيد قيداً حسّياً. وفي كتاب العين: «وأما السُّخْرةُ فما تَسَخَّرْتَ من خادم ودابة بلا أجر ولا ثمن».(١٣) وقال ابن دريد: «وسخرت الرجل تسخيراً إذا اضطهدته وكلفته عملاً بلا أُجرة».(١٤)
فالمسخَّر يعمل ولا يأخذ، ولا خيار له. والمملوك في التنزيل يُنفَق عليه ويُطعَم مما يأكل سيده. فالتسخير حالُ المدفوع، والمُلك حالُ من له الأمر.
وقد جمع المولى البابين في آية واحدة فصلاً بيّناً:
﴿يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ﴾ [فاطر: 13]
فسخّر الشمس والقمر، ثم قال له المُلك، ثم نفى عن آلهتهم أن يملكوا من قطمير. ثلاثة أبواب في آية: تسخيرٌ، ومُلك، ونفيُ مُلك. ولو كان التسخير هو المُلك لكان في الآية تكرار.
٧) الهيمنة: نرجّح أنها قيامٌ وحفظٌ على غيرك
وقد مرّ أن المَلِك والمهيمن اسمان متغايران في آية الحشر. والفرق يظهر من الصورة الحسّية التي نقلها الزمخشري وحده فيما وقفتُ عليه: «هيمن الطائر على فراخه: رفرف عليها. وهيمن على كذا إذا كان رقيباً عليه حافظاً».(١٥)
فالطائر فوق فراخه يحفظها لا يقهرها. فنرجّح أن الهيمنة علوُّ حياطةٍ لا علوُّ غلبة. وفرّق العسكري بينها وبين الرقابة، فجعل الرقيب هو الذي يرقبك مفتّشاً عن أمورك، وقال: «والمهيمن هو القائم على الشئ بالتدبير».(١٦)
وأصرح شاهدٍ على أن الهيمنة غير المُلك أن القرآن نفسه مهيمن:
﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48]
فالقرآن مهيمن على الكتب قبله، ولا يُقال إنه يملكها. فالهيمنة شهادةٌ وحفظٌ على غيرك، والمُلك تصريفٌ لأمرك.
٨) التدبير: نرجّح أنه النظر في العاقبة
وهذا أقرب الأبواب إلى المُلك، حتى حَسِبه بعضهم إياه. وقد فصل المولى بينهما في آية واحدة:
﴿قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: 31]
فقال يملك السمع والأبصار، ثم قال ومن يدبّر الأمر. ولو كانا واحداً لما جُمعا في سياق تعديد.
والتدبير من الدُّبُر، أي آخر الأمر. وفي كتاب العين: «والتدبير: نَظَرٌ في عَواقِبِ الأمور».(١٧) وأنفس ما في الباب قول أكثم بن صيفي لبنيه: «يا بنيّ لا تتدبّروا أعجازَ أمورٍ قد ولّت صدورها».(١٨) فالتدبير موقعُ النظر من الأمر لا سلطانٌ عليه.
ولهذا يقع التدبير ممن لا يملك: يدبّر الوزير أمر الدولة وليست له، ويدبّر الوكيل مال موكّله. ويقع المُلك ممن لا يُحسن التدبير: كم من ملِكٍ له الأمر وقد أساء عاقبته. فبينهما ما بين القِوام والغاية.
٩) الحكم: سياسةُ ما مُلك
وهذا بابٌ يطول، وله سداسيّته التي لا نقضي فيه إلا بها؛ فنقتصر ههنا على ما قام عليه دليل داخل هذا المقال.
وقد جُمع المُلك والحكمة لداود عليه السلام:
﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [البقرة: 251]
فلم يقل: وآتاه الله المُلك فقط، ولا: الحكمة فقط، بل جمعهما. فالمُلك أن يكون الأمر بيدك تديره، والحكم إمضاؤه في الناس على وجهه. ولهذا يُعطى المُلك لمن لا حكمة له فيفسد، ولا يُعطى الحكم إلا لمن معه ما يحكم فيه.
المُلك في التنزيل: ما الذي يُملَك؟
وبعدُ، فقد فرغنا من فصل الألفاظ بعضها عن بعض. ونعود الآن إلى الآيات نسألها: على ماذا أوقع كتاب الله المُلك؟
المُلك يقع على ما لا يُحاز أصلاً
وهذه أوّل قرينة تهدم دعوى الحيازة. فقد أوقع المولى المُلك على أمورٍ لا تُحاز ولا تُوضع في يد:
﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا﴾ [الفرقان: 3]
فالضرّ والنفع والموت والحياة والنشور خمسةٌ ليس فيها عينٌ تُقبَض. وإنما هي أمورٌ تُصرَّف. ولو كان المُلك حيازةً ما استقام نفيه عنها.
ومثله ﴿أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ﴾، فالسمع والأبصار أعضاء حيّة في أبدان الناس، لا تُحاز ولا تُنقَل. وإنما يُملَك أمرها: من يفتحها ومن يغلقها.
وقالها بنو إسرائيل في اعتذارهم:
﴿قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ﴾ [طه: 87]
أي ما أخلفنا موعدك بأمرنا وتصرّفنا؛ فقد غلبنا السامري. ولست أعلم كيف يستقيم في هذه الآية معنى الحيازة.
المُلك يُؤتى ويُنزَع والرجل قائم في مكانه
وهذه القرينة الثانية:
﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [آل عمران: 26]
وتأمّل: يُنزع المُلك والرجل حيٌّ في قصره. فلو كان المُلك أرضاً وذهباً لما انتُزع وصاحبه جالس عليها. إنما يُنزع الأمر: تُقبل الطاعة على رجل وتُدبر عن رجل. والقصور باقية في مكانها.
ولهذا امتنّ المولى على بني إسرائيل بأن جعلهم ملوكاً:
﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [المائدة: 20]
وقد كانوا قبل ذلك يُذبَّح أبناؤهم. فلم تكن النعمة أن أُعطوا خزائن، بل أن صار لهم أمر أنفسهم بعد أن كان لغيرهم.
المُلك يقع على الناس بحرف الاستعلاء
وهذه قرينة في النحو لا في المعنى، وهي من أدقّ ما في الباب. فقد قال الملأ: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا﴾، فعدّوا المُلك بـ«على» وأوقعوه على أنفسهم. ولم يقولوا: أنّى يكون له المُلك لأرضنا.
وقال الهدهد عن بلقيس:
﴿إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ﴾ [النمل: 23]
فقال تملكهم، ولم يقل تملك بلادهم. ثم عطف على ذلك ﴿وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ﴾، فجعل المتاع بابَ إيتاءٍ لا بابَ مُلك.
وقالت هي عن الملوك:
﴿قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ﴾ [النمل: 34]
فوصفت فعل الملوك في الأنفس: يجعلون الأعزّة أذلّة. ولم تصف حيازتهم للجدران.
المُلك في الأنعام: تصريفٌ فُصّل بعده
وقد يُعترض ههنا بالأنعام، فإنها أعيان تُحاز. والجواب في الآية التي تليها:
﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَيۡدِينَآ أَنۡعَٰمٗا فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ﴾ [يس: 71]
﴿وَذَلَّلۡنَٰهَا لَهُمۡ فَمِنۡهَا رَكُوبُهُمۡ وَمِنۡهَا يَأۡكُلُونَ﴾ [يس: 72]
فلم يقل: وحُزناها لهم، بل قال وذلّلناها لهم. ثم فصّل التصريف: منها ركوبهم ومنها يأكلون. فمرجع المُلك إلى ما يُصرَّف من الدابّة لا إلى جِرمها.
ومثله المفاتح:
﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [النور: 61]
فلم يقل: أو ما ملكتم بيوته، بل قال مفاتحه. والمفتاح آلة التصرّف لا العين المحوزة. وقد نقل القرطبي عن جمهور المفسرين أنه يدخل في الآية «الوكلاء والعبيد والأُجَراء».(١٩) وهذا أدقّ مواضع الباب فليُنصَف فيه النظر.
ما نُفي عن الآلهة كلُّه من باب التصريف
وانظر إلى ما نفاه المولى عن آلهتهم، تجده كله قدرةً على تصريفٍ لا حيازةَ عين:
﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ﴾ [سبأ: 22]
﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ رِزۡقٗا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ﴾ [النحل: 73]
فنُفي عنهم أن يملكوا مثقال ذرّة، وأن يملكوا رزقاً؛ ومثله ما مرّ في فاطر من نفي أن يملكوا من قطمير. والقطمير أدنى ما يكون. ولو كان النفي نفيَ حيازة لكان في الآيات إخبارٌ بأن الأصنام فقيرة، وهذا مما لا يُنازَع فيه أحد ولا يُحتجّ به على مشرك. وإنما النفي نفيُ أن يكون لها من الأمر شيء.
ويوم الدين يخلص الأمر لصاحبه
وقد مرّ نصّ الانفطار، وهو أصرح ما في الباب: ﴿لَا تَمۡلِكُ نَفۡسٞ لِّنَفۡسٖ شَيۡـٔٗا﴾ ثم ﴿وَٱلۡأَمۡرُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ﴾. فعرّف المولى المُلك المنقطع يومئذ بأنه ما تملكه نفسٌ لنفس. وهذا نصّ في أن المُلك علاقة تصريفٍ بين طرفين.
ولهذا جاء النداء يوم القيامة: ﴿لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ﴾ فلا يُجاب إلا باسمه. ولهذا كان في الفاتحة:
﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]
وفي الناس:
﴿مَلِكِ ٱلنَّاسِ﴾ [الناس: 2]
فأُضيف المَلِك إلى الناس، ولم يُضَف إلى الأرض ولا إلى السماء. ولو كان المُلك حيازةً لكانت إضافته إلى الأعيان أولى.
وقال المولى عن نفسه:
﴿فَسُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [يس: 83]
فالملكوت بناء سعةٍ ومبالغة، وقد جعله المولى بيده. واليد ههنا كنايةُ التصريف لا كنايةُ الخزن.
الخاتمة: والآن نعود إلى الأسئلة
افتتحنا بتسعة أسئلة، وهذه أجوبتها.
فأما الغصب في الكهف، فقد أُفرد بلفظه لأن الرجل كان ملِكاً يدير أمر قومه، ثم مدّ يده إلى ما ليس من إدارته. فسُمّي في الأول ملِكاً وفي الثاني غاصباً. ولو كان المُلك أخذاً لاستوى الفعلان.
وأما السيطرة، فلم تُثبَت لأحد لأنها إحصاءٌ ومحاسبة، وذلك لله وحده؛ والرسول مبلّغ لا محاسب.
وأما الاستحواذ، فنُزّه عنه المولى لأنه ضمُّ الشيء إلى النفس حتى لا يشذّ منه شيء، ومُلك الله عطاءٌ لا ضمّ: فامنن أو أمسك.
وأما تغاير المَلِك والمهيمن، فلأن الهيمنة حفظٌ وقيامٌ على غيرك، والمُلك تصريفٌ لما بيدك. والقرآن مهيمن على الكتب ولا يملكها.
وأما ردُّ اعتراض الملأ بالعلم، فلأن العلم بالنظام شرطٌ من شروط المُلك. فطالوت أقدرُ على إدارة أمرهم لعلمه، وإن لم يكن أكثرهم مالاً.
وأما فرعون، فلم يُنكَر عليه مُلكه لأنه كان يملك حقاً، وإنما أُنكرت إدارته. فالطاغية مالكٌ يدير بسوء وإجرام، لا رجلٌ بلا مُلك. وقيل له: هل لك إلى أن تزكّى - أي أحسِنْ ما بيدك. فلو تزكّى لبقي ملِكاً. ولما لم يفعل نُزع منه وأُورث المستضعفون.
وأما مقابلة المُلك بالأمر في الانفطار، فلأنهما شيء واحد: من له الأمر فهو المالك.
وأما تعريف المملوك بأنه لا يقدر على شيء، فلأن حدّ المملوك انقطاع التصرّف، لا خلوّ اليد.
فالمُلك إدارةٌ وتصريف، لا استيلاء ولا استحواذ. وشرطه أن تكون صنعتَ الشيء، وأن تعرف كيف يعمل، وأن يكون عندك ما تُنفق منه - ثم أن تُحسن. فإن أسأت فأنت مالكٌ طاغٍ، يُنزَع ما بيدك ويُدفَع إلى من هو أحسن عملاً.
اللهم علّمنا من كتابك ما جهلنا، وردّنا إلى حدودنا إذا تجاوزناها، ولا تجعلنا ممن ملّكته فطغى.
التعليقات (0)