المِلَّةُ والرَّماد: كيف تفترقُ (مل) عن (لم)

المِلَّةُ والرَّماد: كيف تفترقُ (مل) عن (لم)

قال الله تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ﴾ [آل عمران 26]. المُلكُ يُؤتى ويُنزَع، ويُنازَعُ فيه ويُطلَب. ولا يُقالُ هذا في شيءٍ يَملِكُه صاحبُه حقيقةً؛ فما الذي في هذا اللفظِ حتى صارَ كذلك؟

وقال: ﴿قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗا﴾ [البقرة 135]. والمِلَّةُ في كلامِ العربِ الرَّمادُ الحارُّ تُدفَنُ فيه الخُبزة. فأيُّ جامعٍ بين الدِّينِ الذي يُتَّبَعُ وبين رمادٍ في حُفرة؟

وقال: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖ﴾ [الإسراء 31]. وفي العربيّةِ لفظُ الفقرِ ولفظُ العُدمِ ولفظُ الفاقة. فلِمَ عَدَلَ عنها كلِّها إلى «الإملاق»؟

وقال في إمهالِ الظالم: ﴿أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗا﴾ [آل عمران 178]. وقال في كتابةِ الدَّين: ﴿فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِ﴾ [البقرة 282]. فِعلٌ واحدٌ يقعُ على مُهلةِ الظالمِ وعلى نصِّ الدَّينِ يُلقى على الكاتب. فما الذي يجمعُ بينهما حتى استَويا في اللفظ؟

وقال في آكلي التُّراث: ﴿وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا﴾ [الفجر 19]. وفي العربيّةِ «كثيراً» و«شديداً» و«جَشِعاً». فلِمَ اختارَ «لَمّاً» دونها؟

وقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَ﴾ [النجم 32]. فاستَثنى اللَّمَمَ من الإثمِ والفواحش. فما اللَّمَمُ حتى صحَّ استثناؤه منهما؟

وقال: ﴿وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة 1] ﴿ٱلَّذِي جَمَعَ مَالٗا وَعَدَّدَهُۥ﴾ [الهمزة 2]. فقرَنَ عيبَ الناسِ بجمعِ المال، وليس بينهما في الظاهرِ صِلة. فما الجامعُ بينهما؟

وقال: ﴿قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا﴾ [الأنعام 150]. فلِمَ كانت كلمةُ الدعاءِ إلى الشيءِ «هَلُمَّ» دونَ سائرِ الألفاظ؟

فهل تستطيعُ الكتلةُ أن تكشفَ لنا أسرارَ القرآن؟ هذا ما نمتحنُه ههنا. ولن نبدأَ من الآيات، فمَن بدأَ منها فسَّرها بما يريد. نبدأُ من الحروف.

حرفانِ اثنان، وترتيبان

في العربيّةِ الميمُ واللامُ يأتلفانِ على وجهين: (م ل) كما في مَلَّ ومَلأ ومَلَك، و(ل م) كما في لَمَّ ولَأَمَ ولَزِم. ونحوٌ من مئةِ جذرٍ في اللسانِ فيه هذانِ الحرفان، ما بين مقترنَينِ في الصدرِ أو في العَجُز، وما بين مفترقَينِ يفصلُ بينهما ثالث.

والسؤال: أهذا صُدفةُ حروفٍ التقت، أم أنّ الحرفينِ يَعقِدانِ معنًى ويكونُ ترتيبُهما هو الذي يُعيِّنُ جهتَه؟

المضاعفانِ يُجيبان

أوجزُ ما في البابِ أن تنظرَ إلى الجذرَينِ اللذَينِ ليس فيهما إلّا هذانِ الحرفانِ مكرَّرَين، فليس معهما ثالثٌ يُشوِّشُ عليك.

(لَمَّ) - قال الخليلُ في العين: «اللَّمُّ: الجمعُ الكثيرُ الشديد، تقول: كتيبةٌ ملمومة، وحجرٌ ملموم، وطينٌ ملموم... والآكلُ يَلُمُّ الثريدَ فيجعلُه لُقَماً عِظاماً ثمّ يأكلُه أكلاً لَمّاً»(١). وقال ابنُ دريدٍ في الجمهرة: «واللِّمَّة: الشَّعرُ إذا جاوزَ شحمةَ الأذنين».

فانظر إلى الصورِ الأربع: كتيبةٌ من رجالٍ متفرِّقينَ صاروا صفّاً واحداً، وطينٌ من ذرّاتٍ لا تتماسكُ صارَ جسماً واحداً، وثريدٌ مفتوتٌ في القَصعةِ جُمِعَ لُقَماً، وشَعرٌ منتشرٌ اجتمعَ على المَنكِبَين. مادّةٌ دقيقةٌ كثيرة، ثمّ فِعلٌ يَضُمُّها حتى تصيرَ واحداً.

(مَلَّ) - وقال الخليلُ في المادّةِ المقابلة: «المَلَّة: الرَّمادُ والجَمر؛ يقال: مَلَلتُ الخُبزةَ أمُلُّها في المَلَّةِ مَلّاً فهي مملولة، وكلُّ شيءٍ تَمُلُّه في الجَمرِ فهو مملول». وقال ابنُ دريد: «ومَلَلتُ الخُبزةَ أمُلُّها مَلّاً إذا دفنتَها في الجَمر؛ والجَمرُ بعينِه المَلَّة»(٢).

والرَّمادُ ضدُّ الطينِ الملمومِ حرفاً بحرف. الطينُ ذرّاتٌ أخذَ بعضُها بعضاً فصارت جسماً؛ والرَّمادُ ذرّاتٌ لا يُمسِكُ منها شيءٌ شيئاً، تُذَرِّيها النَّفخةُ الواحدة. مادّةٌ واحدةٌ في أصلِها - ترابٌ ودُقاق - وفِعلانِ متقابلان.

وفي مادّةِ (مَلَّ) ما يشدُّ هذا: قال الأزهريُّ في التهذيب: «طريقٌ مُمَلٌّ، مسلوكٌ معلوم» - والطريقُ المسلوكُ منبسطٌ ممتدٌّ لا يَعقِد. و«المِلمَول: المِكحال» - وهو المِيلُ الدقيقُ الممتدّ. و«مَلَّ ثوبَه: خاطَه الخياطةَ الأولى قبلَ الكَفّ» - وهي غُرَزٌ متباعدةٌ لا تُمسِك. و«مَلِلتُ الشيءَ: سَئِمتُه» - وهي النفسُ تَنفَضُّ عن الشيءِ فلا تَعلَقُ به.(٣)

فالمشترَكُ والافتراق

المشترَكُ بين العائلتين: الدُّقاقُ الكثير. فما تدورُ عليه الجذورُ في العائلتينِ جميعاً مادّةٌ لا تتماسكُ بطبعِها: ماءٌ ولبنٌ وطينٌ ورمادٌ ورملٌ وشَعرٌ ولِيفٌ وصوفٌ ودُهنٌ مُذابٌ ولحمٌ وجِلدٌ رطب. ليست الصخرةَ ولا الحديدةَ ولا الخشبة.

والافتراقُ في الجهة، ويُعيِّنُها الترتيب: إذا تقدَّمَتِ اللامُ - (لم) - ضُمَّتِ الأجزاءُ فصارت واحداً، فهو الالتحامُ واللزوم. وإذا تقدَّمَتِ الميمُ - (مل) - بُثَّتِ الأجزاءُ فانتشرت، فهو الانبساطُ والانفراط.

عائلةُ (لم): ما يَلتحِم

لَأَمَ - قال ابنُ دريد: «ورِيشٌ لُؤام، وهي القُذَذُ الملتئمة. واللَّأمة: السِّلاح». وقال الجوهريّ: «ولأَمْتُ الجرحَ والصَّدعَ إذا شددتَه، فالتأم». فالقُذَذُ ريشاتٌ تُلصَقُ على السهمِ فتصيرُ معه واحداً، والجرحُ شَفَتانِ تُضَمّانِ حتى تلتقيا.(٤)

لَزِمَ - وأنفَسُ ما في مادّتِه صورةٌ يذكرُها الخليل: «والمِلزَم: خشبتانِ مشدودةٌ أوساطُهما بحديدة، تكونُ مع الصَّياقلةِ والأبّارين، يُجعَلُ في طرفِها قُنّاحةٌ فيَلزَمُ ما فيها لُزوماً شديداً». أداةٌ كلُّ عملِها أن تجمعَ شيئينِ على موضعٍ فلا يفترقا.(٥)

لَقِمَ - «اللُّقمة»، و«ألقَمتُه فسكتَ كأنّه لَقِمَ حَجَراً»، و«لَقَمتُ الطريقَ: سَدَدتُ فَمَه»(٦). والفمُ موضعُ الجمعِ في البدن.

لَكَمَ - وفيه لفظُ الجمعِ صريحاً: «لَكَمتُه ألكُمُه لَكماً إذا ضربتَه بجُمْعِ كفِّك». فليست ضربةَ الكفِّ المبسوطة، بل ضربةَ الكفِّ المضمومة.(٧)

لَهِمَ - «لَهِمتُ الشيءَ... وهو ابتلاعُكَه بمَرّة»، «وفرسٌ لِهَمٌّ: سابقٌ يجري أمامَ الخيلِ لالتهامِه الأرض»(٨).

لَثَمَ - «اللَّثم: وَضعُكَ فاكَ على فِي آخَر، ومنه اللِّثامُ أي شَدُّكَ الفمَ بالمِقنَعة»(٩).

لَحِمَ - واللحمُ أشهرُ ما يتداخلُ بعضُه في بعض؛ ومنه «لُحمةُ الثوب» وهي الخيوطُ العَرْضيّةُ تُداخِلُ السَّدى فيصيرُ الثوبُ ثوباً.(١٠)

لَذِمَ - «لَذِمَ بالمكانِ وألذَمَ به إذا أقامَ به»، «ورجلٌ لُذَمَة: لا يفارقُ البيت»(١١).

وَلَمَ - «والوَلَم: الحبلُ الذي يُشَدُّ من التَّصديرِ إلى السِّنافِ لئلّا يَقلَقا»، «والوَلْم: القَيد». والوليمةُ من هذا: طعامٌ يجمعُ الناسَ على أمرٍ واحد.(١٢)

لَغَمَ ولَفَمَ - «المَلاغِم: ما حولَ الفمِ الذي يبلُغُه اللسان»، «واللِّفام: النِّقابُ على طرَفِ الأنف... وقد لَفَمَت فاها بلِفام»(١٣).

هَلُمَّ - وقد نُقِلَ عن الخليلِ فيها: «أصلُه لُمَّ، من قولهم لَمَّ اللهُ شَعَثَه أي جَمَعَه، كأنّه أرادَ لُمَّ نفسَك إلينا أي اقرُب، وها للتنبيه». فكلمةُ الدعاءِ إلى الشيءِ في العربيّةِ أمرٌ بالانضمام.(١٤)

عائلةُ (مل): ما يَنفَرِط

رَمَلَ - والرَّملُ هو المَثَلُ في أن لا يُمسِكَ بعضُه بعضاً. وفي مادّتِه ما هو أدلّ: «ورَمَلتُ الحصيرَ: نسجتُه... وأرمَلتُ النسجَ إذا سخَّفتُه تسخيفاً ورقَّقتُه» - أي باعدتُ بين خيوطِه حتى تخلخلَ ونَفَذَ الضوءُ منه. و«أرمَلَ القومُ: فَنِيَ زادُهم»(١٥).

هَمَلَ - «الهَمَل: الإبلُ التي ترعى بلا راعٍ... وتركتُها هَمَلاً أي سُدًى»، «وهَمَلَت عينُه أي فاضت»، «والهَمَل: اللِّيفُ إذا انتُزِع». ثلاثُ صورٍ كلُّها إرسالٌ وانتشار.(١٦)

مَلِسَ ومَلِصَ ومَلِقَ ومَلَخَ - أربعةٌ متقاربةٌ في الجهة: الأملسُ ما لا يَعلَقُ به شيء، و«انمَلَصَ الشيءُ من يدي أي انفلتَ انسلالاً»، و«رِشاءٌ مَلِصٌ إذا كانت الكفُّ تَزلَقُ عنه ولا تَستمكِنُ من القبضِ عليه»، و«المَلخ: انتزاعُكَ اللحمَ عن الجِلدِ إذا نَضِج»(١٧).

مَطَلَ - وفيه لفظُ المدِّ صريحاً: «والمَطل: مَدُّ المَطّالِ حديدةَ البيضةِ التي تُذابُ للسيوفِ حتى تُحمى وتُضرَبَ وتُمَدّ»، «وكلُّ شيءٍ مددتَه فقد مَطَلتَه، نحوَ الذهبِ والفضّةِ والصُّفر»(١٨).

مَسَلَ ومَصَلَ ومَهَلَ - «المَسَل: خَدٌّ في الأرضِ ينقادُ ويستطيل»، «والمَصل: تميُّزُ الماءِ عن اللبن؛ والأقِطُ إذا عُلِّقَ مَصَلَ ماؤه فقَطَرَ منه»، «والمُهل: ما ذابَ من صُفرٍ أو حديد»(١٩).

مَلَا - «المَلا: المتَّسعُ من الأرض»، «والمَلَوان: الليلُ والنهار»، «والمَلِيُّ: الحينُ الطويلُ من الزمان»(٢٠).

مَحَلَ - والمَحلُ انقطاعُ المطرِ ويُبسُ الأرض؛ وهي حينئذٍ تَتَفتَّتُ فلا تُمسِكُ زرعاً ولا تُمسِكُ نفسَها.

ولئلّا يختلط

قد يُقال: أليس في عائلةِ (مل) ما يدلُّ على الجمعِ لا على البثّ؟ أليست البئرُ المَكولةُ «كثُرَ ماؤها واجتمعَ في وسطِها»؟ أليست الشَّملةُ كساءً «يُديرُه على جسدِه كلِّه»؟ أليس التزمُّلُ تلفُّفاً بالثياب؟(٢١)

والجوابُ أنّ هذه كلَّها قراءةٌ للنتيجةِ مكانَ الفعل. فالبئرُ لم تَجمَعْ ماءَها، وإنّما نَبَعَ الماءُ فانفرطَ في قَرارِها حتى عَمَّه، فرأيناه مجتمعاً؛ والكِساءُ لا يَجمَعُ البدنَ، وإنّما يَنبسِطُ عليه حتى يبلُغَ كلَّ جانبٍ منه، فرأيناه مُحيطاً. والفعلُ انبساط، والإحاطةُ أثرُه.

وأصرَحُ ما في هذا الباب: الامتلاءُ نفسُه. فإنّ الماءَ لا يملأُ الإناءَ إلّا بأن يَنفرِطَ في جوانبِه فيبلُغَ كلَّ زاويةٍ منه، ثمّ يعلوَ فيفيض. ولو كان متماسكاً - طيناً ملموماً - لجَثَمَ في قَعرِه كتلةً ولم يَملأه. فالذي يملأُ الوعاءَ هو بعينِه الذي لا يُمسِكُ بعضُه بعضاً.

ومن هنا العَجينُ في مادّةِ (مَلَك): قال أهلُ اللغة: «عَجَنَتِ المرأةُ فأملَكَت، إذا بلغَت مَلاكتَه وأجادَت عَجنَه... وذلك أنّ خُبزَه يزيدُ بما يَحتمِلُه من الماءِ لجودةِ العَجن». فالعجينُ المملوكُ هو الذي عَمَّه الماءُ حتى بلغَ أقصى ما يَحتمِل، فزادَ خُبزُه بقَدرِ ما احتمل. وقال ابنُ دريدٍ في حدِّ التمليكِ نفسِه: «ومَلَّكتُ فلاناً كذا وكذا، إذا بَسَطتَ يدَه فيه». وقال الخليل: «يقال: طالت مَملَكتُه، وعَظُمَ مُلكُه وكَبُر»، وزادَ الأزهريّ: «وكَثُرَ مُلكُه». أربعةُ أفعالٍ للامتدادِ لا للقبض. وقالوا: «مَلْكُ الطريقِ: وسَطُه»، و«خَلِّ عن مَلَكِ الوادي أي حَدِّه ووسَطِه» - فمَلْكُ الشيءِ مَداه.(٢٢)

والآنَ نعودُ إلى الأسئلةِ التي بدأنا بها

قد صارَ بأيدينا ميزان: الميمُ واللامُ يقعانِ على الدُّقاقِ الكثير، فإذا تقدَّمَتِ اللامُ ضُمَّ، وإذا تقدَّمَتِ الميمُ بُثَّ. فلنَعرِضْه على مواضعِ التنزيل.

أوّلاً: مِلَّةُ إبراهيم - لِمَ سُمِّيَ الدِّينُ باسمِ الرَّماد؟

قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗا﴾ [الأنعام 161]. وقال: ﴿ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗا﴾ [النحل 123]. وقال: ﴿وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥ﴾ [البقرة 130].

والمِلَّةُ في وضعِ اللسانِ الرَّمادُ الحارُّ يُدفَنُ فيه الخُبز. وقد رأينا في مادّتِها ما يُفسِّرُ النقلة: «طريقٌ مُمَلٌّ، مسلوكٌ معلوم». فالمِلَّةُ طريقٌ منبسطٌ ممتدٌّ قد وَطِئَه السالكونَ حتى بانَ. وهذا هو الذي يُفسِّرُ اختيارَ اللفظِ ههنا دونَ «الدِّين».

فلِمَ لم يقُلْ «دِينَ إبراهيمَ حنيفاً»؟ لأنّ الدِّينَ في التنزيلِ ما يُدانُ به ويُجازى عليه، وأمّا المِلَّةُ فطريقٌ يُسلَك. والذي أُمِرَ به النبيُّ اتّباعُ الطريقِ لا حيازةُ الاسم: ﴿ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗا﴾ [النحل 123] - «اتَّبِعْ»، وهو فعلُ مَن يَطَأُ أثراً منبسطاً أمامَه. ولو كانت المِلَّةُ كتلةً مجموعةً لقِيلَ «خُذْها» أو «الزَمْها»، ولكنّها منبسطةٌ تُسلَك.

ولِمَ جاءَ في مقابلِها الصِّراطُ المستقيم؟ انظر إلى الآيةِ نفسِها: ﴿قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗا﴾ [الأنعام 161] - الصِّراطُ والمِلَّةُ في نَفَسٍ واحد، وكلاهما ممتدٌّ يُسلَك. فاجتماعُهما ليس حَشواً، بل بيانُ أنّ الموصوفَ واحد: طريقٌ منبسطٌ لا حِمْلٌ مجموع.

ولِمَ قال ﴿وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ﴾ ولم يقُل «مَن يَترُكُها»؟ لأنّ الرَّغبةَ عن الشيءِ انصرافٌ عن جهةٍ إلى جهة، وهي لا تكونُ إلّا عن طريقٍ ممتدٍّ لك أن تَعدِلَ عنه. والمَتاعُ المجموعُ يُترَكُ ولا يُرغَبُ عنه.

ثانياً: المُلك - بَسْطُ اليدِ لا القبضُ عليها

قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [آل عمران 26].

وقد رأينا حدَّ التمليكِ في اللسان: «مَلَّكتُ فلاناً كذا وكذا، إذا بَسَطتَ يدَه فيه»، ورأينا «طالت مَملَكتُه، وعَظُمَ مُلكُه وكَبُرَ وكَثُر». فالمُلكُ انبساطُ اليدِ في الشيءِ حتى تبلُغَ كلَّ موضعٍ منه.

فلِمَ كان المُلكُ يُؤتى ويُنزَع؟ لأنّه ليس عيناً تُحاز، بل بَسْطَةً تُمَدُّ وتُقبَض. والعينُ المحوزةُ لا يُقالُ فيها «آتاه» و«نَزَعَه» بهذا الاطّراد، والبَسطةُ يُوسَّعُ مَداها ويُضيَّق.

ولِمَ قال في طالوت ﴿وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِ﴾ [البقرة 247]؟ فسمّى الزيادةَ بَسطة - وهي لفظُ الانبساطِ بعينِه - في العلمِ والجِسم. وردَّ على القومِ حجّتَهم بأنّ سَعةَ المالِ ليست هي البَسطة، فقد قالوا ﴿يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِ﴾ [البقرة 247]. فالمُلكُ عندهم حِيازة، وعند التنزيلِ بَسْطة.

ولِمَ خُتِمَت الآيةُ بـ﴿وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ [البقرة 247]؟ و«واسِع» من السَّعةِ والانبساط. فالخاتمةُ من جنسِ المحورِ لا زيادةَ عليه.

ثالثاً: مِلءُ الأرضِ ذهباً - ولِمَ لم يقُلْ «مِثقالَ الأرض»؟

قال تعالى: ﴿فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡ أَحَدِهِم مِّلۡءُ ٱلۡأَرۡضِ ذَهَبٗا وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِۦٓ﴾ [آل عمران 91].

المِلءُ مقدارُ ما يَنبسِطُ في الحيِّزِ حتى يبلُغَ حَدَّه. ولو أرادَ الوزنَ لقالَ «مِثقالاً» أو «وَزْناً» أو «قِنطاراً» - وهي ألفاظٌ مستعمَلةٌ في التنزيل. ولكنّ المرادَ ههنا أن لا يَبقى في الأرضِ موضعٌ إلّا وفيه ذهب - وهذا لا يُؤدّيه إلّا لفظٌ من بابِ الانبساط. فالذهبُ يُبَثُّ في الأرضِ حتى يَعُمَّها، ولا يُغني.

وانظر كيف قابلَه بالفِداء: ﴿وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِۦٓ﴾. والفِداءُ بذلٌ وإخراج، وهو من جنسِ البثِّ لا من جنسِ الحيازة. فالآيةُ كلُّها في جهةٍ واحدة: مالٌ يُبَثُّ ولا يُغني.

رابعاً: الإملاق - المجاعةُ لا الفقر

قال تعالى: ﴿أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡ﴾ [الأنعام 151]. وقال: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡ﴾ [الإسراء 31].

والإملاقُ في التنزيلِ قلّةُ الطعامِ أو انعدامُه، لا قلّةُ المال. وقد يكون المجتمعُ غنيّاً بالذهبِ والفضّةِ والقصور، والطعامُ لا يفي بحاجةِ السكّان - فيقتلُ القومُ أولادَهم؛ وهي ظاهرةٌ وقعَت في أممٍ كثيرة.

والدليلُ في الآيةِ نفسِها، وهو قاطع: الجواب. لم يقُلْ «نحن أغنياءُ عنكم» ولا «نحن نُوسِّعُ عليكم»، بل قال ﴿نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡ﴾. والرِّزقُ الطعامُ والماءُ لا غير. فلو كان الإملاقُ فقراً في المالِ لَما كان الجوابُ رِزقاً؛ وإنّما جاءَ الجوابُ من جنسِ الخوف: خافوا على الأفواهِ فوُعِدوا بما يَملؤها.

فلِمَ عَدَلَ عن «الفقر» و«الفاقة» إلى «الإملاق»؟ لأنّ الفقرَ قلّةُ ذاتِ اليدِ وهي حالٌ ساكنة، والإملاقَ نفادُ ما يُؤكَلُ حتى لا يبقى منه شيء - وهو فِعلٌ يجري: طعامٌ يَنبَثُّ ويَنقَضي. ومَن مَلَكَ الذهبَ ولم يجدْ ما يأكلُه فهو مُملِقٌ وليس بفقير.

ولِمَ اختلفَ الترتيبُ بين الآيتين؟** في الأنعامِ ﴿مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ﴾ - وهم فيه واقعون، فقدَّمَ رِزقَهم هم. وفي الإسراءِ ﴿خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖ﴾ - وهم يَخافونَه ولم يَقَعوا فيه بعد، فقدَّمَ رِزقَ الأولاد: ﴿نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡ﴾. **فالمُقدَّمُ في كلٍّ هو موضعُ الحاجةِ فيه.

خامساً: الإملاءُ والإملال - مدُّ الحبلِ وبثُّ الكلام

قال تعالى في المُهلة: ﴿وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾ [آل عمران 178]. وقال: ﴿وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف 183]. وقال: ﴿وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ﴾ [القلم 45].

وقال في الكتابة: ﴿وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِ﴾ [البقرة 282]. وقال: ﴿وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا﴾ [الفرقان 5].

فما الذي يجمعُ بين إمهالِ الظالمِ وبين إلقاءِ الدَّينِ على الكاتب؟ أنّهما مدٌّ وبَثّ. فالإملاءُ في الأجلِ مدُّ الحبلِ للدابّةِ حتى تَرعى حيث شاءت - وليس عطاءً ولا رِفقاً، ولذلك جاءَ في سياقِ الكيد: ﴿إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ﴾، والمَتينُ من الحبلِ الشديدُ الفَتل. والإملالُ على الكاتبِ بَثُّ الكلامِ عليه شيئاً بعد شيءٍ حتى يستوفيَه.

ولِمَ قال ﴿نُمۡلِي لَهُمۡ﴾ ولم يقُلْ «نُمهِلُهم»؟ لأنّ الإمهالَ تأخيرُ الأخذ، وأمّا الإملاءُ فإطالةُ الحبلِ مع بقاءِ الطرَفِ في اليد. فالآيةُ تُثبِتُ الإمساكَ في حالِ الإرخاء - ولذلك عَقَّبَ ﴿لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗا﴾: الحبلُ يُرخى لتَبعُدَ الدابّةُ فيكونَ الجَذبُ أشدّ.

ولِمَ قال في المُشرِكين ﴿فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا﴾؟ لأنّهم زعموا أنّ القرآنَ يُبَثُّ عليه شيئاً بعد شيءٍ من مصدرٍ خارجٍ عنه، كما يُبَثُّ الدَّينُ على الكاتب. فردَّ التنزيلُ بأنّه ﴿قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ [الفرقان 6] - عِلمٌ عندَه لا كلامٌ يُملى عليه.

سادساً: المُهل - أشدُّ الانفراطِ في أشدِّ الحرّ

قال تعالى: ﴿يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَ﴾ [الكهف 29]. وقال: ﴿كَٱلۡمُهۡلِ يَغۡلِي فِي ٱلۡبُطُونِ﴾ [الدخان 45]. وقال: ﴿يَوۡمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلۡمُهۡلِ﴾ [المعارج 8].

والمُهلُ ما ذابَ من صُفرٍ أو حديد. وهو أظهرُ ما يكونُ من انفراطِ المتماسك: حديدةٌ صُلبةٌ يأخذُ بعضُها بعضاً، فإذا بلغَها الحرُّ انحلَّ إمساكُها فسالت.

ولِمَ شبَّهَ به السماءَ يومَ القيامة؟ ﴿يَوۡمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلۡمُهۡلِ﴾ [المعارج 8] - والسماءُ اليومَ ممسِكة: ﴿وَيُمۡسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦٓ﴾ [الحج 65]. فإذا كان يومُ القيامةِ زالَ الإمساكُ فصارت كالمُهل. فالتشبيهُ ليس في اللونِ ولا في الحرارة، بل في انحلالِ ما كان مُمسَكاً.

ولِمَ كان شرابَ أهلِ النار؟ لأنّ الشرابَ يُطفِئُ الحرَّ بانبساطِه في البدن؛ فإذا كان الشرابُ نفسُه هو المنفرِطَ بالحرِّ صارَ العذابُ من جهةِ الغَوث.

سابعاً: ﴿أَكۡلٗا لَّمّٗا﴾ - لِمَ لم يقُلْ «كثيراً»؟

قال تعالى: ﴿كَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ﴾ [الفجر 17] ﴿وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ﴾ [الفجر 18] ﴿وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا﴾ [الفجر 19] ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا﴾ [الفجر 20].

اللَّمُّ جمعُ المتفرِّقِ حتى لا يُترَكَ منه شيء - «الجمعُ الكثيرُ الشديد»، «والآكلُ يَلُمُّ الثريدَ فيجعلُه لُقَماً عِظاماً». فليس المذمومُ كثرةَ الأكلِ فحسب، بل أن يُجمَعَ ما تفرَّقَ من حقوقِ الناسِ فلا يُترَكَ لصاحبِه منه شيء.

والدليلُ من الآيةِ نفسِها: التُّراث. والتُّراثُ مالٌ متفرِّقُ الأنصباءِ بين وارثين. فقولُه ﴿أَكۡلٗا لَّمّٗا﴾ وصفٌ للفعلِ بأنّه يَكسَحُ الأنصباءَ المتفرِّقةَ فيَضُمُّها إلى نصيبِه.

ولِمَ جاءَ بعده ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا﴾؟ فقابلَ اللَّمَّ بـالجَمّ، وهما أخوانِ في الضمِّ والاجتماع. وقابلَ ذلك كلَّه بما قبله: ﴿ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾ - يَمنَعونَ البثَّ ويُحسِنونَ اللَّمّ. فالسورةُ كلُّها على هذا المحور: يدٌ لا تَنبسِطُ ويدٌ لا تكُفُّ عن الضمّ.

ثامناً: اللَّمَم - كلامٌ لا يَتعدّى

قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ﴾ [النجم 32].

والفواحشُ الكلامُ الجنسيُّ القبيحُ الذي لا يليقُ بالإنسان. والإثمُ الكلامُ المنكَرُ من الشَّتمِ والسَّبِّ والتهديدِ ونحوِها. فالمذكوران قبلَ اللَّمَمِ صِنفانِ من القول، فاللَّمَمُ من جنسِهما: كلامٌ دونَهما في الأثر.

والقرينةُ في الآيةِ نفسِها: أنّه استَثناه من ﴿كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ﴾ - والاستثناءُ لا يكونُ إلّا من الجنس. فلو كان اللَّمَمُ صِنفاً آخَرَ من الذنوبِ لَما استُثنِيَ منهما.

وموضعُه من الحرفَين: أنّه يقعُ في موضعٍ ثمّ يَنحسِرُ ولا يتعدّاه. فهو التقاءٌ عند نقطةٍ ثمّ انفكاك - لا امتدادٌ ولا انبساط. وميزانُه مقدارُ ما يتضرَّرُ به السامع؛ فإن تعدّى أثرُه السامعَ إلى غيرِه فقد خرجَ عن اللَّمَمِ إلى الإثمِ أو الفاحشة.

ولِمَ عَقَّبَ بـ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ﴾؟ فوصَفَ المغفرةَ بالسَّعةِ - وهي الانبساطُ الذي يَعُمّ - في مقابلِ ذنبٍ يقعُ في موضعٍ ثمّ يَنحسِر. فالمغفرةُ تَنبسِطُ فتَستوعِب، واللَّمَمُ يقعُ ثمّ يَنقَطِع.

تاسعاً: الهُمَزةُ اللُّمَزة - مَن يَحتقِرُ الناسَ يُنبَذ

قال تعالى: ﴿وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة 1] ﴿ٱلَّذِي جَمَعَ مَالٗا وَعَدَّدَهُۥ﴾ [الهمزة 2] ﴿يَحۡسَبُ أَنَّ مَالَهُۥٓ أَخۡلَدَهُۥ﴾ [الهمزة 3] ﴿كَلَّاۖ لَيُنۢبَذَنَّ فِي ٱلۡحُطَمَةِ﴾ [الهمزة 4].

واللَّمزُ في وضعِه دَفعٌ؛ قال أهلُ اللغة: «همَزتُه ولمَزتُه ولهَزتُه ونهَزتُه: إذا دفعتَه»(٢٣). ثمّ صارَ العيبَ في الوجهِ لأنّه إصابةُ موضعٍ بعينِه من المرء.

والسورةُ تُبيِّنُ بأيِّ شيءٍ يَعيبُهم: بالمال. فالرجلُ ﴿جَمَعَ مَالٗا وَعَدَّدَهُۥ﴾، ثمّ ﴿يَحۡسَبُ أَنَّ مَالَهُۥٓ أَخۡلَدَهُۥ﴾. فقد جعلَ المالَ ميزانَ المنازل، فمَن نَقَصَ فيه هَمَزَه بفقرِه وذُلِّه. فليس عيبُه عيبَ خُلُقٍ ولا دِين، بل عيبٌ بما ليس إلى صاحبِه - وهذا هو التعالي.

وجاءَت عقوبتُه من جنسِ جُرمِه، وهذا أدقُّ ما في السورة: ﴿كَلَّاۖ لَيُنۢبَذَنَّ فِي ٱلۡحُطَمَةِ﴾. والنَّبذُ أن يُطرَحَ الشيءُ استقذاراً له واستغناءً عنه - لم يقُلْ «لَيُلقَيَنَّ» ولا «لَيُدخَلَنَّ»، بل ﴿لَيُنۢبَذَنَّ﴾. فالذي احتقرَ الناسَ يُحتقَرُ ويُطرَح. وهذا وجهُ اختيارِ اللفظِ دونَ أخواتِه.

وقد نُبِذَ في الدنيا قبل الآخرة. فالهَمّازُ اللَّمّازُ يَنفَضُّ عنه مَن حولَه فيَبقى مع مالِه وحدَه؛ فإذا كان يومُ القيامةِ نُبِذَ في نارٍ ﴿عَلَيۡهِم مُّؤۡصَدَةٞ﴾ - مُغلَقةٌ عليه كما أغلقَ على مالِه، ﴿فِي عَمَدٖ مُّمَدَّدَةِۭ﴾.

وقول التنزيلِ ﴿يَحۡسَبُ﴾ دقيقٌ ههنا: فليس عندَه عن ذلك عِلمٌ ولا يقين، وإنّما هو حُسبانٌ حَمَلَه عليه ما جَمَع. فبَنى منزلتَه على وَهمٍ، فنُبِذَ من المنزلةِ ومن الدارِ جميعاً.

وقال في اللَّمزِ نفسِه: ﴿ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ﴾ [التوبة 79] - والميزانُ فيها المالُ أيضاً: فمَن أعطى كثيراً قالوا مُراءٍ، ومَن لم يجدْ إلّا جُهدَه سَخِروا منه. فلا يَسلَمُ منهم مُعطٍ، لأنّ العيبَ ليس في الفعلِ بل في ناظرٍ يَزِنُ الناسَ بما في أيديهم.

وهذا الجذرُ لم تُستَوفَ دراستُه بعد، وفي حروفِه زوجٌ آخَرُ يُنازِع - فالهَمزُ واللَّمزُ يشتركانِ في (م ز) لا في اللام. فيُوقَفُ عن الجزمِ بأنّه من هذه العائلة حتى يُدرَسَ الزوجُ الآخَر.

عاشراً: ﴿هَلُمَّ﴾ - الدعوةُ إلى الانضمام

قال تعالى: ﴿قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَا﴾ [الأنعام 150]. وقال: ﴿وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَا﴾ [الأحزاب 18].

و﴿هَلُمَّ﴾ أمرٌ بالانضمام، كما نُقِلَ عن الخليل: «كأنّه أرادَ لُمَّ نفسَك إلينا أي اقرُب»(١٤). ولذلك جاءَت في الموضعَينِ في سياقِ الاستدعاءِ إلى صفٍّ واحد: استدعاءُ الشهداءِ ليَجتمِعوا على شهادة، واستدعاءُ المُعوِّقينَ إخوانَهم ليَنحازوا إليهم عن القتال.

وفي الثاني عيبُهم: أنّهم يَدعونَ إلى الانضمامِ ولا يَنضَمُّونَ إلى البأس - ﴿وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب 18]. فهم يَلُمُّونَ الناسَ عن الصفِّ لا إليه.

ما خالفنا فيه أهلَ اللغة

أوّلاً: المعاجمُ التي بُنيَ عليها هذا كلُّه

لم يُبنَ شيءٌ ممّا تقدَّمَ على تفسيرٍ ولا على قولٍ مأثور، وإنّما على نصوصِ المعاجم. وهذه هي بأصحابِها:

كتابُ العين للخليلِ بن أحمد الفراهيدي (ت ١٧٠) · الجيم لأبي عمرٍو الشيباني (٢٠٦) · الغريبُ المصنَّف لأبي عبيدٍ القاسمِ بن سلّام (٢٢٤) · جمهرةُ اللغة لابن دريد (٣٢١) · تهذيبُ اللغة لأبي منصورٍ الأزهري (٣٧٠) · الصحاح لإسماعيلَ الجوهري (٣٩٣) · مقاييسُ اللغة لأحمدَ بن فارس (٣٩٥) · المحكمُ والمحيطُ الأعظم لابن سِيده (٤٥٨) · لسانُ العرب لابن منظور (٧١١) · تاجُ العروس للزَّبيدي (١٢٠٥).

والاعتمادُ على الأقدمِ فالأقدم، والعلّةُ في ذلك أنّ الخليلَ عاشَ في القرنِ الثاني وسَمِعَ من الأعرابِ مشافهة، والزَّبيديُّ ماتَ بعده بألفِ سنةٍ إلّا قليلاً - ولم يَسمَع، وإنّما نَقَلَ عمّن نَقَل.

وههنا موضعٌ يَغلَطُ فيه كثيرٌ من الناس، فليُتأمَّل: إذا فتحتَ ستّةَ معاجمَ فوجدتَ العبارةَ نفسَها في ستّتِها، فقد يَسبِقُ إلى الظنِّ أنّ ستّةً من أهلِ اللغةِ شَهِدوا بها. وليس الأمرُ كذلك. فالأزهريُّ يَنقُلُ عن العين ويُصرِّحُ بذلك، وابنُ منظورٍ يَنقُلُ عن الأزهريِّ والجوهريِّ وابنِ سِيده، والزَّبيديُّ يَنقُلُ عن الجميع. فالعبارةُ في المعاجمِ الستّةِ كلمةُ الخليلِ وحدَه، كُرِّرَت ستّاً. والشاهدُ واحدٌ لا ستّة.

ولذلك لا نُصدِّقُ قولاً لكثرةِ مَن أعادَه، بل ننظرُ: مَن أوّلُ مَن قالَه؟ وعمَّن أخذَه؟ فإن كان نقلاً جديداً عن عربيٍّ فهو شاهد، وإن كان إعادةً لقولِ مَن قبلَه فهو صدًى لا شهادة.

ثانياً: المواضعُ التي فارَقناهم فيها

الأوّل: أنّ الكتلةَ ومقلوبَها ليسا بابَينِ منفصلَين. فليس في معجمٍ من هذه المعاجمِ ربطٌ بين (مل) و(لم)؛ كلُّ بابٍ فيها قائمٌ بنفسِه، والترتيبُ عندهم ترتيبُ حروفٍ لا ترتيبُ معنًى. وعندنا الترتيبُ هو الذي يُعيِّنُ الجهة، والمضاعفانِ يتقابلان: طينٌ ملمومٌ ورَمادٌ مبثوث.

الثاني: أنّ ابنَ فارسٍ يُفرِّقُ حيث نَجمَع. جعلَ (ملل) «أصلَين صحيحَين»(٢٤)، وجعلَ (حلم) «أصولاً ثلاثةً... وهي متباينةٌ جدّاً»(٢٥)، وقال في (مقل) «ثلاثُ كلماتٍ غيرُ منقاسة»(٢٦)، وفي (لمق) «ثلاثُ كلماتٍ لا تنقاسُ ولا تتقارب»(٢٧)، وفي (فلم) «وليس بشيء»(٢٨)، وفي (مأل) «وفي كلِّ ذلك نظر»(٢٩). وهو صانعُ نظامٍ لا راوي صورة، فإذا أعياه الجمعُ فرَّق. ونحن نأخذُ الصورةَ الحسّيّةَ من الأقدمِ ثمّ نَنظُر.

الثالث: أنّه يُخرِجُ من البابِ ما نُدخِلُه فيه. قال في السَّلْم - وهو الدلوُ ذاتُ العروةِ الواحدة -: «والذي شذَّ عن الباب»(٣٠)، وقال في (لسم): «ليس بأصل، يقولون في بابِ الإبدال»(٣١)، وقال في (تلم): «ليس بأصل، ولا فيه كلامٌ صحيحٌ ولا فصيح»(٣٢). ولا يُخرِجُ عندنا قولُ «ليس بأصل» جذراً من العربيّة.

الرابع: (ملك). المعاجمُ تُثبِتُ «ومَلَّكتُ فلاناً كذا وكذا، إذا بَسَطتَ يدَه فيه»(٣٣)، و«طالت مَملَكتُه، وعَظُمَ مُلكُه وكَبُر»(٣٤)، و«ومَلْكُ الطريقِ: وسَطُه»(٣٥)، و«ومُلُكُ الدابّة: قوائمُها وهاديها»(٣٦) - ولا تجمعُ هذه في أصلٍ واحد، بل تَعُدُّها فروعاً متفرِّقة. وعندنا هي بابٌ واحد: الانبساطُ حتى يبلُغَ المَدى.

الخامس: الإملاق. المعاجمُ على أنّه الفقرُ وكثرةُ الإنفاق(٣٧). وعندنا هو نفادُ الطعام - المجاعة؛ ودليلُنا من الآيةِ لا من المعجم: ﴿نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡ﴾، والرِّزقُ طعامٌ وماء، فلو كان الخوفُ من ذَهابِ المالِ لَما كان الجوابُ رِزقاً.

السادس: اللَّمَم. الشائعُ أنّه صغائرُ الذنوبِ على الإطلاق. وعندنا هو من جنسِ ما استُثنِيَ منه - كلامٌ، كما أنّ الإثمَ والفواحشَ كلام - لأنّ الاستثناءَ لا يكونُ إلّا من الجنس؛ وهو منها ما يقعُ في موضعٍ ثمّ ينحسِرُ ولا يتعدّى.

السابع: أنّ المعاجمَ تُسجِّلُ النتيجةَ فنَقرأُ نحن الفعل. فقولُهم في البئر «كثُرَ ماؤها واجتمعَ في وسطِها»(٣٨)، وفي الشَّملةِ «يُديره على جسدِه كلِّه»(٣٩) - وصفٌ لِما آلَ إليه الأمر؛ والفعلُ الذي أوصلَ إليه انبساطٌ لا اجتماع. وهذا أكثرُ ما يُوقِعُ في الوهم.

الثامن: أنّ في المادّةِ الواحدةِ رَدّاً على نفسِها أحياناً، فلا يُؤخَذُ منها موضعٌ ويُترَكُ ما يَنقُضُه. فالسَّلْمُ الذي جعلَه ابنُ فارسٍ شاذّاً أنكرَ ابنُ بريٍّ لفظَه من أصلِه فقال: «صوابُه لها عَرْقُوةٌ واحدة، وليس ثَمَّ دلوٌ لها عروةٌ واحدة»(٤٠). فالنظرُ في المادّةِ كلِّها لا في سطرٍ منها.

الخاتمة

بدأنا بثمانيةِ أسئلةٍ لا تجدُ لها في كتبِ اللغةِ جواباً، فلنُجِبْها واحداً واحداً.

المُلكُ يُؤتى ويُنزَع لأنّه بَسْطُ اليدِ في الشيءِ لا حيازتُه؛ والبَسطةُ تُمَدُّ وتُقبَض، والعينُ المحوزةُ لا تُنزَعُ بهذا الاطّراد.

والدِّينُ سُمِّيَ مِلّةً لأنّ المِلَّةَ طريقٌ منبسطٌ مسلوكٌ قد وَطِئَه السالكونَ حتى بان - لا لأنّه رمادٌ في حُفرة؛ وإنّما جمعَ بينهما أنّ كليهما دُقاقٌ منبسطٌ لا يَعقِد.

وعَدَلَ إلى الإملاقِ لأنّه نفادُ الطعامِ لا قلّةُ المال؛ وبُرهانُه جوابُ الآيةِ نفسِها: ﴿نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡ﴾ - والرِّزقُ طعامٌ وماء، فلو كان الخوفُ من الفقرِ لَما كان الجوابُ رِزقاً.

واستوى إمهالُ الظالمِ وإملاءُ الدَّين لأنّ كليهما مدٌّ وبَثّ: حبلٌ يُطالُ وطرَفُه في اليد، وكلامٌ يُلقى شيئاً بعد شيء.

وقال ﴿أَكۡلٗا لَّمّٗا﴾ لأنّ اللَّمَّ جمعُ المتفرِّقِ حتى لا يبقى منه شيء؛ والتُّراثُ أنصباءُ متفرِّقة، فالوصفُ للفعلِ لا للمقدار.

وصحَّ استثناءُ اللَّمَمِ من الإثمِ والفواحش لأنّه من جنسِهما - كلامٌ - غيرَ أنّه يقعُ في موضعٍ ثمّ يَنحسِرُ ولا يتعدّاه؛ وميزانُه ما يتضرَّرُ به السامع.

واقترنَ اللَّمزُ بجمعِ المال لأنّ الرجلَ جعلَ المالَ ميزانَ المنازل، فهَمَزَ مَن دونَه بفقرِه وذُلِّه؛ فجاءَ جزاؤُه من جنسِ فعلِه: ﴿لَيُنۢبَذَنَّ فِي ٱلۡحُطَمَةِ﴾ - مَن احتقرَ الناسَ نُبِذَ واستُقذِر.

وكانت ﴿هَلُمَّ﴾ كلمةَ الدعاءِ لأنّ أصلَها «لُمَّ نفسَك إلينا» - أمرٌ بالانضمامِ إلى صفّ.

فإذا نظرتَ في الثمانيةِ جميعاً وجدتَها تُرَدُّ إلى حرفينِ وترتيب: دُقاقٌ كثير، إن تقدَّمَتِ اللامُ انضمَّ فصارَ واحداً، وإن تقدَّمَتِ الميمُ انبثَّ فعَمَّ ما حولَه. طينٌ ملمومٌ ورمادٌ مَبثوث.

هذا والله أعلم.

(١)العين ٨/٣٢٢، والجمهرة ١/١٦٨.
(٢)العين ٨/٣٢٤، والجمهرة ١/١٦٨.
(٣)التهذيب ١٥/٢٥٢-٢٥٣، والعين ٨/٣٢٥، والصحاح ٥/١٨٢٠.
(٤)الجمهرة ٢/١١٠٣، والصحاح ٥/٢٠٢٦.
(٥)العين ٧/٣٧٢.
(٦)العين ٥/١٧٣، والصحاح ٥/٢٠٣١.
(٧)الصحاح ٥/٢٠٣١، والعين ٥/٣٧٩.
(٨)العين ٤/٥٦-٥٧.
(٩)العين ٨/٢٣٠.
(١٠)العين ٣/٢٤٥، والصحاح ٥/٢٠٢٧.
(١١)الجمهرة ٢/٧٠١، والعين ٨/١٨٨.
(١٢)التهذيب ١٥/٢٩١-٢٩٢، والعين ٨/٣٤٤.
(١٣)الصحاح ٥/٢٠٣٠، والعين ٨/٣٣١.
(١٤)اللسان ١٢/٦١٨، نقلاً عن الخليل.
(١٥)العين ٨/٢٦٦-٢٦٧.
(١٦)الصحاح ٥/١٨٥٤، والتهذيب ٦/١٧٠، والعين ٤/٥٦.
(١٧)العين ٧/٢٦٧ و٧/١٣١، والصحاح ٣/١٠٥٧، والجمهرة ١/٦٢٠.
(١٨)العين ٧/٤٣٣-٤٣٤، والجمهرة ٢/٩٢٦.
(١٩)الجمهرة ٢/٨٥٩ و٢/٨٩٧ و٢/٩٨٨، والعين ٧/١٣١.
(٢٠)التهذيب ١٥/٢٩٠-٢٩١، والعين ٨/٣٤٤-٣٤٥.
(٢١)العين ٥/٣٨٠، و٦/٢٦٥-٢٦٦، و٧/٣٧١.
(٢٢)اللسان (ملك)، والجمهرة ٢/٩٨١، والعين ٥/٣٨١، والتهذيب ١٠/١٤٩، والصحاح ٤/١٦٠٩.
(٢٣)التهذيب ٦/٩٦، والعين ٧/٣٧٢.
(٢٤)مقاييس اللغة ٥/٢٧٥.
(٢٥)مقاييس اللغة ٢/٩٣.
(٢٦)مقاييس اللغة ٥/٣٤١.
(٢٧)مقاييس اللغة ٥/٢١٢.
(٢٨)مقاييس اللغة ٤/٤٤٦.
(٢٩)مقاييس اللغة ٥/٢٩١.
(٣٠)مقاييس اللغة ٣/٩١.
(٣١)مقاييس اللغة ٥/٢٤٦.
(٣٢)مقاييس اللغة ١/٣٥٣.
(٣٣)الجمهرة ٢/٩٨١.
(٣٤)العين ٥/٣٨١، والتهذيب ١٠/١٤٩ وفيه زيادة «وكَثُرَ مُلكُه».
(٣٥)الصحاح ٤/١٦٠٩، والتهذيب ١٠/١٤٩ وفيه «خَلِّ عن مَلَكِ الطريقِ ومَلَكِ الوادي أي حَدِّه ووسَطِه».
(٣٦)الصحاح ٤/١٦١٠.
(٣٧)العين ٥/١٧٤.
(٣٨)العين ٥/٣٨٠.
(٣٩)العين ٦/٢٦٥-٢٦٦.
(٤٠)اللسان ١٢/٢٩٦، وحاشية الصحاح ٥/١٩٥٠.

التعليقات (0)