أسري بمحمد وهو نائم

أسري بمحمد وهو نائم

لماذا هي رؤيا وليست رؤية؟

سؤال محير

افتتح المولى سورة الإسراء بهذا النص:

﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]

ثم قال في السورة نفسها، وفي الحدث نفسه:

﴿وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: 60]

فلماذا هي رؤيا وليست رؤية؟ ولفظ الرؤيا في كلام العرب وفي القرآن للمنام وحده.

وقال في خمسة مواضع أخرى من القرآن لنبي أن يسري بأهله وبعباده، فجاءت كلها أمرا للنبي أن يمشي هو: ﴿فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ﴾ [هود: 81]، ﴿فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا﴾ [الدخان: 23]. ثم جاءت في الإسراء وحدها فعلا ماضيا فاعله الله: ﴿أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا﴾ [الإسراء: 1]. فمن الذي مشى؟

وفي القرآن فعلان للانتقال البعيد: السير للعلانية، والسرى للخفاء. وقد أسند المولى الأول إلى نفسه فقال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ﴾ [يونس: 22]. فاللفظ موجود مستعمل. فلماذا لم يقل في الإسراء «سير بعبده»؟

وقال المولى لرسولنا الكريم نفسه عن كفار بدر:

﴿إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗا﴾ [الأنفال: 43]

فأسند الإراءة إلى الله، وصرح بأنها في المنام، وخاطب الرسول بها. فما الفرق بين هذه وتلك؟

ثم تسأل السورة سؤالا أخطر من هذا كله. فإن قريشا طلبت من رسولنا الكريم أن يصعد إلى السماء:

﴿أَوۡ تَرۡقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّي هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا﴾ [الإسراء: 93]

وهم يزعمون أنه عرج بجسمه إلى السماوات السبع قبل هذا. فلو كان ذلك حقا لكان الجواب الطبيعي: لقد رقيت في السماء فعلا. ولم يقل ذلك، بل قال إنه بشر رسول. والبشر عندنا الجانب المادي للكائن.(١) فماذا نفى عن نفسه؟

هذه أسئلة لا تجد لها في كتب التفسير جوابا يستقيم، لأن القوم أخذوا الحدث من الروايات ثم عادوا إلى الآية يحملونها عليه. ونحن نصنع عكس ذلك: نأخذ الحدث من الآية، ثم نعرض عليه الروايات.

السورة تفسر فاتحتها بنفسها

صيغة الإراءة، وهي أن يجعل الله عبده يرى، لا ترد في سورة الإسراء كلها إلا مرتين اثنتين: في الآية الأولى ﴿لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآ﴾ [الإسراء: 1]، وفي الآية الستين ﴿ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ﴾ [الإسراء: 60]. وهذا فحص آلي على المصحف كله، لا تقدير ولا تخمين.

فالله أراه، ثم أخبر في الآية 60 أن الذي أراه إياه رؤيا. وليس بين الموضعين ثالث يزاحمهما. فالسورة إذن قد فسرت فاتحتها بنفسها، ولم تترك التفسير لنا ولا لغيرنا.

أراه في الآية الأولى، وسمى ما أراه رؤيا في الآية 60. وليس في السورة موضع ثالث للإراءة.

وقد أدرك هذا رجل من أهل التراث فقاله صريحا. قال السهيلي في شرحه للسيرة: «ولم يقل الرؤية وإنما يسمى رؤيا ما كان في النوم في عرف اللغة».(٢) وأقر به ابن حجر وهو من المخالفين، فقال في بيان حجة القائلين بالمنام: «فالأول أخذ من لفظ الرؤيا، قال: لأن هذا اللفظ مختص برؤيا المنام».(٣) فالخصم يشهد على نفسه.

لماذا هي رؤيا وليست رؤية؟

لأن لفظ الرؤيا في القرآن كله ستة مواضع، لا سابع لها، وكلها منام بلا استثناء:

﴿لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًا﴾ [يوسف: 5] - وهي رؤيا يوسف التي رآها نائما.

﴿أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ﴾ [يوسف: 43] - وهي رؤيا الملك، والتعبير لا يكون إلا للمنام.

﴿هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗا﴾ [يوسف: 100]

﴿قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآ﴾ [الصافات: 105] - وقد صرح قبلها بأربع آيات ﴿إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ﴾ [الصافات: 102].

﴿لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡيَا بِٱلۡحَقِّ﴾ [الفتح: 27] - وهي رؤيا رسولنا الكريم في دخول المسجد الحرام.

﴿وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: 60]

خمسة منها منام بإجماع المفسرين أنفسهم، والسادس هنا وهو موضع النزاع. ولفظ المنام في القرآن أربعة مواضع لا خامس لها، وهي في الأنفال والروم والصافات والزمر. فالقرآن قد استعمل اللفظين استعمالا واحدا لم يخرم منه شيئا.

وموضع الصافات أوضحها في الدلالة على أن اللفظين واحد. فإن إبراهيم قال ﴿إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ﴾ [الصافات: 102]، فلما فرغ الأمر قال المولى ﴿قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآ﴾ [الصافات: 105]. فسمى المنام رؤيا بعد أن سماه مناما. فأي بيان أبين من هذا؟

ونظير الإسراء التام هو الفتح. فقد أثبت الله لرسولنا الكريم رؤيا، موضوعها مسجد، وقعت قبل وقتها ثم صدقت بعد حين: ﴿لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡيَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ [الفتح: 27]. رؤيا للرسول، ومسجد، ووعد يتحقق. وهي مطابقة لما في الإسراء في بنائها.

ولم يقل سير بل قال أسرى

وفي العربية فرق بين السرى والسير لا يلتفت إليه أكثر الناس. فالسرى هو الانتقال لمسافات بعيدة في الخفاء، ليلا كان أو نهارا، وأفضله بالليل لشدة الخفاء. والسير هو الانتقال لمسافات بعيدة علانية. وقد بينا ذلك في مقالنا في ألفاظ الانتقال.(٤)

فالفارق بينهما الخفاء والعلانية، لا الليل والنهار. ولهذا جاء السرى مع لوط ومع موسى، وكلاهما خارج من بلد يطارده أهله، فالخفاء شرط نجاته. ولو خرجا علانية لأدركهما القوم.

وههنا موضع يقطع النزاع. فإن القرآن يستعمل فعل السير بالبناء نفسه الذي جاءت عليه فاتحة الإسراء: الله فاعل، والناس مفعول بهم:

﴿هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ﴾ [يونس: 22]

فالمولى ينقل الناس بأجسامهم في البر والبحر، ويسمي ذلك تسييرا. فلو كان الإسراء نقلا للجسم من مكة إلى بيت المقدس على دابة، لكان لفظه الموضوع له «سير بعبده» أو «يسيره»، وهو لفظ في القرآن معروف مستعمل.

فلم يقل سير بعبده، بل قال أسرى بعبده. اختار فعل الخفاء وترك فعل العلانية، وهو يملكهما جميعا. فما وجه اختيار الخفاء؟

السرى انتقال في الخفاء، والسير انتقال في العلن. وقال المولى «يسيركم» في البر والبحر، ولم يقل «يسيره»، بل قال «أسرى بعبده».

والجواب أن أخفى الخفاء ما لا سبيل لأحد إلى الاطلاع عليه ألبتة، وهو ما يجري في نوم النائم. والسورة لم تدعنا عند اللفظ نستنبط، بل عادت في الآية 60 فسمت الحدث باسمه: الرؤيا. فاللفظ دل على الخفاء، والسورة عينت أي خفاء هو.

من الذي أسرى؟

وهنا موضع يخطئ فيه كثيرون. فمادة الإسراء في القرآن ستة مواضع، وقد قابلناها واحدا واحدا فخرج منها فرق لا يخطئه ناظر:

الموضعالصيغةالفاعل
هود ٨١ · الحجر ٦٥فأسر بأهلكالنبي مأمور أن يمشي
طه ٧٧ · الشعراء ٥٢أن أسر بعباديالنبي مأمور أن يمشي
الدخان ٢٣فأسر بعبادي ليلاالنبي مأمور أن يمشي
الإسراء ١أسرى بعبده ليلاالله هو الفاعل، والنبي مفعول به

فالخمسة كلها أمر: امش أنت، وخذ من معك، واخرج من بلد يطاردك أهله. لوط مرتين وموسى ثلاثا. أما السادس فليس أمرا ولا مشيا، بل خبر عن فعل الله: أسرى به. فلم يقل: اسر يا محمد، بل قال: أسرى بعبده. والفرق بين أن تمشي وبين أن يمشى بك هو الفرق بين اليقظة والمنام.

خمسة مواضع يؤمر فيها النبي أن يسري بنفسه، وسادس يسري الله به. فلم يقل اسر، بل قال أسرى بعبده.

النفس هي التي تنتقل، لا الروح

وقبل أن نمضي، لا بد من تصحيح لفظ أفسد على القوم بابهم كله. فأهل التراث يقولون: أسري بروحه. وهذا خطأ في المصطلح لا في الحكم وحده. فالروح في القرآن كائن فوق سماوي ليس من الملائكة، وهو الروح القدس الروح الأمين.(٥) فالروح جبريل، والروح لا يخرج من النائم ولا يعود إليه.

والذي ينتقل ويسافر ويرى في أثناء المنام هو النفس. والنفس جهاز يعطي الجسم الحياة، وهو الذي يحمل الهوية والذاكرة، وقد بسطنا ذلك في مقالنا في النفس.(٦) والإنسان بنفسه لا بجسمه.

فإذا قلنا أسري بنفسه فإنما قلنا أسري به هو. وهذا عين قول المولى: أسرى بعبده. فالخصومة التي أقامها القوم على لفظ «الروح» خصومة على لفظ لا نقول به أصلا.

الروح جبريل، والنفس هي التي تنتقل في المنام. ومن قال أسري بروحه فقد أخطأ اللفظ قبل أن يخطئ المعنى.

كيف يسري الله بالنائم

والقرآن قد بين آلية هذا الانتقال بيانا لا يحتمل التأويل:

﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّى﴾ [الزمر: 42]

والتوفية ههنا ليست قتلا ولا إماتة، وإنما هي من الموافاة أي اللقاء. فالله وحده هو الذي يتوفى الأنفس، أي يتلقاها. فإن أمسك النفس مات صاحبها، وإن أطلقها استيقظ. ولهذا جمع النص بين الحالين في آية واحدة: يمسك هذه، ويرسل تلك.

والمنام هو الفترة القصيرة جدا من النوم التي يرى فيها النائم الرؤيا، وهي اللحظة التي يتوفى الله فيها الأنفس. فليس الله يتوفى النفس طيلة النوم، بل في المنام لا غير. وفي هذه اللحظة يتجول الإنسان في المنام في أماكن ويدخل إلى أخرى ويشعر بأحاسيس مختلفة. وقد بسطنا هذا في مقالنا في التوفية والرقود والنوم.(٧)

فههنا لقاء وإرسال وتجوال. ومن الذي يتلقى ويرسل؟ الله. ومن الذي أسرى بعبده؟ الله. فهو فعل واحد بلفظين.

وزاده الأنعام بيانا: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ﴾ [الأنعام: 60]. فلم يقل يتوفى أنفسكم بالليل، بل قال يتوفاكم. فخاطب الإنسان بضميره هو في أمر يقع لنفسه لا لجسمه. وهذه وحدها كافية في إسقاط أشهر اعتراضاتهم، وسنعود إليها.

ثم انظر إلى الروم: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ [الروم: 23]. فجمع المنام والليل والآيات في نص واحد. ثم اقرأ فاتحة الإسراء: أسرى به ليلا، لنريه من آياتنا. الليل، والآيات، والإراءة. ثلاثة عناصر في الموضعين. فما الذي بقي؟

لماذا قال عبده ولم يقل رسوله؟

وقد حسب القوم أن لفظ «عبده» حجة عليهم إن قلنا بالمنام، وهو في الحقيقة أقوى ما في الآية.

فإن المولى لم يقل: أسرى برسوله، ولا: أسرى بنبيه، مع أن المقام مقام رسالة. والعبودية ههنا ليست وصف تكليف، بل وصف عناية شديدة وقرب. فالعبد قريب من سيده جدا، يخصه بما لا يخص به غيره. وهذا نظير ما وصف به إبراهيم: ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا﴾ [النساء: 125].

فاختيار «عبده» في هذا الموضع إعلان أن رسولنا الكريم في أشد حالات القرب من ربه، وأن ما جرى له تلك الليلة كان عناية خاصة به. ولو كان استعراض قدرة لقال: أسرى برسوله ليكون آية للناس. فلم يقل ذلك.

والسميع البصير: لماذا خُتمت الآية بهما؟

وختم المولى الآية بقوله ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1]. ولم يقل: إنه هو القوي القدير. ولو كان الشأن نقل جسم من بلد إلى بلد في ليلة لكان ختامها بالقدرة.

فما وجه السمع والبصر ههنا؟ الجواب أن رسولنا الكريم كان يطلب الخروج والهجرة، وقد بلغ به الضيق مبلغه. فالله سمع شكواه ورأى حاله، فأراه ما يريحه ويبشره.

وشكواه منصوصة في القرآن: ﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا﴾ [الفرقان: 30]. فقد كان الموقف مجمدا تجميدا هائلا: دعوة لا تتحرك، وقوم أعرضوا عن الكتاب، وأصحاب قليل مستضعفون. ولو استمر الحال على ذلك لكاد الدين أن يموت ويتلاشى أصحاب الرسول بعده.

وقد جاءت سور تصبره وتثبته، وفي هذه السورة نفسها: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَا﴾ [الإسراء: 76]، ثم دعاؤه بعدها بأربع آيات ﴿وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡقٖ وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡقٖ﴾ [الإسراء: 80]. مدخل ومخرج، وهو يوشك أن يرحل.

لم يقل القدير بل قال السميع البصير. سمع شكواه ورأى ضيقه، فأراه ما يبشره بالمخرج.

الفتنة ليست اختبارا، بل مفترق طرق

قال المولى إن هذه الرؤيا ﴿فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: 60]. والناس في اصطلاح القرآن علية القوم ووجهاؤهم، وهم سادة الإنس.(٨) فالفتنة وقعت لأشراف مكة لا لعامتها.

والفتنة ليست امتحانا مجردا كما يقولون، بل هي مفترق طرق: إما أن يعود المفتون إلى صوابه ويطلب المغفرة، وإما أن يزيد في ضلاله. وهو الذي سماه القرآن ههنا طغيانا: ﴿وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا﴾ [الإسراء: 60]. فقد وقفوا على المفترق فاختاروا الطغيان.

وأين موضع الفتنة من الرؤيا؟ في مضمونها لا في كيفيتها. فإن رسولنا الكريم رأى في تلك الليلة ما فيه تهديد لهم: رأى مصارعهم، ورآهم يأكلون الزقوم في النار. فلما أصبح فحدثهم كان هذا تهديدا صريحا لسادة قريش. والسورة تهينهم وتحتقرهم وهم أشراف القوم، فزادهم ذلك طغيانا.

هي رؤيا للرسول، وفتنة لهم. رؤيا فيما رآه، وفتنة فيما هددوا به.

فالفتنة إذن لا علاقة لها بكون الحدث مشهودا أو غير مشهود، ولا بكونه في نوم أو يقظة. فتنتهم في التهديد الذي جاءهم به.

ولهذا يسقط اعتراض القرطبي حين قال: «وقيل: كانت رؤيا نوم. وهذه الآية تقضي بفساده، وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها، وما كان أحد لينكرها».(٩) فقد بنى الرجل حكمه على أن المنام أمر هين لا يحرك أحدا. وهذا مردود بالقرآن نفسه.

فرؤيا يوسف منام صريح، وقد كادت أن تقتل صاحبها: ﴿لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًا﴾ [يوسف: 5]. فألقي في الجب، وفرقت أسرة نبي سنين. أفهذه رؤيا لا يحرك أحدا؟

ورؤيا إبراهيم منام صريح: ﴿إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ﴾ [الصافات: 102]، ثم قال المولى بعد أن مضى فيها ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ﴾ [الصافات: 106]. ونحن لا نخلط بين الفتنة والبلاء، فالبلاء اختبار شديد جدا يختص بالقتل ولا يقع فيه الضرر، والفتنة يقع فيها الضرر وقد يزول.(١٠) لكن الشاهد واحد: أن رؤيا المنام قد تكون أشد ما يمر بالنبي في عمره كله. فأين قول القرطبي من هذا؟

وماذا رأى في تلك الليلة؟

الإسراء نفسه لا عجب فيه. رجل ينتقل ليلا في خفاء، وهذا يقع من البشر والدواب كل ليلة. وإنما العجب فيما رآه.

والسورة تسوق مشهدا صريحا في الآية نفسها: ﴿وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ﴾ [الإسراء: 60]. وقد قرن المولى الشجرة بالرؤيا. والشجرة الملعونة هي الزقوم، وليس في القرآن شجرة مؤلمة سواها، فكل شجر ذكره القرآن شجر طيب نافع. وقد وصفها بالفعل نفسه في سورة أخرى: ﴿إِنَّا جَعَلۡنَٰهَا فِتۡنَةٗ لِّلظَّٰلِمِينَ﴾ [الصافات: 63]. فجعل الرؤيا فتنة، وجعل الزقوم فتنة، باللفظ الواحد.

والذي استقر عندنا أن رسولنا الكريم رأى ثلاثة مشاهد: رأى نفسه تنتقل ليلا حتى بلغت المسجد الأقصى، ثم رأى مصارع القوم الذين سيقتلون من قريش، ثم اطلع على النار فرأى الكفار يأكلون الزقوم. والمشهد الأول نص السورة، والثالث ظاهرها بقرينة الشجرة. وأما مصارع القوم فقد بسطناه في موضعه.(١١)

ثم إن السورة تصل الرؤيا بالتخويف في ثلاث حلقات متتابعة: أراه من آياته ﴿لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآ﴾ [الإسراء: 1]، ثم قرر أن الآيات إنما ترسل تخويفا ﴿وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا﴾ [الإسراء: 59]، ثم جمع الرؤيا والتخويف في آية واحدة ﴿وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا﴾ [الإسراء: 60]. فالرؤيا آية، والآية تخويف، والتخويف لم يزدهم إلا طغيانا. وهذا نظام محكم لا يستقيم إلا على أنها رؤيا.

والعجيب أنهم يقولون معراج، والسورة تنفيه

وأعجب ما في الباب أن القوم بنوا على هذه الآية معراجا إلى السماوات السبع بالجسم، والسورة نفسها تنفي ذلك نفيا قاطعا بأقوى ما يكون.

فقد طلبت منه قريش الرقي في السماء:

﴿أَوۡ تَرۡقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّي هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا﴾ [الإسراء: 93]

فلو كان قد عرج بجسمه إلى السماء قبل هذا بأشهر، لكان الجواب الذي لا جواب سواه: لقد رقيت في السماء فعلا، وقد أخبرتكم بذلك، وأنتم كذبتموني. وهذا هو المتوقع من أي إنسان يحاجه خصمه بشيء قد فعله.

فلم يقل ذلك، بل قال: هل كنت إلا بشرا رسولا. أي: أنا في جسمي كواحد منكم، لا أرقى في السماء ولا آتي بالخوارق. والبشر عندنا الجانب المادي للكائن، فالنفي وقع على الجسم بعينه.

طلبوا منه أن يرقى في السماء، فلم يقل قد رقيت، بل قال هل كنت إلا بشرا رسولا. فأين المعراج؟

وههنا لطيفة: افتتحت السورة بـ«سبحان» على الإسراء، وجاءت «سبحان» في الآية 93 مقرونة بنفي الرقي عن الجسم. فأي بناء أحكم من هذا؟

ما قاله المخالفون، والجواب عنه

الأول: قال بعبده ولم يقل بروح عبده

وهو أقوى ما احتجوا به. قال الطبري: «وبعد، فإن الله إنما أخبر في كتابه أنه أسرى بعبده، ولم يخبرنا أنه أسرى بروح عبده، وليس جائزا لأحد أن يتعدى ما قال الله إلى غيره».(١٢) وقال القرطبي: «ولو كان مناما لقال بروح عبده ولم يقل بعبده».(١٣)

والجواب من وجهين قاطعين.

الأول أن الخصومة قامت على لفظ لا نقول به. فنحن لا نقول أسري بروحه، لأن الروح جبريل. وإنما نقول أسري بنفسه، والإنسان بنفسه لا بجسمه، فقولنا أسري بنفسه هو قولهم أسري به. فسقط الاعتراض من أصله.

والثاني من القرآن نفسه، وهو حرف واحد يهدم البناء كله. قال المولى لرسولنا الكريم:

﴿إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗا﴾ [الأنفال: 43]

فلم يقل: إذ يري نفسك، بل قال: يريكهم. خاطبه بضميره هو، في حدث صرح بأنه في المنام. وكذلك ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ﴾ [الأنعام: 60]، فلم يقل يتوفى أنفسكم، وهو نوم لا موت. فقاعدة الطبري لو صحت لأبطلت هاتين الآيتين معه.

الثاني: التسبيح لا يكون إلا في العظائم

قال ابن كثير: «فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، ولو كان مناما لم يكن فيه كبير شيء ولم يكن مستعظما».(١٤)

وهذا حق في أصله، ولا ننازعه فيه. فالتسبيح يأتي للعجائب فعلا لا للأمر العادي. لكنه أخطأ في تعيين موضع العجب.

فالانتقال في خفاء ليس بعجب، ولهذا لم يذكر المولى التسبيح عند إسراء لوط ولا عند إسراء موسى، وهما إسراءان بالأجسام قطعا. فلو كان مجرد الانتقال هو العجب لسبح عندهما.

وإنما ذكر التسبيح ههنا لأن رسولنا الكريم شاهد المستقبل، لا لشيء آخر. رأى مصارع قوم لم يقتلوا بعد، ورأى مآل قوم لم يموتوا بعد. وهذا هو العجب الذي لا يقدر عليه إلا الله. ولهذا جاءت لام التعليل: ﴿لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآ﴾ [الإسراء: 1]، فعلق التسبيح على الإراءة لا على الانتقال.

لم يسبح عند إسراء لوط ولا إسراء موسى، وسبح ههنا. فالعجب ليس في الانتقال، بل في أن رسولنا الكريم شاهد المستقبل.

الثالث: لو كان مناما لما كذبته قريش ولا ارتد أحد

قال الطبري: «لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون ذلك كان دليلا على نبوته».(١٥)

والجواب في ثلاثة أوجه:

أولها أن السورة لا تذكر تكذيبا ولا ارتدادا ولا مجادلة في الإسراء أصلا. والذي فيها أنه فتنة أورثت طغيانا. والقصة التي فيها سؤال قريش عن أوصاف بيت المقدس وارتداد من ارتد، إنما هي في كتب السير لا في السورة. فهم يردون دلالة النص بخبر من خارجه.

وثانيها أن الرؤيا لم تكن دليلا على النبوة أصلا حتى يعترض بأنها لا تصلح دليلا. فالسورة تقول إنها فتنة، والفتنة مفترق طرق لا برهان. ولم يقل المولى إنها آية للناس ليؤمنوا، بل قال إنها فتنة لهم فطغوا. فانقلب الاعتراض على صاحبه.

وثالثها أن ما يحرك القوم هو مضمون الرؤيا لا كيفيتها. فرسولنا الكريم يقول لسادة قومه: رأيت مصارعكم ورأيتكم تأكلون الزقوم. أفيسكتون على هذا لأنه رآه نائما؟

الرابع: البراق دابة، والدواب لا تحمل الأنفس

قال الطبري: «ولو كان الإسراء بروحه لم تكن الروح محمولة على البراق، إذ كانت الدواب لا تحمل إلا الأجسام».(١٦) وتابعه ابن كثير.

والجواب أن البراق ليس في القرآن، لا اسما ولا وصفا ولا إشارة. فمن احتج به فقد احتج برواية على آية، وهذا قلب للميزان. ودع عنك هذا كله: الرائي في منامه يرى نفسه راكبا ونازلا وماشيا، وهذا يعرفه كل نائم.

الخامس: ما زاغ البصر وما طغى

احتجوا بقوله ﴿مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ [النجم: 17]، وقالوا: البصر من آلات الجسم.

والجواب أن هذه في سورة النجم لا في الإسراء، ومشهدها ﴿عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ﴾ [النجم: 14] لا المسجد الأقصى. فهما حدثان لا حدث، ونقل لفظ أحدهما إلى الآخر تحكم بلا دليل. وفي السياق نفسه قال المولى قبلها بستة مواضع: ﴿مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ﴾ [النجم: 11]. فأسند الرؤية إلى الفؤاد لا إلى العين. فإن كانوا يحتجون بآية النجم فليأخذوها كلها، ولا يأخذوا منها ما يوافقهم ويدعوا ما يخالفهم.

السادس: خمسة مواضع للإسراء كلها بالأجسام

وهذا أقوى ما يورد علينا، ونحن الذين أوردناه على أنفسنا. فإن مادة الإسراء في القرآن ستة مواضع، خمسة منها خروج بالأجسام قطعا: لوط بأهله، وموسى ببني إسرائيل. فكيف نجعل السادس مناما وأخواته كلها يقظة؟

والجواب أن الخمسة تفارق السادس في بنائها لا في لفظها وحده. فكلها أمر موجه إلى النبي أن يمشي هو ويأخذ من معه، والفاعل فيها النبي. والسادس فعل ماض فاعله الله والنبي مفعول به. ولو أراد المولى في الإسراء ما أراده في الخمسة لقال: أسر يا محمد، أو فأسر بأصحابك. فلم يقل ذلك، بل قال أسرى بعبده.

ثم إن الخمسة ليس في واحدة منها إراءة ولا آيات ولا رؤيا. والسادس فيه اللام الغائية ﴿لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآ﴾ [الإسراء: 1]، ثم سماها في الآية 60 رؤيا. فالغاية في الخمسة النجاة من مطارد، والغاية في السادس الإراءة. فافترقا في الفاعل وفي الغاية معا. ولا يقاس شيء على شيء إلا بعد استواء البناء، وهو ههنا مختلف.

ثم إن الخمسة لا تنفعهم أصلا، بل هي عليهم. فإن السرى فيها إنما اختير لأنه انتقال في الخفاء، ولو كان علانية لأدرك القوم لوطا وموسى. فاللفظ في المواضع كلها لفظ إخفاء. وأخفى الخفاء ما لا يطلع عليه أحد ألبتة، وهو نوم النائم.

السابع: أليس المسرى به موسى؟

ذهب قوم من المعاصرين إلى أن المسرى به موسى لا محمد، وأن المسجد الحرام غير مسجد مكة. وهو قول باطل من وجهين قاطعين.

الأول أن لفظ «عبده» و«عبدنا» مضافا إلى الله بلا اسم يقع في القرآن ستة مواضع، لا سابع لها، وكلها محمد بإجماع المخالف والموافق: البقرة 23، والكهف 1، والفرقان 1، والزمر 36، والنجم 10، والإسراء 1. وهذا فحص آلي على المصحف.

فإذا أريد بها غيره سمي صاحبه في الموضع نفسه، وهي ثلاثة لا رابع لها: ﴿ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ﴾ [مريم: 2]، و ﴿وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ﴾ [ص: 17]، و ﴿وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ﴾ [ص: 41]. فالقاعدة مطردة لا يشذ عنها موضع واحد: بلا اسم فهو محمد، وبالاسم فهو من سمي.

وموسى لم يوصف بلفظ العبودية مفردا في القرآن كله ولا مرة واحدة. فمن ادعى أنه المسرى به فقد ادعى ما لم يقع نظيره في المصحف قط.

والثاني أن المسجد الحرام يرد في القرآن خمسة عشر موضعا، أربعة عشر منها مسجد مكة قطعا بإجماع المخالف والموافق، ومنها ﴿لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ [الفتح: 27]. فتخصيص الموضع الخامس عشر بغير معناه في الأربعة عشر تحكم لا يقوم عليه دليل. فالساري محمد، وهذا مقطوع به.

وقد سبقنا إلى هذا قوم، ولسنا نبني عليهم

وليس هذا القول مما ابتدعناه. فقد روى ابن إسحاق عن عائشة أنها كانت تقول: «ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الله أسرى بروحه». وروى عن معاوية بن أبي سفيان أنه كان إذا سئل عن مسرى رسول الله قال: «كانت رؤيا من الله تعالى صادقة».(١٧)

ثم قال ابن إسحاق معلقا: «فلم ينكر ذلك من قولهما، لقول الحسن: إن هذه الآية نزلت في ذلك: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس».(١٨)

لكنا نصرح بما لا يصرح به من ينتصر لهذا القول. فإسناد عائشة فيه رجل مبهم، قال ابن إسحاق: «وحدثني بعض آل أبي بكر»، ولم نقف لها على إسناد ثان في شيء مما فتشناه من كتب التفسير والسير. وإسناد معاوية منقطع، فإن يعقوب بن عتبة لم يدرك معاوية. وأما الحسن البصري فقد نسب إليه هذا القول في كتب متأخرة، والذي في تفسير الطبري عنه صريح في خلافه: «أسري به عشاء إلى بيت المقدس، فصلى فيه، وأراه الله ما أراه الآيات، ثم أصبح بمكة».(١٩) وقال القاضي عياض عن نسبة القول إليه: «والمشهور عنه خلافه».(٢٠)

ثم إنهم قالوا «بروحه»، ونحن لا نقول به كما بينا. فبينهم وبيننا فرق في المصطلح، وإن اتفقنا على أن الجسم لم يفارق مضجعه.

فنحن لا نبني على هذه الآثار حرفا واحدا، وإنما نسوقها ليعلم القارئ أن المسألة مسألة سلف لا مسألة محدثين، وأن الذي حكم فيها هو القرآن لا الرجال. ولو صحت هذه الآثار كلها ما زادت البناء قوة، ولو سقطت كلها ما نقصته شيئا.

وقد كان السهيلي أقربهم إلى الصواب حين وصل الإسراء بآية الزمر فقال: «هل كان الإسراء في يقظة بجسده أو كان في نومه بروحه كما قال سبحانه: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها».(٢١) فأصاب الدليل ثم لم يمض معه إلى آخره.

الخلاصة

أسري بمحمد صلى الله عليه وسلم وهو نائم، والساري به هو الله لا هو، والذي انتقل نفسه لا جسمه. رأى نفسه تنتقل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأراه الله من آياته، فرأى مصارع القوم ورآهم يأكلون الشجرة الملعونة. ثم أصبح فحدثهم، فكانت فتنة لسادة قريش فطغوا.

والدليل على ذلك سبعة: أن السورة سمت الحدث رؤيا في الآية 60، والرؤيا في القرآن ستة مواضع كلها منام؛ وأن اللفظ المختار لفظ الخفاء لا لفظ العلانية، فقال أسرى ولم يقل سير وهو يملك اللفظين؛ وأن الله هو الفاعل في هذا الموضع دون المواضع الخمسة؛ وأن القرآن أسند إراءة المنام إلى الرسول بضميره هو في سورة الأنفال؛ وأن الله يتوفى النفس في منامها ثم يرسلها كما في الزمر؛ وأن الآية ختمت بالسميع البصير لا بالقدير؛ وأن السورة ختمت بأنه بشر رسول لا يرقى في السماء.

وأما ما احتج به المخالفون فمداره على ثلاثة: قياس اللفظ مع اختلاف البناء، وتحكيم الروايات في النص، وخصومة على لفظ «الروح» ونحن لا نقول به.

اللهم فقهنا في كتابك، ولا تجعلنا ممن يرد آياتك بأقوال الرجال، ولا ممن يقرأ فلا يفقه.

(١)«بشر»: الجانب المادي للكائن، يأكل ويشرب ويموت؛ والإنسان جانبه النفسي بنعوته قبيحها ومليحها. وهو مقرر في جدول كلمات القرآن.
(٢)السهيلي، «الروض الأنف في شرح سيرة ابن هشام»، تحقيق السلامي، جـ٣ ص٢٥٦.
(٣)ابن حجر العسقلاني، «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، الطبعة السلفية، جـ٧ ص٢١٨.
(٤)وينظر مقالنا «الانتقال: مشى وسعى وجرى وركض وسرى وسار»، وفيه أن السرى انتقال في الخفاء والسير انتقال في العلن.
(٥)«الروح»: كائن فوق سماوي ليس من الملائكة، وهو الروح القدس الروح الأمين. وهو مقرر في جدول كلمات القرآن، وينظر مقالنا «الروح في القرآن المكرم».
(٦)وينظر مقالنا «مصطلح النفس»، ومقالنا «القلب والعقل والنفس والروح».
(٧)وينظر مقالنا «توفى ووفى ومات والرقود والنعاس والأموات والموتى»، وفيه أن المنام هو الفترة القصيرة من النوم التي يتوفى الله فيها الأنفس.
(٨)«الناس»: علية القوم ووجهاؤهم، وهم سادة الإنس، فليس كل إنسي من الناس. وهو مقرر في جدول كلمات القرآن.
(٩)القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، جـ١٠ ص٢٨٢.
(١٠)وينظر مقالنا «الفتنة والابتلاء والبلاء والبلاء العظيم والبلاء المبين».
(١١)وينظر مقالنا «هل توعد الرسول كفار قريش بالذبح».
(١٢)الطبري، «جامع البيان»، تحقيق التركي، جـ١٤ ص٤٤٧.
(١٣)القرطبي، «الجامع لأحكام القرآن»، جـ١٠ ص٢٠٨.
(١٤)ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تحقيق السلامة، جـ٥ ص٤٣.
(١٥)الطبري، «جامع البيان»، جـ١٤ ص٤٤٦.
(١٦)الطبري، «جامع البيان»، جـ١٤ ص٤٤٧.
(١٧)ابن هشام، «السيرة النبوية»، تحقيق السقا ورفيقيه، جـ١ ص٣٩٩ و٤٠٠. ورواهما الطبري في «جامع البيان» جـ١٤ ص٤٤٥.
(١٨)ابن هشام، «السيرة النبوية»، جـ١ ص٤٠٠.
(١٩)الطبري، «جامع البيان»، جـ١٤ ص٦٤٢.
(٢٠)القاضي عياض، «الشفا بتعريف حقوق المصطفى»، جـ١ ص٣٥٩.
(٢١)السهيلي، «الروض الأنف»، جـ٣ ص٢٥٦.

التعليقات (0)