ما علاقة لقمان بلهو الحديث؟

ما علاقة لقمان بلهو الحديث؟

خرافةٌ تُتلى وحكمةٌ تُكتب: لماذا جاء اسم لقمان بعد لهو الحديث بستِّ آيات؟

نلاحظ أن سورة لقمان تذكر لهو الحديث في آيتها السادسة، ثم تذكر لقمان في الثانية عشرة. ستُّ آيات بينهما لا أكثر. ثم تُسمَّى السورة كلُّها باسمه. فهل هذا ترتيبٌ وقع اتفاقاً، أم أن الثاني جوابٌ عن الأول؟

والذي انتهينا إليه أن لهو الحديث الذي كان يُشترى في مكة هو مرويات العرب عن لقمان وأشباهُها من أخبار الأولين، وأنها مرويات لا تُنتج عملاً ولا تُكلِّف تكليفاً، وإنما تُلهي وحدها. ونبسط ذلك في ست فقرات.

أولاً: ما لهو الحديث؟

قلنا في موضع آخر إن اللهو هو الانشغال بالتافه عن الأهم، وأنه ليس وقتاً ضائعاً فحسب، بل صرفٌ للطاقة عن الجوهر إلى القشور. فإذا أُضيف اللهو إلى الحديث، فأيُّ حديثٍ هذا؟

الجواب في القرآن نفسه، فإنه يسمي نفسه حديثاً:

﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ﴾ [الزمر: 23]

﴿فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ يُؤۡمِنُونَ﴾ [الجاثية: 6]

﴿فَذَرۡنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ﴾ [القلم: 44]

﴿فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ﴾ [المرسلات: 50]

فالمولى جل جلاله يسمي كتابه «أحسن الحديث»، ثم يسمي ما يزاحمه «لهو الحديث». ولم يقل لهو الكلام ولا لهو القول، بل قال الحديث، وهو اللفظ الذي سمى به كتابه. فالتسمية مقصودة، والمزاحمة في الباب نفسه: حديثٌ يُعارَض بحديث.

ثم تأمل الفعل:

﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾ [لقمان: 6]

فلم يقل يسمع لهو الحديث، ولا يروي لهو الحديث، بل قال يشتري. والشراء بذل مال. فالرجل ينفق ليأتي بهذه المادة، ولا ينفق أحدٌ على حديثٍ إلا ليُذاع. ثم قال ﴿لِيُضِلَّ﴾، واللام هنا لام التعليل لا لام العاقبة، فالإضلال غرضٌ مقصود لا أثرٌ وقع من غير قصد.

وضميرُ ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ يعود على آيات الكتاب المذكورة في مطلع السورة ﴿تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ﴾ [لقمان: 2]، بدليل الآية التي تليها مباشرة:

﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا وَلَّىٰ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَا كَأَنَّ فِيٓ أُذُنَيۡهِ وَقۡرٗا﴾ [لقمان: 7]

فالمشهد واضح: تلاوةٌ يُعرض عنها، وحديثٌ يُشترى مكانها. فما هذا الحديث الذي كان يُشترى في مكة؟

ثانياً: لقمانان لا لقمان واحد

الذي يبدو لنا أن العرب كان عندها لقمانان، لا واحد. ولعل هذا مفتاح السورة كلها.

أما الأول فلقمان بن عاد، وهو المشهور في كلامهم، ملكٌ معمَّر لا حكيمٌ واعظ. قال صاحب نهاية الأرب في الأنساب: «وملك لقمان قومه بعد ذلك، ودام ملكه فيما بعد ألف سنة أو أكثر»[1]. وخبره المتداول أنه خُيِّر في عمره فاختار البقاء ما بقيت سبعة أنسر، فكان يربي النسر بعد النسر حتى بلغ آخرها لُبَد، فلما مات لُبَد مات لقمان معه[2].

وهذه هي القصة التي دارت على ألسنة شعرائهم. قال النابغة:

أضحت خلاءً وأضحى أهلها احتملوا … أخنى عليها الذي أخنى على لُبَدِ

وقال الأعشى:

ولقمانَ إذ خيَّرتَ لقمانَ في العُمُرْ … لنفسِك أن تختار سبعةَ أنسُرٍ

وقال لبيد:

ولقد جرى لُبَدٌ فأدرك جريَه … ريبُ المنونِ وكان غيرَ مثقَّلِ

وقال طرفة:

ألم ترَ لقمانَ بنَ عادٍ تتابعتْ … عليه النسورُ ثم غابتْ كواكبُه

فأربعةٌ من فحول الجاهلية ينشدون خبر النسور. وليس هذا شاهداً على بيتٍ عابر، بل على مادةٍ حيَّةٍ يعرفها السامع فلا يحتاج الشاعر إلى شرحها. ومعها أمثالٌ كثيرة خرجت من أخبار لقمان بن عاد وأهله: «طال الأبد على لُبَد»، و«على أهلها تجني براقش» وبراقش امرأته، و«ما لي ذنب إلا ذنب صُحْر» وصُحْر أخته[3].

فهذا رجلٌ له دورةُ قصصٍ كاملة: زوجةٌ وأختٌ وابنٌ ونسورٌ وخلودٌ ومُلك. وأيُّ شيءٍ أشبه بلهو الحديث من هذا؟

فإن قيل: خبرُ النسور خبرٌ واحد، فأين بقيةُ السخف؟ قلنا: هو أكثر من أن يُحصى، ونقتصر على سبع.

الأولى أنَّ عمره لا يستقرُّ على رقم. يرويه أبو حاتم السجستاني بسنده: «عاش خمسمائة سنة وستين سنة»، ثم يستدرك في الموضع نفسه: «فأما غير الحسين، فذكر أنه عاش ثلاثة وخمسمائة سنة؛ والله أعلم أيُّ ذلك كان»[4]. وفي كتاب التيجان وحده ثلاثةُ أرقام: «ألفي سنة وأربعمائة سنة»، و«أربعة آلاف عام»، و«ألف سنة وسبعمائة سنة وأربعاً وستين سنة»[5]. وعند الميداني «ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة»[6]. ولا ندري كيف تجتمع هذه الأرقام في رجلٍ واحد.

والثانية أنَّ النسور أنفسها تضطرب. فهي سبعةٌ في أكثر الروايات، وثلاثةٌ عند الميداني في موضعٍ آخر: «فسأل عُمْرَ ثلاثة أَنْسُرٍ»[7]. وعمرُ النسر ثمانون سنة عند الثعلبي والعوتبي، ومائةٌ في التيجان، وخمسمائةٌ في موضعٍ آخر منه. فالحسابُ الذي بُني عليه الخبر كلُّه لا يثبت.

والثالثة أنَّ الرواة يتبرَّأون منه وهم يروونه. يقول العوتبي: «فعمَّر لقمان فيما يزعمون عمر سبعة أنسر، وكان كل نسر يعيش فيما يزعمون ثمانين سنة»[8]. ويقول الميداني: «فعاش لقمان — زعموا — ثلاثةَ آلافٍ وخمسمائة سنة». ولو كان عندهم فيه علمٌ لما قالوا زعموا.

والرابعة أنَّ سامعه يسمّيه عجائب. فقد رُوي أن معاوية سمعه فقال: «لا يفضض الله فاك يا عبيد، لقد حدَّثتَ بالعجائب!»[9]. فهي عندهم عجائبُ تُسمَر بها المجالس، لا علمٌ يُعمل به.

والخامسة وهي ألطفها، أنَّ الخبر نفسه فيه لهوٌ صريح. فوفدُ عادٍ خرجوا يستسقون لقومٍ يموتون عطشاً، فنزلوا عند معاوية بن بكر، «فأقاموا عنده شهراً، وكان يكرمهم والجرادتان تُغنِّيانهم، فنَسُوا قومهم شهراً»[10]. فأيُّ مثالٍ للهو الحديث أبينُ من حديثٍ أبطالُه ألهاهم الغناءُ عن قومهم شهراً؟

والسادسة أنَّ الحكيم في هذه الأخبار ليس حكيماً. فقد رووا أن لقمان حسد لُقَيماً «وأراد هلاكه، فاحتفر له خَنْدَقاً... فأوقد عليه ليقع فيه لُقَيم»[11]، ولُقَيمٌ ابنُه في روايةٍ وابنُ أخته في أخرى. ورووا أنه «كان أضْرَبَ الناس بالقِدَاح» حتى ضُرب به المثل فقيل «أيسرُ من لقمان»[12]. فرجلٌ يحسد ابنه فيحفر له خندق نار، ويُقامر بالأزلام — فأين الحكمة في هذا؟

والسابعة أنَّ الخرافة تتمدَّد حتى تبتلع الكون. فرووا أنَّ «الحوتَ في الماء، والماءُ على ظهر صَفاةٍ، والصَّفاةُ على ظهر ملَك، والملَكُ على صخرة، والصخرةُ في الريح، وهي الصخرةُ التي ذكرها لقمان، ليست في السماء ولا في الأرض»[25]. فانظر كيف صارت الصخرةُ في قوله ﴿فَتَكُن فِي صَخۡرَةٍ﴾ صخرةً كونيةً معلَّقةً في الريح، تحمل ملَكاً يحمل صَفاةً تحمل ماءً فيه حوت. وهذا مثالٌ لما يصنعه اللهو بالآية: يُخرجها من التكليف إلى الأسطورة.

وليس هذا آخره. فرووا أنَّ مولاه سكِر فخاطر قوماً على أن يشرب لقمانُ ماء بحيرة، فقال لقمان: «فإنَّ لها موادَّ فاحبسوا موادَّها عنه»[26]. ورووا أنَّ الله «أعطاه حاسَّة مائة رجل، وكان طويلاً لا يقاربه أهل زمانه»[27]. ورووا أنه «أوَّلُ من حكم بالقطع في السرقة»[28]، وأنه باني سدِّ مأرب[29]. وأما براقشُ امرأتُه فهي في مجمع الأمثال كلبةٌ لقومٍ من العرب في رواية، وامرأةٌ لبعض الملوك في رواية، وامرأةُ لقمان بن عاد في ثالثة[30]. فامرأةُ الرجل لا يُدرى أهي امرأةٌ أم كلبة.

ونعجب ممن يجعل هذا وذاك رجلاً واحداً. فليس العجب من الخرافة، فلكل أمةٍ خرافاتها؛ وإنما العجب أن يُنفَق المال على إذاعتها لتصرف الناس عن كتاب. وهو بعينه ما قال المولى جل جلاله: ﴿يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.

فتأمَّل ما كان يواجهه الرسول صلى الله عليه وسلم. رجلٌ يقرأ عليهم ﴿نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ﴾ [يوسف: 3]، وفي مجالسهم من حوله دورةُ قصصٍ كاملةٍ عن رجلٍ عاش أربعة آلاف عامٍ مع سبعة أنسر، صخرتُه معلَّقةٌ في الريح، وحاسَّتُه حاسَّةُ مائة رجل، وامرأتُه لا يُدرى أكلبةٌ هي أم امرأة، وأختُه وابنُه لهما أمثالٌ سائرة. ولها شعراءُ ينشدونها، ورواةٌ يحفظونها، ومجالسُ تُسمَر بها الليالي.

ثم انظر إلى الفرق. تلك القصص لا تسأل سامعها عن عمل، ولا تُنذره يوماً، ولا تُلزمه بشيءٍ يفوته إن تركه. وهذا الكتاب يقول له: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ﴾ [لقمان: 17]. فأيُّهما أخفُّ على النفس؟ ولهذا وُجد من يدفع المال ليُذيع الأول، ووُجد من ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا وَلَّىٰ مُسۡتَكۡبِرٗا﴾ [لقمان: 7].

ثالثاً: والآخر صحيفةٌ تُقرأ

وأما اللقمان الثاني فرجلٌ آخر تماماً، لا مُلك له ولا نسور، وإنما حكمةٌ مكتوبة كانت تُتداول في الجزيرة قبل الإسلام. وقد جاء خبرها في السيرة صريحاً.

فقد قدم سويد بن الصامت مكة، فدعاه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، «فقال له سويد: فلعلَّ الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما الذي معك؟ قال: مَجَلَّةُ لقمان – يعني حكمة لقمان – فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اعرضها عليَّ، فعرضها عليه، فقال له: إن هذا لكلامٌ حسن، والذي معي أفضلُ من هذا، قرآنٌ أنزله الله تعالى عليَّ، هو هدًى ونور»[13].

وههنا موضعٌ يخطئ فيه كثيرون. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يردَّ المجلَّة ولم يسمِّها باطلاً، بل قال «إن هذا لكلامٌ حسن». ثم فضَّل عليها القرآن ولم يُبطلها. فالموقف من حكمة لقمان موقفُ ترجيحٍ لا موقفُ إنكار.

وقد نبَّه ابن هشام في الموضع نفسه على التفريق، فقال في حاشيته على الخبر: «ولقمان كان نُوبيًّا من أهل أَيْلة... وليس بلقمان بن عاد الحميري»[14]. فالتفريق بين الرجلين معروفٌ عند أهل السير، وليس مما أحدثناه.

وأبعدُ من هذا أن هذه الحكمة المكتوبة لها نظائرُ في أدب المشرق القديم. قال جواد علي: «وقد رأى بعض الباحثين أن لأمثال لقمان وحِكَمه صلةً بأحيقار»، وأحيقار حكيمٌ آشوري «أكثرُ حِكَمه موجَّهةٌ إلى ابن أخته نادان، حيث يعظه فيقول: يا بني...»[15]. ثم رجَّح أن مجلَّة لقمان التي عرضها سويد «قد تكون من حِكَم الحكيم أحيقار»[16].

فقالبُ «يا بنيَّ» قالبٌ قديمٌ في حكمة المشرق، وسفرُ الأمثال في التوراة مبنيٌّ عليه كله. فما موقع السورة من هذين اللقمانين؟

رابعاً: فماذا صنعت السورة؟

صنعت السورة شيئاً واحداً: أخذت الاسم، وتركت الخرافة، وأبقت الحكمة.

فليس في السورة نسرٌ واحد، ولا لُبَد، ولا خلودٌ ألف سنة، ولا مُلك. ولم يقل المولى «ولقد آتينا لقمان المُلك»، بل قال:

﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا لُقۡمَٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِلَّهِۚ وَمَن يَشۡكُرۡ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦ﴾ [لقمان: 12]

ولم يترك الحكمة مبهمةً تُملأ بالحكايات، بل فسَّرها في الآية نفسها بحرفين: ﴿أَنِ ٱشۡكُرۡ لِلَّهِ﴾. ثم أعطاك مادَّتها كلها في خمس آيات، تسعَ جملٍ لا عاشرَ لها:

﴿يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ [لقمان: 13]

﴿يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾ [لقمان: 17]

﴿وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ﴾ [لقمان: 18]

﴿وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19]

ونلاحظ أن كل آيةٍ من الخمس مختومةٌ بعلَّةٍ تبدأ بـ«إنَّ»، بلا استثناء واحد. فلقمان لا يأمر أمراً بغير تعليل. وآخر عللِه محسوسةٌ يراها الراعي في باديته: ﴿إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ﴾. وهذا شأن الحكيم يُقنع، لا شأن الملك يأمر فيُطاع.

فقارن بين المادتين. مادةُ لقمان بن عاد كلها عجائبُ لا يُعمل بها: نسورٌ وأعمارٌ ومقاديرُ ودهر. ومادةُ لقمان الحكيم كلها أوامرُ تُعمل: صلِّ، ومُرْ، وانْهَ، واصبر، ولا تتكبَّر، واخفض صوتك. فالأولى تُسلِّي، والثانية تُكلِّف. وليس بين اللهو والجدِّ فرقٌ أوضح من هذا.

وههنا موضع الحُجَّة. فقد ذهب المفسرون في لهو الحديث مذاهب، فقال قوم هو الغناء، وقال آخرون هي أحاديث الأعاجم عن رستم وإسفنديار. ولستُ أدري كيف تركوا ما بين أيديهم في السورة نفسها وذهبوا يلتمسون تفسيرها من خارجها.

فلو أراد المولى جل جلاله الغناء لَما احتاج إلى لفظ «الحديث»، فالغناء صوتٌ ونغم لا حديثٌ يُروى. ولم يقل لهو الصوت، ولا لهو اللعب، ولا لهو المجالس، بل قال الحديث، وهو الاسم الذي سمَّى به كتابه.

ولو أراد أخبار الأعاجم وحدها لبقي ذكرُ لقمان في السورة بلا مناسبة. فأخبارُ رستم لا صاحبَ لها في السورة، وأخبارُ لقمان صاحبُها مذكورٌ بعد ست آيات، بل السورة كلها مسمَّاةٌ باسمه.

وانظر إلى تقابل الفعلين: ﴿يَشۡتَرِي﴾ لهو الحديث [لقمان: 6]، و﴿ءَاتَيۡنَا﴾ لقمان الحكمة [لقمان: 12]. حديثٌ يُدفع فيه المال فيُضِلّ، وحكمةٌ تُعطى بلا ثمن فتَشكر. فهما بابان في مادة رجل واحد: باطلُه المشترى، وحقُّه المؤتى.

ثم انظر إلى المادتين وقد وُضعتا متقابلتين، واسأل: ماذا يعمل من سمع خبر النسور؟ لا شيء. ليس فيه أمرٌ يُمتثل، ولا نهيٌ يُجتنب، ولا شكرٌ يُؤدَّى، ولا صبرٌ على مصيبة. رجلٌ عاش ألف سنة ثم مات، فماذا بعد؟ ولا جواب. وقد بلغت أخبارُه أن صارت أمثالاً في زوجته وأخته وابنه ونسوره، وليس في ذلك كله تكليفٌ واحد. أما التسع فكلُّها عمل: صلِّ، ومُرْ، وانْهَ، واصبر، ولا تتكبَّر، ولا تمشِ مرحاً، واقصد، واغضض، ولا تشرك.

فثبت أن لهو الحديث هو مرويات العرب عن لقمان وما جرى مجراها من عجائب الأولين وأعمارهم؛ سُمِّيت لهواً لأنها تشغل ولا تُثمر، ولا يخرج سامعُها بعملٍ يعمله. ولهذا كانت مادةً يُنفَق عليها لتُذاع، فإن الباطل الذي لا يُكلِّف أخفُّ على النفوس من حقٍّ يُكلِّف. وجاءت السورة إلى أشهر أسماء تلك الأخبار فنزعته من دورة الخرافة، وردَّته إلى بابه الأول: رجلٌ يعظ ابنه.

خامساً: ولماذا هذا الرجل بالذات؟

بقي سؤال. لو أراد المولى جل جلاله أن يضرب مثلاً بالحكمة، فعنده الأنبياء والملوك. فلماذا اختار رجلاً لم يجعله نبيّاً؟

قال قتادة: «ولم يكن نبيّاً، ولم يُوحَ إليه»[17]، وعليه جمهور المفسرين. وذهب طائفة إلى نبوته، والأول أشهر وأثبت. وقد علَّل ابن كثير ذلك تعليلاً عجيباً فقال: «لأن كونه عبداً قد مسَّه الرقُّ ينافي كونه نبيّاً؛ لأن الرسل كانت تُبعث في أحساب قومها»[18].

فانظر إلى هذه العلة، فإنها هي بعينها حجَّةُ قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم:

﴿وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]

فهم لا ينازعون في الكلام، بل في قائله. ومقياسُهم الحسبُ لا الحُجَّة. وقد رووا في لقمان أنه كان عبداً حبشيّاً[19]، وأنه كان أسودَ نوبيّاً[20]، وأنه كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً[21]، وهذه أخبارٌ من التراث لا من السورة، فالسورة ساكتةٌ عن لونه وحرفته ورقِّه سكوتاً تامّاً.

ولعل هذا السكوت هو الحجَّة نفسها. فتأمَّل: كلُّ إنسانٍ مسمًّى في القرآن له قومٌ أو نسبٌ أو رسالة، ولقمان ليس له في السورة إلا ابن. لا أبٌ يُذكر، ولا قومٌ يُنسب إليهم، ولا أرضٌ، ولا زمن. ثم انظر مَن خصمُه في السورة:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآ﴾ [لقمان: 21]

فخصمُه قومٌ حجَّتُهم آباؤهم، وهو رجلٌ لا آباءَ له في النص. فأيُّ تقابلٍ أبلغُ من هذا؟

وههنا لطيفة في ترتيب السورة. فإن ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن﴾ وردت في القرآن عشر مرات، منها اثنتان في هذه السورة وحدها: الأولى في الذي يشتري لهو الحديث [لقمان: 6]، والثانية في الذي يجادل في الله ﴿بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ﴾ [لقمان: 20]. وبينهما كتلةُ لقمان كلها. فرجلان مبهمان لا اسم لهما، كلاهما موصوفٌ بأنه بغير علم، وبينهما رجلٌ مسمًّى أُوتي الحكمة. والذي يبدو لنا أن هذا الترتيب مقصود، والله أعلم بمراده.

سادساً: ولا هو في التوراة

بقيت مسألة تُتمِّم الصورة. فإن قالباً كهذا – أبٌ يعظ ابنه بصيغة «يا بنيَّ» – قالبٌ توراتيٌّ مشهور، فهل لقمان نفسه في التوراة؟

بحثنا عن اسمه في العهد القديم كلِّه، وفي العهد الجديد، وفي التلمود البابلي بأجزائه العشرين، فلم نجد له ذِكراً في موضعٍ واحد. لا في سفر الأمثال، ولا في غيره.

بل الذي في سفر الأمثال ثلاثة أسماء ليس فيها لقمان:

«هذه هي أمثال سليمان بن داود ملك إسرائيل»[22]

>

«هذه أقوال أجورَ ابن متَّقية من قوم مسَّا، إلى إيثيئيل وأكَّال»[23]

>

«هذه أقوال لموئيلَ ملك مسَّا التي تلقَّنها من أمه: ماذا يا ابني يا ابن أحشائي، يا ابن نذوري؟»[24]

وفيه بابٌ رابع بلا تسمية عنوانه «كلام الحكماء».

ونلاحظ في هذا أمرين. أما الأول فأنَّ آخر أبواب السفر وصيةُ أمٍّ لابنها لا وصيةُ أب، والابنُ ملكٌ لا رعيَّة. فالقالب واحد والأشخاص تتبدَّل.

وأما الثاني وهو الأدقُّ فأنَّ أجورَ ولموئيلَ ليسا من أسباط إسرائيل، بل «من قوم مسَّا» و«ملك مسَّا». فالسفرُ يُدخل في كتاب القوم حكمةَ غرباءَ عنهم، ويصدِّرها بأسمائهم لا يُخفيها. وهذا شبيهٌ بما تصنعه السورة: حكمةٌ تُنسب إلى رجلٍ لا نسبَ له في القوم ولا حسب.

ولم نقف في المصادر التي بين أيدينا على ما يُثبت أنَّ «مسَّا» هذه من ولد إسماعيل، وإن كان ذلك مذكوراً عند غيري؛ فنتركه حتى نتحقَّق منه.

فثبت بهذا أنَّ الاسم عربيٌّ خالص، والمادَّة مشرقيةٌ قديمة. فالعرب هي التي حملت الاسم، وهي التي ملأته بالخرافة؛ فجاء القرآن فأفرغه منها وملأه بالحكمة. وهل بعد هذا يُقال إن ذكره في السورة وقع اتفاقاً؟

الخاتمة

افتتحنا بسؤال: أوقع ذكرُ لقمان بعد لهو الحديث اتفاقاً؟ والذي ثبت أنه لم يقع اتفاقاً.

فالعرب كان عندها اسمٌ اسمه لقمان، تعلَّق به لونان من الكلام: خرافةٌ يتغنَّى بها الشعراء عن ملكٍ عاش ألف سنة بسبعة أنسر، وحكمةٌ مكتوبةٌ في صحيفةٍ يحملها الرجل في سفره ويعرضها على الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول فيها: إن هذا لكلامٌ حسن. فأخذت السورة الثانية وتركت الأولى، وسمَّت الأولى وأشباهَها لهو الحديث.

وفرقُ ما بينهما أنَّ الأولى تُروى فلا يخرج سامعُها بشيء، والثانية تُروى فيخرج سامعُها بتسع تكاليف. فلهوُ الحديث ما شغلك ولم يُفدك، وأحسنُ الحديث ما شغلك فأفادك. وإنما خفَّ الأول على النفوس لأنه لا يُكلِّف، وثقُل الثاني لأنه يُكلِّف؛ فمن ثَمَّ وُجد من يدفع المال في إذاعة الأول.

ولم تكتفِ بالأخذ، بل صحَّحت. فردَّت الحكمة إلى أصلها ﴿أَنِ ٱشۡكُرۡ لِلَّهِ﴾، وقصرتها على تسع جملٍ معلَّلة، وختمت السورة بما لا يقدر عليه حكيمٌ ولا ملك:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُ﴾ [لقمان: 34]

فالذي خُيِّر في عمره فاختار سبعة أنسر لم يكن يدري بأي أرضٍ يموت. وأيُّ ردٍّ على خرافة الأعمار أبلغُ من ختمٍ كهذا؟

هذا والله أعلم

علي موسى الزهراني

(١)نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، للقلقشندي، ص 329.
(٢)مجمع الأمثال، للميداني، جـ 1 ص 430، في مثل «طال الأبد على لُبَد».
(٣)مجمع الأمثال، للميداني: «طال الأبد على لُبَد» جـ 1 ص 430، و«على أهلها تجني براقش» جـ 2 ص 15؛ و«ما لي ذنب إلا ذنب صُحْر» في الصحاح للجوهري ولسان العرب، مادة (صحر).
(٤)المعمَّرون والوصايا، لأبي حاتم السجستاني، ص 4.
(٥)التيجان في ملوك حمير، ص 79 و84 و380.
(٦)مجمع الأمثال، للميداني، جـ 1 ص 429.
(٧)مجمع الأمثال، للميداني، جـ 1 ص 131.
(٨)الأنساب = تاريخ العوتبي الصحاري، ص 32 و33.
(٩)التيجان في ملوك حمير، ص 380.
(١٠)مجمع الأمثال، للميداني، جـ 1 ص 131. ونحوه بإسناد ابن إسحاق في تفسير الثعلبي، ط دار التفسير، جـ 12 ص 404.
(١١)مجمع الأمثال، للميداني، جـ 1 ص 362، والقصة مطوَّلةً في جـ 2 ص 75.
(١٢)مجمع الأمثال، للميداني، جـ 2 ص 427.
(١٣)سيرة ابن هشام، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، جـ 2 ص 53.
(١٤)سيرة ابن هشام، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، جـ 2 ص 53، حاشية «مَجَلَّة لقمان».
(١٥)المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، لجواد علي، جـ 15 ص 347، وجـ 15 ص 342.
(١٦)المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، لجواد علي، جـ 15 ص 343.
(١٧)تفسير الطبري جامع البيان، تحقيق التركي، جـ 18 ص 546.
(١٨)تفسير ابن كثير، جـ 6 ص 334.
(١٩)تفسير الطبري جامع البيان، تحقيق التركي، جـ 18 ص 547، عن ابن عباس.
(٢٠)تفسير الطبري جامع البيان، تحقيق التركي، جـ 18 ص 547 و548، عن عبد الرحمن بن حرملة؛ ونحوه عن سعيد بن المسيب في الموضع نفسه.
(٢١)المحرر الوجيز، لابن عطية، جـ 4 ص 347: «وقال خالد بن الربيع: كان نجاراً، وقيل كان خياطاً، وقيل كان راعياً».
(٢٢)سفر الأمثال 1: 1. والنص من النسخة العربية المعتمدة في مكتبتنا، وتتكرر النسبة إلى سليمان في 10: 1 و25: 1.
(٢٣)سفر الأمثال 30: 1.
(٢٤)سفر الأمثال 31: 1 و2.
(٢٥)موسوعة التفسير المأثور، جـ 2 ص 201، ونحوه عن الكلبي في جـ 17 ص 523.
(٢٦)السراج المنير، للخطيب الشربيني، جـ 3 ص 184.
(٢٧)التيجان في ملوك حمير، ص 78؛ ونحوه في المعمَّرون والوصايا، لأبي حاتم السجستاني، ص 5.
(٢٨)التيجان في ملوك حمير، ص 84.
(٢٩)مروج الذهب، للمسعودي، نسخة الوراق، مادة سدِّ مأرب. وترقيم صفحات هذه النسخة ترقيم الوراق لا ترقيم مطبوعةٍ محققة.
(٣٠)مجمع الأمثال، للميداني، جـ 2 ص 14.

التعليقات (0)