هل مزق إبراهيم عليه السلام الدجاج ؟ ولماذا يريد إحياء الموتى؟
خلاصة القول
لم يشك إبراهيم في قدرة المولى على الإحياء، وقد جادل فيها النمرود قبل الآية بآيتين. وإنما سأل عن كيف لا عن أنْ، أي عن هيئة الحشر يوم القيامة حين يقوم الخلق كلهم في لحظة فيُدعَون فيُقبلون. ولم يمزّق الطير ولم يقطّعها؛ فالجزء في القرآن قسمةُ مجموع لا تمزيقُ واحد، والصر ضمٌّ وإلفٌ لا قطع، والسعي قصدٌ إلى غاية لا التفات فيه. ولم تكن ثمّ معجزة، وإنما نموذجٌ صنعه إبراهيم بيده ليرى بنفسه يسر الأمر عند المولى.
طلب إبراهيم عليه السلام من ربه أن يريه كيف يحيى الموتى.
فلماذا أمره المولى أن يأخذ أربعة من الطير ويوزعهن على الجبال؟
وما علاقة هذا بشأن الموت والموتى؟
ولماذا لم يحي المولى جل جلاله أحد الأموات وينتهي الأمر؟
﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [البقرة: 260]
لن نفهم هذه الحكاية إلا بفهم مفرداتها. وقبل البحث في المفردات، يستحسن أن نعرج على كتب التراث فننظر ما فيها.
ما عند أهل التراث
يزعمون أن إبراهيم شك، وأن الرسول عليه السلام قال في ذلك: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: {رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي}. ويرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي" (١).
وهذا تطاول على سيدنا إبراهيم ومعلمنا الأكبر. ولست أدري لماذا يوردون هذه الأكاذيب، وما فائدتها لأجيال الشباب الذين يعانون من موجة الإلحاد. والعجيب أن هؤلاء القوم الذين يصرون على صحة هذا الحديث، لو طرحت عليهم شبهة لكفروك وكفروا سابع جد لك، ثم يزعمون أن الرسول يقول نحن أحق بالشك.
على أن شرّاح الحديث أنفسهم أحسّوا بالإشكال فلم يقرّوا ظاهره، فنقل ابن حجر في مقدمته: "قيل: المراد نفي الشك عنهما، أي لم يشك ونحن كذلك، ولو شك لكنّا أولى بذلك منه إعظاماً لإبراهيم" (٢). فأنت ترى أنهم اضطروا إلى قلب اللفظ إلى ضده حتى يستقيم؛ وذلك أهون عندهم من ردّ الخبر. ونحن نقول: إن كان معناه نفي الشك، فقد وافقونا على النتيجة وخالفونا في الطريق.
وأما مفردتا الصر والجزء، فابن عباس يرى أن صرهن يعني قطعهن (٣)، وقد أجمع المفسرون على ذلك إلا رجلاً كنّاه الرازي بأبي مسلم، ولعله محمد بن بحر المعتزلي، فقد رأى أن صرهن أي أملهن ودرّبهن على الإجابة، ورأى أن الجزء هو الواحد من تلك الطيور (٤). فالرجل لا يصدق حكاية تقطيع الطيور وتمزيقها، وهو وحده على الصواب، وسيأتي بيانه.
وقد وصل الرازي إلى مقصد إبراهيم من الرؤية فقال: "تقدير الآية أن جميع الخلق يشاهدون الحشر يوم القيامة فأرني ذلك في الدنيا، فقال: أولم تؤمن قال بلى" (٥). وهذا هو مفتاح النص، غير أنه لم يبنِ عليه.
أولاً: من الموتى؟
مفردة الموتى ليست مرادفة لمفردة الأموات، وقد بسطنا الفرق بينهما في موضعه. فالأموات من فقد الحس والشعور ولم يطل مكثه، والموتى من قُبر وطال به العهد حتى تحللت أجسادهم.
فلم يقل المولى في خلقنا الأول كنّا موتى، بل قال:
﴿كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡ﴾ [البقرة: 28]
وذلك لسبب بسيط، هو أننا لم نُقبر بعد.
ونلاحظ أن الموتى حيث وردت في القرآن جاءت في المقبورين وفي بعث يوم القيامة:
﴿وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ﴾ [الأنعام: 36]
﴿وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ﴾ [الأنعام: 111]
فإبراهيم لم يسأل عن إحياء ميت مات قريباً، وإنما سأل عن الموتى، وهم أهل القبور الذين طال مكثهم. فأي إحياء هذا الذي سأل عنه؟
ثانياً: سأل عن الكيفية لا عن القدرة
سأل إبراهيم عن كيف، ولم يسأل عن أن. فلم يقل: أرني أنك تحيي الموتى، بل قال: أرني كيف تحيي الموتى. والفرق بينهما هو المقال كله؛ فالأول سؤال عن الإمكان، والثاني سؤال عن الهيئة والطريقة.
ومحال على إبراهيم أن يسأل عن الإمكان وقد جادل فيه النمرود قبل هذه الآية بآيتين اثنتين:
﴿إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258]
فكيف يجادل رجل في مسألة وهو في داخله شاك فيها؟
ثم انظر إلى ترتيب السورة، فإنها ساقت ثلاثة مشاهد متتابعة في الإحياء: مشهد النمرود وهو في القدرة على الإحياء، ثم مشهد الذي مرّ على قرية وهو في إعادة التركيب:
﴿وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗا﴾ [البقرة: 259]
ثم مشهد الطير، وهو في الدعوة والإقبال إلى المحشر. فالسورة تمشي بك في مراحل يوم القيامة مرحلة بعد مرحلة، ولا يكون المشهد الثالث تكراراً للأولين. فإبراهيم يسأل عن المرحلة التي لم تُذكر: كيف يقوم الخلق كلهم في لحظة واحدة ويتجهون إلى المحشر؟
﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ﴾ [الروم: 25]
ثالثاً: {ليطمئن قلبي} ليست دواء الشك
يتعلقون بقوله ﴿وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِي﴾ فيجعلونها إقراراً بالشك. ولو تتبعوا الطمأنينة في القرآن لعلموا أنها لا تُطلب إلا لقلب مؤمن أصلاً.
فانظر إلى أهل بدر، وهم مؤمنون موقنون، أُعطوا آية النعاس والبشرى:
﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 10]
﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 126]
وانظر إلى الحواريين، وهم أخصّ أصحاب عيسى:
﴿قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا﴾ [المائدة: 113]
وانظر إلى الحد الجامع:
﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
فلم يقل المولى إن الذكر يذهب الشك، بل قال إنه يطمئن القلوب، والمخاطب بها ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. فثبت أن الطمأنينة في القرآن زيادة سكونٍ للمؤمن، لا علاجٌ للشاك.
وأما ﴿أَوَلَمۡ تُؤۡمِن﴾ فليست توبيخاً، وإنما هي استفهام يُساق ليكون الجواب توكيداً؛ ولهذا جاء الجواب بـ ﴿بَلَىٰ﴾ وهي لا تقع إلا إثباتاً بعد نفي. فلو أراد التوبيخ لما استخرج منه الإقرار.
رابعاً: لماذا ختمها بـ {عزيز حكيم} ولم يقل قدير؟
وهذا موضع يقلّ التنبّه له، وهو من أقوى ما في النص.
فالقرآن إذا ساق مقام القدرة على البعث ختمه بالقدرة. انظر كيف ختم مشهد الذي مرّ على قرية:
﴿قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [البقرة: 259]
فلما جاء مشهد الطير لم يقل قدير، بل قال ﴿وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾. ولو كان المقام مقام إثبات القدرة لكان ختمه بالقدرة أولى، كما ختم به الآية التي قبلها مباشرة.
فما وجه العزة والحكمة ههنا؟
الجواب في الآيتين اللتين مضتا آنفاً. فقد ختم المولى آيتَي الطمأنينة في بدر بهذين الاسمين بعينهما: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ و ﴿ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ﴾. فاجتماع طلب الطمأنينة مع ختم العزة والحكمة في ثلاثة مواضع ليس اتفاقاً؛ فالعزة غلبةٌ لا تُمانع، والحكمة تدبيرٌ محكم. والمقام مقام تدبير أحكمه المولى في خلقه، لا مقام استعراض قدرة.
خامساً: الجزء ــ وهو مفتاح النص كله
بنى أسلافنا تصورهم على كلمة واحدة هي "جزءاً". قالوا: الجزء قطعة من الشيء، فيلزم أن إبراهيم مزّق الطير وخلط لحومها وريشها ودماءها، ثم وزّع الأشلاء على الجبال.
فهل الجزء في القرآن قطعةٌ من واحد، أم نصيبٌ من جماعة؟
والجواب في القرآن نفسه. فلفظة الجزء لم ترد في القرآن كله إلا ثلاث مرات، عددتها فما وجدت رابعة: موضعنا هذا، وهذان:
﴿لَهَا سَبۡعَةُ أَبۡوَٰبٖ لِّكُلِّ بَابٖ مِّنۡهُمۡ جُزۡءٞ مَّقۡسُومٌ﴾ [الحجر: 44]
﴿وَجَعَلُواْ لَهُۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًا﴾ [الزخرف: 15]
ونلاحظ أن الثلاثة على بناء واحد: "مِن" داخلة على جماعة، ثم لفظة الجزء. فقال في الحجر: "منهم جزء"، وقال في الزخرف: "من عباده جزءاً"، وقال في آيتنا: "منهن جزءاً". ثلاثة مواضع لا رابع لها، والجزء في كلها نصيبٌ مقتطع من جماعة، لا قطعةٌ مقتطعة من بدن.
وتأمل آية الحجر خاصة، فإنها نظير آيتنا حرفاً بحرف:
لكل باب منهم جزء
على كل جبل منهن جزءاً
الظرف، ثم "كل"، ثم "مِن" الجماعة، ثم الجزء. ولا يقول عاقل إن أهل النار يوزَّعون على الأبواب أعضاءً مقطّعة، فهذا الباب له الأيدي وذاك له الأرجل. بل الجزء هناك جماعةٌ من الناس كاملة الأبدان، لكل باب نصيبه منهم. فكذلك الجزء ههنا: نصيبٌ من الطير الأربع، لكل جبل نصيبه منهن.
وكذلك آية الزخرف؛ فقد جعل المشركون لله من عباده جزءاً، أي جماعةً من عباده زعموهن بناته، ولم يجعلوا له عضواً مقطوعاً من عبد.
فثبت أن الجزء في القرآن قسمةُ مجموع لا تمزيقُ واحد.
على أن الأمر أبعد من ذلك. فهَبْ أنّا سلّمنا لهم جدلاً أن "صرهن" بمعنى "قطّعهن"، فإن التقطيع نفسه إذا وقع في القرآن على جماعة لم يكن تمزيقاً للأبدان، بل تفريقاً للجماعة:
﴿وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗا﴾ [الأعراف: 160]
﴿وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗا﴾ [الأعراف: 168]
فلم يقطّع المولى بني إسرائيل إرباً إرباً، وإنما فرّقهم اثنتي عشرة فرقة، وبثّهم في الأرض أمماً. فالتقطيع الواقع على واحد تمزيقٌ له، والواقع على جماعة قسمةٌ لها. وطير إبراهيم جماعةٌ لا واحد. فسقط استدلالهم من أصله، حتى على تفسيرهم هم.
وللتمزيق في القرآن لفظه الذي لا يشاركه فيه غيره:
﴿إِذَا مُزِّقۡتُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمۡ لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: 7]
وانظر أين وردت. وردت في البعث بعينه، في احتجاج الكفار على استحالة إعادة الخلق بعد تمزّق الأبدان. فلو أراد المولى من إبراهيم أن يمزّق الطير ليريه إعادة الخلق، لكان هذا موضع "مزّقهن" لا موضع "صرهن"؛ فاللفظ حاضر في القرآن، وموضوعه هذا الباب بعينه. فلم يقل مزّقهن، بل قال صرهن.
سادساً: {فصرهن إليك} ــ كتلتان تمنعان التفرّق
بقي أن ننظر في الصر نفسه، وهو الذي حمَل القوم على ما قالوا.
فأول ما يُردّ به عليهم حرفُ الجرّ. فإنه قال ﴿فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ﴾، والقطع لا يتعدّى بـ "إلى" في العربية ولا في القرآن؛ يقال قطعه ولا يقال قطعه إليه. والتعدية بـ "إلى" ضمٌّ وإمالة إلى الفاعل. وقد أحسّ الرازي بهذا فنقل عن أبي مسلم احتجاجه: "أنه لو كان المراد بصرهن قطّعهن لم يقل إليك" (٤). فأيّ عجبٍ أعجبُ من أن يُنقل الاعتراض ثم لا يُلتفت إليه؟
ثم ننظر في الجذر نفسه بالكتلتين. فالحرفان الصلبان ههنا الصاد والراء، والكتلتان (صر) و(رص).
كتلة (صر): وأخواتها كلها على الضمّ ومنع الانتشار. صرّة الدراهم شدّها وضمّها، وصِرار الناقة ما يُشدّ به ضرعها، وصرّ الحمار أذنيه ضمّهما ونصبهما، والحافر المصرور ضيّق متقبّض، وصرصر الشيء جمعه وردّ أطراف ما انتشر منه. وقد قرر صاحب المعجم الاشتقاقي أن المعنى المحوري فيها: "تضامٌّ والتئامٌ أو تداخلٌ شديدٌ يمنع الانتشار" (٦). ومن هذا الباب الإصرار، فإنه لزوم الشيء وعدم الانفلات منه.
كتلة (رص): وهي المعكوسة، وأخواتها على الالتحام والمتانة. والرَّصّ ضمّ البناء بعضه إلى بعض حتى لا تبقى فرجة، والرَّصَاص سُمّي لالتحامه، والمترصّد لازمٌ مكانه لا يبرحه. وشاهدها في القرآن:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ﴾ [الصف: 4]
فالكتلتان على وجهٍ واحد: منعُ التفرّق. (صر) ضمٌّ يمنع الشيء أن ينتشر، و(رص) التحامٌ يمنع البناء أن ينفرج. والجذر بكتلتيه معاً لا يعرف التقطيع؛ بل التقطيع ضدّه ونقيضه، لأن التقطيع تفريقٌ ونشرٌ، والصر جمعٌ ومنعٌ من النشر.
فمن فسّر ﴿فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ﴾ بالتقطيع فقد قلب اللفظ إلى ضده. وهذا قولٌ لا يُعوَّل عليه.
فإن قيل: فما وجه الصر في مواضعه من القرآن؟ قلنا: هو تكرار الصوت أو الفعل ولزومه، وهو راجع إلى الضمّ واللزوم:
﴿كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ﴾ [آل عمران: 117]
﴿وَأَمَّا عَادٞ فَأُهۡلِكُواْ بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ﴾ [الحاقة: 6]
﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِي يَوۡمِ نَحۡسٖ مُّسۡتَمِرّٖ﴾ [القمر: 19]
فالريح الصرصر ذات صوت متكرر لازم، ومنه دوامها وشدتها.
﴿وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]
﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَا﴾ [الجاثية: 8]
﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلۡحِنثِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 46]
﴿وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا﴾ [نوح: 7]
﴿فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُۥ فِي صَرَّةٖ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٞ﴾ [الذاريات: 29]
فالإصرار تكرار الفعل ولزومه، والصرّة صوتٌ مكرر من الدهشة. ولا تجد في هذه المواضع كلها معنى القطع.
فمعنى ﴿فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ﴾: ضُمّهن إليك وألِفهُنّ حتى يلزمنك، ودرّبهن على صوتٍ تكرّره عند طعامهن، فلا يسمعنه إلا أقبلن. وكلّنا يذكر من ربّى دواجن ودرّبها على صوته؛ وأذكر والدتي كانت تنادي دجاجاتها بـ "طاطاطا" فتأتي مسرعة من كل جانب من الحوش. وهذا الذي فعله إبراهيم بطيوره.
سابعاً: {يأتينك سعياً}
وقد شرحنا السعي في موضعه، وقررنا أنه التوجه إلى نقطة معينة لغرض، وأنه يكون في خط مستقيم؛ لأن أقصر ما بين نقطتين الخط المستقيم، وفيه توفير الوقت والجهد. فالسعي قصدٌ إلى غاية لا التفات فيه.
فإن قيل: أليست الحية تسعى وهي تتلوّى، فالسعي إذن تعرّج؟ قلنا: العبرة بالقصد لا بتلوّي الجسم؛ والقرآن ينفي العوج عن سعي ذلك اليوم نصاً:
﴿يَوۡمَئِذٖ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُۥۖ وَخَشَعَتِ ٱلۡأَصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَٰنِ فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمۡسٗا﴾ [طه: 108]
فقال ﴿لَا عِوَجَ لَهُۥ﴾، والعوج هو الانحناء بعينه، فنفاه المولى عن سعي ذلك اليوم صراحة.
وههنا الشاهد الذي يقيم المقال كله. فانظر إلى هذه الآيات الثلاث المتتابعة، كيف جاءت على نظم آيتنا حرفاً بحرف: دعوةٌ من داعٍ، ثم خروجٌ من الأجداث، ثم إقبالٌ مسرعٌ إلى الصوت:
﴿فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡۘ يَوۡمَ يَدۡعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيۡءٖ نُّكُرٍ﴾ [القمر: 6]
﴿خُشَّعًا أَبۡصَٰرُهُمۡ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ كَأَنَّهُمۡ جَرَادٞ مُّنتَشِرٞ﴾ [القمر: 7]
﴿مُّهۡطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِۖ يَقُولُ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَسِرٞ﴾ [القمر: 8]
والإهطاع مدّ العنق والإسراع إلى الصوت. فهذا هو ﴿ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗا﴾ بعينه، غير أن الداعي هناك هو المولى، والمدعوّ هم الخلق لا الطير.
وشواهد الإسراع في الخروج كثيرة:
﴿يَوۡمَ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ سِرَاعٗا كَأَنَّهُمۡ إِلَىٰ نُصُبٖ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: 43]
﴿يَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلۡأَرۡضُ عَنۡهُمۡ سِرَاعٗاۚ ذَٰلِكَ حَشۡرٌ عَلَيۡنَا يَسِيرٞ﴾ [ق: 44]
﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يَنسِلُونَ﴾ [يس: 51]
﴿يَوۡمَ يَدۡعُوكُمۡ فَتَسۡتَجِيبُونَ بِحَمۡدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [الإسراء: 52]
وتأمل ختام آية ق: ﴿ذَٰلِكَ حَشۡرٌ عَلَيۡنَا يَسِيرٞ﴾. فوصف المولى الحشر باليسر لا بالإعجاز. وهذا هو الذي أراد أن يريه إبراهيم: يسر الأمر عنده، كما كان يسيراً على إبراهيم أن يدعو طيوره فتقبل.
ولهذا لم يقل المولى "يأتينك طيراناً". فلو أراد الطيران لذكره؛ لكن الناس يوم القيامة لا يأتون طائرين، بل يسعون إلى المحشر سعياً. فطابق المثالُ الممثَّلَ له في الهيئة، ولو طارت الطير لاختلّت المطابقة.
ثامناً: لماذا أربعة؟ وكم جبلاً؟
بقي السؤال عن العدد.
وإذا ثبت أن الجزء واحدٌ من الأربع، فقد وضح العدد والمكان معاً: أربعة من الطير على أربعة جبال، لكل جبل واحدة. وهو الذي ذهب إليه ابن عباس والحسن وقتادة والربيع؛ قالوا أربعة جبال على حسب الطيور الأربعة وعلى حسب الجهات الأربع: المشرق والمغرب والشمال والجنوب (٧).
والجهات الأربع هي المقصودة، لأن الحشر من كل أفق. فلم يجعلها المولى طيرين ولا ثلاثة، وإنما أربعة تحيط بالجهات؛ فيكون المثال شاملاً لا ناقصاً.
فلماذا الطير دون سائر الحيوان؟
لأن الطير أسمع الحيوان وأحدّه بصراً، فهي تسمع النداء من البعد وتحدد جهته. وقد بحث العلماء في آذان الطيور فوجدوا أن الصوت إذا جاء من جهة سجّلت الطبلة القريبة منه تردداً أعلى من البعيدة، فتعرف الطير جهة الصوت بهذا الفرق، ثم تميل برأسها وتمسح المكان ببصرها الحادّ (٨). فلو دعاها إبراهيم من رأس جبل بعيد لسمعته وعرفت أين هو.
فإن قيل: فأين المعجزة؟
قلنا: لا معجزة ههنا، وهذا هو المقصود لا الإشكال.
فلو أراد المولى معجزة لكان أيسر عليه وأبلغ في المشهد أن يأمر إبراهيم أن يقف على مقبرة فيدعو أهلها فيقوموا. حينئذ تتم الرؤية ويقع الإعجاز. لكنه وجّهه إلى شيء في الحياة الدنيا يشبه ما سيقع في الآخرة، وهذا هو دأب القرآن كله: يوجّهك إلى الشمس وشروقها، والليل وظلامه، وجريان الفلك، ونزول المطر، وإحياء الأرض بعد موتها.
وليس هذا فحسب؛ فإبراهيم مؤمن موقن لا يحتاج إلى معجزة تُثبّته، بخلاف الذي مرّ على قرية فقال ما قال، فأماته المولى مئة عام ثم أحياه وأراه عظام حماره كيف تُنشَز وتُكسى لحماً. فذاك سائل عن الإمكان فأُجيب بالمعجزة، وإبراهيم سائل عن الكيفية فأُجيب بالمثال.
وههنا لطيفة. فقد سأل إبراهيم أن يرى، فأُجيب بأن يفعل هو بيده. ولو كان الجواب معجزة لكان إبراهيم ناظراً لا فاعلاً؛ لكنه أُمر أن يأخذ ويضمّ ويجعل ويدعو. فالمولى جعله يصنع النموذج بنفسه ليرى بيده أن الأمر يسير.
هذا والله أعلم.
علي موسى الزهراني
التعليقات (0)