هل سندخل جميعنا النار؟
الورودُ قصدُ الماء، والمخاطَبون عِلْيةُ القوم
الخلاصة
حمل جمهور المفسرين الورود في قوله تعالى ﴿وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا﴾ [مريم: 71] على الدخول، حتى قال البغوي إنه «قول الأكثرين»، وإن هذا القول «أصح وعليه أهل السنة».(١) ولا أدري بأيّ وجهٍ قبلها القوم؛ فاللفظة في كتاب الله كله ما خرجت عن مورد ماء يُقصد.
والذي نقرره ثلاثة. أولها أن الورود قصد المورد، وأن مادة الورود في القرآن كلِّه على معنى واحد لا يتغير: القصد إلى جهة الماء.
وثانيها، وهو مدار المقال، أن المشهد يجري على أربع مراحل مرتَّبة. فالقوم أول الأمر يطلبون الماء في تلك الأودية، وهو يومئذ ماء عادي يُشرب، يشرب منه الذين اتقوا وعامة البشر. ثم تنكبّ اللابة على المكان فيتحول إلى جهنم. ثم ينجو الذين اتقوا إلى الأعلى. ثم يبقى المجرمون وعتاولة الكفر في مكانهم.
وثالثها أن الخطاب في الآية ليس للناس جميعاً على وجه واحد، وإنما صدر السياق في طبقةٍ بعينها سمّاها القرآن «الإنسان» و«الناس».
وردوا الماء وهو ماء، ثم صار المكان ناراً وهم فيه. فاللفظة على بابها، والمكان هو الذي تبدّل.
مدخل: أربعة مشاهد وماء واحد
رجل يتقدم القافلة إلى بئر فيدلي دلوه ليستقي للناس:
﴿وَجَآءَتۡ سَيَّارَةٞ فَأَرۡسَلُواْ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُۥۖ قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٞۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ﴾ [يوسف: 19]
وملك في مصر يقف في قومه فيفاخر بأنهاره:
﴿وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾ [الزخرف: 51]
ورجل خائف طريد يبلغ ماء مدين فيجد عليه الناس يسقون:
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ﴾ [القصص: 23]
وقوم في النار ينادون من فوقهم يستجدون شربة:
﴿وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [الأعراف: 50]
أربعة مشاهد جامعها الماء وحده، وثلاثة منها عبّر عنها القرآن بلفظة واحدة هي الورود. فأين الدخول من هذا كله؟
أولاً: السياق كاملاً
لا تُقرأ الآية وحدها؛ فقبلها ست آيات هي التي تعيّن المخاطَبين:
﴿وَيَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَيًّا﴾ ﴿أَوَلَا يَذۡكُرُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ يَكُ شَيۡـٔٗا﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمۡ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ عِتِيّٗا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَحۡنُ أَعۡلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمۡ أَوۡلَىٰ بِهَا صِلِيّٗا﴾ ﴿وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا﴾ [مريم: ٦٦-٧٢]
فالسياق يفتتح بـ«الإنسان» يقول: أإذا ما متُّ لسوف أُخرج حيّاً. ثم ينتقل إلى ضمير الجمع: لنحشرنّهم، لنحضرنّهم، لننزعنّ من كل شيعة. فمن هؤلاء؟ هذا هو السؤال الذي يتوقف عليه المقال كله، وسنجيب عنه في آخره.
ثانياً: الورود في القرآن أحدَ عشرَ موضعاً
عددنا مادة الورود في المصحف كلمة كلمة، فإذا هي أحد عشر موضعاً لا تزيد. وهذا سردها.
فأما الأول فوارد القافلة الذي بُعث ليطلب الماء، وقد أدلى دلوه فسمّاه القرآن باسم فعله: ﴿وَجَآءَتۡ سَيَّارَةٞ فَأَرۡسَلُواْ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُۥۖ قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٞۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ﴾ فالمورود ماء البئر. وأما الثاني فموسى بلغ الماء ووجد عليه الناس يسقون ولم يشرع فيه: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ﴾ فالمورود ماء مدين.
وأما الثالث ففرعون يقدُم قومه إلى مَورِد فيهلكون عنده: ﴿يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ﴾ وفي هذا الموضع وحده ثلاث كلمات من المادة. وأما الرابع فالآية التي نحن فيها. وأما الخامس فسَوقُ المجرمين: ﴿وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرۡدٗا﴾. وأما السادس والسابع ففي الأصنام ومن عبدها: ﴿إِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمۡ لَهَا وَٰرِدُونَ﴾ و﴿لَوۡ كَانَ هَٰٓؤُلَآءِ ءَالِهَةٗ مَّا وَرَدُوهَاۖ وَكُلّٞ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾.
فهذه تسعة، والمورود فيها كلها واحد: ماء يُقصد ويُطلب. وبقي موضع عاشر هو ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ﴾، وهو من المادة نفسها؛ فالوريد الممرّ الموصل إلى مصدر الماء في الجسد. فما الذي بقي للفظة من معنى غير قصد المورد؟
ثالثاً: ولم يقل داخلها بل قال واردها
لو أراد المولى الدخول لقاله؛ فاللفظة عنده حاضرة يستعملها حيث شاء. عددنا «دخل» مقروناً بالنار وجهنم في الآية الواحدة، فإذا هي أحد عشر موضعاً. فأمرٌ صريح بالدخول من أبواب:
﴿قِيلَ ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: 72]
وإخبارٌ عنهم بأنهم سيدخلون:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]
ووصفٌ لدخولهم أمةً بعد أمة:
﴿قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلّٖ ضِعۡفٞ وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ﴾ [الأعراف: 38]
فالقرآن يقول: ادخلوا. ويقول: سيدخلون. ويقول: كلما دخلت أمة. ثم يجيء في مريم فلا يقول شيئاً من ذلك، بل يقول: واردها. وهنا دقيقة يخطئ فيها كثيرون؛ إذ يحسبون اللفظتين واحدة، وقد فرق بينهما القرآن في سياق واحد.
وانظر إلى سورة الأعراف، ففيها اللفظتان في مشهد واحد. قال في رجال الأعراف ﴿وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ﴾، ثم قيل لهم ﴿أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ﴾. فالدخول مذكور في المشهد نفسه مرتين، ومع ذلك لم يوصف أحد بأنه وارد حين أُريد الدخول.
رابعاً: فرعون
رجل يزعم في الدنيا أنه يملك الأنهار:
﴿وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾ [الزخرف: 51]
ثم هو يوم القيامة يبحث عن قطرة ماء فلا يجدها.
وقد ساق قومه في الدنيا إلى الهلاك بالماء الذي أغرقهم:
﴿۞ وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [يونس: 90]
ويسوقهم يوم القيامة إلى الهلاك مرة أخرى، لكن من أجل الماء:
﴿يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ﴾ [هود: 98]
فالرجل واحد، والسَّوق واحد، والماء في المرتين. أغرقهم فيه أولاً، ثم قادهم إليه ثانياً فلم يجدوه.
خامساً: بئس الوِرد المورود، وبئس الشراب
وقارن بين ذمّين في القرآن. قال في فرعون: ﴿يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ﴾ فذمّ المشرب. وقال في أهل النار: ﴿وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا﴾ فذمّ الشراب نفسه.
فالأول ذمٌّ للمَورِد الذي قُصِد، والثاني ذمٌّ لما وُجِد فيه. ولا يُذمّ مشربٌ إلا وهو مشرب؛ ولو كان الورود دخولاً في بناء لما صحّ الذمّ على هذا الوجه.
سادساً: وِرداً، أي سَوقُ البهائم إلى الآبار
وفي سورة مريم نفسها تقابلٌ بين الفريقين:
﴿يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا﴾ [مريم: 85]
وقابله في الفريق الآخر بلفظٍ من باب الماء:
﴿وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرۡدٗا﴾ [مريم: 86]
فالمتقون وفدٌ يُحشرون إلى الرحمن، والمجرمون وِردٌ يُساقون إلى جهنم. والوِرد جماعة العطاش تُساق إلى الماء. وفي اللفظة إهانة مقصودة: فهم يُساقون كما تُساق البهائم إلى الآبار لتشرب، بالضرب والضبط والزجر؛ لأن البهائم تتقاتل على الماء إذا بلغته. وهؤلاء عطشى يسعون نحو الماء كما تسعى البهائم.
والوفد يُستقبل ويُكرم ويُنزَل، والوِرد يُساق ويُزجر. فاختار لكل فريق اسمه من بابه.
سابعاً: ماءٌ عاديّ، ثم انكبّت اللابة
وههنا موضع الغلط الذي وقع فيه الناس، ووقعتُ فيه أنا قبلهم: أن يُظن أن الذي قصدوه كان ناراً من أوله. وليس كذلك؛ فالمشهد يجري على أربع مراحل مرتَّبة، وترتيبُها هو الذي يحلّ الإشكال كله.
فالأولى: قومٌ يطلبون الماء في تلك الأودية. وهو يومئذ ماءٌ عاديّ يُشرب، يشرب منه الذين اتقوا كما يشرب منه عامة البشر. فليس في هذه المرحلة نارٌ ولا حميم، وإنما ورودٌ كورود القوافل على الآبار.
والثانية: أن تنكبّ اللابة على المكان فيتحوّل إلى جهنم. فالوادي الذي كان مَورِداً يصير قاعاً للنار.
والثالثة: أن ينجو الذين اتقوا إلى الأعلى.
والرابعة: أن يبقى المجرمون وعتاولة الكفر في مكانهم لا يبرحونه.
فإذا استقرّ هذا الترتيب انحلّت عُقَدٌ كثيرة. فقوله ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا﴾ صار على ظاهره: «ثم» للترتيب مع التراخي حقيقةً لا مجازاً؛ إذ بين الورود والنجاة زمنٌ ووقائع. وقوله «ونذر الظالمين فيها» صار على ظاهره أيضاً: تُركوا في المكان الذي كانوا فيه، ولم يُدخَلوا إليه إدخالاً.
فكيف قال «واردها» والمكان يومئذ ماء؟
وهذا سؤال حسن، وجوابه من كلام العرب. فإن العرب تسمّي الشيء بما يؤول إليه لا بما هو عليه ساعة الفعل. ومنه قول الفتى في السجن:
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجۡنَ فَتَيَانِۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَعۡصِرُ خَمۡرٗاۖ وَقَالَ ٱلۡأٓخَرُ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَحۡمِلُ فَوۡقَ رَأۡسِي خُبۡزٗا تَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِنۡهُۖ نَبِّئۡنَا بِتَأۡوِيلِهِۦٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [يوسف: 36]
وهو إنما يعصر العنب لا الخمر؛ فسمّاه خمراً باسم ما يصير إليه. ويوسف عليه السلام أقرّه على ذلك فقال:
﴿يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ﴾ [يوسف: 41]
فكذلك قوله «واردها»: هم يَرِدون ماءً، وسمّاه باسم ما يصير إليه المكان. فاللفظة على بابها، والمكان هو الذي تبدّل.
وأما الحميم فبعدُ لا قبلُ
وما جاء في القرآن من وصف الشراب هناك فهو في المرحلة الرابعة، بعد أن صار المكان ناراً، وفي حق من بقي فيه لا في حق من ورد وصدر. فماءٌ صديد لا يكاد يُساغ:
﴿مِّن وَرَآئِهِۦ جَهَنَّمُ وَيُسۡقَىٰ مِن مَّآءٖ صَدِيدٖ﴾ [إبراهيم: 16]
وماءٌ حميم يقطع الأمعاء:
﴿مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ﴾ [محمد: 15]
وعينٌ قد بلغت غاية الحرارة:
﴿تُسۡقَىٰ مِنۡ عَيۡنٍ ءَانِيَةٖ﴾ [الغاشية: 5]
وأول ما يُنفى عنهم الشراب:
﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ: 24]
فمن جعل هذا هو الذي وجده الواردون كلُّهم فقد خلط بين مرحلتين، ونقض اللفظة من أصلها؛ إذ مادة الورود موحَّدة على معنى واحد هو القصد إلى جهة الماء.
ثامناً: القاع والعُرف
وأصرح ما في الباب آية في سورة الأعراف:
﴿وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [الأعراف: 50]
فأهل النار يستسقون. وقد سألوا الماء أولاً ثم عطفوا عليه الرزق، فقدموا حاجتهم الأشد. ثم انظر إلى اللفظ الذي اختاروه: أفيضوا. ولم يقولوا: أعطونا، ولا: ادفعوا إلينا. والإفاضة في أصلها الحسي انصباب من أعلى؛ فالحوض يفيض إذا امتلأ حتى بلغ حافته فسال الماء من أعلاه، فحركة الفيض رأسية لا أفقية.(٢) فلا يقال «أفض علينا» إلا لمن هو فوق القائل.
فمن هؤلاء الذين فوقهم؟ الجواب في السورة نفسها قبل أربع آيات:
﴿وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ﴾ [الأعراف: 46]
فقال «وعلى الأعراف» ولم يقل «وفي الأعراف». والأعراف قمم الجبال، وإنما سميت بذلك لأنها تُعرف من بعيد، كما سُمي عُرف الديك عُرفاً لبروزه فوق رأسه.(٣) ومنه سُميت الأخلاق معروفاً؛ لأنها بارزة عن سائر السلوك العادي والدنيء، كما يبرز العُرف فوق الجبل.
ومن جنس هذا عرفات. فالموقف علم مرتفع تعرفه الجموع وتهتدي إليه، ثم قال المولى: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ وقال بعدها ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾. فاجتمع في نسك واحد الاسمان معاً: موضع مرتفع يُعرف، وإفاضة منه إلى ما دونه.
فالجغرافيا معلنة في السورة: قاع فيه النار، وقمم عليها الناجون، ونداء يصعد من أسفل يطلب الماء.
ويشد هذا أن القرآن قابل النار بالنجوة صراحة، على لسان مؤمن آل فرعون:
﴿۞ وَيَٰقَوۡمِ مَا لِيٓ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدۡعُونَنِيٓ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ [غافر: 41]
فلم يقل: أدعوكم إلى الجنة، ولا: أدعوكم إلى الإيمان. بل قال: إلى النجوة. والنجوة الأرض البارزة الناتئة التي لا يبلغها السيل. فالمقابلة بين مرتفع ومنخفض.
وبهذا ينكشف معنى قوله «ثم ننجي الذين اتقوا». فالنجاة إخراج من وعاء الخطر إلى الخارج أو إلى الأعلى، ومنها النجوة.(٤) فمن نجا رُفع إلى النجوة، والظالمون يُتركون في القاع جاثين على ركبهم. ولهذا وصفهم بالجثوّ ولو أراد غيره لقال: قياماً؛ والجاثي على ركبتيه أخفض ما يكون.
ويشهد له أن جهنم ليست مكاناً واحداً مستوياً، بل هي درجات يعلو بعضها بعضاً وجهنم أسفلها.(٥) فالقاع الذي يُذر فيه الظالمون هو أسفل تلك الدرجات.
تاسعاً: ما قاله السلف
وأقوالهم في الورود خمسة، نسوقها مجموعةً في هذا الفصل ثم نتبع كلَّ قولٍ بما فيه.
القول الأول: الورود الدخول
وهو قول الأكثرين، ومداره على ابن عباس. وأشهر ما فيه مناظرته نافع بن الأزرق. قرأ ابن عباس ﴿يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ﴾ ثم قال لنافع: أورد هؤلاء أم لا؟ ثم قال: «أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل تُخرج منها أم لا».(٦)
ونتعجب من رجلٍ يحتج بآية فرعون على الدخول وهي أصرح آية في أن الورود سَوقٌ إلى مَورِد. فإن الله لم يقل: فأدخلهم النار، وإنما قال: فأوردهم. وقبلها: يقدُم قومه يوم القيامة. وبعدها ذمُّ المشرب. فالآية عليه لا له.
وعلى هذا القول جرى مقاتل بن سليمان فقال: «وما منكم أحد إلا داخلها يعني جهنم البر والفاجر».(١٩) ونصره البغوي فقال: «قال ابن عباس وهو قول الأكثرين؛ معنى الورود هاهنا هو الدخول، والكناية راجعة إلى النار»، ثم قال: «والأول أصح وعليه أهل السنة».(١)
القول الثاني: المرور على الصراط
وهو عن ابن مسعود وقتادة والحسن. قال قتادة: «يعني جهنم، مَرُّ الناس عليها». وروى الطبري عن ابن مسعود وصف الصراط ومرور الطبقات عليه، ورجّح الطبري أن «يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون».(٧)
والصراط بهذا المعنى ليس في القرآن أصلاً، فمن احتج به احتج بخبر على آية.
القول الثالث: التفصيل
ونقل الطبري عن ابن زيد أن «ورود المسلمين المرور على الجسر بين ظهريها، وورود المشركين أن يدخلوها».(٧) وهو تفصيل حسن في المعنى، لكن اللفظ الواحد في الآية الواحدة لا يحمل معنيين.
القول الرابع: الحمّى في الدنيا
وهو عن مجاهد. قال: «من حُمَّ من المسلمين فقد وردها»، وقال: «الحمى حظ كل مؤمن من النار».(٨) ولا يستقيم؛ فالسياق من أوله في يوم القيامة، والحمى في الدنيا. وهذا مما لا يُعرَّج عليه.
القول الخامس: الإشراف والقرب
وهو الذي نميل إليه، وقد قال به جماعة. نقل القرطبي عن الحسن: «ليس الورود الدخول، إنما تقول: وردت البصرة ولم أدخلها».(٩) واستشهدوا ببيت زهير:
فلما وردن الماء زرقاً جمامه … وضعن عصي الحاضر المتخيم(١٠)
وساق الرازي حجتهم فقال: «واحتجوا على أن الورود قد يراد به القرب بقوله تعالى: فأرسلوا واردهم، ومعلوم أن ذلك الوارد ما دخل الماء».(١١) ونقل الفيروزابادي عن ابن عرفة: «الورود عند العرب موافاة المكان قبل دخوله».(١٢) وقال الراغب: «والوارد: الذي يتقدم القوم فيسقي لهم».(١٣)
وأصرحهم ابن عاشور، وهو نصٌّ في موضع النزاع: «والورود: حقيقته الوصول إلى الماء للاستقاء. ويطلق على الوصول مطلقاً مجازاً شائعاً، وأما إطلاق الورود على الدخول فلا يُعرف إلا أن يكون مجازاً غير مشهور فلا بد له من قرينة».(١٤)
ثم قال القرطبي بعد أن ساق ذلك كله: «وظاهر الورود الدخول».(١٥) ولستُ أعلم فيما أعلم كيف استقام له هذا بعد كلام الحسن وبيت زهير. واحتج أيضاً بأن الله «لم يقل: وندخل الظالمين».(١٦) وهذه حجة تُقلب عليه؛ فإنه إذا لم يقل «وندخل الظالمين» في الظالمين وحدهم، فكيف يكون قد أراد الدخول بالخلق جميعاً في اللفظ الذي قبله؟
وأدقّ ما قيل في المخاطَبين
وقرر ابن عاشور أن الخطاب في «منكم» التفات إلى المشركين لا خطاب للناس كافة، ونقل أن ابن عباس وعكرمة وجماعة يقرؤونها «وإن منهم».(١٧) وهذا قريب مما نذهب إليه، وسنزيده بياناً في الخاتمة.
عاشراً: الاعتراضات وأجوبتها
الأول: قوله ونذر الظالمين فيها
قالوا: قوله «فيها» ظرفية، ولا يكون المرء في الشيء إلا وقد دخله. ودفعُه أن الفعل «نذر» لا يفيد الإدخال، بل يفيد الترك في موضعٍ هو فيه. فهؤلاء لم يُدخَلوا، وإنما بقوا في المكان الذي وردوه لمّا كان ماءً، فانكبّت عليه اللابة وهم فيه. ولو أراد الإدخال لقال: وندخل الظالمين. ولو كان الورود في أول الآية دخولاً للجميع لكان قوله «ونذر الظالمين فيها» فضلاً من الكلام لا فائدة فيه؛ إذ الكل داخل على قولهم.
الثاني: قوله أنتم لها واردون
ولقائلٍ أن يقول: قال في الأنبياء «أنتم لها واردون» ثم قال «ما وردوها»، وهو دخول قطعاً. والذي يُقال فيه أن تنظر إلى صدر الآية:
﴿إِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمۡ لَهَا وَٰرِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98]
فالكلام في الأصنام ومن عبدها، وقد سماهم حصب جهنم أي وقودها. فهؤلاء ظالمون لا خلاف فيهم، ونحن نقول بأن الظالمين يستقرون. فأين الاعتراض؟
بل في السياق نفسه ما يقوي قولنا. قال المولى في الفريق الآخر:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101]
ثم زاد فنفى عنهم أن يسمعوا لها صوتاً:
﴿لَا يَسۡمَعُونَ حَسِيسَهَاۖ وَهُمۡ فِي مَا ٱشۡتَهَتۡ أَنفُسُهُمۡ خَٰلِدُونَ﴾ [الأنبياء: 102]
ولا يجتمع الإبعاد ونفي الحسيس مع الدخول بحال. وقد أجاب بعضهم بأن المراد الإبعاد عن عذابها لا عن موضعها، وفيه بُعْدٌ ظاهر؛ فإن نفي الحسيس نفي للقرب لا للألم.
الثالث: حديث تحلة القسم
وأكبر ما يُعترض به أن في الحديث «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم»، وقد فسره الزهري بهذه الآية. وقد كفانا مؤونته ابن عاشور بقوله: «وهذا محمل باطل، إذ ليس في هذه الآية قسم يتحلل».(١٨) فالآية خبر لا قسم، وقوله «كان على ربك حتماً مقضياً» إخبار عن حتم لا إنشاء يمين. وقد صرح الزهري بأنه ترجيح منه فقال: «كأنه يريد هذه الآية».
الرابع: أن ثم تدل على تأخر النجاة عن الورود
ورُبَّما قال قائل: قال «ثم ننجي»، وثم للترتيب مع التراخي، فدل على أنهم كانوا في النار ثم أُخرجوا. وجوابه أن «ثم» على بابها في الترتيب والتراخي، وهي حجة لنا لا علينا. فبين الورود والنجاة مرحلتان: ورودُ الماء، ثم انكبابُ اللابة وتحوُّلُ المكان. فلمّا تحوّل نجا الذين اتقوا إلى الأعلى. فالتراخي واقع، وليس تراخياً بين دخولٍ وخروج، بل بين ورودٍ وارتفاع.
الخامس: أن الوارد قد يدخل
فإن قلتَ: هَبْ أنّ الورود قصد المورد، لكن القاصد إلى الماء قد يدخل فيه، فلا ينفي اللفظ الدخول. فقلتُ: هذا حق، وهو موضع الدقة كله: اللفظ لا ينفي الدخول ولا يثبته، إنما يثبت البلوغ. فمن ادعى الدخول زائداً على البلوغ فعليه الدليل، وليس في الآية دليل، بل فيها ما ينفيه وهو إفراد الظالمين بالاستقرار.
الخاتمة: فمن المخاطَبون؟
بقي السؤال الذي وعدنا به في أول المقال، وعليه مدار الباب كله.
الآية تتكلم عن طبقة «الإنسان». وقد شرحنا في غير هذا الموضع أن الإنسان هو الفرد من الإنس، وأن «الناس» هم عِلْية القوم ووجهاؤهم وسادتهم، فليس كل إنسيّ من الناس. وافتتاح السياق بـ«الإنسان» مرتين ليس عبثاً:
﴿وَيَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: 66]
فالآية تخصّ هؤلاء، لا كل الإنس. وهم الذين يُحضرون هناك ويجثون على ركبهم حول جهنم:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا﴾ [مريم: 68]
وكثير منهم يتحرك للبحث عن الماء في تلك الأودية، وهو يومئذ ماء يُشرب. فهذا هو الورود، وهذا هو المخاطَب به.
ثم تنكبّ اللابة فيصير المكان جهنم. فينجّي الله بعضاً من هؤلاء «الإنسان» إلى الأعلى، ويُبقي الكثير منهم في مكانهم. وهو لا ينجّي المتقين في هذا الموضع؛ فالمتقون لا يتعرضون لمثل هذا الموقف أصلاً، وقد جاء ذكرهم في السورة نفسها على غير هذا الوجه: يُحشرون إلى الرحمن وفداً. وإنما الذي يُنجَّى هنا الأقلُّ من هؤلاء، وهم «الذين اتقوا» منهم:
﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا﴾ [مريم: 72]
فتأمّل الفرق بين «المتقين» في الآية الخامسة والثمانين و«الذين اتقوا» في الثانية والسبعين. أولئك وفدٌ لا يقفون هذا الموقف، وهؤلاء واقفون فيُنجَّى منهم من اتقى.
فانحلَّ الإشكال الذي أتعب المفسرين قروناً، وسقط السؤال من أصله. لا، لن ندخل جميعنا النار؛ وإنما هو ماء يُقصد ويُشرب، ثم مكانٌ ينقلب على من بقي فيه. فمن شرب وصعد نجا، ومن أقام فقد ذُرِك حيث هو.
اللهم اجعلنا من أهل الأعراف، لا ممن ساقه العطشُ إلى المَورِد ثم نجا؛ فإن فوق الناجي من هو أعلى منه. ولا تقطعنا من صلتك ووحيك لنا.
التعليقات (0)