لماذا خلت الفاتحة من سبعة أحرف؟
بقلم: علي موسى الزهراني
الفاتحةُ سبعُ آيات، وفيها أحدٌ وعشرون حرفاً من ثمانيةٍ وعشرين. وسبعةٌ لا تجدها فيها: الثاء والجيم والخاء والزاي والشين والظاء والفاء. وهذا خبرٌ صحيح، عدَّه أهلُ العلم قبل تسعمئة سنة فأصابوا.
ثم بُني عليه غيرُه. قالوا: هذه حروفُ العذاب، نُزعت من سورة الرحمة. وسُمّيت الأحرفُ السبعة في كتب الحروف «سواقطَ الفاتحة».(١) ويُتناقَل اليوم على المنابر وفي المجالس أنّ السحرة يستعملون هذه الأحرف السبعة في عملهم.
فهل في الغياب سِرّ؟ وهل يُعرَف الحرفُ من حضوره وغيابه في نصّ؟ فإن لم يكن هذا موضعَ عمله، فأين يعمل؟
الواقعةُ صحيحة، وقد عدَّها النسفيُّ بيده
عدَّ أبو حفص النسفي حروفَ الفاتحة حرفاً حرفاً فقال: «وهي خمس وعشرون كلمة، ومئة وثلاثة وعشرون حرفا: اثنان وعشرون ألفا، وثلاث باءات، وثلاث تاءات، وثلاث حاءات، وأربع دالات، وذال واحدة، وسبع عشرة لاما»، ثم أتمَّ الحروفَ إلى آخرها، وختمَ بقوله: «وليست فيها سبعة أحرف: الثاء والجيم والخاء والزاي والشين والظاء والفاء».(٢)
وقابلنا عدَّه على الحاسوب فوافقَ في تسعةَ عشرَ حرفاً من أحدٍ وعشرين، والخلافُ في الألف واللام وحدهما لأنه عدَّ «لام ألف» وحدةً مستقلّة؛ فإذا رُدَّت إليهما استوى العدّان. فالرجلُ عدَّ فأصاب، ولم يَزِل عن حرف.
فالواقعةُ ثابتة ولا نُنكرها، وإنما الكلامُ فيما بُني عليها.
ما قالوه في علّتها
أوسعُ من بسطها الفخرُ الرازي، وجعلَ العلّةَ أنّ هذه الحروف «مشعرة بالعذاب»: فالثاءُ للثبور، والجيمُ أولُ حروف جهنم، والخاءُ للخزي، والزايُ والشينُ أولُ حروف الزفير والشهيق، والظاءُ للظى، والفاءُ للفراق.(٣)
ونسبَه النسفيُّ إلى أثرٍ لم يُسمِّه فقال: «وفي بعض الآثار: أن الحكمة فيها: أن الثاء من الثبور، والجيم من الجحيم، والخاء من الخوف، والزاي من الزقوم، والشين من الشقاوة، والظاء من الظلمة، والفاء من الفراق، ومعتقد هذه السورة وقارئها على التعظيم والحرمة آمن من هذه الأشياء السبعة».(٤)
وأدخلها الألوسيُّ في تقسيمٍ آخر فعدَّها من «الحروف الظلمانية».(٥)
وههنا يقع الانقلاب. فالتعليلُ واحدٌ والجهةُ تنعكس: جعلها المفسِّرُ حروفَ عذابٍ نُزعت من السورة، فجعلها غيرُه حروفَ عذابٍ يُنتفَع بها. والأصلُ الذي بُنيَ عليه القولان واحد. فهل يصمُد؟
والرازيُّ سمع الاعتراض ولم يُجب عنه
الرازيُّ نفسُه أوردَ ما ينقض كلامه، ثم عدلَ عنه ولم يزد. قال: «فإن قالوا: لا حرف من الحروف إلا وهو مذكور في شيء يوجب نوعا من العذاب، فلا يبقى لما ذكرتم فائدة».(٦)
وهذا هو المفصل. وقد أجابَ بأن أبوابَ جهنم سبعة والأحرفَ الساقطة سبعة، فمن قرأ السورةَ أمِنَ الدركاتِ السبع. وهذا جوابٌ عن العدد لا عن الحرف؛ فالسائلُ لم يسأل عن السبعة، بل عن دعوى أنّ الحرفَ يخصُّه العذاب.
فامتحنّا اعتراضَه. أخذنا الأحرفَ الأحدَ والعشرين الحاضرةَ في الفاتحة، وطلبنا لكلِّ حرفٍ منها لفظَ عذابٍ يفتتحه في القرآن:
| الحرف | لفظُ العذاب | الحرف | لفظُ العذاب |
|---|---|---|---|
| ا | أليم · أثيم | ط | طَبَعَ · الطاغوت |
| ب | بئس | ع | عذاب · عقاب |
| ت | تبَّت · تلظّى | غ | غِسلين · غضب |
| ح | الحُطمة · حميم | ق | قُتلوا |
| د | دَرَكا | ك | كَبَتَ |
| ذ | ذوقوا | ل | لظى · لَهَب |
| ر | رجيم · رِجز | م | مقامع · مُهين |
| س | سَقَر · سلاسل | ن | نار · نَكال |
| ص | صديد · صرصرا | ه | هاوية · هُون |
| ض | ضريع | و | وَيل |
| ي | يُصهَر · يُسحَبون |
أحدٌ وعشرون من أحدٍ وعشرين، ولم يَشِذَّ حرفٌ واحد. فليس في السبعة خصوصية: كلُّ حرفٍ في اللسان يفتتح عذاباً، وكلُّ حرفٍ يفتتح رحمة.
فالألفُ التي في «أليم» هي الألفُ التي في «الحمد»، والنونُ التي في «نار» هي النونُ التي في «نستعين».
وسبعةٌ تغيب عن مئةٍ وأربعين حرفاً هي القاعدة لا الشذوذ
بقي السؤال: أغريبٌ أن يغيب عن نصٍّ قصيرٍ سبعةُ أحرف؟
قطّعنا المصحفَ كلَّه إلى ستٍّ وأربعين ألفَ قطعةٍ وتسعمئةٍ وسبعين، كلُّ قطعةٍ مئةٌ وثلاثةٌ وأربعون حرفاً بطول الفاتحة، ثم عددنا الغائبَ عن كلِّ قطعة. فكان الوسيطُ ستةَ أحرفٍ غائبة، وتسعٌ وعشرون في المئة من قطع القرآن يغيب عنها سبعةٌ فأكثر كالفاتحة. ولم نجد في السبعة والأربعين ألفاً إلا أربعَ قطعٍ لا يغيب عنها حرفٌ واحد.
والعلّةُ حسابيةٌ ظاهرة لمن تأمّل. فالألفُ في القرآن مئةٌ وثمانون في كلِّ ألف حرف، والظاءُ اثنان ونصف. بينهما سبعون ضعفاً. فمئةُ حرفٍ لا تَسَعُ الثمانيةَ والعشرين ولا تكاد.
وفي القرآن ثلاثَ عشرةَ سورةً يغيب عنها سبعةُ أحرفٍ فأكثر، والفاتحةُ حاديةَ عشرةَ فيها لا أولى:
| السورة | حروفها | الغائبُ عنها |
|---|---|---|
| الإخلاص | ٤٧ | ١٥ |
| الكافرون | ٩٩ | ١٣ |
| العصر | ٧٣ | ١١ |
| الكوثر | ٤٣ | ١١ |
| التكاثر | ١٢٣ | ٨ |
| الماعون | ١١٣ | ٨ |
| الفيل | ٩٧ | ٨ |
| الناس | ٨٠ | ٨ |
| النصر | ٧٩ | ٨ |
| الفلق | ٧٣ | ٨ |
| الفاتحة | ١٤٣ | ٧ |
| المسد | ٨١ | ٧ |
| قريش | ٧٦ | ٧ |
فالإخلاصُ يغيب عنها خمسةَ عشرَ حرفاً، والكافرون ثلاثةَ عشر. والمعوّذتان يغيب عن كلِّ واحدةٍ منهما ثمانية، وهما السورتان اللتان يُتعوَّذ بهما. فإن كان الغيابُ هو الذي أعطى هذه الأحرف شأنها، فالإخلاصُ أولى بذلك من الفاتحة. ولم يقل أحدٌ في سواقط الإخلاص شيئاً.
والفاتحةُ أطولُ هذه الثلاثَ عشرةَ جميعاً، مئةٌ وثلاثةٌ وأربعون حرفاً. فغيابُها أقلُّها استحقاقاً للعجب لا أكثرُها.
وأمّا الفاءُ وحدَها فلها سبب
وستةٌ من السبعة كان المتوقَّعُ غيابَها أصلاً في هذا الطول: الجيمُ كان نصيبُها واحدةً ونصفاً، والخاءُ واحدة، والشينُ والزايُ والثاءُ والظاءُ دون الواحدة كلُّها. فغيابُ الواحدة لا يُخبِر بشيء.
وأمّا الفاءُ فنصيبُها في هذا الطول أربع، وهي وحدَها التي يُسأل عنها. والفاتحةُ السورةُ الوحيدةُ في القرآن التي لا فاءَ فيها البتة.
والجوابُ في بناء السورة لا في الحرف. فقريبٌ من نصف فاءات القرآن أدوات: فاءُ العطف واحدٌ وثلاثون في المئة، و«في» ثلاثةَ عشر.
والفاتحةُ رابعةُ أقلِّ سور القرآن روابطَ: رابطان اثنان في تسعٍ وعشرين كلمة، ونصيبُ الروابط من كلام القرآن ستةَ عشرَ في المئة. فهي على خُمسَي نصيبها.
وانظر بناءها:
﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]
﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 3]
﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]
ثلاثُ آياتٍ متجاوراتٍ ليس بينهنّ رابطٌ واحد. لم يقل «والرحمنِ الرحيم»، ولم يقل «ثم مالكِ يوم الدين»، بل رصفَها رصفاً.
وواواها العاملتان في موضعَي المقابلة وحدهما: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، و﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 7].
فالفاتحةُ تَرصُف ولا تَربِط. ومن لم يَعطِف لم يحتَجْ إلى فاءٍ ولا واو.
ومن أين جاء الخبرُ عن السحرة؟
وبقيَ الشطرُ الآخر: أنّ السحرة يستعملون هذه الأحرف السبعة. ومن أين جاءوا بهذا الخبر؟
هل سُئل السحرةُ عن هذه الحروف وعن أثرها؟ ومن سألهم؟ ومتى؟ وأين جوابُهم؟ فالخبرُ إمّا من كتابٍ يُسمّى، وإمّا عن رجلٍ يُسأل. وليس ههنا كتابٌ ولا رجل، وإنما هو كلامٌ يتناقله الناس.
وهذا هو الذي نهى عنه المولى جل جلاله: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا﴾ [الإسراء: 36]. وحاطبُ الليل يجمع في حزمته الحطبَ والأفعى، لأنه لا يرى ما تقع عليه يده.
ثم هَبْ أنّهم يفعلون. فماذا في ذلك؟
فالقرآنُ حين حكى أعظمَ مشهدٍ للسحر في تاريخه لم يقل إنّ العصيَّ صارت حيّاتٍ، بل قال: ﴿قَالَ أَلۡقُواْۖ فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ سَحَرُوٓاْ أَعۡيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَآءُو بِسِحۡرٍ عَظِيمٖ﴾ [الأعراف: 116]. لم يقل سحروا الناسَ، بل قال سحروا أعينَ الناس. والفرقُ بينهما هو المسألةُ كلُّها.
وقال في الموضع الآخر: ﴿قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ﴾ [طه: 66]. ولم يقل: فإذا حبالُهم وعصيُّهم تسعى، بل قال: يُخيَّل إليه أنها تسعى. فالحدثُ في عين الرائي لا في الحبل.
فالسحرُ ينزع الرؤيةَ الصحيحة ويضع مكانها رؤيةً أخرى، ولا يُغيِّر في الحبل شيئاً. وهذا بابٌ يطول، وله موضعٌ آخر.
فإذا كان أثرُه في العين لا في الأعيان، فأيُّ حرفٍ يُكتَب في ورقةٍ يُغيِّر شيئاً في العالم؟ غايةُ ما يصنعه أن يُخيفَ من رآه. ومن خاف من حرفٍ مكتوب فقد سُحِرَت عينُه قبل أن يُكتَب الحرف.
فأين تعمل الحروف إذاً؟
ولسنا نُنكر أنّ للحرف وظيفة، بل نقول به ونشتغل عليه منذ سنين. وإنما نُنكر موضعَه.
فخطأُ الرازي وخطأُ المشعوذ واحد وإن اختلفت الجهة: كلاهما جعلَ الحرفَ رمزاً يُحصى حضورُه وغيابُه في نصّ. جعلَ الأولُ الغيابَ بركةً في السورة، وجعلَ الآخرُ الحرفَ الغائبَ ذا شأنٍ في نفسه، والعدُّ واحد. وما دام الحرفُ يحضر مع الشيء ومع نقيضه سواء، فلا خبرَ في عدِّه.
والحرفُ إنما يعمل حيث تُبنى الكلمة. فالثاءُ عندنا حرفُ التفرُّق بلا نظام، وهذا يُمتحَن ولا يُدَّعى. حصرنا مواضعَ (بثَّ) في المصحف كلِّه فكانت تسعة، ليس فيها موضعٌ واحدٌ منتظم:
﴿يَوۡمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلۡفَرَاشِ ٱلۡمَبۡثُوثِ﴾ [القارعة: 4]
﴿فَكَانَتۡ هَبَآءٗ مُّنۢبَثّٗا﴾ [الواقعة: 6]
﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ﴾ [البقرة: 164]
فَراشٌ متطايرٌ لا نظامَ له، وهباءٌ منبثّ، ودوابُّ بُثَّت في الأرض على غير صفّ. ولو كانت الثاءُ حرفَ ترتيبٍ لجاء موضعٌ واحدٌ منتظم من التسعة، فلم يجئ.
فههنا يعمل الحرف: في صناعة اللفظة، لا في جردِ حروف السورة. ومن عدَّ الحروفَ في سورةٍ فإنما عدَّ ألفاظَها، والألفاظُ تُختار بمعانيها لا بحروفها.
الخاتمة
سألنا في الصدر ثلاثاً، ونعود إليها.
أفي الغياب سِرّ؟ لا. سبعةُ أحرفٍ غائبةٍ عن مئةٍ وأربعين حرفاً هو الوسيط في القرآن، والإخلاصُ يغيب عنها خمسةَ عشر، والمعوّذتان ثمانيةٌ لكلٍّ منهما.
وهل يُعرَف الحرفُ من حضوره وغيابه في نصّ؟ لا. أحدٌ وعشرون حرفاً حاضراً في الفاتحة، كلُّها تفتتح ألفاظَ العذاب، فسقطَ التعليلُ الذي بُني عليه كلُّ ما بعده.
فأين يعمل؟ في الجذر، حيث يُقابَل بأخواته ويُمتحَن بالقرآن. وأمّا العدُّ في السورة فلا يُخبِر بشيء.
وأمّا الخبرُ عن السحرة فلا طريقَ إليه أصلاً، ولو صحَّ لما ضرَّ؛ فالذي حكاه القرآنُ عن أعظم سحرة الأرض أنّهم سحروا أعينَ الناس، ولم يمسّوا العصيَّ ولا الحبال.
فليس في الفاتحة نقصٌ يُستدرَك، ولا في حروفها الغائبة شأن. وأمانُ قارئها ليس في حرفٍ غاب، بل في ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6].
اللهم اهدنا الصراط المستقيم، ولا تجعل في قلوبنا تعلُّقاً بغيرك، ولا في ألسنتنا كلاماً لا نعلمه.
التعليقات (0)