كلمةٌ أراقت دماءَ المسلمين: ما معنى «استوى»؟

كلمةٌ أراقت دماءَ المسلمين: ما معنى «استوى»؟

الملخص

الاستواء عندنا ضبط حركة مضطربة حتى تمضي في خط واحد لا يمين فيه ولا يسار، ولا علو ناشز ولا هبوط. وغايته التحكم. وليس فيه حمل ولا قهر ولا استيلاء على منازع. والكتلة كلها على هذا: فالسائس يسوس الدواب أي يقوم عليها ويروضها، والسائق يسوق الدابة فيضبط وجهتها، وسير الإبل السائمة حركة مستمرة في سكون. وقد اقتتل المسلمون على هذه الكلمة قرونا، وما كان سبب الاقتتال حولها إلا ذريعة للعدوان والبغي، فالقوم اقتتلوا على ما هو أتفه منها.

والاستواء ضبط لا سكون، وعودة إلى الحالة المثلى بعد اضطراب.

ثمانية أسئلة

سفينة يقذفها الموج علوا وهبوطا:

﴿وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [هود: 42]

حتى إذا انتهى الأمر كله:

﴿وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [هود: 44]

فكل ما قبل الاستواء انتهاء: ابتلاع، وإقلاع، وغيض، وقضاء أمر. فلم عدل عن الاستقرار وهو أشهر في العربية وأقرب إلى الأفهام؟

وزرع أخرج أول ما يخرج من جانبه، ثم شد بعضه بعضا، ثم غلظ عوده:

﴿وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ﴾ [الفتح: 29]

فالزرع لم يقعد على ساقه، ولم يقهر ساقه. فأي شيء فعله حتى سمي هذا استواء؟

وغلام رباه عدوه في بيته:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسۡتَوَىٰٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [القصص: 14]

وبلوغ الأشد قوة البدن. فما الذي زادته «استوى» بعده حتى عطفت عليه؟ ولم وقف الفعل ههنا وحده بلا صلة؟

وركوب ثم استواء، جعل الثاني علة للأول:

﴿وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ﴾ [الزخرف: 12]

﴿لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ وَتَقُولُواْ سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ﴾ [الزخرف: 13]

فما الفرق بين أن تركب وأن تستوي؟

واللفظ الواحد يجيء مرة بـ«إلى» ومرة بـ«على»:

﴿ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11]

﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ﴾ [طه: 5]

فلم صح ههنا حرف لا يصح هناك؟ ولم لم يقل قط: استوى على السماء؟

وسبعة مواضع في المصحف يجيء فيها الاستواء على العرش، وكلها مصدرة بعمل تام سبقها:

﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا شَفِيعٍۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: 4]

فلم لم يجئ في المصحف مرة واحدة مبتدأ به؟

والذي يتلو الاستواء في السبعة عمل يجري لا سكون فيه: ﴿يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا﴾، ﴿يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ﴾، ﴿يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا﴾. فأين القعود الذي افترضه من جعل الاستواء جلوسا؟

ثم اللفظ نفسه يقع في تسعة عشر موضعا على معنى يبدو بعيدا من هذا كله:

﴿هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ﴾ [الرعد: 16]

فكيف يكون اللفظ الواحد نفي تماثل بين اثنين ههنا، وفعلا تاما لواحد هناك؟

والسفينة أقرب ما نفتح به، فإن حركتها كلها مبسوطة للعين: موج يرفع ويخفض، ثم سير هادئ في خط واحد. ومن هذا المشهد نبدأ.

اقتتل المسلمون من أجل «استوى» وأخواتها

قبل أن نمضي إلى اللسان، ينبغي أن يعرف القارئ ما جرى على هذه الكلمة، مرتبا على الزمن.

الجهمية أول من فتح الباب. نسب إليهم الدارمي إنكار أن يكون لله «أين»، وقال في الرد عليهم: «وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أَيْنَ اللَّهُ؟» تَكْذِيبٌ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: هُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَا يُوصَفُ بِأَيْنَ»(١). ولا نملك للجهم نصا بقلمه، وإنما نقلة خصومه.

والمعتزلة قالوا إن الاستواء استيلاء. حكاه عنهم الأشعري: «وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قول الله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) أنه استولى وملك وقهر... وذهبوا في الاستواء إلى القدرة»(٢). ومنهم الزمخشري، وعبارته أدق ما قيل في هذا المذهب: «لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك مما يردف الملك، جعلوه كناية عن الملك، فقالوا: استوى فلان على العرش يريدون ملك وإن لم يقعد على السرير البتة»(٣).

والأشعري رد عليهم ردا لا هوادة فيه، وبنى على أن الناس يرفعون أيديهم إلى السماء: «لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطّونها إذا دعوا إلى الأرض»(٤). ثم ألزمهم لازما شنيعا لا نرى إيراده في متن(٥)، وختمه بقوله: «وَهَذَا خلاف الدّين، تعالى الله عن قولهم علوّا كبيرا»(٦).

ولم يكفرهم الأشعري في الاستواء، وإنما كفرهم بالنعت في مسألة أخرى، فقال: «إن كلام الله غير مخلوق، وأن من قال بخلق القرآن فهو كافر»(٧)، وكان قد نسب القول بخلق القرآن إلى المعتزلة وأهل القدر في صدر كتابه.

ثم افترق أصحابه بعده. فذهب متأخروهم إلى القهر والغلبة لا إلى الاستيلاء، وفرقوا بينهما بفرق دقيق. كتب أبو منصور بن أبي أيوب إلى البيهقي أن «كَثِيرًا مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الِاسْتِوَاءَ هُوَ الْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ»(٨)، ثم قال: «وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ، لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ غَلَبَةٌ مَعَ تَوَقُّعِ ضَعْفٍ»(٩).

والماتريدي وقف موقفا ثالثا، فأثبت اللفظ وسلم المراد ونفى المكان: «قد ثبت من طريق التنزيل بأنه استوى على العرش، وقد لزم القول بأنه ليس كمثله شيء... ثم يلزم تسليم المراد لما عنده إذ لم يبينه لنا... وبعد؛ فإن القول فيه بالمكان يفسد»(١٠).

وأهل الحديث أثبتوا بلا تكييف، وعقد الدارمي لذلك بابا: «بَابُ اسْتِوَاءِ الرَّبِّ تبارك وتعالى عَلَى الْعَرْشِ وَارْتِفَاعِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَبَيْنُونَتِهِ مِنَ الْخَلْقِ»(١١). ثم بلغ بهم الأمر إلى التكفير: «وَنُكَفِّرُهُمْ أَيْضًا أَنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ أَيْنَ اللَّهُ، وَلَا يَصِفُونَهُ بِأَيْنَ، وَاللَّهُ قَدْ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَيْنَ، فَقَالَ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}»(١٢). وجمع ابن تيمية بين الأمرين فقال: «وذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة»(١٣).

وقوم فوضوا وسكتوا، وأقدم من نقل عنه ذلك سفيان بن عيينة: «كُلُّ مَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ فَتَفْسِيرُهُ تِلَاوَتُهُ، وَالسُّكُوتُ عَلَيْهِ»(١٤). ومنه أثر مالك المشهور، وفيه أنه أخرج السائل: «الْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالِاسْتِوَاءُ مِنْهُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ»(١٥)، وفي رواية: «وَمَا أَظُنك إِلَّا ضَالًّا، ثمَّ أَمر بِهِ فَأخْرج»(١٦). وهذا موقف لا نوافق عليه(١٧).

والكرامية جعلوه استقرارا وأطلقوا عليه اسم الجوهر، حكاه الشهرستاني(١٨).

والإمامية

وهذا موضع لا يذكره كثير ممن كتب في المسألة. فالإمامية قالوا بالاستيلاء صريحا، وأنشدوا بيت بشر نفسه الذي أنشدته المعتزلة.

قال الطوسي في المتشابه: «من ذلك قوله تعالى «ثم استوى على العرش» فاحتمل في اللغة أن يكون كاستواء الجالس على السرير واحتمل أن يكون بمعنى الاستيلاء نحو قول الشاعر: ثم استوى بشر على العراق ٭ من غير سيف ودم مهراق. وأحد الوجهين لا يجوز عليه تعالى... والآخر يجوز عليه»(١٩). وقال في يونس أصرح من هذا: «معناه استولى عليه بإنشاء التدبير من جهته كما يستوي الملك على سرير ملكه بالاستيلاء على تدبيره»(٢٠).

وقال الطبرسي: «استوى أمره على الملك... يعني استقر ملكه واستقام بعد خلق السماوات والأرض... كقولهم استوى الملك على عرشه إذا انتظمت أمور مملكته... ولعل ذلك الملك لا يكون له سرير ولا يجلس على سرير أبدا»(٢١).

وفي رسائل المرتضى، في عقيدة يعرضها منتصرا لها: «وقد استوى على العرش بالاستيلاء والملك والقدرة والسلطان، وهو مع ذلك بكل مكان»(٢٢).

وأقدم هؤلاء متأخر عن المعتزلة. وقد حكى الشهرستاني أن «لما ظهرت المعتزلة والمتكلمون من السلف رجعت بعض الروافض عن الغلو والتقصير، ووقعت في الاعتزال»(٢٣). وهو نص في الجملة لا في هذه المسألة بعينها؛ ولم نجد في كتاب إمامي إقرارا بالأخذ.

ومن أين جاء القوم بهذا كله

والذي يظهر لنا أن التيارين اللذين تنازعا في الأمة، تيار يمسك اللفظ على ظاهره وتيار يصرفه بالعقل، امتداد لتيارين سابقين في أهل الكتاب، دخلا الإسلام بوجه إسلامي.

فأما تيار النفي والتأويل فأقوى ما فيه إسناد الأوزاعي، قال: «أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له سوسن، كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر، فأخذ عنه معبد الجهني، وأخذ غيلان عن معبد»(٢٤). وهذا إسناد متصل مسمى الرجال، وأقره الذهبي(٢٥). وغيلان نفسه ثبت عنه أنه كان قبطيا فأسلم، قال له خالد بن اللجلاج: «ويلك يا غيلان ألم تكن قبطيا وأسلمت؟... ثم صرت بعد ذلك قدريا زنديقا»(٢٦).

وأما الجهم فأقدم ما نقل في مأخذه أنه لقي السمنية من فلاسفة الهند فناظروه فتحير(٢٧). ثم قال أحمد في حجته: «استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى، وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو روح الله من ذات الله»(٢٨).

وأما تيار التشبيه فقد رده الشهرستاني إلى اليهود صريحا، فقال في المشبهة: «وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي عليه السلام، وأكثرها مقتبسة من اليهود، فإن التشبيه فيهم طباع»(٢٩). وقال الدارمي في الجهة الأخرى: «فصدَّ ذلك طمعَ كلِّ متعوّذٍ في الإسلام من أبناء اليهود والنصارى وأنباط العراق، ووجدوا فرصةً للكلام»(٣٠).

وثم سلسلة مشهورة ترد الجهم إلى لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر، غير أنها لا تثبت إسنادا؛ مدارها على نقل مرسل عند ابن عساكر، وابن تيمية نفسه يصدرها بـ«وقد قيل»(٣١).

والجو العام لم يكن يبيح القول في الدين

ولم يكن الخلاف يجري في مجالس علم، بل في زمن يُقتل فيه صاحب المقالة. ذُبح الجعد بن درهم على المنبر يوم عيد، خطب خالد بن عبد الله القسري بواسط فقال: «ارْجِعُوا فَضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْكُمْ، فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ... ثُمَّ نَزَلَ فَذبَحَهُ»(٣٢). وصُلب معبد الجهني، «كَانَ الحَجَّاجُ يُعَذِّبُ مَعْبَداً الجُهَنِيَّ بِأَصْنَافِ العَذَابِ وَلَا يَجْزَعُ، ثُمَّ قَتَلَهُ»(٣٣). وقُتل الحلاج قتلة لم يقتلها أحد: «فضرب بالسياط نحوا من ألف سوط، وقطعت يداه ورجلاه، وضربت عنقه وأحرقت جثته بالنار، ونصب رأسه للناس على سور السجن الجديد»(٣٤).

ولم يُقتل هؤلاء في الاستواء بعينه، وإنما نسوق أخبارهم ليعلم القارئ أي جو كان.

وما كان سبب الاقتتال حول هذه الكلمة إلا ذريعة للعدوان والبغي، فالقوم اقتتلوا على ما هو أتفه منها بكثير. ومن ملك السلطة ملك تعريف العقيدة والحقيقة، فمن أراد أن يبقى في يده أمر الناس احتاج أن يكون قوله هو الدين.

ونحن نلتمس لهم العذر فيما وصلوا إليه من نتائج، فهذا مبلغهم من العلم، وهم في ظاهرهم يريدون الحق. لكن الذي لا نقبله ونقف ضده هو تكفير بعضهم بعضا وسفك دماء بعضهم بعضا؛ وقد ذهبت مدن وتشردت أمم بسبب اختلاف في أمر بسيط. وهؤلاء حسابهم على الله.

وأما دعوى «استولى» فلا تثبت

فحصنا المعاجم الستة على هذه اللفظة بجميع صيغها، فلم نجدها في مادة «سوي» عند الخليل ولا ابن دريد ولا الأزهري ولا ابن فارس. وأول من أثبتها الجوهري: «واسْتَوى، أي استولى وظهَرَ»، وأنشد عليها بيتا واحدا(٣٥). ثم ساقها ابن سيده بعده آخر خمسة أقوال بصيغة التمريض: «وقيل: استَولى»، بلا ناقل ولا شاهد(٣٦).

وأدل من سكوت الأربعة أن الخليل يعرف اللفظة ويشرحها في موضعين من كتابه ثم لا يذكرها في «سوي». قال في مادة ولي: «واستولَى فلانٌ على شيء، إذا صار في يده»(٣٧). وقال في مادة علو: «وكلّ من قهر امرأً أو عدوّاً فقد علا واعتلاه واستعلى عليه»(٣٨). وسكوت العارف ليس كسكوت الجاهل.

ثم إن أهل اللغة الذين حدوا «استولى» اشترطوا فيها شرطا يمتنع ههنا. قال ابن الأعرابي: «الْعَرَبُ لَا تَقُولُ اسْتَوْلَى عَلَى الْعَرْشِ فُلَانٌ، حَتَّى يَكُونَ لَهُ فِيهِ مُضَادُّ»(٣٩). وقال أبو السمراء لبشر المريسي في مجلس المأمون: «اخطأت يَا شيخ؛ فَإِن الْعَرَب لَا تعرف الِاسْتِيلَاء إِلَّا بعد عجز سَابق»(٤٠). فمن فسر الاستواء بالاستيلاء لزمه أن يثبت منازعا كان العرش في يده فانتزع منه.

والبيت الذي دارت عليه الدعوى كلها لم نجده في ديوان ولا في كتاب من كتب الشعر التي عندنا، وإنما هو في كتب العقائد والتفسير، وأنشده الفريقان جميعا.

والذي نفارقهم فيه

فالفرق بيننا وبينهم أنهم دخلوا على الكلمة من جهة العقيدة، ونحن ندخل عليها من جهة الحرف.

فهم اختلفوا في المعنى الذي يليق بالله ثم حملوا اللفظ عليه، فمن خشي التشبيه صرفه إلى الاستيلاء، ومن خشي التعطيل أبقاه على القعود، ومن خشي الأمرين معا فوض وسكت. ولم يسأل أحد منهم: ما الذي يصنعه هذا الفعل في اللسان قبل أن يسند إلى أحد؟

ونحن نبدأ من هناك: نجرد الكتلة كلها، ونستخرج الصورة المحسوسة من أقدم ما نقل، ثم نعرضها على المصحف.

هذا الجذر في علم آدم

الكتلة (سو): ضبط الحركة

جردنا جذور الكتلة كلها، فإذا الجامع بينها ظاهر لا يحتاج تكلفا: ضبط حركة شيء يتحرك.

وأصرحها سوس، ومنها السياسة، قال الخليل: «والسِّياسة: فعل السائس الذي يسوس الدّوابَّ سياسة، يقوم عليها ويروضها. والوالي يَسُوس الرعية وأمرهم»(٤١). فالسائس لا يوقف الدابة ولا يقهرها، وإنما يروضها حتى تسير على وجه واحد فلا تجمح.

ومثله سوق: «سُقتُه سوقاً»(٤٢)، والسائق يضبط وجهة الدابة من خلفها فلا تنحرف. والساق من الجذر نفسه، وهي التي عليها ينساق الماشي فلا يميل.

ومثله سوم، وفيه نص عجيب: «والسَّوْم: من سير الإبل وهبوب الريح إذا كانت مستمرّةً في سكون»(٤٣). فحركة مستمرة في سكون، وهذا حد الاستواء بعينه. ومنه السوم في البيع: أخذ ورد حتى يستقر الثمن على حد.

ومثله سوط: «والسوط: خلطك الشّيءَ بالشّيء... والمِسْوَطُ: الذي يُساطُ به»(٤٤)، وهو تحريك منتظم دائري حتى يستوي المخلوط. ومنه السوط الذي يُساط به الدابة فتنضبط.

ومثله سوك: «جاءت الغنم تَساوَكُ هزالاً، أي: ما تحرك رءوسها»(٤٥)، وهو التمايل المتردد. والسواك ذهاب وإياب منتظم.

ومثله سوح: «السّاحة: فضاءٌ يكونُ بين دُورِ الحيّ»(٤٦)، وهي بقعة مضبوطة الحدود بين البيوت.

ومثله سور: «والسُّورُ: حائطُ المدينة»(٤٧)، وهو الذي يضبط حدها فلا تنتشر.

والمقلوب (وس): ضبط الموضع

وإذا قلبت الكتلة انتقل الضبط من الحركة إلى الموضع.

وسط: «الوَسْط، مُخَفَّفاً يكونُ مَوْضِعاً للشّيء... فإذا نصبت السّين صار اسماً لما بين طَرَفي كلِّ شيء»(٤٨). فهو الموضع المضبوط الذي لا يميل إلى طرف.

ووسد: «كلّ شيءٍ يوضع تحتَ الرّأس»(٤٩)، وهي تضبط موضع الرأس فلا يميل.

ووسق: «ضمك الشيء إلى الشيء بعضهما إلى بعض. والاتِّساق: الانضمام والاستواء، كاتِّساقِ القمر إذا تم وامتلأ فاستوى»(٥٠). فههنا الضبط والاستواء في نص واحد.

ووسم: «الوسم: أَثَر كيٍّ»(٥١)، وهو علامة في موضع بعينه يُعرف بها.

ووسي، وهو أصرحها، قال ابن الأعرابي: «سَوّى: إذا اسْتَوَى، ووسَّى إذا حَسُن. والوسْيُ: الاسْتواء... والوسْي: الحلْق»(٥٢). والحلق ضبط سطح الرأس حتى لا ينتأ فيه شعرة.

فالكتلتان على أصل واحد: الضبط. الأولى تضبط الحركة، والثانية تضبط الموضع. ومن هنا صح أن يقال «استوى» للسفينة والزرع والراكب والغلام، وأن يقال «وسط» و«وساد» و«وسم» للمواضع.

الحروف الثلاثة

والسين في هذا اللسان انسياب بطيء، والواو تمدد، والياء انطواء. ويدخل في الجذر كتلة (وي)، وهي تمدد ثم انطواء كما بينا في موضعها.

فسوي في حروفه: انسياب يتمدد ثم ينطوي. وهذه صورة الحركة المضبوطة: تمتد حتى حدها ثم ترتد إليه فلا تجاوزه.

حد الكلمة

الاستواء: ضبط حركة مضطربة حتى تمضي في خط واحد، لا يمين فيه ولا يسار، ولا علو ناشز ولا هبوط. وغايته التحكم.

وليس فيه حمل، فالمستوى عليه ليس حاملا للمستوي. وليس فيه قهر ولا غلبة، فليس في الكلمة منازع ولا مغلوب.

وأقدم نص في الباب يعطي شطر الحد، قال الخليل: «وساويت هذا بهذا، أي: رفعته حتّى بلغ قدرَهُ ومَبلَغَه... والمساواةُ والاستواءُ واحدٌ»(٥٣). وقال الفراء: «الاسْتواء في كَلَام الْعَرَب على جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا أَن يَستوِيَ الرجلُ ويَنتهي شَبابُه وقوَّتُه، أَو يَسْتَوِي من اعوجاج»(٥٤). والاعوجاج ميل عن الخط، وذهابه رجوع إليه. وقال الليث: «الاسْتواء فِعْلٌ لازمٌ، من قَوْلك: سوَّيْتُه فاستَوَى»(٥٥). وقال أبو الهيثم: «والمستوي: التامُّ فِي كَلَام العَرَب الَّذِي قد بلغ الْغَايَة فِي شبابه وتمامِ خلقه وعَقْلِه»(٥٦).

وأما «سواء» فهو الوسط

ونص المحكم صريح: «وسَوَاءُ الشيءِ وسُواهُ وسِواه... وَسَطُه»(٥٧). ثم قال: «وسَوَاء الجَبَل ذِرْوَتُه وسَوَاءُ النهارِ مُنْتَصَفُه»(٥٨). وذروة الجبل ومنتصف النهار موضعان ينقلب فيهما الصعود هبوطا. فالسواء وسط بين طرفين.

الاستواء في القرآن

والآن نعود إلى الأسئلة التي بدأنا بها.

والجذر يقع في المصحف على وزن الافتعال في خمسة وثلاثين موضعا: تسعة عشر منها لنفي التماثل بين اثنين، وستة عشر للفعل التام.

السفينة: من الموج إلى الخط الهادئ

﴿وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [هود: 42]

﴿وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [هود: 44]

فالسفينة كانت تجري في موج كالجبال، يرفعها الموج ويخفضها. فلما ابتلعت الأرض ماءها وأقلعت السماء وغيض الماء، سكن اضطرابها ومضت في خط واحد. فالاستواء ههنا ذهاب التقلب لا وقوف الحركة.

ونرجح بقوة أن الجودي ليس جبلا، وأن السفينة صارت تسير عليه هادئة في خط ثابت. فإنه لو كان جبلا لقيل قرت أو استقرت، وهو أشهر وأصرح؛ والاستقرار في المصحف أُسند إلى جبل صريحا:

﴿وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ﴾

ويقوي هذا أن العين والتهذيب والمقاييس لا تعرف «الجودي» ألبتة، وأن أقدم من ذكره ابن دريد قال متوقفا: «والجودي: مَوضِع. وَقَالُوا: جبل مَعْرُوف وَالله أعلم»(٥٩). ثم وجدنا في رحلة ناصر خسرو، في ذكر حيفا: «وحيفا مشيدة على الْبَحْر وَبهَا نخل وأشجار كَثِيرَة، وَهُنَاكَ عُمَّال يصنعون السفن البحرية الْمُسَمَّاة بالجودي»(٦٠). فاللفظ مستعمل في البحر لا في الجبل(٦١).

الزرع: امتداد ثم ثبات

﴿كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ﴾ [الفتح: 29]

فأربع مراحل مرتبة بالفاء: ﴿أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ﴾ وهو أول ما يخرج من جانب الأصل، ﴿فَـَٔازَرَهُۥ﴾ أي شد بعضه بعضا، ﴿فَٱسۡتَغۡلَظَ﴾ أي غلظ عوده، ثم ﴿فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ﴾. فالزرع امتد صاعدا وهو يتمايل مع الريح، حتى إذا غلظ عوده ضبط ميله فثبت على سوقه.

والزرّاع يعجبون بالزرع كله وبصنعته، فذكرهم ههنا لأنهم أهل الصنعة الذين يعرفون ما وراء ما يرى الناظر.

الغلام: استواء العقل لا البدن

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسۡتَوَىٰٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [القصص: 14]

والاستواء ههنا استواء عقله لا بدنه. فإن البدن لا يقف بعد بلوغ الأشد ولا ينحدر حتى يقال استوى؛ وإنما الذي استوى عقله، فصار متزنا بعد اضطراب، كما هو حال كل غلام. ويشهد له أن الجزاء جاء بعده مباشرة: ﴿ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ﴾، والحكم والعلم لا يعطيان لدماغ غلام.

ولو كان الاستواء استيلاء لصار المعنى: لما بلغ أشده وغلب. وموسى يومئذ خائف يترقب في مدينة ليست مدينته.

الملك: خفض القوة حتى يمكن اللقاء

﴿عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ﴾ [النجم: 5]

﴿ذُو مِرَّةٖ فَٱسۡتَوَىٰ﴾ [النجم: 6]

﴿وَهُوَ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ﴾ [النجم: 7]

فقدم القوة: ﴿شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ﴾ ثم ﴿ذُو مِرَّةٖ﴾، ثم قال ﴿فَٱسۡتَوَىٰ﴾ بالفاء، ثم أخبر عن موضعه: ﴿وَهُوَ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ﴾.

والمرة تفسر الآية. قال الخليل: «والمِرَّةُ: شِدَّةُ الفَتْل. والمِرَّة: شِدّةُ أَسْرِ الخَلْق. وقوله: ﴿ذُو مِرَّةٖ فَٱسۡتَوَىٰ﴾، أي: سويّ»(٦٢)، وقال الأزهري: «والمِرّة: القُوّة»(٦٣). والفتل التواء، فالمرة قوة مفتولة ملتوية. فالملك ذو قوة مفتولة، فلما قارب الرسول ضبط ذلك الفتل فمضى في خط واحد. ولو أتاه بقوته مفتولة لما احتمله بشر.

الركوب شيء والاستواء شيء

﴿وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ﴾ [الزخرف: 12]

﴿لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ وَتَقُولُواْ سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ﴾ [الزخرف: 13]

فالركوب وحده لا يكفي، وقد يوقعك المركوب. ونرجح أن الاستواء ههنا تسوية حركة الدابة المضطربة ومنعها من الجموح؛ فهي التي استوت حركتها فاستوى معها راكبها.

ولهذا كان الحمد بعد الاستواء لا عند الركوب. وحكى السمعاني عن بعض الكتب عن سليمان بن يسار: «كُنَّا فِي سفر وَكَانَ النَّاس إِذا اسْتَووا على دوابهم قَالُوا: {سبحان الَّذِي سخر لنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين}»(٦٤)، وهو نص الآية: ﴿ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ﴾. وختمها بـ﴿وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ﴾، أي مطيقين؛ فالراكب لا يطيق الدابة بقوته وإنما بضبط حركتها.

ومثله السفينة:

﴿فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المؤمنون: 28]

فلم يقل: فإذا ركبت، بل ﴿ٱسۡتَوَيۡتَ﴾، وعلق الحمد على ذلك.

حرف «إلى» وحرف «على»

﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [البقرة: 29]

فرتب هذه الآية ترتيبا لا يجوز إغفاله: خلق ما في الأرض جميعا أولا، ثم استوى إلى السماء، ثم سواهن سبع سماوات. والخلق عندنا خلط المواد وتركيبها لتكوين مادة جديدة لا ترجع إلى أصلها، وليس هو الإحياء ولا الإنشاء من العدم.

فالمخلوقات شُكِّلت مادتها وتركيبها، ثم توجه الأمر إلى السماء لكي تتكيف مع هذه التركيبات الخلقية وتكون منسجمة معها، فتحميها من الأشعة والأخطار. فلما انبلجت الحياة في تلك المخلوقات وجدت السماء في عونها.

والسماء هي الغلاف الجوي الذي يحمينا. وقد كانت دخانا غير متماسك، فيه اضطراب هائل:

﴿ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11]

ولا فرق بين الحرفين في أصل المعنى، فكلاهما تحكم وضبط؛ وإنما الفرق في المحل. فالسماء يومئذ دخان لا نظام فيه ولا بنية، ليست كالسفينة ولا كالدابة ولا كالعرش، فهذه كلها لها نظام قائم يُضبط. فما لا نظام له لا يُستوى عليه وإنما يُستوى إليه، أي يتوجه الأمر إليه فينشئ فيه النظام. والعرش له نظام تحكم قائم، فاستوي عليه أي ضُبط ذلك النظام.

ولعل في «إلى» معنى المطاوعة والرضى، ولذلك جاء بعدها: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ﴾.

وأما ﴿فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ﴾ فهو الفعل المتعدي من المادة نفسها: حول ذلك الدخان المضطرب إلى سبع طبقات ذات نظام وحركة منتظمة ثابتة، جدارا صلبا متينا لا يخترقه نيزك ولا جرم سماوي. ولهذا جاء بعدها في فصلت:

﴿فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ﴾ [فصلت: 12]

فأوحى في كل سماء أمرها، أي أعطى كل طبقة قانونها الخاص.

ونرجح أن المصابيح في السماء الدنيا ليست النجوم، فإن المصباح يتحرك؛ ولعلها الشهب.

التسوية في المصحف

﴿ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُۚ بَنَىٰهَا﴾ [النازعات: 27]

﴿رَفَعَ سَمۡكَهَا فَسَوَّىٰهَا﴾ [النازعات: 28]

فتأمل: ﴿رَفَعَ سَمۡكَهَا﴾ ثم ﴿فَسَوَّىٰهَا﴾. والسمك الثخن. فبعد أن صارت سميكة رفعها إلى أعلى، ثم ضبطها فأهبطها قليلا بعد الرفع.

﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى﴾ [الأعلى: 1]

﴿ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾ [الأعلى: 2]

﴿وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ [الأعلى: 3]

فرتب ثلاثا: خلق، ثم سوى، ثم قدر فهدى. فالخلق تركيب المادة، والتسوية ضبطها، والتقدير جعل المقادير، والهداية وضع برنامج يستطيع الكائن به أن يتصرف ويحمي نفسه ويجلب رزقه. فالنملة تهتدي إلى قوتها بلا معلم.

وأصرح ما في الباب أن التسوية تقع على العقل لا على المادة وحدها:

﴿أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا﴾ [الكهف: 37]

فبدأ بالتكوين المادي: تراب، فنطفة. ثم ختم بـ﴿سَوَّىٰكَ رَجُلٗا﴾، وهي تسوية عقل لا جسم، مثل تسوية موسى بعد الغلمة. فالتراب والنطفة مادة، والرجولة ضبط.

وعلى هذا يفهم ما بعده:

﴿فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ﴾ [الحجر: 29]

فالتسوية ضبط للعقل، والنفخ زيادة عليه. والروح كائن، وهو الذي نفخ في آدم علما في عقله فتفوق به على الملائكة والجن، ولهذا أُمروا بالسجود. وليس النفخ إحياء، فالبدن كان حيا قبله كسائر الأحياء.

السوي: التام المضبوط

﴿فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا﴾ [مريم: 17]

فلم يقل: بشرا حسنا، ولا بشرا تاما، بل ﴿بَشَرٗا سَوِيّٗا﴾. والبشر الجانب المادي للكائن، والسوي هو الطور الذي بلغه آدم فصار آدميا مضبوطا.

﴿قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٖ سَوِيّٗا﴾ [مريم: 10]

و﴿سَوِيّٗا﴾ ههنا نعت لليالي لا لزكريا: ثلاث ليال متساوية في مقدارها.

﴿أَفَمَن يَمۡشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجۡهِهِۦٓ أَهۡدَىٰٓ أَمَّن يَمۡشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الملك: 22]

وليست الآية مقابلة بين اثنين، بل ثلاث حالات: فالمكب على وجهه تائه تماما لا وجهة له؛ ومن دونه في التيه من يذهب يمينا ويسارا فحركته مضطربة؛ ويفوقهما من يمشي سويا لا اضطراب في حركته وهو على صراط مستقيم. فالاستواء ضبط الحركة حتى تكون النتيجة المساواة: فلا يمين ولا يسار، ولا فوق ولا تحت بزيادة فجة ناشزة.

«سواء»: الوسط

﴿فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ﴾ [الصافات: 55]

فلم يقل: في وسط الجحيم. والعلة أن الوسط من كتلة (وس) وهو ضبط الموضع، والسواء من كتلة (سو) وهو ضبط الحركة. والجحيم نيران ولهب هائل في حركة دائمة، فليس فيها موضع ثابت يقال له الوسط؛ وإنما فيها موضع تهدأ عنده حركتها فيكون سواءها.

﴿أَمۡ تُرِيدُونَ أَن تَسۡـَٔلُواْ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [البقرة: 108]

وههنا أيضا لم يقل: وسط السبيل. والسبيل يُسلك، والسالك متحرك؛ فسواء السبيل هو الخط الذي إذا مضى فيه السالك انضبطت حركته فلم يمل إلى حافة. فمن ضل سواء السبيل فقد اضطربت وجهته، لا أنه لم يبلغ الغاية.

ومن هذا الباب أيضا:

﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقۡوَٰتَهَا فِيٓ أَرۡبَعَةِ أَيَّامٖ سَوَآءٗ لِّلسَّآئِلِينَ﴾ [فصلت: 10]

فجعل تقدير الأقوات في أربعة أيام ﴿سَوَآءٗ لِّلسَّآئِلِينَ﴾، أي على قدر مضبوط لا يزيد ولا ينقص عمن سأل.

نفي الاستواء بين اثنين

وهذا تسعة عشر موضعا، وكلها على نسق واحد: نفي أن يجري الاثنان على خط واحد.

﴿هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ﴾ [الرعد: 16]

والأعمى والبصير طرفا نقيض، فلن يسيرا على خط واحد أبدا. ومثله الظلمات والنور.

﴿وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ﴾ [فاطر: 22]

﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [الزمر: 9]

وأدق مواضع الباب ما ضُرب فيه المثل برجلين لا فرق بينهما في الخلقة:

﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلٗا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلٗا سَلَمٗا لِّرَجُلٍ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الزمر: 29]

فالأول شركاؤه متشاكسون يجذبه كل واحد إلى جهة، فلا يستقر له خط؛ والثاني خالص لواحد. وهذا أصرح تصوير للاستواء على أنه ضبط: من تنازعته قوى مختلفة لم يستو له خط.

﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [النحل: 76]

﴿۞ أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [التوبة: 19]

فعمل الكفار قد يكون حسنا في ذاته، والسقاية عمل، وعمارة المسجد عمل. لكنه لا يقارن بعمل من آمن بالله وجاهد؛ فالفرق بينهما في الأخلاقية شاسع، فلا يستويان.

﴿وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾ [الحديد: 10]

فههنا الفريقان مؤمنان، وكلاهما أنفق وقاتل، والذي فرق بينهما الوقت وحده. ثم صرح بأن الفرق درجة لا حقيقة: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ﴾، ولم ينف عن الثاني الأجر: ﴿وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ﴾.

﴿لَا يَسۡتَوِيٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ﴾ [الحشر: 20]

ومن ألطف مواضع الباب مثل البحرين، فإن الشيئين فيه من جنس واحد:

﴿وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ﴾ [فاطر: 12]

فكلاهما ماء، ومن كليهما يؤكل اللحم الطري وتستخرج الحلية كما نص آخر الآية. فلم ينف عنهما الاشتراك في المنفعة، وإنما نفى أن يجريا على خط واحد.

﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ﴾ [فصلت: 34]

فالحسنة والسيئة كلتاهما عمل، ثم أمر بأمر يكشف المراد: ﴿ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ﴾، فجعل الدفع بالأحسن لا بالمثل.

﴿قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [المائدة: 100]

فالخبيث والطيب كلاهما مال، ثم نبه على أن الكثرة لا تغني: ﴿وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ﴾. فليس الميزان في المقدار بل في انضباط الوجه الذي جاء منه.

الاستواء على العرش

وهذا سبعة مواضع، ولها ثلاث علامات لا تتخلف.

الأولى: لا يجيء الاستواء إلا بعد عمل تام سابق.

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]

﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: 2]

فالأولى فيها ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ﴾، والثانية فيها رفع السماوات. وكذلك البواقي الخمس. و«ثم» ههنا ليست للتراخي الزمني، وإنما تدل على مرحلة جديدة مقصودة لذاتها، تلي ما قبلها بقصد لا بمصادفة.

والثانية: الذي يتلو الاستواء عمل يجري لا سكون فيه.

في الأعراف ﴿يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا﴾، وفي يونس ﴿يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ﴾، وفي الحديد ﴿يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۚ﴾ ثم ﴿وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ﴾.

والثالثة: لم يقل الله في موضع واحد إنه خلق العرش. فحصنا ذلك على المصحف كله: المواضع التي يجتمع فيها الخلق والعرش ستة، ومفعول «خلق» في الستة كلها ﴿ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ﴾. بل صرح بأنه كان قائما قبل ذلك:

﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ﴾ [هود: 7]

فذكر الأيام الستة، وكون العرش على الماء في تلك المدة، ثم صرح بالغاية: ﴿لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ﴾. فالسياق كله في العلم المحيط والتدبير والابتلاء، لا في بناء ولا مكان.

وأصرح المواضع في أن الاستواء ليس قعودا موضع الحديد؛ فإنه ختم الآية نفسها التي فيها الاستواء بقوله:

﴿وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ﴾

فمن حصره في مكان فوق العرش رد آخر الآية بأولها.

وحين يجيء لفظ الجلالة مع العرش

وههنا موضع يحتاج تحريرا. فليس المراد أن الله جالس على العرش ولا واقف أمامه، ولا أن ذاته سبحانه هي التي تضبط بعد اضطراب؛ فحاشاه أن يُنعت بذلك. وإنما المراد الجهة التي وجهها الله لتتصرف في العرش أو في السماء.

فاستوى على العرش عندنا: تولى ضبطه حتى صار إيقاعه مسايرا لإيقاع الكائنات في الأرض والسماء فلا يضرها. ومنه وبه يراقب المولى الأرض ويديرها. وهذا الذي يفعله السائس بالفرس: يقوم عليه ويروضه حتى لا يجمح.

والعرش على الماء، وهو يوم القيامة يحمله ثمانية كائنات لم تحدد، وحوله ملائكة. ونرجح أنه جهاز عظيم يتحكم به المولى في مقادير الأرض وموازينها ومراقبتها.

فما العرش إذن

والعرش ليس سريرا، وإنما السرير واحد من عشرة مصاديق للكلمة.

قال الخليل: «العَرْشُ: السرير للملك. والعَريش: ما يُسْتَظلُّ به... وعرش البيت سقفه، وعرش البئر: طيُّها بالخشب»(٦٥). وحده ابن فارس بجامع واحد: «العين والراء والشين أصلٌ صحيح واحد، يدلُّ على ارتفاعٍ في شيءٍ مبنيّ»(٦٦).

وثلاثة نصوص تقطع بأن السرير ليس هو الأصل:

الأول عرش البئر، ونعته الخليل نعتا لا لبس فيه: «تكون بئر رخو الأسفل والأعلى فلا تمسك الطيّ، لأنها رملة، فيُعْرشُ أعلاها بالخشب... ثم تقوم السقاة عليه فيستقون»(٦٥). فالعرش خشب يمسك الرمل الرخو لئلا ينهار، ويقوم عليه من يستقي.

والثاني عرش القدم، وهو «ما ارتفع من ظهر القدم»(٦٧)، في مقابلة الأخمص. ولا ملك ههنا ولا جلوس.

والثالث قولهم «ثُلَّ عرشُه»، أي «وهى أمره وذهب عِزُّهُ»(٦٨). والثلّ هدم، والسرير لا يُهدم وإنما يُسلب. وقال ابن بري: «العَرْش بناءٌ يُبنى من خشب على رأس البئر يكون ظلالًا، فإذا نُزعت القوائمُ سقطت العُروشُ»(٦٩).

فالعرش في أصل اللسان بناء مرفوع فوق، يمسك ما فوقه ويظلل ما تحته، وهو نفسه محمول على قوائم. وبإزائه الفرش، وحده ابن فارس: «تمهيدُ الشيء وبسطُه»(٧٠). وهذا الذي قابل بينه القرآن:

﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ﴾

والقرآن يوافق هذا، فاللفظ نفسه يقع فيه على سقوف القرى الخاوية: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾، وعلى كروم الجنات: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ﴾، وعلى ما يرفعه النحل والناس: ﴿وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ﴾. وليس فيها سرير واحد. ثم هو محمول لا حامل:

﴿ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ﴾

﴿وَٱلۡمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرۡجَآئِهَاۚ وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ ثَمَٰنِيَةٞ﴾ [الحاقة: 17]

ومن أين جاءت صورة الجالس على العرش

وصورة الإله الجالس على عرش يشرك معه غيره في الجلوس صورة يهودية نصرانية سابقة، مدونة في كتبهم.

ففي إشعياء: «شَاهَدْتُ السَّيِّدَ جَالِساً عَلَى عَرْشٍ مُرْتَفِعٍ سَامٍ، وَقَدِ امْتَلأَ الْهَيْكَلُ مِنْ أَهْدَابِهِ»(٧١). وفي حزقيال: «وَانْتَصَبَ فَوْقَ الْجَلَدِ... شِبْهُ عَرْشٍ، مَنْظَرُهُ كَحَجَرِ اللاَزَوَرْدِ. وَيَجْلِسُ عَلَى شِبْهِ العَرْشِ مِنْ فَوْقُ مَنْ هُوَ كَشِبْهِ إِنْسَانٍ»(٧٢). وفي دانيال: «نُصِبَتْ عُرُوشٌ وَاعْتَلَى الأَزَلِيُّ كُرْسِيَّهُ»(٧٣). وفي المزامير: «الرَّبُّ ثَبَّتَ فِي السَّمَاوَاتِ عَرْشَهُ»(٧٤).

ثم صار هذا في التلمود علما مغلقا اسمه «عمل المركبة» لا يُبسط إلا لواحد بشرط أن يكون حكيما(٧٥).

وأما النصارى فزادوا الشريك في الجلوس. ففي سفر الرؤيا، والمتكلم فيه المسيح يخاطب الكنائس، وهو يقول «أبي» و«إلهي»: «وَكُلُّ مَنْ يَنْتَصِرُ سَأُجْلِسُهُ مَعِي عَلَى عَرْشِي، كَمَا انْتَصَرْتُ أَنَا أَيْضاً فَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي عَلَى عَرْشِهِ»(٧٦).

فالقعود على العرش عقيدة مدونة عند أهل الكتاب قبل الإسلام بقرون. وليس في القرآن حرف واحد يجعل العرش مقعدا.

والكرسي

والكرسي عندنا المجال المغناطيسي الذي يحمي الأرض وغلافها الجوي، وقد فصلنا ذلك في مقالنا عن الكرسي فلا نعيده.

ما حصل من المواضع الخمسة والثلاثين

فإذا جمعت المواضع كلها خرج منها أمران لا يتخلفان.

الأول: لا استواء إلا على حركة قائمة. اضطربت السفينة فقيل ﴿وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ﴾. وتمايل الزرع فقيل ﴿فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ﴾. واضطرب عقل الغلام فقيل ﴿وَٱسۡتَوَىٰٓ﴾. وانطلق الملك بقوته فقيل ﴿فَٱسۡتَوَىٰ﴾. وجمحت الدابة فقيل ﴿إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ﴾. واضطرب الدخان فقيل ﴿ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ﴾. ولا موضع واحد في المصحف كله ابتدئ فيه بالاستواء.

والثاني: يتلو الاستواء تدبير أو حكم. فبعد استواء السفينة ﴿وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾، وبعد استواء موسى ﴿ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ﴾، وبعد استواء الراكب أُمر بالذكر، وبعد الاستواء على العرش ﴿يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ﴾.

وما في المصحف موضع واحد يصح فيه أن يبدل الاستواء بالاستيلاء فيستقيم الكلام. جرب ذلك في السفينة، وفي الزرع على ساقه، وفي الراكب على ظهر بعيره، وفي بلوغ موسى أشده؛ فإنه ينقلب لغوا في كل موضع. ولو كان وجها من وجوه اللغة لصح في بعضها ولو مرة واحدة. وكذلك لا يصح إبدال القعود به، فالسفينة لم تقعد، والزرع لم يقعد، والملك لم يقعد بالأفق الأعلى.

الخاتمة

الاستواء ضبط حركة مضطربة حتى تمضي في خط واحد، لا يمين فيه ولا يسار، ولا علو ناشز ولا هبوط. وهذا هو الجواب عن الأسئلة الثمانية:

السفينة كانت تجري في موج كالجبال يرفعها ويخفضها، فسكن اضطرابها ومضت هادئة. وعدل عن الاستقرار لأن الاستقرار وقوف الحركة، والاستواء ضبطها مع بقائها.

والزرع امتد وهو يتمايل، حتى غلظ عوده فضبط ميله فثبت على سوقه.

والغلام استوى عقله لا بدنه، فصار متزنا بعد اضطراب، ولذلك أوتي الحكم والعلم.

والركوب حركة الجرم، والاستواء ضبط تلك الحركة ومنعها من الجموح؛ فإذا استوت الدابة استوى معها راكبها.

و«إلى» لأن السماء يومئذ دخان مضطرب، فدخل الأمر في وسطه فضبطه؛ و«على» لأن العرش بناء قائم يتولى الأمر ضبطه.

وتقدم العمل التام لأن الكلمة لا تقع إلا على حركة قائمة، فلا ضبط بلا حركة قبله.

والعمل الذي يتلوه هو ثمرة الضبط؛ فالنظام صار يعمل باتساق، والتدبير يجري من ذلك الموضع ولا ينقطع.

والآيات التسع عشرة التي نفت الاستواء بين اثنين، مثل ﴿هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ﴾، جامعها والستة عشر الأخرى واحد. فالاستواء ضبط حركة في خط؛ فإذا ذكر واحد فالمراد ضبط حركته هو، وإذا ذكر اثنان فالمنفي أن تنضبط حركتاهما على خط واحد.

والعرش ليس مقعدا. هو في أصل اللسان بناء مرفوع يمسك ما فوقه ويظلل ما تحته: سقف البيت، وخشب البئر الذي يمنع رملها أن ينهار، وعريش الكرم، وظهر القدم في مقابلة الأخمص. ولذلك قيل «ثُلَّ عرشُه» أي هُدم ولم يقل سُلب. وهو في القرآن محمول لا حامل، ولم يقل الله في موضع واحد إنه خلقه.

والذي ظهر لنا أن العرش نتيجة ومحصلة: فبعد بناء الأرض والسماء انبلج العرش الذي يحكمهما. ولو كان خلقا من الصفر لما وقع فيه اضطراب يحتاج معه أن يستوي الله عليه، أي يضبطه ويجعله مستويا في سلوكه فلا يضر الحياة في الأرض والسماء. فالعرش هو الذي يحمي الأرض والسماء ويرعاهما.

والمسلمون اقتتلوا على شيء ليس في الكلمة أصلا. ليس فيها قعود يُنفى أو يُثبت، ولا غلبة على منازع، ولا حمل يحتاج إلى حامل. والقعود الذي تنازعوا فيه لم يأتهم من القرآن، وإنما جاءهم من كتب من قبلهم.

وبعد هذا كله نتعجب: كيف يقتتل المسلمون من أجل كلمة ههنا وتفسير هناك؟ وكيف أجازت لهم ضمائرهم أن يفعلوا ذلك من أجل تفسير كلمة؟ ولم نجدهم يعذر بعضهم بعضا على سوء الفهم والقصور. ثم يتبين في الآخر أنهم كلهم على خطأ: فلا قعود ولا استيلاء، وإنما هو ضبط الحركة والإيقاع، حتى تصير حركة هادئة سوية.

هذا والله أعلم

(١)الرد على الجهمية، الدارمي، ت البدر، ص46.
(٢)الإبانة عن أصول الديانة، الأشعري، ت فوقية، ص108.
(٣)الكشاف، الزمخشري، جـ3 ص52.
(٤)الإبانة عن أصول الديانة، ت فوقية، ص107.
(٥)نص الأشعري: لو كان الاستواء استيلاء «لَكَانَ مُستوياً على الْعَرْش، وعَلى الأَرْض، وعَلى السَّمَاء، وعَلى الحشوش، والأقدار... لم يجز عند أحد من الْمُسلمين أَن يَقُول: إِن الله تَعَالَى مُستوٍ على الحشوش والأخلية». الإبانة، ت فوقية، ص109. والحشوش الأماكن القذرة، وأصلها بستان النخل، «وسمّي مَوضِع الخلَاء حُشّاً بِهَذَا؛ لأَنهم كَانُوا يقضون حوائجهم فِي الْبَسَاتِين»، تهذيب اللغة جـ3 ص254. و«الأقدار» في طبعة العصيمي «الأقذار». وإنما أوردناه في الحاشية أمانة في النقل، وليتبين مبلغ ما وصل إليه القوم في هذا الباب.
(٦)الإبانة عن أصول الديانة، ت فوقية، ص109.
(٧)الإبانة عن أصول الديانة، ت فوقية، ص25.
(٨)الأسماء والصفات، البيهقي، جـ2 ص309.
(٩)الأسماء والصفات، البيهقي، جـ2 ص310.
(١٠)تأويلات أهل السنة، الماتريدي، جـ4 ص452.
(١١)الرد على الجهمية، الدارمي، ت البدر، ص40.
(١٢)الرد على الجهمية، الدارمي، ت البدر، ص199.
(١٣)الفتوى الحموية الكبرى، ابن تيمية، ص520.
(١٤)الأسماء والصفات، البيهقي، جـ2 ص307.
(١٥)الرد على الجهمية، الدارمي، ت البدر، ص66.
(١٦)تفسير السمعاني، جـ3 ص320.
(١٧)فإن الاستواء ذكر في المصحف في خمسة وثلاثين موضعا، ولم يذكر ليدندن به ويتغنى، بل ليوصل رسالة يفهمها السامع. وعجز الناظر عن سبر المعنى لا يبيح له أن يكفر من يحاول؛ بل الحصار الذي يضرب بين الناس وبين كتاب ربهم هو الذي ينبغي أن يخشى منه.
(١٨)الملل والنحل، الشهرستاني، جـ1 ص108.
(١٩)التبيان في تفسير القرآن، الطوسي، جـ2 ص395.
(٢٠)التبيان في تفسير القرآن، الطوسي، جـ5 ص329.
(٢١)مجمع البيان، الطبرسي، ص240، والملف بلا علامات أجزاء.
(٢٢)رسائل المرتضى، مجلد 2 ص188 بترقيم المطبوع، والنص داخل عقيدة يسوقها بصيغة «قالوا».
(٢٣)الملل والنحل، الشهرستاني، جـ1 ص93.
(٢٤)تاريخ دمشق، ابن عساكر، جـ48 ص192.
(٢٥)سير أعلام النبلاء، الذهبي، ط الرسالة، جـ4 ص186.
(٢٦)تاريخ دمشق، ابن عساكر، جـ48 ص192.
(٢٧)الرد على الجهمية والزنادقة، الإمام أحمد، ت صبري شاهين، ص93، وهي عنده بصيغة «بلغنا».
(٢٨)الرد على الجهمية والزنادقة، الإمام أحمد، ص95.
(٢٩)الملل والنحل، الشهرستاني، جـ1 ص106.
(٣٠)الرد على الجهمية، الدارمي، ت الشوامي، ص32.
(٣١)الفتوى الحموية الكبرى، ابن تيمية، ص234، وأصل السلسلة عند ابن عساكر في تاريخ دمشق جـ72 ص99 بلا إسناد.
(٣٢)خلق أفعال العباد، البخاري، ص29.
(٣٣)سير أعلام النبلاء، الذهبي، ط الرسالة، جـ4 ص187.
(٣٤)تاريخ بغداد، ت بشار، جـ8 ص705.
(٣٥)الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، جـ6 ص2385.
(٣٦)المحكم والمحيط الأعظم، جـ8 ص640.
(٣٧)كتاب العين، جـ8 ص366.
(٣٨)كتاب العين، جـ2 ص247.
(٣٩)الأسماء والصفات، البيهقي، جـ2 ص314.
(٤٠)تفسير السمعاني، جـ2 ص366.
(٤١)كتاب العين، جـ7 ص336.
(٤٢)كتاب العين، جـ5 ص190.
(٤٣)كتاب العين، جـ7 ص319.
(٤٤)كتاب العين، جـ7 ص278.
(٤٥)كتاب العين، جـ5 ص392.
(٤٦)كتاب العين، جـ3 ص272.
(٤٧)كتاب العين، جـ7 ص289.
(٤٨)كتاب العين، جـ7 ص279.
(٤٩)كتاب العين، جـ7 ص284.
(٥٠)كتاب العين، جـ5 ص191.
(٥١)كتاب العين، جـ7 ص321.
(٥٢)تهذيب اللغة، جـ13 ص87.
(٥٣)كتاب العين، جـ7 ص326.
(٥٤)تهذيب اللغة، جـ13 ص85.
(٥٥)تهذيب اللغة، جـ13 ص85.
(٥٦)تهذيب اللغة، جـ13 ص88.
(٥٧)المحكم والمحيط الأعظم، جـ8 ص640.
(٥٨)المحكم والمحيط الأعظم، جـ8 ص641.
(٥٩)جمهرة اللغة، ابن دريد، جـ1 ص452.
(٦٠)سفر نامه، ناصر خسرو القبادياني، ص53.
(٦١)والنسخة التي عندنا ترجمة عربية حديثة عن أصل فارسي، فيحتمل أن تكون اللفظة من المترجم لا من ناصر خسرو نفسه. والأصل الفارسي ليس عندنا لنقابل عليه.
(٦٢)كتاب العين، جـ8 ص262.
(٦٣)تهذيب اللغة، جـ15 ص142.
(٦٤)تفسير السمعاني، جـ5 ص94.
(٦٥)كتاب العين، جـ1 ص249.
(٦٦)معجم مقاييس اللغة، جـ4 ص264.
(٦٧)كتاب العين، جـ1 ص250.
(٦٨)الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، جـ3 ص1010.
(٦٩)لسان العرب، جـ6 ص315.
(٧٠)معجم مقاييس اللغة، جـ4 ص486.
(٧١)إشعياء 6: 1، نسخة إلكترونية ص3، وترقيمها لا يوافق المطبوع.
(٧٢)حزقيال 1: 26، نسخة إلكترونية ص1.
(٧٣)دانيال 7: 9، نسخة إلكترونية ص7.
(٧٤)المزمور 103: 19، نسخة إلكترونية ص29.
(٧٥)التلمود البابلي، مجلد 7، رسالة حجيجاه، الفصل الثاني، نسخة إلكترونية لا توافق ترقيم المطبوع.
(٧٦)سفر الرؤيا 3: 21، نسخة إلكترونية ص3.

التعليقات (0)