بقلم: علي موسى الزهراني
الملخص
نتيجةُ هذا البحث أنّ الجوديَّ ماءٌ لا جبل. ونواةُ كتلته في هذا اللسان وجهٌ يعُمُّ ما تحته حتى أقصاه، وما يشُقُّه من خطٍّ أو يحُدُّه من حافّة؛ فالجَوْدُ ماءٌ عمَّ وجهَ الأرض حتى بلغ منتهاه، والجُدَّةُ الحافّةُ التي يقف عندها. واسمُه منقولٌ من فعل الأمر للمؤنَّثة «جُودِي»، كما يقال: يا عينُ جُودي، ثمّ دخلت عليه الألف واللام؛ وهذا الوجهُ أجازه الفرّاءُ في معاني القرآن قبل ألفٍ ومئتَي سنة. وكتلةُ (جد) في هذا اللسان تُعطي الوجهَ الممدودَ المستوي وخطَّه الفاصل، والماءُ فيها لا يحضر رأسياً في جذرٍ واحد: بل يبسُط نفسَه، أو يجري في خطّ، أو يقف عند حافّةٍ تُمسكه. والقرآنُ ذكر الجبلَ مرّتين في مشهد الطوفان نفسِه، ثمّ عدَل عنه في موضع الاستواء. وذكر الإرساءَ للسفينة قبل ذلك بثلاث آيات، ثمّ عدَل عنه أيضاً. فالذي استوت هي السفينة، والذي هبط هو نوح، وبينهما أربعُ آياتٍ وحدَثان لا حدَثٌ واحد.
ما رست السفينةُ على جبل. سكن اضطرابُها على ماءٍ هادئ، ثمّ أُذِن لأهلها أن يبلغوا البرَّ في سلام.
سبعةُ أسئلة
رجلٌ يفرُّ من الماء إلى الجبل، فيُقال له: لا عاصمَ اليوم:
﴿قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ﴾ [هود: 43]
فأبطلَ النصُّ عصمةَ الجبل من الماء، وأغرقَ صاحبَه بين يدي أبيه. فكيف يكون ختامُ المشهد بعد آيةٍ واحدة أنّ السفينةَ نفسَها صعدت إلى جبل؟
وقبلها بآية، الجبالُ في هذا المشهد ليست ملجأً بل هيئةُ الموج المُهلِك:
﴿وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [هود: 42]
فاللفظُ حاضرٌ في المشهد مرّتين، والقرآنُ يعرفه ويستعمله. فلمَ لم يقل بعدها: «واستوت على جبل»؟
وقبل ذلك بثلاث آيات، جُمِع للسفينة جريُها ووقوفُها في كلمتين:
﴿۞ وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [هود: 41]
فالإرساءُ مذكورٌ مسمًّى في القصّة نفسِها. فلمّا جاء موضعُ الوقوف عدَل عن «رست» إلى «استوت». فلمَ عدَل؟
ثمّ يجيء اللفظ الحاسم:
﴿وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [هود: 44]
فما «الجودِيّ»؟ ولمَ لم يُفسَّر في القرآن كما فُسِّرت أعلامٌ أقلُّ منه شأناً؟
والماءُ في هذه الآية لم يُقَل إنّه جفَّ، بل قيل: غِيض. واللفظُ نفسُه يقع في موضعٍ آخر لا يحتمل الجفاف بحال:
﴿ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ﴾ [الرعد: 8]
فالرَّحِمُ لا تجفّ، وإنّما تنقُص وتزيد. فلمَ يُقرأ «غِيض» في هود على أنّه ذهابُ الماء كلِّه؟
ثمّ إنّ الأمر بالهبوط لم يأتِ عَقِبَ الاستواء، بل بعد أربع آيات، ولفاعلٍ آخر غير الذي استوى:
﴿قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [هود: 48]
فالتي استوت سفينة، والذي أُمِر أن يهبط رجل. فلمَ يُجعَل الحدَثان حدَثاً واحداً؟
وفي القصّة نفسِها من سورة أخرى، يجيء فعلُ الاستواء لا للسفينة بل لراكبيها:
﴿فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المؤمنون: 28]
فالاستواءُ ههنا ضبطُ حركةٍ في مركوبٍ يتحرّك، لا صعودٌ إلى قمّة. فأيُّ شيءٍ في «استوت على الجوديّ» يوجِب الجبل؟
والسفينةُ هي التي تُمسِك الطرفَ ههنا. فمن مشهدها نبدأ.
حروفُ الكلمة الثلاثة
الجيمُ في علم آدم جمعٌ مادّيّ، والواوُ تمدُّد، والدالُ دفعٌ إلى أمام. والحرفُ في أوّل الجذر مادّةُ الفعل، وفي وسطه محورُه، وفي آخره مآلُه.
فـ(جود) في حروفه: مادّةٌ تجتمع، ثمّ تتمدَّد، ثمّ تندفع. وهذه صورةُ الماء الغزير حرفاً بحرف: يجتمع، فينبسط، فيجري. وليس فيها شيءٌ يرتفع.
وقابِلْ بها حروفَ «جبل»: جيمٌ تجمع، وباءٌ تُراكم وتُثقِل، ولامٌ جسمٌ شاخصٌ رأسيّ. فاللامُ في آخره هي التي تُقيمه قائماً. والجوديُّ ليس فيه لام، وإنّما فيه واوٌ تمُدّه أفقياً. فبين اللفظين فرقُ ما بين القائم والمنبسط.
كتلةُ (جد): وجهٌ يعُمُّ حتى أقصاه
جردتُ جذورَ الكتلة كلَّها، ثمّ أفردتُ منها العائلةَ الضيّقة، وهي ما كانت الجيمُ والدالُ فيه متجاورتين في الأوّل: جدد · جدث · جدح · جدر · جدس · جدع · جدف · جدل · جدم · جدن · جدب · جدو · جدي · جود · جيد. خمسةَ عشرَ جذراً، وافق منها اثنا عشر على نواةٍ واحدة:
(جد): وجهٌ واحدٌ يعُمُّ ما تحته حتى أقصاه، وما يشُقُّه من خطٍّ أو يحُدُّه من حافّة.
وأخصُّ ما في هذه النواة قيدُ العموم، وهو الذي يتكرَّر في نصوص المعاجم بألفاظٍ متقاربة: «لا يُعرَفُ أقصاه» · «يَروي كلَّ شيء» · «ليس بها قليلٌ ولا كثير» · «لم تُزرَع قطُّ» · «واسعٌ عامّ». فالكتلةُ لا تعرف الشيءَ يقع في بقعةٍ ويترك بقعة؛ إنّما تعرفه يعُمُّ الوجهَ حتى ينتهيَ إلى حدِّه.
وأصرحُها جدد، قال الخليل: «الجَدَدُ والجَديدُ: وَجهُ الأرض»، وقال في الموضع نفسِه: «ويقال: الزَم الطريق الجَدَدَ»، ثمّ قال بعده: «الجَدَد أي الواضح. والجَدجَدُ: الفيفُ الأملس»(١). وقال ابن شُميل: «الجَدَدُ: ما استوى من الأرضِ وأصحَرَ... والفضاءُ: جَدَدٌ لا وَعْثَ فيه ولا جبلَ ولا أكَمةَ، ويكونُ واسعاً»(٢). فقيَّده بنفي الجبل والأَكَمة صراحةً. وقال ابن سيده: «وأجَدَّت لك الأرضُ: إذا انقطعَ عنك الخَبارُ ووضَحَت. وجادّةُ الطريق: مَسلَكُه وما وضَحَ منه»(٣). وفي المادّة نفسِها القطعُ والجَدّ، لأنّ السطحَ المستويَ يُعرَف بحدِّه، والحدُّ قطع.
ومثله جدس: «قال أبو عبيد: الأرضُ الجادِسةُ: التي لم تُعمَر ولم تُحرَث... الجَوادِسُ: البقاعُ التي لم تُزرَع قطُّ»(٤)، فالعمومُ ههنا في النفي. وجدب، وهو انقطاعُ الخَير عن الوجه كلِّه. وجدر، وهو الحاجزُ الذي يُمسِك، وسيأتي. وجدل، ومنه الجَدالة، وهي الأرضُ التي يُلصَق بها المصروع. وجدع وجدف وجدث، وفيها القطعُ الذي يَحُدُّ الوجهَ عن غيره. ومن الكتلة الواسعة: جلد وهو السطحُ المشدودُ الذي يعُمُّ البدن، وجرد وهو الفضاءُ الذي لا شيءَ ينتأ فيه، وجمد وهو الماءُ إذا استوى سطحُه.
وفي الكتلة نفسِها بابٌ في الانخفاض حتى يستوي الشيءُ بالأرض: أسجدَ فطأطأ وانحنى، وأهجدَ البعيرُ فألقى جِرانه بالأرض. فمن طلب في هذه الكتلة عاقدةً للارتفاع الرأسيّ لم يجد.
الماءُ في هذه الكتلة أفقيٌّ دائماً
وهذا أدقُّ ما خرج به الجرد. فالماءُ يحضر في تسعة جذورٍ من الكتلة، ولا يحضر في واحدٍ منها قائماً ولا مرتفعاً، بل في ثلاث هيئاتٍ كلُّها أفقيّة:
أن يبسُط نفسَه على الوجه. وهو الجَوْدُ نفسُه: «والجود: المطر العزيز. تقول: جاد المطر جَوْداً فهو جائد... وقد جيدَت الأرضُ، فهي مَجودَةٌ»(٥). وحدُّه عند الأصمعيّ محسوسٌ لا يحتمل التأويل: «الجَوْد: أَن تُمْطَرَ الأَرضُ حتَّى يَلْتقِيَ الثَّرَيانِ»(٦)، أي ينزل البللُ من فوق حتى يبلغ النَّدى الصاعدَ من باطن الأرض. فالجَوْدُ ليس قطرةً ولا رشّاً، بل ماءٌ يُشبِع الأرضَ حتى تتّصل رطوبتُها من ظاهرها إلى باطنها.
وأن يجري في خطّ. وهو الجَدْوَل، والجَديل.
وأن يقف عند حافّةٍ تُمسِكه. وهو الجَدْر، قال الأزهريّ: «أَرَادَ بالجَدْرِ: مَا رُفِعَ من أَعْضاد المَزرعةِ لتُمسِك الماءَ كالجِدار»(٧). وهو جُدَّةُ النهر وحافّتُه، وجُدَّةُ ساحل البحر.
ثمّ سُمِّي فقدُ الماء باسمٍ من الكتلة نفسِها: الجَدْب. فهي كتلةٌ تعرف الماءَ حضوراً وغياباً، ولا تعرفه صاعداً.
أليس بعد هذا كلِّه يظهر بوضوحٍ أنّ «جوديّ» ماءٌ مثلُ هذه المياه كلِّها: جَدْب، وجَدْر، وجَوْد، وجَدْوَل، وجَديل؟
نجدٌ ليس جبلاً
فإن قلتَ: أليس في الكتلة نجد، وهو المرتفع؟ قلتُ: فيُنظَر في قيود المعاجم عليه، فإذا هي ثلاثةٌ تنفي الجبليّة لا تُثبتها. قال ابن شُميل: «لَا يكون إلّا قُفّاً أَو صَلابةً من الأرْض فِي ارْتفَاعٍ مثلِ الجَبَل مُعْتَرِضاً بَين يَديك يَرُدُّ طرْفَك عمّا وَراءَهُ... وَلَيْسَ بالشديدِ الِارْتِفَاع»(٨). فقيَّده بأنّه مثلُ الجبل لا جبل، وأنّه ليس شديدَ الارتفاع، وأنّه صلابةٌ معترضة.
ويُخرِجه من محض الارتفاع شاهدٌ من المادّة نفسِها: أنّ النُّجود ستورٌ تُبسَط على الحيطان، والنِّجّاد هو الذي يحشو الفُرُش والوسائد ويخيطها. وكلاهما بَسْطُ سطحٍ لا رفعُ شاخص. ويؤكّده أنّ النَّجَد هو العَرَق، وهو ماءٌ ينبسط على سطح الجلد.
الجُدَّة: الحافّةُ بين الماء واليابسة
وأدقُّ ما في هذه الكتلة لفظةٌ واحدة تكاد تكشف الاسمَ وحدَها: الجُدَّة.
قال ابن دريد: «وكل خطّ جدة»، ثمّ قال بعده: «وَجدّة النَّهر: حافته وَكَذَلِكَ الْوَادي»(٩). وفي لسان العرب: «وجِدَّةُ النَّهْرِ وجُدَّتُه: ما قَرُبَ منه من الأَرض... ضَفَّته وشاطِئُه»، ثمّ قال: «الجُدُّ، بالضمّ: شاطئُ النهر والجُدَّة أيضاً، وبه سمِّيت المدينةُ التي عند مكةَ جُدَّةَ»(١٠).
فالجُدَّةُ الخطُّ الذي ينتهي عنده الماءُ وتبتدئ عنده الأرض. وهي في النهر ضِفَّتُه، وفي البحر ساحلُه، وفي الوادي حافَّتُه.
ومن هذه اللفظة سُمِّيت مدينة جُدَّة. قال البكريّ: «جدّة: بضم أوّلها: ساحل مكة، معروفة، سمّيت بذلك لأنها حاضرة البحر؛ والجدّة من البحر والنهر ما ولى البرّ؛ وأصل الجدّة: الطريق الممتدة»(١١). وقال ياقوت: «والجدّة في الأصل الطريقة»(١٢).
فتأمّلْ في حدِّ البكريّ: ما وَلِيَ البرَّ من البحر. وهو الحدُّ الذي بين الماءِ واليابسة بعينه.
من الجُدَّة إلى الجُودِيّ
فإذا صحَّ هذا، فبناءُ اللفظ يُقرأ في خطوتين لا ثالثةَ لهما:
الأولى: زيادةُ الواو، فتمُدُّ الكتلة. فالواوُ في علم آدم تمدُّد، وهي إذا توسَّطت مدَّت الكتلةَ التي دخلت عليها. فـجُدّ حافَّةٌ قصيرة، وجَوْد حافَّةٌ ممدودة. ومن ثَمَّ صار الجَوْدُ مطراً يعُمُّ ولا يقف عند بقعة.
والثانية: ياءُ النسب. والياءُ في آخر «الجُودِيّ» ياءُ نسبٍ مشدَّدة، كياء عَلَوِيّ وهاشميّ. وهذا بابٌ يستحقّ أن يُفرَد.
فإذا كان منسوباً فإلى أيِّ شيءٍ نُسِب؟ إلى الجَوْد. والجَوْدُ في المعاجم المطرُ الغزير الذي يبسُط نفسَه حتى يلتقيَ الثَّرَيان.
فالجُودِيّ: المنسوبُ إلى الجَوْد، أي ما خلَّفه ذلك المطرُ الواسع. حافّةٌ امتدَّت بالماء، ثمّ انكمشت قليلاً حين غِيض.
وهذا يجمع طرفَي الكتلة في لفظةٍ واحدة: الحدُّ الذي يقف عنده الماء، والوجهُ الممدودُ المستوي بين حَدَّيه.
وممّا يُقوّيه أنّ العربيَّ لم يكن يُسمّي ما لا يعرف. فالبشرُ يعرفون الأشياءَ ثمّ يرمزون لها بالأصوات. فلو كان «الجوديّ» عَلَماً على جبلٍ بعينه، لكان معروفاً عندهم كما تُعرَف الأعلام؛ ولمّا اختلفوا فيه بين آمِدَ والموصل والشام والهند، عُلِم أنّهم لم يكونوا يعرفونه موضعاً بعينه. وإنّما يُفهَم اللفظُ من بنائه: جغرافيا موصوفةٌ لا بقعةٌ مسمّاة.
ياءُ النسب في «الجوديّ»
وهذه أدقُّ نقطةٍ في اللفظ، وعليها مدارُ الأمر كلِّه. فإن كانت الياءُ ياءَ نسبٍ فاللفظُ مشتقٌّ منسوبٌ إلى شيء، لا عَلَمٌ جامدٌ مرتجَلٌ لجبل. والمنسوبُ يُفهَم من بنائه، والعَلَمُ المرتجَلُ لا يُفهَم إلّا بالسماع.
من قال بها
وأقدمُ من نصَّ عليها ابنُ الأنباريّ، وهو من أهل القرن الرابع، قال:
«وتشديد الياء في "الجوديّ" لأنها ياء النسبة، فهي كالياء في عَلَوِيّ، وهاشميّ. وقد خففها بعض القراء. ومن العرب من يخفف ياء النسبة، فيسكنها في الرفع، والخفض، ويفتحها في النصب»(١٣)
فجعلها نسباً صريحاً، ومثَّل لها بـ«عَلَوِيّ» و«هاشميّ». وتابعه من جاء بعده. قال السمين الحلبيّ في توجيه قراءة التخفيف: «والصواب أن يقال: خُفِّفَتْ ياءُ النسب»(١٤). وقال صاحبُ اللوامح فيما نقله أبو حيّان: «هو تخفيف ياءي النَّسَب»(١٥). وقال ابن جنّي: «تخفيف ياءَي الإضافة قليل إلّا في الشعر... ورُوي عنهم: لا أكلمك حِيْرِيْ دهر... وهذا في النثر، فعليه قراءة الأعمش»(١٦).
ولم أقف على أحدٍ من المتقدّمين قال إنّ ياءه من بنية الكلمة. وإنّما اختلفوا في تخريج قراءة التخفيف، وهم في ذلك كلِّه متّفقون على أنّها ياءُ نسب.
وفيصلٌ يفرّق بين ياء النسب وياء البنية
ولأهل الصناعة فيصلٌ في هذا لا يحتاج إلى ذوق. قال ابن عصفور:
«كُرسيًّا وبُختيًّا بُنيا على ياءي النَّسَب ولم يُستعملا دونهما، فلا يُقال كُرْسٍ ولا بُخْتٍ... وكلّ ما تلحقه ياءا النسب ولا تلزمانه لا يُكَسَّر عليهما؛ ألا تراهم يقولون: أَحمَرِيٌّ وحُمْرٌ، وفارِسيٌّ وفُرْسٌ»(١٧)
فالفيصل: أتُستعمَل الكلمةُ بدون الياء أم لا؟ فـ«كُرسيّ» و«بُختيّ» و«قُمريّ» ياؤها لازمةٌ من بنيتها، إذ لا يقال كُرْسٌ ولا بُخْتٌ ولا قُمْرٌ. وأمّا «الجوديّ» فأصلُه مستعمَلٌ بدونها: الجَوْد والجُود، وقد قُرِئ اللفظُ نفسُه مخفَّفاً. فياؤه عارضةٌ لا لازمة، وهي إذن نسبٌ لا بنية.
فإلى أيِّ شيءٍ نُسِب؟
إلى مادّة (جود). قال ابن فارس: «الجيم والواو والدال أصلٌ واحد، وهو التسمُّح بالشيء، وكثْرةُ العَطَاء... والجَوْد: المطر الغزير»(١٨). فالمطرُ عنده فرعٌ من الأصل لا معنًى ثانياً منفصلاً. والسماءُ إذا جادت أعطت بغزارة، والجَوْدُ عطاؤها.
فالجُوديّ: المنسوبُ إلى الجُود، أي ما نشأ عن ذلك العطاء الواسع من السماء.
وأمّا ضمُّ الجيم فليس بمشكل
ولقائلٍ أن يقول: الجَوْدُ للمطر بفتح الجيم، فالنسبُ إليه «جَوْديّ» بالفتح لا «جُوديّ» بالضمّ. ودفعُه من ثلاثة أوجه، كلُّها منصوصٌ عليه:
الأوّل: أنّ المطر يُضبَط بالضمّ أيضاً. ففي لسان العرب: «وقيل: الجُودُ من المطر الذي لا مطر فوقه البتة»، وفيه عن سيبويه: «أخذتنا بالجُودِ وفوقه»(١٩). وفي الجمهرة: «مطر جود: بَين الْجُود. ورجل جواد: بَين الْجُود»(٢٠)، فسوّى بينهما. فإن كان المنسوبُ إليه «الجُود» بالضمّ فلا تغييرَ في اللفظ أصلاً.
والثاني: أنّ تغييرَ حركة الفاء في النسب بابٌ مقرَّر. قال سيبويه: «واعلم أنّ ياءي الإضافة إذا لحقتا الأسماء فإنَّهم ممّا يغيرونه عن حاله»(٢١)، ثمّ مثَّل: «وفي السَّهل سُهليٌّ، وفي الدَّهر: دُهريٌّ»(٢٢). فالسَّهلُ بالفتح والنسبُ إليه بالضمّ، والدَّهرُ بالفتح والنسبُ إليه بالضمّ. وهو عينُ ما وقع في «الجُوديّ».
وعلّةُ التغيير منصوصةٌ أيضاً، وهي الفرقُ بين معنيَين. قال ابن يعيش: «فالسُّهْليّ منسوب إلى السَّهْل... وإذا نسبوا إلى رجل اسمه سَهْلٌ قالوا: سَهْليّ بالفتح، كأنّهم أرادوا الفرق بينهما»(٢٣). وقال ركن الدين الأستراباذيّ في «سُرِّيّة»: «وهي فُعْلِيَّةٌ منسوبة إلى السرّ، وإنما ضمّت سينُها لأنّ الأبنية قد تُغيَّر في النسب خاصّة، كما قالوا في النسبة إلى الدهر: دُهْرِيّ، وإلى الأرض السهلة سُهَلِيّ»(٢٤).
والثالث: أنّ في القرآن نظيرَه على وزنه. قال تعالى في المشكاة:
﴿۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [النور: 35]
فقوله ﴿كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ﴾ على وزن فُعْلِيّ بضمّ الفاء وياءٍ مشدَّدة، وهو منسوبٌ إلى الدُّرّ، أي كوكبٌ يشبه الدُّرَّ في صفائه. وقد نصَّ السمين الحلبيُّ على أنّه من هذا الباب بعينه: «فالذي يظهرُ أنّه منسوبٌ إلى الدُّرِّ. والفتحُ والكسرُ في الدالِ من بابِ تغييراتِ النَّسَبِ»(٢٥).
ومثلُه «ذُرِّيَّة»، قال ابن جنّي: «منسوبة إلى الذَّرّ، إلّا أنّه غُيِّر أوّلُها لِما قد يعرض من التغيير لياءي الإضافة... وإلى الدهر: دُهْرِي، وإلى السهل: سُهْلِي»(٢٦).
والرابع: أنّ الواوَ نفسَها تدعو إلى الضمّ. فالواوُ في «جَوْد» ساكنةٌ بعد فتحة، فهي حرفُ لينٍ لا حرفُ مدّ. فإذا لحقتها ياءُ النسب المشدَّدة ثقُلت الكلمةُ ثقلاً ظاهراً: فتحةٌ ثمّ واوٌ ساكنةٌ ثمّ كسرةٌ ثمّ ياءٌ مشدَّدة. فإذا ضُمَّت الجيمُ صارت الواوُ حرفَ مدٍّ خالصاً، فانساقت الكلمةُ في نَفَسٍ واحد. فضمُّ الجيم ههنا ليس تغييراً اعتباطياً، بل هو الذي مكَّن الواوَ أن تمُدَّ. ونظيرُه في اللسان كثير: كلُّ واوٍ ساكنةٍ بعد فتحةٍ إذا لحقها ما يُثقِل مالت إلى الضمّ.
فـ«جُوديّ» من الجَوْد كـ«دُرِّيّ» من الدُّرّ، وكـ«ذُرِّيَّة» من الذَّرّ، وكـ«دُهريّ» من الدَّهر، وكـ«سُهليّ» من السَّهل. بناءٌ واحدٌ وعلّةٌ واحدة.
وما الذي تُفيده النسبة؟
والنسبةُ في العربية تفيد صاحبَ الشيء وذا الشيء. قال المبرّد: «تأويله: هي ذات كذا»(٢٧). وقال الرضيّ: «قال النحاة إنّهما بمعنى النسبة، لأنّ ذا الشيء منسوبٌ إلى ذلك الشيء»(٢٨). وهم ينسبون إلى المعنى المجرّد لا إلى القبائل والبلدان وحدها، قال الرضيّ: «عُلْوِيّ كأنّه منسوبٌ إلى العُلوّ... وبِصْرِيّ لأنّ البصرة في اللغة حجارةٌ بيض»(٢٩).
فالجُوديُّ ذو الجُود، أي الموضعُ الذي صار له من ذلك العطاء نصيبٌ فامتلأ به.
و«أل» شاهدٌ ثالث
وثَمَّ قرينةٌ لا يُلتفَت إليها: أنّ اللفظ جاء بـ«أل». والأعلامُ المرتجَلةُ لا تدخلها «أل» إلّا بتأويل. قال ابن هشام: «وذلك أنّ العَلَم المنقول ممّا يقبل أل قد يُلمَح أصلُه فتدخل عليه أل، وأكثرُ وقوعه في المنقول عن صفة... وقد يقع في المنقول عن مصدر كفَضْل»(٣٠)، وقال في موضعٍ آخر: «فإنّ أل الداخلة عليها للمح الأصل»(٣١). وقال ابن عقيل: «فدخول الألف واللام أفاد معنًى لا يُستفاد بدونهما، فليستا بزائدتين»(٣٢).
فدخولُ «أل» على «الجوديّ» يقتضي أنّ له أصلاً يُلمَح؛ والمرتجَلُ عندهم «ما لا يُحفَظ له أصلٌ في النكرات»(٣٣)، والجوديُّ محفوظٌ أصلُه في مادّة (جود).
ثلاثُ قرائنَ تُخرِجه من الجمود
الأولى: أنّه أُطلِق على أكثرَ من مسمًّى. فهو جبلٌ عند من قال بالموصل، وهو «وادٍ» بأجَإٍ من جبلَي طيّء(٣٤)، حتى قال بعضهم فيما نقل أبو حيّان: «وقيل الجُودِيُّ: اسمٌ لكلّ جبل»(٣٥). والعَلَمُ المرتجَلُ لا يشيع في مسمَّياتٍ شتّى.
والثانية: أنّه سُمِّي به الناس. ففي كتب اللغة «أبو الجُوديّ» و«ليلى بنت الجُوديّ»(٣٦). وإنّما يُسمّى الناسُ بالنعوت والمعاني، لا بأسماء الجبال.
والثالثة: أنّه قَبِل الجمع. قال مكّيّ بن أبي طالب: «وفي الجودي لغتان: تشديد الياء، وتخفيفها. فمن شدّد جمعه على جواديّ، ومن خفّف جمع على جوادٍ، مثل جوارٍ»(٣٧). والعَلَمُ المرتجَلُ لا يُجمَع.
وأمانةً في النقل
فأمّا من جعله عَلَماً جامداً فقولُه محفوظ. قال أبو حيّان: «الْجُودِيُّ: عَلَمٌ لِجَبَلٍ بِالْمَوْصل»(٣٨)، وقال بعض المتأخّرين: «(الجوديّ)، اسم جامد لجبل بعينه»(٣٩). وجمعُ مكّيٍّ «جواديّ» على وزن «كراسيّ» و«بخاتيّ» ذو حدَّين، فإنّ ذلك جمعُ ما ياؤه لازمة.
غير أنّ من سمّاه عَلَماً لم ينفِ عنه النسبة، وإنّما نعت حالَه بعد الاستعمال. والعَلَمُ قد يكون منقولاً عن منسوب، كما نُقِل «السامريّ» في المصحف، وهو منسوبٌ بلا خلاف.
أيُّهما أصلُ (جود): كثرةُ العطاء أم المطر؟
وههنا مسألةٌ لا يستقيم البحثُ بدونها. فابنُ فارس قال: «الجيم والواو والدال أصلٌ واحد، وهو التسمُّح بالشيء، وكثْرةُ العَطَاء»، ثمّ ذكر المطرَ بعد ذلك فرعاً(١٧). فإن كان الأصلُ العطاءَ، ضعُف أن يُنسَب الجوديُّ إلى ماء.
والجرد يقول غيرَ ذلك. والأصلُ ثالثٌ، والعطاءُ والمطرُ فرعان عنه:
أن يعُمَّ الشيءُ الشيءَ حتى يبلُغ أقصاه، فلا يبقى منه شيءٌ خارجَه.
فالمطرُ أوّلُ مصداقٍ حسّيٍّ لهذا في ميدان الكتلة، وهو وجهُ الأرض. والعطاءُ الصورةُ نفسُها منقولةً إلى خَيْر الرجل: خَيرٌ يعُمُّ الناسَ فلا يترك أحداً. وثلاثةُ أدلّةٍ تُثبِت هذا:
الأوّل: المعاجم نفسُها تعكس ترتيبَ ابن فارس
قال ابن سيده في مادّة (جدو):
«الجَدا: المطرُ العامّ. وغيثٌ جَداً: لا يُعرَفُ أقصاه... والجَدا: العطيّةُ، وهو من ذلك... وخيرُه جَداً على الناس: واسعٌ»(٤٠)
فقدَّم المطرَ، ثمّ قال في العطيّة: «وهو من ذلك». أي أنّ العطاءَ مأخوذٌ من المطر، لا العكس. ثمّ فسَّر خَيرَ الرجل بنعت السماء عينِه: «واسع».
ووافقه الأزهريّ فجمع النعتين في سطرٍ واحد:
«إنّها لسماءٌ جَدًى... أي واسعٌ عامٌّ. ويقال للرجل: إنّ خيرَه لجَدًى على الناس، أي واسعٌ»(٤١)
فالسماءُ والرجلُ يُنعَتان باللفظ نفسِه وبالتفسير نفسِه: واسعٌ عامّ.
الثاني: المعاجمُ تُفسِّر المعنويَّ بالمطر ولا تُفسِّر المطرَ بالعطاء
واقرأ كيف يشرحون المعاني المجرَّدة من هذه المادّة، تجدهم يردّونها كلَّها إلى المطر:
«مَجُودٌ، كأنّ النومَ جادَه أي مَطَرَه»، و«كأنّ الهلاكَ جادَه»، و«كأنّ هواه جادَه الشوقُ، أي مَطَرَه»(٤٢)
وقال ابن سيده: «حَتْفٌ مَجيدٌ... أُخِذَ من جَوْدِ المطر»(٤٣).
فالمطرُ هو الذي يُشرَح به غيرُه، وهذه علامةُ الأصل. ولم أقف على موضعٍ واحدٍ شُرِح فيه المطرُ بالعطاء.
الثالث: الفعلُ يقع على المغمور، ويشمَل ما لا يقبله العطاء
وأقواها. فصيغةُ الفعل الأولى تقع على المغمور لا على المُعطي، وبالبناء نفسِه في الأرض وفي الإنسان:
«وقد جِيدَتِ الأرضُ»، و«وقد جِيدَ فلانٌ من العطشِ، يُجادُ جُواداً وجُودةً»(٤٤)
فـ«جِيدَت الأرضُ» سُقِيت حتى عُمَّت، و«جِيدَ فلانٌ من العطش» غلَبه العطشُ حتى عمَّه. وهيئةٌ واحدةٌ للفعل تصلح للماء وللعطش معاً. والعطشُ نقيضُ العطاء، فلا يمكن أن يكون مأخوذاً منه.
ويؤكّده أنّ من هذه المادّة: «الجُوادُ: العطش»(٤٥)، و«الجُودُ: الجوعُ»(٤٦). فالجوعُ والعطشُ من مادّة الكرم؟ هذا لا يستقيم. أمّا على النواة فيستقيم: الجوعُ والعطشُ يعُمّان صاحبَهما حتى يبلُغا أقصاه.
والفيصلُ الرابع يقطع الأمر
وأصرحُ من ذلك كلِّه أن تنظر في العائلة الضيّقة: ليس فيها جذرٌ واحدٌ صورتُه العطاء. وفيها عشرةٌ صورتُها وجهٌ ممدود، أو خطٌّ عليه، أو حافّةٌ تحُدُّه. والطبقةُ الأولى هي التي تُفسِّر أخواتِ الجذر؛ والثانيةُ لا تُفسِّر إلّا نفسَها.
فلو كان الأصلُ العطاءَ، فما وجهُ الجَدَد وهو وجهُ الأرض المستوي؟ وما وجهُ الجُدَّة وهي الحافّة؟ وما وجهُ الجَدْب وهو انقطاع الخير؟ وما وجهُ الجادِسة وهي التي لم تُزرَع قطُّ؟ لا يُفسِّر العطاءُ واحداً منها. وأمّا النواةُ فتُفسِّرها كلَّها.
وأثرُ هذا في «الجوديّ»
فإذا ثبت أنّ نواة (جد) وجهٌ يعُمُّ حتى أقصاه، وأنّ الواوَ تبسُطه، فـ«الجَوْد» هو الماءُ الذي عمَّ الوجهَ حتى بلغ أقصاه. وحدُّ الأصمعيِّ يقوله بعبارةٍ محسوسة: «الجَوْدُ: أن تَمطُرَ الأرضُ حتى يلتقيَ الثَّرَيانِ»(٤٧)، أي حتى يتّصل البللُ النازل بالنَّدى الصاعد فلا يبقى بينهما فاصل.
والجوديُّ: المنسوبُ إلى ذلك، أي الماءُ الذي عمَّ وجهَ الأرض حتى بلغ أقصاه، ثمّ وقف عند حافّةٍ حجزته.
المقلوبُ (دج) يُعطي الضدّ
وإذا قُلِبت الكتلة صارت (دج)، وحدُّها في الجرد: غِشاءٌ يعُمُّ الشيءَ فيستره ويُظلمه، ومعه حركةٌ متقاربةُ الخطو تدبُّ تحته. قال ابن دريد: «وكل شَيْء غطّى شَيْئا فقد دجا عَلَيْهِ»(٤٨).
والمقلوبُ عكسُ الأصل نصّاً: الجَرَدُ فضاءٌ لا ساترَ فيه، والدُّجى غطاءٌ لا كاشفَ معه. والجَديدُ وجهُ الأرض بارزاً، والدَّجْنُ إلباسُ الغيم أقطارَ السماء. فالأولى تكشف وتبسُط، والثانية تستُر وتُغشّي.
فالكتلةُ إذن تقول في الجوديّ: وجهٌ ممدودٌ مستوٍ. ولا تقول: قِمّةٌ شامخة.
«جُودِي» فعلُ أمرٍ للمؤنَّثة
والفعلُ الأجوفُ الواويّ «جادَ يجود» أمرُه للمذكَّر «جُدْ»، وللمؤنَّثة «جُودِي»، وللاثنين «جُودَا»، وللجماعة «جُودُوا». هذا تصريفٌ لا خلافَ فيه.
وقد نطقت به العربُ في شعرها، أنشد الفرّاءُ نفسُه:
يا عينُ جُودي بدمعٍ منكِ مجهودا(٤٩)
والسماءُ مؤنّثةٌ في العربية. فيصحّ أن يقال لها: يا سماءُ جُودي، أي أمطري مطراً جَوْداً وأفيضي ماءكِ. وهذه هي الصيغةُ التي خاطب اللهُ بها السماءَ في الآية نفسِها حين قال: ﴿وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي﴾، بفعل أمرٍ للمؤنّثة على الوزن عينِه. فالسياقُ الذي وقع فيه لفظُ «الجوديّ» سياقُ نداءٍ للسماء بفعل أمرٍ مؤنَّث، ولا يبعُد أن يكون الاسمُ الواقعُ بعده من الباب نفسِه.
وجهٌ ثانٍ ذكره الفرّاء: النقلُ من فعل الأنثى
وثَمَّ وجهٌ ثانٍ لا يُنازِع الأوّل بل يجري معه، سبقني إليه الفرّاءُ في معاني القرآن، قال:
«وقوله: (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) [44] وهو جبل بحضَنَين من أرض الموْصِل ياؤه مشدّدة، وقد حدِّثتُ أن بعض القراء قرأ (عَلَى الْجُودِي) بإرسال الياء. فإن تكن صحيحة فهي مما كَثُر بِهِ الكلام عند أهله فخُفِّف، أو يكون قد سمي بفعل أنثى مثل حُطيِّ وأصِرّي وصَرِّي، ثُمَّ أُدخلت عَلَيْهِ الألف واللام»(٥٠)
فالفرّاءُ يجعل الاسمَ منقولاً: أصلُه فعلُ أمرٍ للأنثى، ثمّ نُقِل عَلَماً، ثمّ دخلت عليه الألف واللام. ونقل الجوهريُّ هذا الوجهَ في الصحاح، ونقله ابن منظور في اللسان(١٨). والوجهان يلتقيان عند شيءٍ واحد: أنّ اللفظ مشتقٌّ من مادّة (جود) لا عَلَمٌ مرتجَلٌ لجبل. فسواءٌ نُسِب إلى الجَوْد بياء النسب، أو نُقِل من فعل الأمر «جُودي»، فمرجعُه إلى الماء الذي جادت به السماء.
والطريفُ أنّ الفرّاءَ في الموضع نفسِه عيَّن الموضعَ بـ«حضَنَين من أرض الموصل»، فعلَّق محقِّقُ الكتاب: «كذا فى الأصول. ولم أقف عليه فى البلدان»(٥١). فأقدمُ تعيينٍ للجوديّ في كتب اللغة موضعٌ لا يُعرَف أين هو.
ما قاله أهلُ اللغة في الاسم
وأقدمُ معجمٍ في العربية كتابُ العين للخليل. وفيه مادّةُ (جود) كاملةً(٥٢)، وليس فيها ذكرٌ للجوديِّ ألبتّة. وكذلك مقاييسُ اللغة لابن فارس: ذكر الجَوْدَ مطراً في مادّة (جود)، ولم يذكر الجوديَّ(٥٣).
وأوّلُ من ذكره من أصحاب المعاجم ابن دريد، وذكره متوقّفاً:
«والجودي: مَوضِع. وَقَالُوا: جبل مَعْرُوف وَالله أعلم»(٥٤)
فقدَّم القدرَ المتيقَّن، وهو أنّه موضع، ثمّ نسب قولَ الجبل إلى غيره بصيغة «قالوا»، وختم بـ«والله أعلم». ومن قال «قالوا» ثمّ قال «والله أعلم» فهو لا يحكم.
وتبِعه على تقديم «الموضع» من جاء بعده. قال ابن سيده: «الجُودِيّ: مَوضِع. وَقيل جَبَل...»(٥٥)، وقال ابن منظور: «الجُوديُّ: مَوْضِعٌ، وَقِيلَ جَبَلٌ...»(٥٦). فالمقدَّمُ في كتب اللغة أنّه موضع، والجبلُ قولٌ ثانٍ مصدَّرٌ بـ«قيل».
اختلافُهم في تعيينه يُبطِل الجزم
ثمّ إنّ الذين جزموا بأنّه جبل لم يتّفقوا على جبلٍ واحد. جمع الزَّبيديُّ أقوالَهم فقال:
«والجُودِيُّ... مَوضِع، وقال الزَّجّاج: هو جَبَلٌ بآمِدَ، وقيل جَبَلٌ بالجَزِيرةِ قُرْبَ الموْصِلِ، وقِيل بالشأْم، وَقيل بالهِنْد»(٥٧)
آمِد، والجزيرة، والموصل، والشام، والهند. وزاد ياقوتُ جوديّاً آخر: «والجوديّ أيضا: جبل بأجإٍ أحد جبلي طيّء»(٥٨). ومن كان بين آمِدَ والهند فليس بمعلومٍ بعينه.
وأصرحُهم في بيان مصدر التعيين البكريُّ، قال:
«الجودىّ المذكور فى التنزيل: جبل بالموصل، أو بالجزيرة. كذا ورد فى التفسير. وقيل هو بباقردى من أرض الجزيرة»(٣٤)
فردَّ مصدرَ التعيين إلى كتب التفسير لا إلى معرفة العرب بمسالكهم وبلدانهم. والطبريُّ نفسُه، وهو إمامُ القائلين بالجبل، لم يجزم، قال: «{وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} يعني الفُلْكَ اسْتَوت، أرْسَت على الجودِيِّ، وهو جبلٌ، فيما ذُكِرَ، بناحيةِ المَوصِلِ أو الجزيرةِ»(٥٩). فقال «فيما ذُكِر»، وهي صيغةُ من ينقُل ولا يقطع.
وأكثرُ ما في مادّة الجوديّ عند ياقوتٍ قصّةُ الطوفان مساقةً عن أهل الكتاب. وسيأتي بيانُ ذلك.
اللفظُ نفسُه وقع على وادٍ
وأصرحُ ما فيه أنّه وقع في كلامهم على وادٍ، وهو ضدُّ الجبل. ففي لسان العرب: «والجودِيُّ وادٍ، وأَعلاه بأَجَأَ فِي شواهِقها، وأَسفلُه أَباطحُ سهلةٌ»(٦٠). والأباطحُ السهلةُ مجاري الماء. وجاء في شعرهم: «فَما نُطْفةٌ مِنْ حَبِّ مُزْنٍ تَقاذَفَتْ بِهِ حَسَنُ الجُودِيّ، والليلُ دامِسُ»(٦١)، قال ياقوت في شرح هذا البيت: «فإن حسن ههنا جمع حسنة، وهي مجاري الماء»(٦٢). فالجوديُّ في هذا البيت موضعٌ تتقاذف فيه نطفةُ ماء المزن، وحَسَنُه مجاري مائه.
شاهدٌ من الشعر: السفينةُ عامت إلى الجوديّ
ومن أصرح ما وقفتُ عليه في هذا الباب بيتان للقُطاميِّ ينعَت بهما سفينةَ نوحٍ نفسَها، أنشدهما له ابنُ السكّيت:
وعامَتْ وهْيَ قاصِدَةٌ بإذْنٍ ... ولَوْلا اللهُ جارَ بهَا الجَوارُ
إلى الجُوديِّ حَتَّى صارَ حِجْراً ... وحانَ لِتالِكَ الغُمَرِ انْحِسارُ(٦٣)
فتأمّلْ: عامَتْ، والعَوْمُ سباحةٌ في الماء. ثمّ إلى الجوديّ، أي أنّ عومَها كان إليه، لا صعوداً عليه. ثمّ حتى صار حِجْراً، والحِجْرُ الممنوعُ المحجور. ثمّ وحان لتالك الغُمَر انحسارُ، والغُمَرُ الماءُ الكثير، فانحسارُه نقصانُه لا جفافُه. والجَوارُ في البيت الأوّل فُسِّر بـ«الماءُ الكثيرُ»(٦٤).
فالبيتُ يجعل الجوديَّ غايةَ عَوْمٍ في ماء، ثمّ يجعل انحسارَ الماء بعده لا قبله.
الجوديُّ في القرآن
والآن نعود إلى الأسئلة التي بدأنا بها. والقرآنُ هو الفاصل، فإليه نحاكم كلَّ ما تقدَّم.
الجبلُ ذُكِر مرّتين في المشهد ثمّ غاب
لفظُ «الجبل» ومشتقّاتُه في المصحف تسعٌ وثلاثون مرّة. منها في قصّة نوحٍ موضعان اثنان، وكلاهما في هذا المشهد بعينه، وكلاهما جاء ليَنفي عن الجبل شيئاً لا ليُثبِته.
الأوّل أنّ الجبالَ ههنا ليست ملجأً، بل هي صورةُ ما يُهلِك:
﴿وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [هود: 42]
فالموجُ كالجبال. والتشبيهُ ههنا للهول والعلوّ المُطبِق، لا للثبات.
والثاني أنّ الجبلَ لا يعصم:
﴿قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ﴾ [هود: 43]
والرجلُ قال ﴿سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ﴾، فردَّ عليه أبوه بأن لا عاصمَ اليومَ من أمر الله. ثمّ حال الموجُ بينهما فغرِق. فالنصُّ أبطلَ عصمةَ الجبل من الماء إبطالاً صريحاً، وأغرقَ صاحبَ الدعوى.
ثمّ جاءت الآيةُ التالية مباشرةً، فلو كان المرادُ جبلاً لكان اللفظُ حاضراً في اللسان وفي المشهد وفي الآية السابقة. ومع ذلك لم يقل: «واستوت على جبل»، ولا «على الجبل». قال:
﴿وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [هود: 44]
وحجّةُ «لم يقل كذا بل قال كذا» عمودُ هذا الباب كلِّه. فالعدولُ عن لفظٍ حاضرٍ في السياق إلى لفظٍ غيره مقصود. ولو أراد الجبلَ لقاله، ولو أراده لكان في ذكره ردٌّ لطيفٌ على الابن: أنّ الجبلَ لم يعصمك وقد عصم السفينة. لكنّ القرآنَ لم يفعل هذا، وهو الذي يُحسِن أمثالَه.
القرآنُ يعرف جذورَ الوقوف كلَّها، فلمَ اختار «سوي» وحدَه؟
وهذه أقوى حجّةٍ في الباب، وهي حجّةُ العدول لا حجّةُ التأويل.
فاللسانُ الذي نزل به القرآن فيه للوقوف والثبات والجلوس جذورٌ كثيرة، والقرآنُ يستعملها كلَّها:
| الجذر | مرّاتُه في المصحف | مثالُه |
|---|---|---|
| سكن | 43 | ﴿وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِي ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ﴾ |
| طغى | 38 | ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلۡمَآءُ﴾ |
| قعد | 27 | ﴿وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ﴾ |
| قرّ · استقرّ | 24 | ﴿فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ﴾ |
| ثبت | 15 | ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ﴾ |
| رسا | 13 | ﴿وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا﴾ |
| غار | 2 | ﴿مَآؤُكُمۡ غَوۡرٗا﴾ |
| وقف | 4 | ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ﴾ |
| جلس | 1 | ﴿تَفَسَّحُواْ فِي ٱلۡمَجَٰلِسِ﴾ |
| غاص | 1 | ﴿وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ﴾ |
فهذه عشرةُ جذورٍ في يده، كلُّها في الوقوف والثبات والجلوس والغَوْص والاستقرار. ثمّ لم يستعمل واحداً منها في موضع الجوديّ.
بل إنّ أقربَها إلى المشهد استُعمل في القصّة نفسِها قبل ثلاث آيات:
﴿۞ وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [هود: 41]
فقال ﴿وَمُرۡسَىٰهَآۚ﴾ على لسان نوحٍ وهو يُركِب أهلَه. فاللفظُ في فمه قبل ثلاث آيات، ثمّ عُدِل عنه.
وأصرحُ من هذا أنّ القرآنَ أسند الاستقرارَ إلى جبلٍ صريحاً في موضعٍ آخر:
﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143]
فقال في الجبل: استقرّ. فلمّا جاء موضعُ الجوديّ لم يقل: استقرّت، ولا رست، ولا سكنت، ولا ثبتت، ولا وقفت، ولا قعدت. قال: استوت.
والاستواءُ في هذا اللسان ليس من هذا الباب أصلاً. ليس وقوفاً ولا جلوساً ولا استيلاء؛ إنّما هو ضبطُ حركةٍ مضطربة حتى تمضي في خطٍّ واحد، لا يمينَ فيه ولا يسار، ولا علوٌّ ناشزٌ ولا هبوط. فهو يقتضي حركةً باقيةً تُضبَط، لا حركةً تقف.
فمن جعل الجوديَّ جبلاً فقد جعل الفعلَ في غير بابه، وترك تسعةَ ألفاظٍ كانت أولى بمراده.
القرآنُ يعرف الإرساءَ فلم يستعمله
وهذه ثانيةٌ أشدُّ من الأولى. فالإرساءُ في القرآن هو الفعلُ الموضوعُ لثبات الجبال:
﴿وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا﴾ [النازعات: 32]
﴿وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَأَنۡهَٰرٗا وَسُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [النحل: 15]
ولفظُ «الرواسي» في المصحف تسعةُ مواضع، كلُّها في الجبال أو فيما ألقاه اللهُ في الأرض لتثبُت. فالجبالُ في هذا اللسان القرآنيّ تُرسى، والسفنُ تُرسى إليها.
بل إنّ الإرساءَ ذُكِر لهذه السفينة بعينها، قبل موضع الاستواء بثلاث آيات:
﴿۞ وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [هود: 41]
فلفظُ ﴿وَمُرۡسَىٰهَآۚ﴾ حاضرٌ في القصّة، منطوقٌ به على لسان نوحٍ وهو يُركِب أهلَه. فلمّا بلغ الخبرُ موضعَ الوقوف عدَل عنه إلى «استوت». ولو رست لقال: رست، وقد قالها قبل ثلاث آيات.
﴿وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ﴾ نقصٌ لا جفاف
ولفظُ «غاض» في المصحف موضعان لا ثالثَ لهما. الأوّلُ في هود، والثاني حاسمٌ في تحديد معناه:
﴿ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ﴾ [الرعد: 8]
فقابَل ﴿وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ﴾ بـ﴿وَمَا تَزۡدَادُۚ﴾. والمقابلةُ بالزيادة تُعيّن أنّ الغَيْضَ نقصان. والرَّحِمُ لا تجفّ ولا يذهب ماؤها كلُّه، وإنّما تنقُص وتزيد.
وفي كتب اللغة: «والمَغْيضُ: الموضعُ الذي يَغْيضُ فيه الماء»(٦٥). والموضعُ الذي يغيض فيه الماءُ موضعٌ فيه ماء، لا موضعٌ جفّ.
واللسانُ يملك لفظَ الذهاب التامّ فلم يستعمله ههنا. فالماءُ إذا غاب كلُّه في الأرض قيل: غار. قال:
﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَآؤُكُمۡ غَوۡرٗا فَمَن يَأۡتِيكُم بِمَآءٖ مَّعِينِۭ﴾ [الملك: 30]
فقال ﴿مَآؤُكُمۡ غَوۡرٗا﴾, أي غائراً ذاهباً لا يُدرَك. فلو أراد في هودٍ ذهابَ الماء كلِّه لقال: وغار الماء.
والفرقُ بين اللفظين في حرفٍ واحد. فالضادُ في «غيض» ضغطٌ جانبيّ، والراءُ في «غار» زخمٌ اندفاعيّ يمضي بالفعل إلى غايته. فالغَيْضُ غَوْصُ بعض الماء بضغطٍ من جوانبه، والغَوْرُ ذهابُه كلِّه انحداراً. ولم يُغَض الماءُ لترسوَ السفينة، بل ليسكن الموج. فالمقصودُ ذهابُ التلاطم لا ذهابُ الماء؛ إذ لا يُنقَص الماءُ ليبلغ الفلكُ القاعَ، وإنّما يُنقَص ليهدأ سطحُه فتستويَ عليه السفينة.
فالماءُ إذن نقَص ولم يذهب. وهذا هو الذي يفتح الآيةَ كلَّها. فقبل الغَيض كان الماءُ طاغياً:
﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلۡمَآءُ حَمَلۡنَٰكُمۡ فِي ٱلۡجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: 11]
فالمذكورُ طغيانُ الماء لا مجرَّدُ كثرته. والطغيانُ ارتفاعٌ فوق الحدّ: يعلو الشيءُ حتى يجاوز ما يُمسِكه. ومنه ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلۡمَآءُ﴾، أي علا وارتفع حتى غمر. فغَيضُه نزولُه ورجوعُه إلى حدّه، لا فناؤه من وجه الأرض.
أفعالُ الماء في الآية أربعة، وليس فيها الجفاف
واجمع أفعالَ الماء في هذا المشهد كلِّها تجدها أربعة، ليس فيها فعلٌ واحدٌ يدلُّ على ذهابه بالكلّيّة:
طغى: ﴿لَمَّا طَغَا ٱلۡمَآءُ﴾. والطغيانُ مجاوزةُ الحدّ، وضدُّه الرجوعُ إليه لا الفناء.
بلعت الأرضُ ماءها: ﴿يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ﴾. وهو خاصٌّ بما هو لها.
أقلعت السماء: ﴿وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي﴾. والإقلاعُ كفٌّ عن الفعل، والكافُّ عن الصبّ لا يسترجع ما صبّ.
غِيض: ﴿وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ﴾. وهو النقصان، بشهادة ﴿وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ﴾ في الرعد.
فأربعةُ أفعالٍ متتابعةٍ في آيةٍ واحدة، كلُّها في تنقيص الماء وكفِّه، ولا واحدَ منها في إفنائه. ولو أراد الجفافَ التامَّ لكان في اللسان ألفاظُه: نَشِف، ويَبِس، وذهب، وجفّ. والقرآنُ يستعمل «يَبَس» في مثل هذا الموضع بعينه، قال لموسى في البحر:
﴿وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ﴾ [طه: 77]
فقال ﴿طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا﴾، وقال ﴿فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا﴾. فههنا طريقٌ يبَس في البحر ليعبُر عليه بنو إسرائيل. فلمّا أراد اليُبْسَ قاله، ولمّا أراد الطريقَ في البحر قاله. وليس في هود شيءٌ من ذلك، إنّما فيه «غِيض».
فالماءُ في هود نقَص ولم ييبَس. وفي طه يبِس وصار طريقاً. فرقٌ بيّنٌ بين المشهدين، وقد استعمل لكلٍّ منهما لفظَه.
ومثلُه في مشهد فَلْق البحر:
﴿فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63]
فقال ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ﴾. والطَّوْدُ الجبل. فلمّا أراد أن يجعل الماءَ في هيئة الجبل قاله صريحاً. فالقرآنُ يُحسِن ذكرَ الجبل، ويُحسِن تشبيهَ الماء به، ويُحسِن ذكرَ اليُبْس. وفي هودٍ لم يذكر واحدةً من الثلاث، وإنّما ذكر الغَيْضَ ثمّ الاستواءَ على الجوديّ.
﴿يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ﴾: ماءَكِ أنتِ
وفي صدر الآية لفظةٌ تُغيّر المشهد كلَّه، وهي كلمةٌ واحدة. قال:
﴿وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [هود: 44]
فالأمرُ للأرض أن تبلع ﴿مَآءَكِ﴾، أي ماءها هي. ولم يقل: ابلعي الماء، ولا: ابلعي ما نزل عليكِ. وأضاف الماءَ إليها إضافةَ مِلك. وماءُ الأرض ما نبع منها، والقرآنُ نفسُه فصَّل مصدرَي ماء الطوفان في سورة القمر:
﴿فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ﴾ [القمر: 11]
﴿وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ﴾ [القمر: 12]
فماءان: ماءٌ من السماء منهمر، وعيونٌ فُجِّرت من الأرض. فلمّا جاء الأمرُ بالابتلاع خُصَّ ماءُ الأرض وحدَه. وقُوبِل ذلك في الشطر الثاني بأمرٍ للسماء أن تُقلِع، والإقلاعُ كفٌّ عن الزيادة لا استرجاعٌ لما نزل. فالسماءُ أُمِرت أن تكفَّ عن الصبّ، والأرضُ أُمِرت أن تبتلع ما هو لها.
وللأرض ماءٌ يخصُّها في القرآن، صرَّح به في موضعٍ آخر. قال في خلق الأرض:
﴿وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ﴾ [النازعات: 30]
﴿أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا﴾ [النازعات: 31]
فقال: ﴿أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا﴾. فماءُ الأرض ما أخرجه اللهُ منها، وهو الذي أُمِرت أن تبلعه. وقد فُجِّرت به عيونُها يومَ الطوفان كما مرَّ في القمر. أمّا ماءُ السماء فليس لها، ولم تُؤمَر ببلعه.
فإذا جُمِع الأمران: بلعُ الأرض ماءَها، وإقلاعُ السماء عن الزيادة، بقي على وجه الأرض ما نزل من السماء ولم تبتلعه. وهو الجوديُّ.
والأرضُ لم تعُد تقوى على بلع ماء السماء، فقد أُشبِعت حتى التقى ثَرَياها، فاكتفت ببلع ما هو لها. وأمّا ماءُ السماء فبقي على وجهها مسطَّحاً واسعاً حِيناً من الدهر، ثمّ تبخَّر أو انساب، ولم يجعل القرآنُ مصيرَه من القصّة.
فأين ذهب ماءُ السماء؟ لم يقل النصُّ إنّه ابتُلِع، ولا إنّه رُفِع، ولا إنّه جفّ. قال بعد ذلك مباشرةً: ﴿وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ﴾، أي نقَص. ثمّ قال: ﴿وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ﴾. فالذي بقي هو ما جادت به السماء، وهو الجوديّ.
﴿وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ﴾ ثمّ ﴿بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾
وختامُ الآية يشدّ أوّلَها. فبعد الأفعال الأربعة قال:
﴿وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [هود: 44]
فقال: ﴿وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ﴾, أي فُرِغ منه وأُحكِم. ثمّ ختم بـ﴿وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾.
والبُعدُ ههنا هَلاكٌ وإقصاء، لا مسافةٌ في الأرض. وهو خبرٌ عن المُغرَقين لا عن الناجين. فالآيةُ إذن تُخبِر عن ثلاثة في نَسَقٍ واحد: أمرٌ نُفِّذ، وسفينةٌ انضبطت حركتُها، وقومٌ أُقصُوا. وليس فيها خبرٌ عن نزولٍ ولا خروجٍ ولا بلوغِ برّ؛ فذلك كلُّه يجيء بعد أربع آيات.
ومَن قرأ الآيةَ على أنّ السفينة رست وانتهى السفر، فقد جعل خبرَ الآية اثنين: انتهاءَ الطوفان وانتهاءَ الرحلة معاً. والنصُّ إنّما أخبر بالأوّل، وأخَّر الثاني إلى موضعه.
﴿فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ﴾: وهي صورةُ الجَوْد بعينها
وههنا موضعٌ يقف عنده الناظر. فقد نعتَ الأصمعيُّ الجَوْدَ بأنّه «أن تَمطُرَ الأرضُ حتى يلتقيَ الثَّرَيانِ»، أي حتى يتّصل الماءُ النازل من فوق بالنَّدى الصاعد من الباطن فيلتقيا.
فاقرأ الآن كيف نعتَ القرآنُ ماءَ الطوفان:
﴿فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ﴾ [القمر: 11]
﴿وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ﴾ [القمر: 12]
فماءان: ماءٌ منهمرٌ من أبواب السماء، وعيونٌ فُجِّرت من الأرض. ثمّ قال: ﴿فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ﴾.
فقولُه ﴿فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ﴾ هو حدُّ الجَوْد نفسُه، بلفظٍ آخر. ماءٌ من فوق وماءٌ من تحت، يلتقيان فلا يبقى بينهما فاصل. وهذا هو «التقاءُ الثَّرَيَين» الذي جعله أهلُ اللغة حدّاً للجَوْد، لا فرقَ بينهما إلّا أنّ الأصمعيَّ يصف مطراً معتاداً، والآيةَ تصف الحدَّ الأقصى منه.
فالطوفانُ في القرآن جَوْدٌ بلغ منتهاه. ولذلك سُمِّي ما خلَّفه بالنسبة إليه.
ويشهد له أنّ الفعلَ في الآية جاء بصيغةٍ تُفيد الشمولَ لا الكثرةَ وحدَها: ﴿بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ﴾. والانهمارُ انصبابٌ متّصلٌ لا ينقطع، لا قطراتٌ متفرّقة. ثمّ قوبِل بـ﴿وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا﴾, والتفجيرُ فتحُ الأرض من كلِّ موضع. فالماءُ ينزل من كلِّ السماء ويخرج من كلِّ الأرض. وهذا هو العمومُ إلى المنتهى الذي هو نواةُ الكتلة، مبسوطاً في آيتين.
ولاحظ لفظاً ثالثاً في الآية: ﴿عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ﴾. فالماءُ مُقدَّرٌ بقدَر، لا فائضٌ بلا حدّ. والقَدَرُ حَدّ، والحدُّ حافّة. فمن أوّل القصّة والماءُ محدودٌ مقدَّر.
الجريُ قبل الاستواء
وانظر إلى الفعل الذي سبق الاستواء:
﴿وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [هود: 42]
والجريُ حركةٌ لا إراديّة تدفعها قوّةٌ أعظمُ من الجاري. فالسفينةُ كانت مدفوعةً بالموج، مقهورةً له، ترتفع وتنخفض. ولم يقل: وهي تسير، ولا: وهي تمخُر. قال: تجري، ثمّ قيَّده بـ﴿فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ﴾.
فالمقابلةُ في المشهد بين حالين لحركةٍ واحدة: جريٌ في موجٍ كالجبال، ثمّ استواءٌ على الجوديّ. والانتقالُ من الاضطراب إلى الانضباط، لا من الماء إلى اليابسة. ولو أراد الثانيةَ لكانت المقابلةُ بين الجري والرسوّ، أو بين الماء والأرض. وليست كذلك.
السفنُ تُشبَّه بالجبال ولا تعلوها
ومن عادة القرآن في السفن أن يجعل الجبالَ مشبَّهاً به لا موضعاً لها:
﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلۡجَوَارِ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ﴾ [الشورى: 32]
﴿وَلَهُ ٱلۡجَوَارِ ٱلۡمُنشَـَٔاتُ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ﴾ [الرحمن: 24]
والأعلامُ الجبال. فالسفينةُ في القرآن تُشبَّه بالجبل لعظمها، والموجُ يُشبَّه بالجبال لهوله. أمّا أن تعلوَ سفينةٌ جبلاً فليس في المصحف منه حرفٌ واحد.
وقد ذكر القرآنُ ما حُمِلت عليه هذه السفينةُ بعينها فقال:
﴿وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُرٖ﴾ [القمر: 13]
فحرفُ «على» ههنا في ألواح السفينة ودُسُرها، وهي مسامرُها. ثمّ قال بعدها:
﴿تَجۡرِي بِأَعۡيُنِنَا جَزَآءٗ لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: 14]
فقال ﴿تَجۡرِي بِأَعۡيُنِنَا﴾، وقال ﴿لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾. فالسفينةُ تجري بأعين الله، والجريُ في الماء. ثمّ ختم القصّةَ بقوله:
﴿وَلَقَد تَّرَكۡنَٰهَآ ءَايَةٗ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾ [القمر: 15]
فالآيةُ المتروكةُ هي السفينة، لا الجبل الذي زُعِم أنّها استقرّت عليه. ولو كان جبلاً قائماً باقياً إلى اليوم لكان هو أولى أن يُترَك آيةً، إذ هو الشاهدُ الذي لا يبلى.
﴿فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ﴾
ونظيرٌ ثالثٌ يحسم الأمر في حرف «على» مع فعل الاستواء:
﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا﴾ [الفتح: 29]
فالزرعُ خرج شَطؤه، ثمّ آزره، ثمّ استغلظ، ثمّ ﴿فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ﴾. والزرعُ لم يقعد على ساقه، ولم يعلُها، ولم ينتقل إليها من موضعٍ آخر. إنّما كان يتمايل وهو غضٌّ، فلمّا غلُظ عودُه انضبط ميلُه فمضى في خطٍّ قائم. فهذا استواءٌ بحرف «على» على شيءٍ ليس أرضاً ولا جبلاً، وإنّما هو ما يحمل الحركةَ ويضبطها.
فقُلْ مثله في السفينة: استوت على الجوديّ، أي انضبطت حركتُها على الماء الذي حملها. فالمستوى عليه في الآيات كلِّها هو ما تجري عليه الحركةُ منضبطةً، لا ما تقف عنده.
﴿وَٱسۡتَوَتۡ﴾ ضبطُ حركةٍ لا وقوفُها
والاستواءُ في هذا اللسان ضبطُ حركةٍ مضطربة حتى تمضي في خطٍّ واحد، لا يمينَ فيه ولا يسار، ولا علوٌّ ناشزٌ ولا هبوط. وليس فيه وقوفٌ ولا قعود.
والسفينةُ كانت ﴿وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ﴾، يرفعها الموجُ ويخفضها. فلمّا ابتلعت الأرضُ ماءها وأقلعت السماء وغِيض الماء، سكن اضطرابُها ومضت في خطٍّ واحد. فالاستواءُ ههنا ذهابُ التقلُّب لا وقوفُ الحركة.
والدليلُ على أنّ الاستواءَ غيرُ الاستقرار أنّ القرآنَ يعرف الاستقرارَ ويُسنِده إلى جبلٍ صريحاً:
﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143]
فقال في الجبل: استقرّ. ولو كانت السفينةُ وقفت على جبلٍ لكان «استقرّت» أشهرَ وأصرحَ وأقربَ إلى الأفهام. فعُدِل عنه إلى «استوت» لأنّ الاستقرارَ وقوفُ الحركة، والاستواءَ ضبطُها مع بقائها.
الاستواءُ يقع على الفلك ولا يقع على قمّة
وأقوى ما يُبيّن هذا أنّ الفعلَ نفسَه جاء في القصّة نفسِها، في سورةٍ أخرى، لا للسفينة بل لراكبيها:
﴿فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [المؤمنون: 28]
فههنا ﴿فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ﴾... ﴿عَلَى ٱلۡفُلۡكِ﴾. أفيقال إنّ نوحاً صعِد قمّةَ الفلك؟ وإنّما هو انضباطٌ يتلو الحركة. فالراكبُ يركب أوّلاً، ثمّ تنضبط حركتُه وحركةُ مركوبه فيستوي. ولا يتمُّ ضبطُ الراكب إلّا بضبط المركوب. ومثله في الأنعام والدوابّ:
﴿لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ وَتَقُولُواْ سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ﴾ [الزخرف: 13]
فالمستوي على ظهر الدابّة قد ضُبِطت له حركتُها فلم تجمح، لا قاعدٌ على قمّة. فالاستواءُ ضبطُ الحركة ومنعُ اضطرابها، ولا يقع إلّا على ما له حركةٌ أو فعّاليّةٌ ودَور.
والعمومُ في الآية مقيَّدٌ بحافّة
والنواةُ تقول إنّ (جد) وجهٌ يعُمُّ حتى أقصاه، ثمّ يقف عند حدّ. واقرأ الآيةَ على هذا تجدها مبنيّةً عليه:
﴿وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [هود: 44]
فالأفعالُ الأربعةُ كلُّها في إيقاف العموم عند حدّ: الأرضُ تبلع فينقُص، والسماءُ تُقلِع فينقطع المدد، والماءُ يَغيض فيرجع إلى حدّه، والأمرُ يُقضى فيُختَم. ثمّ يجيء الاسمُ الذي يجمع العمومَ والحدَّ معاً: الجوديّ.
وقابِلْه بما قبله بآيتين، حين كان الماءُ بلا حدّ:
﴿وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [هود: 42]
فـ﴿فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ﴾ عمومٌ لا حافّةَ له، والموجُ يعلو ويهبط بلا ضابط. ثمّ صار الماءُ إلى وجهٍ واحدٍ ينتهي إلى حافّة، فاستوت عليه السفينة.
فالمشهدُ كلُّه انتقالٌ من ماءٍ يعُمُّ بلا حدّ، إلى ماءٍ يعُمُّ إلى حدّ. وهذا هو الجوديّ.
ونظيرُه في المصحف حين حدَّ اللهُ البحرَ بحدٍّ لا يجاوزه:
﴿مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: 19]
﴿بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ﴾ [الرحمن: 20]
فقال: ﴿بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ﴾. والبرزخُ حاجزٌ يمنع كلَّ واحدٍ أن يعُمَّ حَيِّزَ صاحبه. وقال في موضعٍ آخر: ﴿وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ﴾. فمن جعل للبحرين حاجزاً، جعل لماء الطوفان حافّةً يقف عندها بعد أن غِيض. وتلك الحافّةُ هي الجُدَّة، والماءُ الواقفُ عندها هو الجوديّ.
القرآنُ يُميّز مقاديرَ الماء بألفاظها
وممّا يُقرِّر أنّ القرآنَ يَعنِي مقاديرَ الماء ويُميّزها بألفاظها: أنّه سمّى القليلَ منه باسم، والغزيرَ باسم، والمقطوعَ باسم. قال في المطر النافع:
﴿وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ﴾ [ق: 9]
وقال في الماء الذي انقطع مدَدُه:
﴿وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ﴾ [المؤمنون: 18]
فقال: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ﴾. فالماءُ يُنزَل بقدَر، ويُسكَن في الأرض، والذهابُ به مقدورٌ عليه.
وقال في الماء الغائر:
﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَآؤُكُمۡ غَوۡرٗا فَمَن يَأۡتِيكُم بِمَآءٖ مَّعِينِۭ﴾ [الملك: 30]
فثلاثةُ مقادير في ثلاثة ألفاظ: ماءٌ مبارَكٌ يَخزِن الخير، وماءٌ يُسكَن في الأرض ويُذهَب به، وماءٌ يغور فلا يُدرَك.
بل ضرب لذلك مثلاً صريحاً، فجعل لكلِّ وادٍ مقدارَه الذي لا يتجاوزه:
﴿أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ﴾ [الرعد: 17]
فقال: ﴿فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا﴾. فالماءُ يسيل فيعُمُّ الوادي، ثمّ يقف عند قدَره لا يجاوزه. وهذه صورةُ الجوديّ بعينها: عمومٌ إلى حدّ، وحافّةٌ تُمسِك.
فمن كان يُميّز هذه المقادير بألفاظها، فهو الذي يُميِّز بين «غِيض» و«غار»، وبين «استوت» و«رست».
حرفُ «على» لا يوجب جبلاً
وربّما تُوُهِّم أنّ «على» تقتضي علوّاً على جِرمٍ صلب. وفي السورة نفسِها، قبل هذه الآية بسبعٍ وثلاثين آية، ما يُبطِل هذا:
﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ وَلَئِن قُلۡتَ إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ﴾ [هود: 7]
فقال ﴿وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ﴾. فحرفُ «على» يصحّ مع الماء في هذه السورة عينِها. بل هي الآيةُ التي تفتح سورةَ هودٍ نفسَها، والتي فيها قصّةُ الطوفان.
التي استوت غيرُ الذي هبط
وههنا موضعُ الالتباس الذي أوقع الناسَ فيما أوقعهم. فالآيةُ 44 تقول: واستوت، وفاعلُها ضميرٌ يعود على السفينة. ثمّ يمضي الكلامُ في شأن الابن ودعوةِ نوحٍ في أهله ثلاثَ آيات، ثمّ تجيء الآيةُ 48:
﴿قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [هود: 48]
فالمأمورُ بالهبوط نوحٌ، لا السفينة. وبين الحدثين أربعُ آياتٍ ومسافةٌ من الزمن لم يُسمِّها النصّ. فاستواءُ المركوب شيء، وخروجُ راكبه منه شيءٌ آخر.
وحتى الذين قالوا إنّ الجوديَّ جبلٌ لم يجعلوا الهبوطَ نزولاً من قمّة. قال الطبريّ: «{يَانُوحُ اهْبِطْ} مِن الفلكِ إلى الأرضِ»(٦٦)، وقال مقاتلُ بن سليمان: «اهْبِطْ من السفينة»(٦٧). فالهبوطُ عندهم خروجٌ من الفلك، لا انحدارٌ من رأس جبل. فإذا كان القائلُ بالجبل نفسُه لم يجعل «اهبط» نزولاً منه، فليس في اللفظ حجّةٌ على جبليّة الجوديّ.
﴿ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا﴾
ويؤيّده استعمالُ القرآن نفسِه. فاللفظُ ثمانيةُ مواضع في المصحف، وفيها موضعٌ لا جبلَ فيه بحال:
﴿وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ﴾ [البقرة: 61]
فقال ﴿ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا﴾، ولا جبلَ ينزلون منه إلى مصر. وفي كلام العرب: «هَبَط فلانٌ في أَرض كذا، وهَبَط السُّوقَ: إذا أتاها»(٦٨). فالهبوطُ بلوغُ الموضع وإتيانُه.
والهبوطُ في هذا اللسان انحدارٌ متأنٍّ بزاويةٍ مائلةٍ عبر وسيط، لا سقوطٌ حرٌّ ولا نزولٌ قائم. فالحجرُ يسقط من السماء سقوطاً عمودياً بلا وسيط، فيقال: نزل. والماشي على سفحٍ ينحدر انحداراً هادئاً متّكئاً على السفح، فيقال: هبط. فعكسُ الهبوط الصعود، وعكسُ النزول العروج. والوسيطُ ههنا الفلكُ ثمّ ما دونه ممّا يُتوصَّل به إلى البرّ.
﴿بِسَلَٰمٖ مِّنَّا﴾
وبقيت لفظةٌ لا يُلتفَت إليها، وهي مفتاحُ المشهد. فلو كان الماءُ قد جفَّ كلُّه، وصارت السفينةُ على يابسةٍ آمنة، لم يبقَ للتخصيص بالسلام كبيرُ معنًى؛ فالخارجُ إلى أرضٍ يابسةٍ لا يحتاج إلى إذنٍ مقرونٍ بالسلام والبركات.
أمّا إذا بقي بين السفينة وبين اليابسة ماءٌ راكدٌ ساكن، فالأمرُ في موضعه: انتهى خطرُ الطوفان العامّ، وبقي عبورٌ من الفلك إلى البرّ. ومن ثَمَّ جاء الإذنُ مقروناً بالسلام والبركة. والقومُ يومئذٍ مرعوبون ممّا رأوا، قد شهدوا موجاً كالجبال ابتلع الأرضَ ومن عليها. فالتأمينُ ههنا في موضعه من جهتين: من جهة الماء الباقي، ومن جهة قلوبٍ لم تسكن بعدُ.
لو كان الجوديُّ جبلاً لقال الابنُ: سآوي إلى الجوديّ
وههنا حجّةٌ لا جوابَ عنها. فالابنُ حين طلب النجاة قال:
﴿قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ﴾ [هود: 43]
فقال: ﴿سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ﴾ نكرةً غيرَ معيَّنة. ولو كان في المشهد جبلٌ معلومٌ باسمه لسمّاه. فالرجلُ يفرُّ من الغرق، والفارُّ يقصد أقربَ ملجأ يعرفه ويُسمّيه.
ثمّ تجيء الآيةُ التالية فتُسمّي موضعاً: الجوديّ. فلو كان الجوديُّ هو ذاك الجبلَ الذي أراده الابن، لكان في الكلام تكرارٌ ونقضٌ معاً: يُنكَّر في آيةٍ ويُعرَّف في التي تليها، ويُبطَل الاعتصامُ به ثمّ يُجعَل منجاةً.
فالجوديُّ لم يكن مكاناً معلوماً عندهم بعينه. ولو كان معلوماً لَما اختلف فيه من جاء بعدُ بين آمِدَ والموصلِ والجزيرةِ والشامِ والهند. وإنّما هو جغرافيا موصوفةٌ يفهمها السامعُ من بناء اللفظ: ماءٌ عمَّ ثمّ وقف عند حافّة.
ونظيرُه في المصحف: ﴿مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا﴾
وممّا يُقرِّب الأمرَ أنّ في المصحف لفظَين على بناء «الجوديّ» سواءً، وهما نعتان لمكانٍ لا اسمان له. قال في مريم:
﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا﴾ [مريم: 16]
فقال: ﴿مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا﴾. وليس «شرقيّ» اسمَ بقعةٍ بعينها، وإنّما هو نعتٌ للمكان بما وقع عليه. والياءُ فيه ياءُ نسبٍ إلى الشَّرْق.
وقال في الزيتونة:
﴿۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ [النور: 35]
فقال: ﴿لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ﴾. فنَعَتَ الشجرةَ بالنسب، ونفى عنها النسبَين معاً. ولو كانا عَلَمَين لَما صحَّ النفي.
فـ«الجوديّ» من هذا الباب: نعتٌ لموضعٍ بما وقع عليه، لا عَلَمٌ لبقعةٍ بعينها. فكما أنّ «مكاناً شرقياً» مكانٌ نالَه الشرقُ، فـ«الجوديّ» موضعٌ نالَه الجَوْد.
القرآنُ يُسمّي الجبالَ حين يريدها
وممّا يُقوّي هذا أنّ القرآنَ حين أراد جبلاً بعينه في قصّةٍ من قصص الأنبياء سمّاه، ولم يترك القارئَ يخترع له اسماً. سمّى الطُّورَ في غير موضع:
﴿وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا﴾ [مريم: 52]
﴿۞ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ وَسَارَ بِأَهۡلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارٗاۖ قَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ جَذۡوَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ﴾ [القصص: 29]
وسمّى الصفا والمروة، وسمّى عرفات، وسمّى الوادي المقدَّس طُوًى. فإذا أراد موضعاً عيَّنه بلفظٍ يعرفه المخاطَبون. فلو كان الجوديُّ جبلاً مشهوراً بناحية الموصل لكان في تسميته بلفظ الجبل، أو بذكر ناحيته، ما يُغني عن اختلاف الناس فيه بين آمِدَ والشام والهند.
أربعُ آياتٍ بين الاستواء والهبوط
والذي بين الحدثين ليس فراغاً، بل هو أهمُّ ما في القصّة: حوارُ نوحٍ في ابنه.
﴿وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ﴾ [هود: 45]
﴿قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ [هود: 46]
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [هود: 47]
ثمّ بعد ذلك كلِّه:
﴿قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [هود: 48]
فتأمّلْ: نداءٌ، وجوابٌ، واستغفارٌ، وقبول. وهذا كلُّه يجري ونوحٌ في الفلك بعدَ الاستواء وقبلَ الهبوط. فمن جعل الاستواءَ والهبوطَ لحظةً واحدةً ألغى هذه الآيات الأربع من موضعها.
﴿وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ﴾: البركةُ في القرآن ماءٌ ونبات
ولم يقتصر الإذنُ على السلام، بل قُرِن به شيءٌ آخر:
﴿قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [هود: 48]
فقال: ﴿بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ﴾. فما البركةُ؟
البركةُ اختزالُ خيراتٍ كثيرةٍ مضغوطةٍ خفيّةٍ في مكوَّنٍ واحد، لا يرى الناظرُ إلّا ظاهرَها، ثمّ تتفجَّر فتظهر. واقرأ مواضعَها في المصحف تجدها لا تكاد تفارق الماءَ والنبات. قال في المطر:
﴿وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ﴾ [ق: 9]
فسمّى الماءَ ﴿مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا﴾, ثمّ عطف عليه ما يترتّب عليه: ﴿فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ﴾.
وقال في الأرض التي أورثها المستضعَفين:
﴿وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ﴾ [الأعراف: 137]
فالبركةُ في الأرض خِصْبُها ومَعاشُها. وقال في البلد الحرام إنّه مبارَك، وفي الزيتونة إنّها مباركة، وفي الليلة التي يُفرَق فيها كلُّ أمرٍ حكيم إنّها مباركة.
فالخيراتُ مخزونةٌ في الماء، مضغوطةٌ فيه لا تُرى، حتى إذا أصاب الأرضَ تفجَّرت جنّاتٍ وحَبَّ حصيد.
فقولُه لنوحٍ ﴿وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ﴾ وعدٌ بخيراتٍ مخفيّةٍ في الموضع الذي ينزل فيه، ستنفجر بعد حين. أي: انزِلْ، فستُنبِت الأرضُ وتتفجَّر بالنبات. وهذا لا يُقال لمن نزل على صخرٍ عارٍ، وإنّما يُقال لمن نزل على أرضٍ خُزِن فيها ماءٌ ينتظر.
﴿وَجَعَلۡنَٰهُمۡ خَلَٰٓئِفَ﴾: قومٌ عاشوا وتناسلوا
ويؤكّده ما قاله في مآلهم:
﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ خَلَٰٓئِفَ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ﴾ [يونس: 73]
فقال: ﴿وَجَعَلۡنَٰهُمۡ خَلَٰٓئِفَ﴾. والخَلَفُ في القرآن الحاكمون بعد زوال سابقيهم. فلم يخلُفوا عدماً، وإنّما خلَفوا قوماً زال مُلكُهم.
ومثله في القصّة نفسِها:
﴿وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ﴾ [الصافات: 77]
فقال: ﴿وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ﴾. والبقيّةُ في القرآن الجزءُ الأفضل المقتطَع من كلٍّ، المحفوظُ في حيِّزٍ يحفظه، غيرُ خالدٍ فيه. فذرّيّةُ نوحٍ هي الجزءُ الذي حُفِظ في ذلك الحيِّز، لا أنّ الناسَ كلَّهم هلكوا. فالماءُ أهلك دولةَ قومه وكبراءَهم، وتشرَّد من بقي منهم في الأرض، ولم يبقَ في ذلك الموضع إلّا ذرّيّتُه.
ومعهم في الفلك دوابُّ حُمِلت لتُستبقى:
﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ﴾ [هود: 40]
فقال: ﴿مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ﴾. وهذه الدوابُّ تحتاج ماءً وكلأً في يومها الذي تنزل فيه، لا بعد شهر.
فاجمع الثلاثة: بركاتٌ موعودة، وخلائفُ يعمُرون، ودوابُّ تُستبقى. ثمّ انظر: أيقع هذا كلُّه في رأس جبل، أم في منخفَضٍ نضَب عنه الماءُ فترك طيناً مشبَعاً لا يحتاج سَقياً؟
أين يعيش من نزل؟ الجبلُ لا يُطعِم
وثَمَّ اعتبارٌ لا يُلتفَت إليه، وهو أنّ في الفلك بشراً ودوابَّ خرجوا إلى أرضٍ لا زرعَ فيها ولا ماشية. فأينَ يقعون؟
فإن كان الجوديُّ قمّةَ جبل فالحياةُ هناك متعذّرة: تضاريسُ وَعِرة، ولا تربةَ للزرع، ولا ماءَ يُدرَك، والدوابُّ التي حُمِلت معهم تحتاج ماءً وكلأً في يومها لا بعد شهر. وليس في الآيات معجزةٌ خارقةٌ تُطعِمهم، ولا مائدةٌ تنزل عليهم؛ بل سنّةُ الله في أنبيائه أن يعملوا بأيديهم، كما عمل يوسفُ في خزائن الأرض، وكما عمل النبيُّ ﷺ في المدينة.
وإن كان الجوديُّ مسطَّحاً مائيّاً غاض بعضُه فالأمرُ يستقيم من كلِّ وجه. ففي أوّله ماءٌ وفيرٌ يُطفئ العطش، ثمّ تنحسر أطرافُه شيئاً فشيئاً فتنكشف أرضٌ مُشبَعةٌ بالماء لا تحتاج سَقياً. وهذه هي أخصبُ تربةٍ يعرفها الزارع: طينُ منخفَضٍ ارتوى ثمّ جفَّ وجهُه. فيَزرعون فيها بلا سانيةٍ ولا بئر، وتَرعى دوابُّهم حافّاتِها.
فالهبوطُ إلى الجوديّ نزولٌ إلى مَعاش، لا نزولٌ من قمّةٍ إلى مجهول.
وأين يُطلَب الأثرُ لو طُلِب؟
وقد شاع في الناس أنّ سفينةَ نوحٍ هي الآيةُ الباقية، فطلبوها في رؤوس الجبال. وقد مرَّ أنّ الآيةَ في القرآن الخبرُ والإغراقُ لا الخشب. غير أنّ من أراد أن يطلب أثراً فليطلبه حيث يبقى الأثر.
فالخشبُ إذا بقي في الهواء الطلق تحلَّل في عقودٍ أو قرون، تنهشه الفطرُ والحشراتُ ويُفتِّته تعاقبُ الحرِّ والبرد. ولا يبقى الخشبُ آلافَ السنين إلّا في مواضع معدودة: الجفافِ الشديد الذي يمنع الحياةَ من العمل فيه، والطمرِ في طينٍ مشبَعٍ بالماء لا يصل إليه الهواء، والتجمُّدِ الدائم. وأشدُّها حفظاً الطينُ الذي لا هواءَ فيه.
فقمّةُ الجبل أسوأُ موضعٍ يمكن أن يُحفَظ فيه خشب: ريحٌ وتعريةٌ وشمسٌ وثلجٌ وهواءٌ من كلّ وجه. وقاعُ منخفَضٍ امتلأ ماءً ثمّ نضَب وطُمِر بالطين أفضلُها على الإطلاق.
فالجوديُّ إن كان ماءً، فمَظِنّةُ الأثر قاعُه لا قمّةُ الجبل. وهذا اعتبارٌ من عالَم الحسّ لا من عالَم اللفظ، غير أنّه لا ينقُض ما قرَّرته الحروفُ والقرآن، بل يجري معه.
أين كان ذلك الماء؟
ولمعترضٍ أن يعترض بأنّ الجوديَّ إن كان ماءً فأين موضعُه اليوم؟
وليس يلزم أن يبقى. فالمسطَّحُ الذي يصنعه مطرٌ استثنائيٌّ في منخفَضٍ من الأرض يمتلئ ثمّ ينقُص ثمّ يذهب، ولا يترك اسماً على خريطة. والبحثُ ههنا في ماهيّة الجوديِّ يومَ الحادثة، لا في وجود بحيرةٍ تحمل الاسمَ إلى زماننا.
وقد قرأتُ كتبَ البلدان طلباً لمنخفَضٍ مائيٍّ عظيمٍ في غرب الجزيرة، فلم أجد له ذكراً، بل نفاه المقدسيُّ نصّاً في إقليم جزيرة العرب: «وليس في جميع الإقليم بحيرة ولا نهر يجري فيه السفن»(٦٩). وهذا نفيٌ لحالِ الأرض في زمنه لا في زمن الطوفان، وبينهما آمادٌ تتبدّل فيها الأرضُ وتجفُّ المناقع.
غير أنّ في كلامهم ما يستحقّ الوقوف. فالجوديُّ الذي بأجَإٍ من جبلَي طيّء نعتوه بأنّه وادٍ: «والجودِيُّ وادٍ، وأَعلاه بأَجَأَ فِي شواهِقها، وأَسفلُه أَباطحُ سهلةٌ»(٣٤). فأعلاه شواهقُ وأسفلُه بطحاءُ سهلة، وهذه صورةُ المنخفَض الذي يجتمع فيه الماءُ لا صورةُ القمّة. وذكروا معه أنّ مجاريَ الماء فيه تُسمّى «الحَسَن»(٥٩).
وأمّا موضعُه بعينه فلا أقطع فيه بشيء. والذي يُقطَع به أنّ الاسمَ يدلُّ على هيئةٍ لا على بقعة: ماءٌ عمَّ ثمّ وقف عند حافّة. وهذه الهيئةُ تتحقّق في كلِّ منخفَضٍ حجزَه حاجزٌ فامتلأ. والكتلةُ نفسُها تقول ذلك: (جد) حاجزٌ يُمسِك، فالجَدْرُ ما رُفِع من أعضاد المزرعة لتُمسِك الماء(٨)، والجُدَّةُ حافّةُ النهر التي يقف عندها. فالجوديُّ ماءٌ حجزه حاجزٌ من الأرض.
في القصّة كلِّها ماءٌ لا جبل
واقرأ مواضعَ نجاة نوحٍ في المصحف كلِّها، فلن تجد فيها جبلاً واحداً. إنّما تجد الفلكَ والحملَ والنجاة:
﴿فَأَنجَيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ﴾ [الشعراء: 119]
﴿وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُرٖ﴾ [القمر: 13]
﴿فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [العنكبوت: 15]
فالآيةُ في هذه المواضع هي النجاةُ والإغراق، لا جبلٌ حملها. وليس المرادُ بـ«العالمين» أهلَ كلِّ زمان، بل عالَمي ذلك الزمان ومن بلغهم الخبر. فلم يمت الناسُ كلُّهم كما تقول المرويّات، ولم يغمُر الماءُ الأرضَ كلَّها؛ إنّما أهلك الله دولةَ قوم نوحٍ وكبراءَها، وتشرَّد من بقي. وثَمَّ أممٌ نائيةٌ لم تُصِبها، غير أنّ الخبرَ تسامعَ به الناس. فالآيةُ الخبرُ نفسُه والغرق، لا خشبةٌ تُلتمَس بعد آلاف السنين. ولو كان الجبلُ ركناً في القصّة لذُكِر في موضعٍ من هذه المواضع، فإنّ اسمَ نوحٍ يتردَّد في المصحف خمسين مرّة في ثلاثين سورة، وقصّةُ نجاته تُعاد في غير موضع. ثمّ لا يُذكَر الجوديُّ في المصحف كلِّه إلّا مرّةً واحدةً في سورة هود. فلو كان جبلاً بعينه هو موضعُ الحدث الأعظم في القصّة، لكان أحقَّ بالإعادة من غيره.
«الجوديّ» ليس في كتب أهل الكتاب
وههنا ما لم أكن أتوقّعه حين بدأت. فقد قرأتُ كتبَهم في هذه المسألة: العهدَ القديم بأسفاره الأربعين، والعهدَ الجديد، والتلمودَ البابليَّ بمجلّداته العشرين. فلفظُ «الجوديّ» ليس فيها ألبتّة، ولا مرّةً واحدة.
وإنّما فيها اسمٌ آخر. قال سفرُ التكوين: «وَتَرَاجَعَتِ الْمِيَاهُ عَنِ الأَرْضِ تَدْرِيجِيّاً... وَاسْتَقَرَّ الْفُلْكُ عَلَى جِبَالِ أَرَارَاطَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ السَّابِعِ لِلطُّوفَانِ»(٧٠).
فتأمّلْ فرقَين اثنين:
الأوّل في الفعل. قالوا: استقرّ. وقال القرآن: استوت. وقد مرَّ أنّ الاستقرارَ وقوفُ الحركة، والاستواءَ ضبطُها.
والثاني في الاسم. قالوا: جبال أراراط. وأراراطُ في كتبهم أربعةُ مواضع لا خامسَ لها، وهي في الأربعة كلِّها اسمُ إقليمٍ لا اسمُ قمّة: «أرض أراراط» و«ممالك أراراط» و«جبال أراراط»(٧١). وقال القرآن: الجوديّ، وهو لفظٌ لا يعرفونه.
فتسميةُ القرآن عدولٌ عن اسمهم لا موافقةٌ له. وهذا هو شأنُه في القصص: يأتي بالخبر ويُصحِّح ما دخله التحريف.
وههنا يظهر لِمَ قال «الجوديّ» ولم يقل شيئاً آخر. فالقومُ الذين خُوطِبوا بالقرآن كان فيهم أهلُ كتابٍ يقولون إنّ الفلك استقرَّ على جبال أراراط. فجاء اللفظُ الذي يردُّ الأمرين معاً: يردُّ الاستقرارَ إلى استواء، ويردُّ الجبلَ إلى ماء. ولو أراد موافقتَهم لسمّى ما سمَّوا. ولو أراد السكوتَ لسكَت. لكنّه سمّى اسماً ثالثاً، وهو من مادّةٍ تعرفها العربُ وتفهم بناءَها.
ثمّ أُدخِل اللفظُ القرآنيُّ في تعريب التوراة
وأعجبُ من هذا أنّ ياقوتاً نقل التوراةَ في مادّة الجوديّ فقال: «وفي التوراة: أمر الله... وأقام الماء على الأرض مائة وخمسين يوماً، واستقرّت السفينة على الجوديّ في الشهر السابع في اليوم السابع عشر منه... هذا لفظ تعريب التوراة حرفاً حرفاً»(٧٢).
فقابِلْ هذا بنصّ التكوين: العددُ واحد، والشهرُ واحد، واليومُ واحد. ولا يفترقان إلّا في اسم الموضع. فالمعرِّبُ وضع لفظَ القرآن مكانَ لفظِ كتابه، ثمّ صار النصُّ يُنقَل على أنّه توراة.
ومثلُه صنيعُ ابن إسحاق، قال: «وَكَانَ اسْتِوَاءُ الْفُلْكِ عَلَى الْجُودِيِّ فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ التَّوْرَاةِ»(٧٣). وأهلُ التوراة لا يقولون هذا، إنّما يقولون أراراط.
فمن هنا دخل الجبلُ على اللفظ. لم يدخل من المعاجم، فأقدمُها لا تعرف اللفظَ أصلاً. ولا من كلام العرب، فقد اختلفوا فيه بين آمِدَ والهند. وإنّما دخل من قصّةِ الطوفان عند أهل الكتاب، وفيها جبل. ثمّ رُدَّت الصورةُ إلى اللفظ القرآنيّ فلبِسَته.
وقد تأثَّر المسلمون بالتوراة في هذا الباب من القديم، من ابن إسحاق في القرن الثاني للهجرة. قرأ نصّاً يقول إنّ الفلك استقرَّ على جبل أراراط، فوضع مكانَ الاسم «الجوديّ» ونسب القولَ إلى أهل التوراة. ولولا هذا النصُّ التوراتيُّ ما قال المسلمون إنّ الجوديَّ جبل. ثمّ تناقلها الناسُ حتى صارت هي الأصلَ عندهم والحقَّ الذي لا يُنازَع، وأُعمِيت عنها الأبصار.
وأمّا اليهودُ أنفسُهم فجعلوه جبلاً لأنّ لغتهم في هذا ضعيفة، أو لأنّ الترجماتِ التي تناقلت النصَّ لم تفهم معنى الإرساء ولم تتصوَّره، فأنزلته على أقرب صورةٍ في أذهانهم: قمّةٌ تعلوها سفينة.
ويشهد له أنّ رحّالةً يهودياً نعَت الموضعَ فسمّاه باسمهم لا باسمنا: «جزيرة ابن عمر على نهر دجلة في سفح جبل أراراط، على بعد أربعة أميال من الموضع الذي استوت عليه سفينة نوح»(٧٤). فالموضعُ واحدٌ والاسمُ اسمان. وحين نُسِب إلى القرآن سُمّي الجوديَّ، وحين نُسِب إلى التوراة سُمّي أراراط.
فإن قيل: أليس قد سبَّح الجوديُّ؟
وأقوى ما يُعترَض به بيتٌ لأميّة بن أبي الصلت، أورده ابن سيده في مادّة (جود) نفسِها:
سُبْحَانَهُ ثمَّ سبحانا يعود لَهُ ... وَقَبلنَا سبَّح الجُودِيّ والجُمُدُ(٧٥)
والجُمُدُ جبلٌ معروف، فعطَفَ الجوديَّ عليه، فدلَّ على أنّه جبلٌ مثلُه. هذا وجهُ الاعتراض.
والجواب أنّ التسبيحَ في القرآن ليس خاصّاً بالجبال حتى يلزم من عطف الشيء على الجبل أن يكون جبلاً. بل التسبيحُ عامٌّ في الخلق كلِّه:
﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا﴾ [الإسراء: 44]
فقال ﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ﴾. فالماءُ يسبِّح كما يسبِّح الجبل، والرعدُ يسبّح، والطيرُ تسبّح. فليس في اقتران الجوديِّ بالجُمُد في بيتٍ من الشعر ما يجعله من جنسه.
وأميّةُ بن أبي الصلت ممّن كان يقرأ كتبَ الأوّلين ويأخذ عن أهل الكتاب، وقصّةُ الطوفان في التوراة على جبل. وقد نقل ياقوتٌ حكايةَ التوراة في مادّة الجوديّ نفسِها ثمّ قال: «هذا لفظ تعريب التوراة حرفا حرفا». فمن أخذ الصورةَ من ذلك المورد رسم الجبلَ ثمّ نظَم عليه. وليس بيتُ شاعرٍ حجّةً على معنى لفظٍ في التنزيل.
المشهد كاملاً
فيمكن الآن أن تُقرأ الآياتُ في تسلسلٍ واحدٍ لا التواءَ فيه:
جادت السماءُ بماءٍ عظيمٍ، فطغى الماءُ وصار الموجُ كالجبال. ثمّ أُمِرت السماءُ أن تُقلِع، وأُمِرت الأرضُ أن تبلع ماءها. فغِيض الماء، أي نقَص وسكن طغيانُه، ولم يذهب كلُّه. فبقي مسطَّحٌ واسعٌ من ماء الجَوْد، هو الجوديّ. فسكنت حركةُ السفينة واستقام مسارُها عليه، فقيل: ﴿وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ﴾. ثمّ بقي نوحٌ ومن معه في الفلك حتى جاء الإذنُ بعد أربع آيات، فقيل له: ﴿يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا﴾، أي اخرج من الفلك وابلُغِ الأرضَ في سلام. ثمّ جفَّ المسطَّحُ بعدُ أو بقي منه ما بقي، ولم يجعل القرآنُ مصيرَه من القصّة.
فالاستواءُ والهبوطُ خبران عن حدثين، لا خبران متعارضان عن حدثٍ واحد. بينهما فرقُ الفاعل، وفرقُ الزمن، وفرقُ الغاية.
الخاتمة
فالجوديُّ ماءٌ لا جبل. وهذا جوابُ الأسئلة السبعة:
فأمّا الجبلُ الذي أبطلَ النصُّ عصمتَه فلم يكن ليُجعَل بعد آيةٍ واحدةٍ منجاةً للسفينة. ولو كان لكان في ذكره ردٌّ على الابن، والقرآنُ لا يُفوِّت مثلَ هذا.
وأمّا العدولُ عن لفظ «الجبل» وهو حاضرٌ في المشهد مرّتين، فعدولٌ مقصود. ولفظُه في المصحف تسعٌ وثلاثون مرّة، فلم يُعوزه اللفظ.
وأمّا العدولُ عن «رست» وقد قيل في السفينة نفسِها ﴿وَمُرۡسَىٰهَآۚ﴾ قبل ثلاث آيات، فلأنّ الإرساءَ في هذا اللسان للجبال، وهو وقوفُ الحركة. والسفينةُ لم تقف، بل انضبطت.
وأمّا «الجوديّ» فمن مادّة الجَوْد، وهو المطرُ الغزير الذي يروي الأرضَ حتى يلتقيَ الثَّرَيان. وحروفُه جمعٌ يتمدَّد فيندفع. ونواةُ كتلته وجهٌ يعُمُّ حتى أقصاه ثمّ يقف عند حافّة، وهي التي فسَّرت جَدَدَ الأرض وجُدَّةَ النهر وجادِسةَ البقاع وجَدْبَ الأرض. وليس الأصلُ فيها كثرةَ العطاء كما قال ابن فارس، بل العطاءُ والمطرُ فرعان عن العموم إلى المنتهى؛ وقد قال ابن سيده في العطيّة نفسِها: «وهو من ذلك»، أي من المطر. وياؤه ياءُ نسبٍ نصَّ عليها ابنُ الأنباريّ فقال: «كالياء في عَلَوِيّ وهاشميّ»، فهو المنسوبُ إلى الجُود، كما أنّ «دُرِّيّ» في المصحف منسوبٌ إلى الدُّرّ، و«دُهريّ» إلى الدَّهر، و«سُهليّ» إلى السَّهل. ومنه الجُدَّةُ التي سُمِّيت بها مدينةُ جُدَّة، وهي ما وَلِيَ البرَّ من البحر. فالجوديُّ حافّةٌ امتدَّ إليها الماء ثمّ انكمش عنها قليلاً.
وأمّا «غِيض» فنقصٌ لا جفاف، ولو أراد ذهابَ الماء كلِّه لقال «غار» كما قال ﴿مَآؤُكُمۡ غَوۡرٗا﴾. وهو نقصٌ بدليل ﴿وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ﴾ في الرعد. والرَّحِمُ تنقُص ولا تجفّ.
وأمّا الاستواءُ والهبوط فحدثان لفاعلَين: استوت السفينة، وهبط نوح. وبينهما أربعُ آياتٍ ومدّةٌ لم يُسمِّها النصّ. والذين قالوا بالجبل جعلوا الهبوطَ خروجاً من الفلك لا نزولاً من قمّة، فبطلت الحجّةُ من جهتهم أنفسِهم.
وأمّا «بسلام» فمفتاحُ المشهد. فالإذنُ المقرونُ بالسلام والبركات يقع موقعَه إذا بقي بين الفلك واليابسة ماءٌ يُعبَر، ولا يقع موقعَه إذا صارت السفينةُ على أرضٍ يابسةٍ آمنة.
وأمّا "التقاءُ الثَّرَيَين" الذي جعله الأصمعيُّ حدّاً للجَوْد فقد قاله القرآنُ بلفظه: ﴿فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ﴾. فالطوفانُ جَوْدٌ بلغ منتهاه، ثمّ رجع إلى قدَره.
وأمّا قولُ الجبل فقولٌ قديمٌ قاله مقاتلٌ في القرن الثاني، ونقله الطبريُّ عن جماعة، وذكره الزَّجّاج، ثمّ غلَب في كتب التفسير والبلدان. غير أنّ اللفظَ ليس في كتب أهل الكتاب أصلاً، وإنّما فيها «جبال أراراط». فمن هناك جاءت صورةُ الجبل، ثمّ أُلبِسَت اللفظَ القرآنيَّ حتى صارت كأنّها منه. غير أنّ قِدَمَ القول لا يجعله لفظاً في الآية. وأقدمُ معاجم العربية لا تعرفه، وأوّلُ من ذكره من أصحاب المعاجم ذكره متوقّفاً، والذين جزموا اختلفوا بين آمِدَ والموصلِ والجزيرةِ والشامِ والهند، وردَّ البكريُّ مصدرَ التعيين إلى كتب التفسير، وأكثرُ ما في مادّة البلدانيّين حكايةٌ عن التوراة صرَّح ياقوتٌ بأنّها «تعريب التوراة حرفا حرفا».
ما قال القرآنُ إنّ السفينةَ رست على جبل. قال إنّ الماءَ غِيض، وإنّ السفينةَ استوت على الجوديّ، ثمّ قال لنوحٍ بعد أربع آيات: اهبط بسلام.
هذا والله أعلم
التعليقات (0)