سورة الكوثر: لا نهرَ ولا ولد
حربٌ تجاريةٌ لا تعييرٌ بالولد: فلا الكوثرُ نهرٌ في الجنّة، ولا الأبترُ منقطعُ النسل
ثلاثُ آياتٍ هي أقصرُ سورةٍ في المصحف، وقد قرأها الناسُ قروناً على أنّ أوّلها نهرٌ في الجنّة وآخرَها جوابٌ عن تعييرٍ بموت الأولاد. وفي هذا المقال أنّها في بابٍ آخر: بابِ المال والمدد.
نصّ السورة
﴿إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ﴾ [الكوثر: 1]
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ﴾ [الكوثر: 2]
﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ﴾ [الكوثر: 3]
الشانئُ وناديه: حربٌ تجارية
لا يُفهم الأبترُ حتى يُعرَف الشانئُ ومَن معه وبأيّ شيءٍ هدَّد.
قريشٌ قومُ تجارةٍ لا قومُ سيف، وأهلُها عقلاءُ لا يبدأون بالقوّة. فلمّا أخذ الرسولُ يُواصل الناسَ ويدعوهم، لم يكن سلاحُ كبارِهم الأوّلَ ضرباً ولا حبساً، بل ما هو أمضى في مجتمعٍ قائمٍ على السوق: قطعُ التعامل. لا يشترون منه ولا يبيعونه، ولا تحمل قافلتُهم بضاعتَه، ولا تجيء إليه ببضاعة. ورجلٌ من قريشٍ لا حرفةَ له إلّا التجارة، فإذا قُوطع لم يبقَ له إلّا أن يصير أجيراً.
وهذا التهديدُ منصوصٌ عليه في سورة العلق. فبعد أن وصف الطاغيةَ الذي ﴿أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ﴾ [العلق: ٧]، جاء الوعيدُ ثمّ التحدّي:
﴿فَلۡيَدۡعُ نَادِيَهُۥ﴾ [العلق: ١٧].
والنادي ليس عشيرتَه. فلو أراد القرابةَ لجاء بألفاظها الكثيرة: الأقربين، أو العشيرة. وإنّما النادي جماعةٌ تجمعها حِرفةٌ واحدةٌ ومصلحةٌ واحدة - وهم ههنا أهلُ التجارة. فليجمَعْ ناديَه إذن، وليَعقِدوا على المقاطعة.
فماذا كان الجواب؟
﴿سَنَدۡعُ ٱلزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨].
والزَّبانيةُ هم الزبائن، مفردُها زَبون، وهو المشتري المتدافعُ على السلعة؛ والزَّبْنُ في اللغة الدفعُ والمزاحمة. فليَدْعُ هو ناديَه ليمنعوا، ويدعو اللهُ الزبائنَ ليَشتروا. وليس في الآية أمرٌ بالقوّة، بل دعوةٌ خفيّةٌ يستجيب لها الناسُ طوعاً.
ثمّ خُتمت السورةُ بأن يمضيَ ولا يلتفت: ﴿كَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب۩﴾ [العلق: ١٩].
فهذا هو الأبترُ
إذا تبيَّن أنّ الحربَ حربُ سوق، استقام معنى السورتين معاً. فالذي هدَّد بأن يَبتُر رزقَ محمدٍ هو الذي تُبتَر تجارتُه؛ يُصفَع في عقله فيتّخذ قراراتٍ خاسرة، ويُقطَع عنه المدَدُ الذي حَسِبَ أنّه يملك قطعَه عن غيره.
وليس ببعيدٍ أن يكون الشانئُ في الكوثر هو صاحبَ النادي في العلق، أو من صنيعه.
وسورةُ الماعون تُجاور الكوثر لهذا
وانظر ترتيبَ المصحف: الماعونُ ثمّ الكوثر. وسورةُ الماعون كلُّها في مالٍ يُمنَع:
﴿فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ﴾ · ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ﴾ [الماعون: ٢-٣]، وختامُها ﴿وَيَمۡنَعُونَ ٱلۡمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧].
فذاك كافرٌ يمنع المعروفَ ويدفع اليتيم، ثمّ تجيء الكوثرُ فتُخبر أنّ من زعم أنّ محمداً سيُبتَر بمنعِ الناس عنه هو المبتورُ نفسُه. سورةُ منعٍ يتلوها سورةُ وفرة؛ والجارُ يُفسّر جارَه.
ويشهد للباب كلِّه أنّ الضحى - أختَها - جعلت العطاءَ في مقابل الفقر صراحةً: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ﴾ [الضحى: ٨]، ثمّ أمرت بالإنفاق على من كان يُعيلهم: ﴿فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ﴾ · ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ﴾ [الضحى: ٩-١٠].
السورة في سياقها: طمأنةٌ اقتصادية
هذه السورة مكمّلةٌ لسورة الضحى، وهما في مقصدٍ واحد: طمأنةُ الرسول الكريم في شأن وضعه الاقتصادي.
فالرسول يُنفق الكثير من المال في سبيل الدعوة إلى الدين الجديد. يُنادي الناس، ويبذل الأموال، ويذبح للضيوف ليُعطيهم فرصةً يستمعون فيها إلى ما جاء به. وهذا البذلُ المتّصل يُقلِق المنفِق، فجاءت سورةُ الضحى تُطمئنه، ثمّ جاءت هذه السورة تؤكّد له أنّه في مأمنٍ عظيم، وألّا خوفَ عليه من إنفاقه.
الكوثر: الكثرة لا نهرُ الجنّة
زعموا أنّ الكوثر نهرٌ في الجنّة، والمعنى الآخر هو الصحيح: الكثرة. فيا محمدُ لا تقلق، إنّا قد أعطيناك الكثرةَ التي لا تنتهي مطلقاً.
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ﴾ أي واصِلْ دعوتك إلى الدين الجديد بلا قلق، بل وانحَرِ الأنعامَ لإطعام الضيوف والسامعين والفقراء والمساكين. والمعنى: أنفِقْ في سبيل الدعوة معظمَ مالك، فإنّا سنعوّضك.
والأبترُ المنقطع. فذلك الشخصُ الذي يزعم أنّ المال سينقطع عنك وأنّك ستصير فقيراً، هو في الحقيقة من سيصير أبترَ فقيراً من المال.
فالسورةُ دعمٌ روحيٌّ ونفسيٌّ للرسول الكريم كي يستمرّ في دعوته بلا أدنى قلقٍ من النفقات الكثيرة، وأنّ من زعم أنّك ستصير فقيراً هو الذي سيصير فقيراً لا محالة.
الكوثرُ ليس نهراً في الجنّة
قيل: الكوثرُ نهرٌ في الجنّة. فلنعرِضْ ما قيل في هذا النهر على ما وصف اللهُ به الجنّة.
والمشهدُ المرويُّ في الحوض على النقيض منه
يُروى عند البخاري: «ليَرِدَنَّ عليَّ ناسٌ من أصحابي الحوضَ، حتى إذا عرفتُهم اخْتُلِجوا دوني، فأقول: أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك».(١٥) والاختلاجُ الانتزاعُ والاقتطاع.
ويُروى عند مسلم أصرحُ منه: «ألا ليُذادَنَّ رجالٌ عن حوضي كما يُذادُ البعيرُ الضالُّ، أُناديهم: ألا هَلُمَّ! فيُقال: إنّهم قد بدَّلوا بعدك. فأقول: سُحقاً سُحقاً».(١٦)
فانظر ما اجتمع في هذين النصّين: وِرْدٌ يُقصَد، وآنيةٌ معدودة، وزحامٌ على الماء، ورجالٌ يُنتزَعون انتزاعاً، وذيادٌ كما يُذادُ البعيرُ الغريبُ عن الحوض، ونداءٌ لا يُستجاب، ودعاءٌ بالبُعد والهلاك.
هذه صورةُ مَوردِ ماءٍ في فلاةٍ تتنازعه القبائل، لا صورةُ دارٍ ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾.
فأين ﴿وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا﴾ من ماءٍ يُطرَدُ عنه الوارد؟ وأين ﴿لَا يَمَسُّهُمۡ فِيهَا نَصَبٞ﴾ من رجلٍ يُنادي فلا يُجاب ثمّ يُقال له سُحقاً؟ وأين ﴿يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ﴾ من آنيةٍ محدودةِ العدد يُتزاحَم عليها؟
فالموصوفُ صحراءُ لا جنّة. ومن أنزل هذا المشهدَ في الجنّة فقد وصفَ الجنّةَ بما نفاه القرآنُ عنها. وهذا حكمٌ على المشهد لا على راويه؛ فالخبرُ إن صحَّ فهو واصفٌ موضعاً خارج الجنّة قطعاً - وحينئذٍ لا يبقى في الباب ما يُثبت أنّ الكوثر «نهرٌ في الجنّة».(١٧)
وأصلُ الدعوى حديثٌ واحد، وفيه نقضُها
القولُ بأنّ الكوثر نهرٌ في الجنّة مدارُه على حديثٍ واحدٍ عن أنس بن مالك، وما عداه شرحٌ عليه. سُئل النبيُّ ﷺ «أتدرون ما الكوثر؟» فقال - بلفظِ ابن مُسهِر الذي قدَّمه مسلمٌ وصرّح بأنّه لفظُه -: «فإنّه نهرٌ وعدنيه ربّي عزّ وجلّ، عليه خيرٌ كثير، وحوضٌ ترِدُ عليه أمّتي يوم القيامة، آنيتُه عددُ النجوم، فيُختلَجُ العبدُ منهم».(١٨)
فالسؤالُ عن الكوثر، والجوابُ ساق النهرَ والحوضَ في نَفَسٍ واحد ووصفَه بيوم القيامة. فإن كانا شيئاً واحداً فليس في الجنّة؛ وإن كانا شيئين فالجوابُ لم يُبيِّن أيَّهما الكوثر. وقولُه «في الجنّة» ليس في هذا اللفظ أصلاً، وإنّما جاء في الطريق الثاني من رواية ابن فُضَيل.(١٩) فالقيدُ الذي عليه مدارُ الدعوى كلِّها زيادةٌ في طريقٍ دون طريق.
وفي السورة نفسِها ثلاثةُ أمورٍ تمنعه
الأوّل: الفعلُ ماضٍ تامّ. ﴿إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ﴾. أُعطِيَ فانقضى.
وفي الضحى - وهي أختُها في المقصد، وقد نزلت قبلها - الفعلُ نفسُه بصيغة الاستقبال مؤكَّدةً بالسين: ﴿وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ﴾ [الضحى: ٥]. فالمُعطي واحد، والمُعطَى واحد، والفعلُ واحد؛ جاء مرّةً موعوداً ومرّةً منجَزاً. فما بينهما انتقالٌ من الوعد إلى الوفاء.
والروايةُ نفسُها تقول عن ذلك النهر «وعدنيه ربّي» - موعودٌ لا مُعطًى. فلو كان الكوثرُ إيّاه لجاءت الآيةُ على لفظ الضحى: ولسوف نُعطيك.
والماضي في القرآن يُخبر عن أمرٍ قد نفَذ. فإذا قال ﴿أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ﴾ [النحل: ١] فقد صدر الأمرُ وخرج وهو سائرٌ في طريقه وإن لم يبلغ غايته بعد، ولذلك قيل بعده ﴿فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُ﴾. وهذا يقال في الكوثر: صدر الأمرُ بالعطاء ونفَذ، والعطاءُ سائرٌ إلى صاحبه. ومَدَدٌ في الطريق يُنفَق منه اليوم؛ أمّا ماءٌ لا يُبلَغ إلّا بعد الموت فليس بسائرٍ إلى أحد.
الثاني: الفاءُ تطلب عطاءً في اليد. ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ﴾ - فاءُ التسبيب: أعطيناك فلذلك افعل. والمأمورُ به بذلٌ يقع اليوم: دعوةٌ تُواصَل، وأنعامٌ تُنحَر، وطعامٌ يُقدَّم لسامعٍ وفقير. ومن قال لرجل: قد أعطيتُك فأنفِقْ، فإنّما أعطاه ما يُنفَق منه؛ وماءٌ لا يُبلَغ إلّا بعد الموت لا يُنفِق منه أحدٌ اليوم.
الثالث: الخصمُ لا يؤمن بالجنّة أصلاً. الشانئُ رجلٌ من عَبَدة الأوثان يُنكر البعثَ والدارَ الآخرة، وعيَّر بانقطاعٍ واقعٍ في هذه الدنيا: مالٍ يَنفَد، ومكانةٍ تذهب. فليس في نهرٍ لا يراه ولا يُصدِّق بالدار التي فيها ردٌّ عليه. والسورةُ مقابلةٌ محكمة: كوثرٌ في مقابل بَتْر، ووفرةٌ في مقابل انقطاع؛ فإن كان البترُ المزعومُ في الدنيا فالكوثرُ المُعطى في الدنيا.
ويشهد له أنّ الضحى عدَّدت عطاءً كلَّه واقعٌ في هذه الدار: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ﴾ [الضحى: ٨].
وهو قولُ ابن عباس
سُئل سعيدُ بنُ جبير: «فإنّ ناساً يزعمون أنّه نهرٌ في الجنّة»، فقال: «النهرُ الذي في الجنّة مِن الخير الذي أعطاه الله إيّاه». وقولُ ابن عباس نفسِه: «هو الخيرُ الكثير الذي أعطاه الله إيّاه».(٢٠) فمن حصر الكوثرَ في النهر حصر الأوسعَ في أضيقِ أفراده.
الأبترُ ليس منقطعَ الولد
استقرّ في كتب التفسير خبرٌ واحدٌ يُروى في هذه الآية: مات القاسمُ ثمّ عبدُ الله، فقال العاصُ بنُ وائل: «لقد انقطع نسلُه فهو أبترُ»، فنزلت ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ﴾ جواباً عن تعييره.(١) وعلى هذا الخبر بُني تفسيرُ الأبتر بمن لا عَقِبَ له من الذكور، حتّى صار كأنّه نصٌّ لا يُنازَع.
وفي هذا البناء أربعةُ أعطاب، يكفي أدناها.
والشانئُ نفسُه لم يكن أبتر
إن كان الأبترُ فاقدَ الذكور، فالآيةُ تقول للعاص بن وائل: بل أنت الذي لا ذكرَ لك. وهذا مردودٌ بما لا يُدفَع.
فالعاصُ بنُ وائل السهميُّ أبو عمرو بن العاص،(٢) وأبو هشام بن العاص الذي قُتل يوم أجنادين.(٣) ولم يقف نسلُه عندهما: من ولد عمرٍو عبدُ الله، ومن ولد عبدِ الله محمدٌ، ومن ولد محمدٍ شعيبٌ، ومن ولد شعيبٍ عمرُو بنُ شعيب الذي طبّقت روايتُه كتبَ الحديث.(٤) خمسةُ أجيالٍ مسمّاةٍ بأعيانها في كتابٍ واحد.
فلو أُريد بالأبتر انقطاعُ الذكور لكان الجوابُ باطلاً في نفسه، ولانقلبت الحجّةُ على صاحبها. ومن قرأ الآيةَ على أنّها إخبارٌ عن نسلٍ يَنقطع، فقد حمَّل كلامَ الله دعوى نقضَها التاريخُ في الجيل الذي يليه.
ورجلٌ في الأربعين لا يُبتَر
التعييرُ إنّما يقع بأمرٍ لازمٍ لا حيلةَ في دفعه؛ فأمّا ما تنقضه سنةٌ واحدة فلا يقوم به لومٌ ولا يُبنى عليه شماتة. ومحمدٌ يومئذٍ في الأربعين، والرجلُ في عُرف العرب لا يُقال فيه «انقطع نسلُه» وله أن يَنكح متى شاء وما شاء. إنّما تنقطع المرأةُ بسنّها؛ فأمّا الرجلُ فالبابُ أمامه مفتوح، وليس في الأمر إلّا انتظار.
فإن قيل: خديجةُ يومئذٍ في الخامسة والخمسين ولم يتزوّج عليها، فأيُّ ولدٍ كان يُرجى؟ فالعائقُ إذن في زوجه لا فيه، وعائقُ الزوجة يزول بما لا يُنكِره أحدٌ من العرب. على أنّ سنَّها نفسَها مختلَفٌ فيه في الكتاب الواحد: فروايةٌ تجعلها «ابنةَ أربعين» يوم تزوّجها،(٥) وفي موضعٍ آخر منه «ابنةَ ثمانٍ وعشرين»،(٦) وعلى الثانية تكون يوم البعثة في الثالثة والأربعين. فعيَّروه بأمرٍ يزول بعد حين، ولا يُلقَّب الرجلُ بما يزول عنه.
وقد وقع ما يشهد لذلك. يسوق ابنُ سعد الخبرَ ومآلَه في نَفَسٍ واحدٍ بلا فاصل: موتُ القاسم وعبدِ الله، وقولُ العاص، ونزولُ الآية، ثمّ «ثمّ ولدت له ماريةُ بالمدينة إبراهيمَ في ذي الحجّة سنةَ ثمانٍ من الهجرة، فمات وهو ابن ثمانيةَ عشر شهراً».(٧) فقد وُلد له الذكرُ وهو في الستّين، وإن كان قد مات صغيراً. والذي يعنينا أنّ الولادةَ وقعت، فبطلت دعوى الانقطاع في بابها، وبقي موتُ الطفل أمراً آخر لم يكن العاصُ يعلمه ولا بَنى عليه قولَه.
وأقدمُ ما نُقل ليس مُجمِعاً
يُقرأ بابُ الكوثر في تفسير الطبري على أنّه إجماعٌ على الولد، وليس كذلك؛ بل في الموضع الواحد طريقان.
فأمّا الطريقُ المشهور فصريحٌ في النسل: يروي ابنُ زيد أنّ القائل قال «إنّما محمدٌ أبترُ، ليس له كما تَرَوْن عَقِبٌ»،(٨) وينقل شِمرُ بنُ عطية عن عقبة بن أبي مُعيط «إنّه لا يَبقى للنبيّ ولدٌ، وهو أبترُ».(٩) وهذا لا يُنكَر ولا يُطوى.
وأمّا الطريقُ الآخر، وهو المطويُّ عادةً، فيدور على الانقطاع عن القوم والمَدَد. سعيدُ بنُ جبير يصف العاصَ بأنّه «أنبترَ من قومه»؛(١٠) انقطع عنهم هو. وعكرمةُ ينقل صيغةَ التعيير كما جرت على ألسنتهم: «قالت قريش: بُتِر محمدٌ منّا»؛(١١) بُتر منهم لا انقطع عنه الولد. وفي خبر كعب بن الأشرف تُسمّيه قريشٌ «هذا الصُّنبورُ المُنبَترُ من قومه».(١٢) فهذه ثلاثةُ نقولٍ في موضعٍ واحد، تُصرِّح كلُّها بالقوم لا بالولد.
وأعجبُ منها أنّ قتادةَ نفسَه يروي الخبرَ المشهور، ثمّ يُعقِّبه بحدِّ اللفظ عنده فيقول: «الأبترُ هو الحقيرُ الدقيقُ الذليل».(١٣) فالخبرُ عنده شيءٌ ومعنى اللفظ شيءٌ آخر؛ وليس في حدِّه ذِكرُ ولدٍ ولا نسل، بل هي أوصافُ القِلّة والهَوان. وكذلك صنع الطبريُّ حين لخّص: «الأقلُّ الأذلُّ، المنقطعُ عقبُه»؛(١٤) فقدّم القِلّةَ والذِّلّة على الانقطاع، وهما في الجاه والمال قبل أن يكونا في الولد.
فالمسألةُ إذن ليست خروجاً على المنقول، بل ترجيحُ أحد طريقين نُقِلا معاً، وما يُرجَّح به هو السياق.
والسورةُ كلُّها في الكثرة وانقطاعِها
ليس في القرآن كلِّه لفظُ «أبتر» إلّا في هذا الموضع، ولا «شانئك»، ولا «الكوثر»، ولا «انحر». فلا مَخرجَ إلى نظيرٍ يُستضاء به؛ والحاكمُ حينئذٍ سياقُ السورة نفسِها. وهي ثلاثُ آياتٍ على محورٍ واحد.
عطاءٌ لا يُحدّ: ﴿إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ﴾. والكوثرُ الكثرةُ التي لا تنفد.
وأمرٌ بالبذل على أثر العطاء: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ﴾. واصِلْ دعوتَك، وانحَرْ للناس، فالمَدَدُ مضمونٌ لك.
ثمّ ينزل الحكمُ على الخصم: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ﴾.
فمقابلُ الكوثر في هذا النَّسَق انقطاعُه، لا العقم.
والذي وُعِد به الشانئُ أن يَنقطع عنه هو ما كان يَحسَبُ أنّه سيَنقطع عن محمد. أمّا أن تُفتَح السورةُ بالكثرة والإنفاق ثمّ تُختَم بالولد، فانتقالٌ لا رابطَ بين طرفيه.
هذا والله أعلم
التعليقات (0)