لماذا أكثر القرآن من ألفاظ السكن؟
المباءة · البيت · الدار · السكن · المنزل · المأوى · المثوى في القرآن
الملخص
سبعة ألفاظ في القرآن تقع على موضع المكوث، لا تتطابق في المعنى، ولا تطابق في القرآن أصلا.
فالتبوء تثبيت الشيء في موضع لا يتركه، بفعل غيره لا بفعله. والبيت هو البناء الذي نستقر فيه ويحوي عدة غرف وخدمات لكي نقوم فيه بأعمالنا. والسكن هو الجزء من البيت الذي نسكن وننام فيه. أما الدار فأوسع من البيت، فتحوي العرصة والبناء والمحلة(١).
وأما المنزل فمحطة لا يمكث فيها الشيء طويلا، فقد يكون بيتك منزلا لضيفك إذا لم يمكث عندك. ولو كنت هاربا فوجدت مكانا تستقر فيه بأمان فأنت وجدت المأوى. ولو كنت في رحلة طويلة فاستقررت في مكان مدة طويلة فأنت في مثوى. فالمثوى عكس المنزل في الدلالة.
والموضع الواحد قد يكون هذا كله معا: منزلا لأنك لا تستقر فيه طويلا، ومسكنا لأنك نمت فيه، وبيتا لأنه بناء جامع جزء منه مسكن، ودارا لأنه يشمل العرصة والمحلة.
المباءة
في المعاجم
قال الجوهري: «المباءة: منزل القوم في كل موضع... وتبوأت منزلا: أي نزلته»(٢)، وقال الخليل: «الباءة والمباءة: منزل القوم حين يتبوءون في قبل واد، أو سند جبل، ويقال: بل هو كل منزل ينزله القوم»(٣)، ثم ذكر أصلها المحسوس: «والمباءة: معطن الإبل، حيث تناخ في الموارد»(٤). فالمباءة في أصلها الموضع الذي تناخ فيه الإبل عند الماء فتثبت فيه.
وهذا الجذر نفسه جاء منه قوله تعالى ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ﴾ و﴿أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ﴾، وقد نص ابن فارس فقال: «الباء والواو والهمزة أصلان: أحدهما الرجوع إلى الشئ، والآخر تساوى الشيئين»(٥)، ثم جعل الأول هو المباءة. والذي يعقد المادة الباء والهمزة، فأما الواو فسيالة تدور بينهما. ونرى أن الجامع بين الوجهين هو التثبيت: فالإبل تثبت في مباءتها، والقوم يثبتون في منزلهم، والذي باء بغضب صار مثبتا فيه مصحوبا به لا ينفك عنه.
في القرآن
وقع فعل التبوؤ في عشر آيات، والفاعل فيها كلها غير الساكن. فالله يبوئ، والنبي يبوئ المؤمنين، وموسى وهارون يبوئان لقومهما:
﴿وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ﴾ [آل عمران: 121]
﴿أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ﴾ [يونس: 87]
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفٗا﴾ [العنكبوت: 58]
فوقع على المقاعد وعلى البيوت وعلى الغرف، ووقع على الدار في قوله ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ﴾، وعلى مكان البيت في آية إبراهيم. فهو الجنس الذي تدخل تحته الستة.
وليس التبوء تمكينا، وإلا لزم الحشو في هذه الآية:
﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ﴾ [يوسف: 56]
فالتمكين شيء والتبوء شيء آخر بعده. مكن الله ليوسف في أرض مصر فصار يقرر ويحرك الناس حيث شاء، فهو الذي يثبت هذا ههنا وذاك هناك. ولهذا لم يقل أحد في القرآن تبوأت لنفسي، وإنما بوأه غيره أو بوأه ربه. ومن هنا صح أن يبوئ النبي المؤمنين مقاعد للقتال، فالجندي يثبت في موقعه ولا يبرحه.
البيت
في المعاجم
الأصل فيه البناء، قال الخليل: «وبَيَّتُّ بَيْتاً أي بَنَيْتُه»(٦). فليس في اللفظ نوم ولا مدة ولا ملك، وإنما هو بناء يحجز جوفه عما حوله.
والحرفان اللذان يعقدان اللفظ هما الباء والتاء، وهما اللذان يعقدان البت، قال الخليل: «البَتُّ: القطع المُستَأصِلُ، يقال: بَتَتُّ الحَبلَ فانْبَتَّ أي قطعتُه»(٧). والبت في كلامنا حسم الأمر وقطعه، فالبيت هو المكان الذي تبت فيه أمورك.
في القرآن
وأول ما يشهد لذلك أن التبييت في القرآن كله تدبير أمر وعقد عزم عليه، لا مجرد المبيت:
﴿فَإِذَا بَرَزُواْ مِنۡ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ﴾ [النساء: 81]
﴿إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ﴾ [النساء: 108]
﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥ﴾ [النمل: 49]
فبيت طائفة غير الذي تقول أي دبرته وعقدت عليه، ويبيتون ما لا يرضى من القول أي يدبرونه، ولنبيتنه وأهله أي لندبرن قتلهم. وإذا أراد الليل قال ﴿بَأۡسُنَا بَيَٰتٗا وَهُمۡ نَآئِمُونَ﴾ فأتى بلفظ آخر. فالتبييت للتدبير، والبيات للزمان.
وعلى هذا فالبيوت في التنزيل مواضع عمل وإنتاج لا مواضع نوم:
﴿وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا﴾ [النحل: 68]
﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ﴾ [العنكبوت: 41]
فالنحل يبني في بيته ويعمل ويخرج منه الشراب، والعنكبوت تنسج بيتها لتصيد به. وأصرح منهما آية ثمود، ففيها لفظان لقوم واحد في سياق واحد:
﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورٗا وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُيُوتٗاۖ﴾ [الأعراف: 74]
فجعل ما اتخذوه من السهول قصورا، وما نحتوه في الجبال بيوتا. ولو كان اللفظان واحدا لاكتفى بأحدهما، فالقصر غير البيت عندهم.
وأصرح من ذلك بيت الله:
﴿وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ [الحج: 26]
فالله لا ينام فيه. وإنما يأتيه الناس بحوائجهم فيدعون ربهم، فيبت الأمر ويستجيب:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ [غافر: 60]
فسمي بيتا لأنه موضع تبت فيه الأمور.
الدار
في المعاجم
وهذا أوسع السبعة، ونصه في العين صريح: «الدار: كل موضع حل به قوم فهو دارهم، وأما الدار فاسم جامع للعرصة والبناء والمحلة»(٨). وأصل المادة الإحاطة، قال ابن فارس في مادة دور: «الدال والواو والراء أصل واحد يدل على إحداق الشئ بالشئ من حواليه»(٩). فالدار ما أحدق بالبناء وأحاط به، والبيت هو البناء نفسه.
في القرآن
والدار في التنزيل تسع أهلها ومحلتهم، ولهذا أضيفت إلى الآخرة وإلى القرار:
﴿۞ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ﴾ [الأنعام: 127]
﴿وَإِنَّ ٱلۡأٓخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلۡقَرَارِ﴾ [غافر: 39]
فقيل دار السلام ودار القرار، ولم يقل بيت السلام ولا بيت القرار؛ لأن الآخرة وطن لا بناء واحد.
والجمع كله في الأوطان يخرج منها الناس:
﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ﴾ [الحشر: 8]
﴿وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ﴾ [الممتحنة: 8]
ولو أراد البناء لقال بيوتهم، وقد قالها حين أراد الهدم:
﴿يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الحشر: 2]
فجمع في الآية الواحدة بين الإخراج من الديار وتخريب البيوت، فالديار الوطن، والبيوت الأبنية التي فيه.
السكن
في المعاجم
الأصل فيه ذهاب الحركة، قال الخليل: «السُّكونُ: ذهاب الحركة»(١٠). فالسكن من البيت هو الجزء الذي تنقطع فيه حركة الإنسان فينام ويهدأ، وسمي بذلك لأنه يسكن فيه.
في القرآن
أصرح آية في الباب:
﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا﴾ [النحل: 80]
فلم يقل جعل لكم بيوتكم سكنا، بل قال ﴿مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ﴾، و«من» ههنا للتبعيض. فالمجعول جزء من البيت، وهو الجزء الذي تنقطع فيه حركتك فتنام. والليل جعل سكنا كذلك، فأدى الوظيفة نفسها في الزمان.
وعلى هذا يجري الأمر في العدة:
﴿أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ﴾ [الطلاق: 6]
فقال ﴿مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم﴾، و«حيث» للمكان، و«من» للتبعيض كما في آية النحل. فالمأمور به أن تتخذ المطلقة جزءا من بيت الزوج تسكن فيه، لا أن تخرج إلى بيت آخر، ثم نهى عن التضييق عليها في ذلك الجزء:
﴿وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ﴾ [الطلاق: 6]
ولعل الحكمة في إبقائها قريبة أن لا ينقطع ما بينهما فيرجعان، أو أن لا تهمل وهي في عدتها.
وههنا آية تفصل بين اللفظين فصلا لا يحتمل التأويل:
﴿لَّيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ مَسۡكُونَةٖ فِيهَا مَتَٰعٞ لَّكُمۡۚ﴾ [النور: 29]
فأثبت لها البيتية ونفى عنها السكنى، وأثبت فيها المتاع. فهي بيوت لشؤون الناس ومتاعهم لا ينامون فيها، ولهذا لم يكن في دخولها جناح.
ومن هذا يعرف لم قال في الهالكين مساكنهم ولم يقل بيوتهم:
﴿فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ﴾ [القصص: 58]
﴿فَأَصۡبَحُواْ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمۡۚ﴾ [الأحقاف: 25]
لأن آخر وظيفة بقيت لتلك الأبنية هي السكن، فقد أخمدوا فيها وبجوارها، ولم تعد بيوتا فيها حركة ولا عمل.
المنزل
في المعاجم
المشهور في المادة أنها الهبوط، قال ابن فارس: «تدلُّ على هُبوط شيء ووُقوعه»(١١). ولعل هذا من غلبة ما ينزل من السماء على الأذهان، فأما الذي تعطيه المادة نفسها فهو الانتقال إلى موضع جديد من غير استقرار فيه. فالعرب تقول نزلنا على فلان، ولم يهبطوا عليه من علو.
وأصرح ما في هذا نص الأزهري: «والمرحلة: المنزل يرتحل منها. وما بين المنزلين مرحلة»(١٢). فالمنازل محطات، والمسافة بين المحطتين هي المرحلة.
والمادة كلها موضوعة لمقام الضيف. قال الخليل: «والنزل: ما يهيأ للقوم والضيف إذا نزلوا»(١٣)، وقال الجوهري: «والنزيل: الضيف»(١٤)، وقال الزمخشري: «ونزل به ضيف ونزل عليه، وهو نزيله، وهم نزلاؤه أي ضيفه... وكنا في نزالة فلان: في ضيافته»(١٥). وحتى تحية العرب للقادم مبنية على هذا اللفظ، قال الخليل في «مرحبا وأهلا وسهلا»: «ووجهه: أرحب الله منزلك، وأهلك له، وسهله لك»(١٦). فلم يقولوا سكنت سهلا، وإنما نزلت سهلا؛ لأن الضيف لا يمكث.
وعلى هذا يستقيم قول الجوهري: «وأرض نزلة ومكان نزل، بين النزالة، إذا كانت تسيل من أدنى مطر لصلابتها»(١٧). فالأرض النزلة لا تستقر فيها الأشياء ولا الماء، بل تمر عليها مرورا وترتحل عنها.
في القرآن
ومنازل القمر محطات ينزلها ليلة ثم يفارقها:
﴿وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ﴾ [يس: 39]
﴿وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ﴾ [يونس: 5]
ولفظ ﴿مَنَازِلَ﴾ ههنا بمعنى حسبه وجعل له حسابا، بدليل قوله ﴿لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ﴾. فالمنازل مراحل تحسب بها الشهور، لا مقامات يقام فيها.
ونوح حين خرج من السفينة أمر أن يسأل منزلا:
﴿وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ﴾ [المؤمنون: 29]
فلم يقل ربي أسكني ولا أنزلني بيتا، بل قال منزلا؛ لأنه محطة يستريح فيها من السفر ويجد فيها القوت ثم يمضي. ولهذا سمي ما يهيأ للنازل نزلا:
﴿إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ نُزُلٗا﴾ [الكهف: 102]
﴿فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [السجدة: 19]
فالنزل قرى الضيف ورزقه، لا الدار التي يستوطنها.
المأوى
في المعاجم
جعل أهل اللغة أصله التجمع، قال الخليل: «أوى الإنسان إلى منزله يأوي أويا وإواء... والتأوي: التجمع... وتأوت الطير، إذا انضم بعضها إلى بعض»(١٨). وهذا مردود بالقرآن نفسه، فابن نوح قال:
﴿قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ﴾ [هود: 43]
وكان فردا واحدا، فأي تجمع ههنا؟ وكذلك موسى وفتاه أويا إلى صخرة وهما اثنان. فليس الجامع التجمع، وإنما هو الفرار من خطر إلى موضع يؤمن فيه.
في القرآن
والمأوى لا يذكر في التنزيل إلا ومعه ما يهرب منه. فابن نوح والماء يعلوه، وأصحاب الكهف والقوم يطلبونهم:
﴿وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ﴾ [الكهف: 16]
فلم يقل فاسكنوا الكهف ولا فاتخذوه بيتا، بل قال ﴿فَأۡوُۥٓاْ﴾؛ لأن الدخول ههنا فرار من طالب. وقد جاء المأوى في اثنتين وعشرين آية، ليس فيها موضع خلا من خطر يفر منه الفار.
فإن قيل: كيف تكون النار مأوى وهي عذاب؟
﴿أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنۡهَا مَحِيصٗا﴾ [النساء: 121]
فالجواب أن القوم يهربون يومئذ من خطر أكبر منها، من اللابات البركانية والأهوال التي تطاردهم، فيبحثون عن مأوى يعصمهم فلا يجدون إلا هذا، فيدخلونه فيتحول عليهم جحيما. فصح أنه مأوى باعتبار الفرار إليه، وصح أنه عذاب باعتبار ما لقوا فيه.
المثوى
في المعاجم
الأصل فيه طول المقام، قال الخليل: «الثواء: طول المقام»(١٩). فههنا المدة مصرح بها في المادة نفسها، ولم تكن في واحد من الستة قبله.
في القرآن
والفاصل فيه موضعان لا يحتملان غيره. الأول أنه قوبل بالتقلب:
﴿وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ﴾ [محمد: 19]
فالمتقلب حركتك وترددك، والمثوى مقامك. ولو كان المثوى موضع نجاة من خطر لم تصح مقابلته بالتقلب.
والثاني نفي الثواء عن النبي في مدين:
﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ﴾ [القصص: 45]
فلم يقل وما كنت ساكنا ولا آويا، بل قال ﴿ثَاوِيٗا﴾؛ لأن المنفي طول المقام بينهم حتى يعرف أخبارهم.
ومن هذا وصية العزيز في يوسف:
﴿وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ﴾ [يوسف: 21]
فلم توص ببيته ولا بمسكنه، بل بمثواه، والكلام على مقام يطول بدليل ما بعده ﴿عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ﴾.
ولو كان المأوى والمثوى واحدا لما جمعا في نسق واحد:
﴿سُلۡطَٰنٗاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [آل عمران: 151]
فالفرار أولا، وطول المقام بعده.
الخاتمة
| اللفظ | حده |
|---|---|
| المباءة | تثبيت الشيء في موضع لا يتركه، بفعل غيره |
| الدار | الوطن الجامع: العرصة والبناء والمحلة |
| البيت | البناء الذي فيه الغرف والخدمات، تبت فيه أمورك |
| السكن | الجزء من البيت الذي تنام فيه وتهدأ |
| المنزل | محطة لا يمكث فيها الشيء طويلا |
| المأوى | موضع تفر إليه من خطر فتأمن فيه |
| المثوى | موضع يطول فيه مقامك |
فالسبعة لا تتطابق، والمثوى عكس المنزل في الدلالة. والموضع الواحد يجتمع فيه ذلك كله بحسب ما يقع فيه: فهو منزل إن لم تستقر فيه طويلا، ومسكن إن نمت فيه، وبيت إن كان بناء جامعا جزء منه مسكن، ودار إن شمل العرصة والمحلة، ومأوى إن فررت إليه، ومثوى إن طال بك المقام.
فلماذا أكثر القرآن من ألفاظ السكن
لأن هذا منهج القرآن المكرم، حتى ترى أحداث الماضي في منتهى الدقة والوضوح. ولو كانت كل كلمة متطابقة مع أختها لكانت الرؤية ضبابية، وكأن أعشى ينظر في المساء فلا يرى إلا القليل. أما هذا الفصل والتمايز فيجعلك كأنك تنظر إلى الشيء في رابعة النهار.
وسر ذلك أن هذه الألفاظ لا تسمي الحجر، وإنما تسمي ما وقع فيه. فاللفظ ههنا حكم لا اسم، وبه يروى الخبر كله في كلمة واحدة: قال في الهالكين مساكنهم فعلمت أن العمل انقطع فيها وبقي آخر ما كان، وقال في القمر منازل فعلمت أنه لا يمكث، وقال في النار مأوى فعلمت أنهم فروا إليها من أشد منها. فكل لفظ من السبعة يحمل خبرا لو أسقطته لضاع.
هذا والله أعلم
التعليقات (0)