الموت والأموات والموتى وسكرة الموت وغمرات الموت
ولماذا لم يقل القرآن «سكرات الموت» ولا مرة واحدة؟
خلاصة القول
الأموات والموتى ليسا بمعنى واحد؛ فالأموات من فقد حسه ولم يُقبر بعد، والموتى من قُبر وطال به العهد. وقد عددت المواضع فما وجدت لفظة الأموات في ستة مواضعها إلا وبإزائها الأحياء، ولا وجدت الموتى بإزاء الأحياء في سبعة عشر موضعاً. وكذلك السكرة والغمرة؛ فالسكرة تجيء فتنقضي، والغمرة يُمكث فيها فتحجب الإدراك، ولفظة «سكرات» ليست في القرآن أصلاً.
أربع مفردات يجري بها لسان الناس كأنها واحدة: الأموات والموتى، والسكرة والغمرة. فيقولون فلان في سكرات الموت، ويقولون زرنا الأموات في قبورهم، ولا يفرقون بين لفظ ولفظ.
والقرآن يفرق. وقد عددت المواضع كلها فخرجت بأربع نتائج، كل واحدة منها مطردة لا يشذ عنها موضع:
- لفظة الأموات جاءت في ستة مواضع لا سابع لها، وليس فيها موضع واحد إلا وبإزائه الأحياء.
- لفظة الموتى جاءت في سبعة عشر موضعاً، وليس فيها موضع واحد بإزائه الأحياء.
- سكرة الموت جاءت مرة واحدة، ولفظة سكرات ليست في القرآن أصلاً.
- غمرات الموت جاءت مرة واحدة، ومادة الغمر كلها أربعة مواضع، كلها بحرف «في» لا بغيره.
فما وجه هذا كله؟
الموت في اللغة
قال ابن فارس: «الميم والواو والتاء أصل صحيح يدل على ذهاب القوة من الشيء. منه الموت: خلاف الحياة». ثم علل اختياره «ذهاب القوة» بحديث الثوم: «فإن كنتم لا بد آكليها فأميتوها طبخاً» (١).
وعنده أيضاً أن الموات والموتان هي الأرض التي لم تُحْيَ بعد بزرع ولا إصلاح، وأن المُوتة شبه الجنون يعتري الإنسان، وأن المستميت للأمر هو المسترسل له.
وأما الجوهري فعرَّفه بضده فقال: «الموت ضد الحياة»، وذكر أن المَوات هي الأرض التي لا مالك لها من الآدميين ولا ينتفع بها أحد (٢).
ونلاحظ أن التعريف بالضد نتيجة لا أصل؛ فإنك إذا قلت الموت ضد الحياة لم تكن قلت شيئاً عن الموت نفسه، وإنما أحلت السائل على لفظة أخرى.
وأصرح ما وقفت عليه في هذا الباب ما نقله صاحب مجمع بحار الأنوار من أن الموت يطلق عند العرب على السكون، كما قالوا ماتت الريح، وأن قول الرسول عليه السلام: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا» إنما هو النوم، وهو تشبيه في زوال العقل والحركة لا تحقيق (٣).
وقرر الدكتور محمد حسن جبل أن المعنى المحوري في المادة: «تمدد مع همود وسكون وذهاب الحدة المعتادة»، وضرب له بالأرض الموات، والصرع، والنوم، وسكون الريح، وذهاب حدة الحر والبرد (٤).
فالذي يجمع هذه الأقوال أن الموت همود وسكون وذهاب حس، لا عدم ولا فناء. وهو ما يمشي عليه القرآن.
الموت في القرآن همود لا عدم
فالأرض الميتة أرض قائمة لا نبات فيها، ثم يعاد إليها المدد فتخرج:
﴿فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا﴾ [البقرة: 164]
بل قد يوصف بالموت من لم يمت بعدُ:
﴿إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]
فالأرض قائمة والنبي عليه السلام حي، والوصف واقع عليهما. فثبت أن الموت في هذه اللغة همود وانقطاع حس لا عدم ولا فناء. وإذا ثبت هذا، فما الذي يميز الأموات من الموتى؟
أولاً: الأموات ستة مواضع، لا تجيء إلا بإزاء الأحياء
عددت لفظة الأموات في القرآن فوجدتها ستة مواضع لا سابع لها، وهي هذه:
﴿كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡ﴾ [البقرة: 28]
﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة: 154]
﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]
﴿أَمۡوَٰتٌ غَيۡرُ أَحۡيَآءٖۖ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ﴾ [النحل: 21]
﴿وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُ﴾ [فاطر: 22]
﴿أَحۡيَآءٗ وَأَمۡوَٰتٗا﴾ [المرسلات: 26]
فانظر كيف لم يتخلف واحد منها عن القاعدة: في كل موضع من الستة تجد الأحياء بإزاء الأموات، إما بلفظ الحياة كما في البقرة، وإما بلفظ الأحياء كما في الخمسة الباقية. ستة من ستة، لا يشذ منها موضع.
فالأموات إذن ليست اسماً لطائفة من الناس، وإنما هي وصف يقابَل به؛ وحدُّه فقد الحس والشعور. ولهذا قرنه المولى بالشعور في موضعين: ﴿وَمَا يَشۡعُرُونَ﴾ في النحل، و﴿وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ﴾ في البقرة.
ومن هنا فهمنا لماذا نفى المولى الوصف عمّن قُتل في سبيله. فليسوا أمواتاً لأنهم يشعرون ويرزقون، لا لأنهم لم يُقبروا؛ وقد قُتلوا وقُبروا ومع ذلك نُفي عنهم. فدلّ على أن مناط الوصف الشعور لا القبر.
فلم يقل المولى في خلقنا الأول كنتم موتى، بل قال ﴿وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا﴾. ولماذا؟
ثانياً: الموتى سبعة عشر موضعاً، ولا موضع واحد بإزاء الأحياء
عددت لفظة الموتى فوجدتها سبعة عشر موضعاً (٥)، فلم أجد فيها موضعاً واحداً وقعت فيه الموتى بإزاء الأحياء. سبعة عشر موضعاً، والقسمة الأولى ستة، ولا يلتقيان في موضع.
ثم نظرت فيما يقع على الموتى من الأفعال فوجدته لا يخرج عن خمسة، وكلها من باب القيامة والقبور، ليس فيها فعل واحد من باب الدنيا:
| الفعل | نصه في القرآن | كم مرة |
|---|---|---|
| الإحياء | ﴿أَلَيۡسَ ذَٰلِكَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰ﴾ | عشر مرات |
| البعث | ﴿وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ﴾ | مرة واحدة |
| الإخراج | ﴿كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ﴾ | مرتان |
| التكليم | ﴿وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ﴾ | مرتان |
| نفي الإسماع | ﴿إِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ﴾ | مرتان |
فالموتى لا تُذكر في القرآن إلا وعليها فعل من أفعال البعث. فأين هؤلاء الموتى؟
آية واحدة جمعت اللفظين ففصلت بينهما
والجواب في آية جمعت الأمرين في نسق واحد، فكانت أقوى ما في هذا الباب:
﴿وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ﴾ [فاطر: 22]
فتأمل هذا الموضع. لما كان المقام مقام مقابلة بالأحياء قال ﴿ٱلۡأَمۡوَٰتُ﴾. فلما انتقل إلى الذين لا يُسمَعون لم يقل «وما أنت بمسمع الأموات»، مع أنه ذكرهم في صدر الآية وكان اللفظ حاضراً بين يديه، وإنما عدل عنه إلى ﴿مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ﴾.
وهذا العدول لا يستقيم إلا على أن اللفظتين ليستا بمعنى واحد.
ثم انظر إلى الموضعين اللذين ورد فيهما نفي الإسماع بلفظ الموتى:
﴿إِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ﴾ [النمل: 80]
﴿فَإِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ﴾ [الروم: 52]
فالمعنى واحد في المواضع الثلاثة، واللفظ في اثنين منها «الموتى» وفي الثالث «من في القبور»، ولم يجئ في واحد منها «الأموات». فثبت أن الموتى هم من في القبور.
فالأموات من فقد حسه ولم يطل مكثه، والموتى من قُبر وطال به العهد. وهذا هو الفارق الذي عليه مدار المقال.
ويصدق ذلك ترتيب الفعلين في قوله:
﴿ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقۡبَرَهُۥ﴾ [عبس: 21]
فقدَّم الإماتة وأخَّر الإقبار، وجعل بينهما الفاء. فالإنسان يصير من الأموات أولاً، ثم يُقبر فيصير من الموتى. ولو كان اللفظان بمعنى لما احتاج الأمر إلى فعلين.
ويؤكده أن الذي يستبعد البعث إنما يستبعده وهو في قبره:
﴿وَيَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: 66]
فقال ﴿أُخۡرَجُ﴾، والإخراج لا يكون إلا من موضع محصور. ولو كان حديثاً عهد بالموت لم يحتج إلى إخراج.
عيسى وإبراهيم لم يقولا الأموات
ونلاحظ أن عيسى عليه السلام لم يستعمل لفظة الأموات قط، بل قال:
﴿وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 49]
وقال المولى في امتنانه عليه:
﴿وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِي﴾ [المائدة: 110]
فجعل الفعل إخراجاً، ولو كان المراد من مات ولم يُقبر لقال «وإذ تحيي الموتى» ولم يحتج إلى الإخراج. ولنا أن نسأل: من أين يُخرَجون إن لم يكونوا في قبور؟
ولو كان عيسى يحيي من مات منذ ساعته لكانت آيته محل شك؛ فقد يكون الرجل في غيبوبة فيفيق، ولا يعجز أحد عن دعوى ذلك. وإنما العجيبة أن يُخرج من دُفن.
وقد رويت في إحيائه أخبار غريبة يصعب تصديقها، منها إحياؤه العازر، ومنها ما قيل من إحيائه سام بن نوح، وقيل حام (٦). وأنا لا أصححها ولا أبني عليها حكماً، ولكني أستشهد بها على شيء واحد: أن من ألَّف هذا الخبر كان يفهم أن قدرة عيسى إنما هي في الموتى المقبورين الذين طال مكثهم، لا في الأموات. فالرواية الضعيفة شاهد على فهم راويها وإن لم تكن شاهداً على الواقعة.
وأما إبراهيم عليه السلام فلم يقل أرني كيف تحيي الأموات، وإنما قال:
﴿رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ﴾ [البقرة: 260]
وقد بسطنا هذه الآية في موضعها، وبينَّا أن سؤاله كان عن الكيفية لا عن القدرة، وأن مراده مشهد يوم القيامة حين يقوم الخلق كلهم في لحظة واحدة (٧).
وكذلك كان تعجب قريش من المقبورين الذين بليت عظامهم:
﴿قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ﴾ [يس: 78]
فقالوا العظام ولم يقولوا الأجساد؛ لأنهم إنما يتحدثون عمن طال مكثه حتى لم يبق منه إلا العظم.
ونتعجب هنا كيف للمسلمين وهم يقرأون ﴿إِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ﴾ و﴿وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ﴾، ثم يذهبون إلى القبور يتوسلون ويتبركون ويدعون من تحللت عظامهم.
فإن قيل: فما وجه موضعين خالفا الظاهر؟
قلنا: هما موضعان، وقد وقفت عندهما ولم أمر بهما مرَّ الغافل، وأنا أذكرهما وأذكر ما ظهر لي فيهما.
الأول قوله في قتيل بني إسرائيل:
﴿فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [البقرة: 73]
وهذا القتيل لم يطل مكثه. غير أن الذي ظهر لي أن الجملة لم تقع على القتيل نفسه؛ فلم يقل «كذلك أحيا الله هذا الميت»، وإنما عمَّم فقال ﴿كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ﴾، ثم أردفها بـ﴿وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ﴾. فهي تعقيب يُساق مساق الدليل على البعث، لا تسمية للقتيل. وأنا من هذا الموضع على حذر، ولا أزيد عليه شيئاً.
والثاني قوله:
﴿أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: 25]
﴿أَحۡيَآءٗ وَأَمۡوَٰتٗا﴾ [المرسلات: 26]
فقد يقال: ههنا أموات والأرض تضمهم، فقد قُبروا. والجواب أن الآية على القاعدة الأولى لا خارجة عنها؛ فقد قابل بين الأحياء والأموات كما قابل في الخمسة قبلها. والكفات وعاء يُجمع فيه، فالآية تتحدث عن فعل الأرض بهم لا عن طول مكثهم فيها؛ أي عن ساعة الضم لا عما بعدها. ولو أراد من طال مكثه لقال «من في القبور» كما قال في فاطر.
ثالثاً: سكرة الموت مرة واحدة، و«سكرات» ليست في القرآن
بقي السؤال عن سكرة الموت.
ومادة السين والكاف والراء في القرآن ستة مواضع لا سابع لها (٨)، وليس فيها لفظة «سكرات» البتة، لا في الموت ولا في غيره.
قال ابن فارس: «السين والكاف والراء أصل واحد يدل على حيرة. من ذلك السُّكر من الشراب». ثم قال: «والسِّكر: ما يُسكَر فيه الماء من الأرض. والسَّكْر: حبس الماء، والماء إذا سُكر تحيَّر» (٩).
وهذا الذي قاله ابن فارس مفتاح المسألة. فالسَّكْر حبس، والمحبوس يتحير. فالسكرة إذن حبس للحس يتحير معه صاحبه، لا فقدٌ له.
ويصدقه أن السكرة في القرآن تقع على من حواسه قائمة:
﴿لَقَالُوٓاْ إِنَّمَا سُكِّرَتۡ أَبۡصَٰرُنَا بَلۡ نَحۡنُ قَوۡمٞ مَّسۡحُورُونَ﴾ [الحجر: 15]
فالبصر موجود والعين مفتوحة، والمعطَّل هو الإدراك.
﴿لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ﴾ [الحجر: 72]
﴿وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ﴾ [الحج: 2]
وههنا لطيفة. فقد أثبت لهم الهيئة ونفى عنهم الحقيقة: تراهم سكارى وما هم بسكارى. فالسكرة درجة دون فقد الوعي، تُرى في الظاهر ولا تبلغ في الباطن مبلغ الغيبوبة.
فلما جاء الموت جاءت سكرته:
﴿وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19]
سكرة واحدة، لا سكرات. ولو كانت سكرات لكان في ذلك زيادة في عذاب المحتضر: تجيء السكرة فتحبس حسه، ثم يفيق، ثم تجيء ثانية وثالثة. وهذا شقاء لا رحمة. وإنما هي سكرة واحدة، تحبس الحس فتخفف عن صاحبها ما يجد، ثم يجيء الموت في إثرها.
وأما ما جرى على ألسنة الناس من «سكرات الموت» فليس من ألفاظ التنزيل، وإنما نُقل إليهم من غيره. ومن نسبه إلى القرآن فقد وهم.
فإن قيل: قد قال الجوهري «وسكرة الموت شدته» (١٠)، فما وجه ردك عليه؟ قلنا: الجواب في المفردة التي تليها.
رابعاً: غمرات الموت أربعة مواضع، كلها بحرف «في»
الغمر في اللغة أصل واحد. قال ابن فارس: «الغين والميم والراء أصل صحيح، يدل على تغطية وستر في بعض الشدة. من ذلك الغَمْر: الماء الكثير، وسمي بذلك لأنه يغمُر ما تحته» (١١).
وقرر الدكتور جبل أن المعنى المحوري: «التغطي بنحو الماء والتراب بالحصول في عمقه» (١٢).
فالأصل في الباب الغطاء لا الشدة. غير أن ابن فارس أتبع ذلك فقال: «وغَمَرات الموت: شدائدُه التي تَغْشَى. وكل شدة غمرة، سميت لأنها تَغْشَى» (١١). ومثله الجوهري: «والغمرة: الشدة... وغمرات الموت: شدائده» (١٣).
وههنا موضع يخطئ فيه كثيرون. فانظر إلى ابن فارس كيف علَّل الشدة بالغشيان فقال «سميت لأنها تغشى»، فرجع بها إلى الغطاء وهو لا يقصد. فالغشيان هو الأصل، والشدة نتيجة نشأت عنه؛ لأن ما يغطيك ويحول بينك وبين النَّفَس يَشُقُّ عليك. فأخذوا النتيجة وتركوا الأصل.
وأصدق ما يرد هذا التفسير مواضع الغمرة نفسها في القرآن. فقد عددتها فوجدتها أربعة لا خامس لها:
﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ﴾ [الأنعام: 93]
﴿فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ [المؤمنون: 54]
﴿بَلۡ قُلُوبُهُمۡ فِي غَمۡرَةٖ مِّنۡ هَٰذَا﴾ [المؤمنون: 63]
﴿ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي غَمۡرَةٖ سَاهُونَ﴾ [الذاريات: 11]
فانظر إلى الثلاثة الأخيرة. ليس في واحدة منها ألم ولا شدة ولا كرب؛ بل فيها السهو والغفلة. وقد نص على ذلك في الذاريات نصاً فقال ﴿فِي غَمۡرَةٖ سَاهُونَ﴾. ولو كانت الغمرة شدة لما استقام أن يقال ساهون؛ فالشدة توقظ ولا تُسهي.
فثبت أن الغمرة غطاء يحول بين الإنسان وبين الإدراك، لا شدة توجعه. وبطل أن يكون معناها ومعنى السكرة واحداً؛ والعربية لا ترادف فيها.
الفرق بين السكرة والغمرة
ثم انظر إلى بناء الجملتين، فإن الفرق فيهما ظاهر لمن تأمل.
فقال في السكرة ﴿وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ﴾، فأسند إليها فعل المجيء. وقال في الغمرة في المواضع الأربعة كلها ﴿فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ﴾، ﴿فِي غَمۡرَتِهِمۡ﴾، ﴿فِي غَمۡرَةٖ﴾، ﴿فِي غَمۡرَةٖ﴾، فجعلها ظرفاً بحرف «في». أربعة من أربعة.
فلم يقل «جاءتهم غمرة» ولا «أصابتهم»، ولم يقل «هو في سكرة الموت». والقرآن لا يخطئ في هذا.
| السكرة | الغمرة | |
|---|---|---|
| مواضعها | موضع واحد | أربعة مواضع |
| بناؤها | فعل: ﴿وَجَآءَتۡ﴾ | ظرف: ﴿فِي﴾ في الأربعة كلها |
| صيغتها في الموت | مفردة: سكرة | جمع: غمرات |
| حقيقتها | حبس للحس يتحير معه صاحبه | غطاء يحول بينه وبين الإدراك |
| أثرها | التخفيف عن المحتضر | السهو والغفلة |
فالسكرة حدث يجيء فينقضي، والغمرة حال يُقام فيها ويُمكث. ولهذا كانت السكرة واحدة والغمرات جمعاً؛ فالغمرة تطول، والطويل يتعدد.
فما غمرات الموت؟
بقي أن ننظر في الآية نفسها:
﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ﴾ [الأنعام: 93]
والذي يظهر لي أن النص يتحدث عن موتى مغمورين في الموت، جاءتهم الملائكة تخرجهم من قبورهم إلى يوم الحساب.
وأول ما يدل عليه لفظ ﴿أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُ﴾. فهو أمرٌ لهم أن يَخرجوا هم، لا نزعٌ تنزعه الملائكة منهم. ولو كان نزع الروح لأسند الإخراج إلى الملائكة فقال «فأخرجوا أنفسهم» أو «هم مخرجوها»، فلما جعل الأمر عليهم أنفسهم وقال ﴿أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُ﴾ عُلم أنه خروجهم بأبدانهم.
ثم انظر إلى ﴿ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ﴾، فإن الجزاء إنما يقع يوم الحساب.
وأما التوفي في هذا الباب فليس بمعنى الإماتة، وإنما هو من التوفية والموافاة، أي اللقاء الموعود؛ والدليل عليه أنه وقع على نفس حية لم تمت:
﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42]
فلو كان التوفي إماتةً لما وقع على التي لم تمت. وقد بسطنا هذا في مفردة «توفى».
فإذا انتهى الأمر إلى الإخراج، فبأي شيء يستيقظ من في القبور؟
والذي يوقظ هو الصوت
والجواب أن الموقظ صوت لا ضوء. ودليله في أصحاب الكهف؛ فقد أصمَّ المولى آذانهم ولم يذكر أعينهم:
﴿فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا﴾ [الكهف: 11]
ولو كان الضوء يوقظ لأغلق دونهم باب الكهف. وإنما ضرب على الآذان لأنها باب اليقظة.
وكذلك يوم القيامة، فالنفخة صوت والصيحة صوت:
﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68]
﴿إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ﴾ [يس: 53]
ثم يصيح فيهم الملَك بالخروج، فيقومون وهم لا يعرفون من أيقظهم:
﴿قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرۡقَدِنَا﴾ [يس: 52]
فسمَّوا القبر مرقداً، وسمَّوا الخروج بعثاً، وسألوا عن الفاعل ولم يسألوا عن الفعل. وهذا كله يوافق ما قررناه: أنهم كانوا في غمرة تحجب الإدراك، فلما رُفعت عنهم صاحوا يسألون.
الخاتمة
فالحاصل من هذا كله أربعة فروق يشدها عدٌّ محقق لا تخمين:
- الأموات ستة مواضع، لا تجيء إلا بإزاء الأحياء، ومناطها فقد الشعور.
- الموتى سبعة عشر موضعاً، لا تجيء بإزاء الأحياء قط، وهم من في القبور، ولا يقع عليهم في القرآن إلا فعل من أفعال البعث.
- السكرة موضع واحد، وهي حبس للحس يجيء فينقضي، و«سكرات» ليست في القرآن.
- الغمرة أربعة مواضع، كلها بحرف «في»، وهي غطاء يُمكث فيه فيَحجب الإدراك.
وفي كل واحد منها الحجة نفسها: لم يقل كذا وقد كان اللفظ حاضراً، بل قال كذا. وهذا هو الذي يُبنى عليه.
هذا والله أعلم.
علي موسى الزهراني
التعليقات (0)