سداسيّة (س ح ب): مدًى لا يُمسِك، وتقديرٌ يُمسِك
استقراءُ خمسةٍ وخمسين جذراً، ثمّ عَرْضٌ على القرآن
المسألة. ثلاثةُ أحرفٍ بأعيانها - السين والباء والحاء - يتغيّر ترتيبُها فتصير: سَبَحَ، وسَحَبَ، وحَسِبَ، وحَبَسَ. وتُقرأ في المعاجم كأربع كلماتٍ لا صلةَ بينها.
الجواب. بينها صلة. وهي عائلتان، أصلُ كلٍّ منهما كتلةٌ من حرفين:
(حب) - انضمامُ الشيء إلى نفسه في حيِّز، فتَتضامُّ أجزاؤه ويَقصُرُ عن الانتشار. جرى عليه ستّةٌ وعشرون جذراً من ثمانيةٍ وعشرين.
(بح) - انفراجُ الشيء عن نفسه، فتَتباعَدُ أجزاؤه ويَتَّسِعُ مَداه. جرى عليه تسعةَ عشرَ جذراً من عشرين.
والأربعةُ انقسمت بينهما اثنين واثنين: حَسِبَ وحَبَسَ تَضُمّان، وسَبَحَ وسَحَبَ تَبسُطان. والسينُ هي التي تُدخِل الفاعلَ من خارج.
والنتيجةُ في القرآن. السَّبْحُ انبساطٌ في مدًى لا يُمسِكه شيء، ولذلك جاء للنجوم ﴿كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ﴾ ولنهار النبيّ ﴿سَبۡحٗا طَوِيلٗا﴾. والحسابُ ضمُّ المنتشر حتى لا يَندّ منه شيء. وهما وجهان لعملٍ واحد، عُكِس ترتيبُ حرفيه.
في القرآن أربعةَ عشرَ ومئتان من هذه الحروف الثلاثة، وفي أظهرها سؤالٌ لا نجد له في كتب اللغة جواباً.
قال في الأنبياء: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ﴾ [الأنبياء ٣٣] - ولم يقل يجرون ولا يدورون. والسَّبْحُ في المعاجم عَوْمٌ في الماء. فما الذي يجمع بين النجم والسابح؟
وقال لنبيّه ﴿إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا﴾ [المزمل ٧]. وليس في النهار ماء، ثمّ وصفَ السَّبْحَ بالطول - والطولُ صفةُ الممتدّ. فما السَّبْحُ ههنا؟
وقال في الرحمن: ﴿ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانٖ﴾ [الرحمن ٥]. وهما اللذان قال فيهما ﴿كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ﴾. فهما في سَبْحٍ وهما في حُسبان، واللفظان حروفُهما واحدة والترتيبُ مقلوب. فأيُّ فرقٍ بين الوصفين؟
وقال ﴿وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [البقرة ٢١٢] - وستُّ آياتٍ غيرُها. أفيكون رزقٌ لا يُحصيه المولى؟ فما «غيرُ الحساب»؟
وقال ﴿يَوۡمَ يُسۡحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ﴾ [القمر ٤٨] فبناهُ للمفعول، وقال ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ فبناهُ للفاعل، ولم ينعكسا في موضعٍ واحد. فما الذي منعَ العكس؟
وقال في الشهادة ﴿تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ﴾ [المائدة ١٠٦]. وحبس في المصحف كلِّه موضعان، وحسب تسعةٌ ومئة - والحروفُ واحدة. فلِمَ قلَّ هذا وكثُر ذاك؟
والتسبيحُ تنزيه ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ [الجمعة ١]. فما صلةُ تنزيه الله بجريان النجم في فَلَكه، واللفظُ لفظٌ واحد؟
فهل تستطيع السداسيّةُ أن تكشف لنا أسرارَ القرآن؟ هذا ما نمتحنُه ههنا. ولن نبدأ من الآيات، فمن بدأ منها فسَّرها بما يريد. نبدأ من الحروف.
في العربية أربعُ كلماتٍ من ثلاثة أحرف: سَبَحَ، وسَحَبَ، وحَسِبَ، وحَبَسَ. حروفُها واحدة، وليس بينها إلا الترتيب. ونقول إنها ليست أربعَ كلماتٍ متفرّقة، بل هي معنًى واحدٌ له جهتان: جهةٌ إذا تقدّمت الحاء على الباء، وجهةٌ إذا تقدّمت الباء على الحاء.
وفي المعاجم غيرُ هذا. فتحَ ابنُ فارس بابَ (سبح) فقال: «أصلان: أحدهما جنسٌ من العبادة، والآخر جنسٌ من السَّعي». وفتحَ بابَ (حسب) - وهو الحروف نفسُها مقلوبة - فقال: «أصولٌ أربعة». ستّةُ معانٍ لثلاثة أحرف، في كتابٍ وُضِع ليَرُدَّ كلَّ بابٍ إلى مقياسٍ واحد.(١)
والذي أوصلنا إلى ما نقول ليس النظر في الأربعة وحدها؛ فالأربعةُ إذا نُظر فيها وحدها فُسِّر بعضُها ببعض. وإنما جرَدنا الكتلتين جرداً: كل جذرٍ في العربية فيه حاءٌ وباء، وكل جذرٍ فيه باءٌ وحاء. خمسةٌ وخمسون جذراً، لم نُسقط منها واحداً.
أوّلاً: كتلة (حب)
ابدأْ من الكتلة عاريةً. قال الخليل: «والحب: الجرة الضخمة»، ثم «وحبب الأسنان: تنضدها». والجرّةُ تَحوي فتَضُمّ، والأسنانُ مُتلاصقةٌ مُتنضِّدة.(٢)
وأشهرُ ما في الباب المحبّة، وهي منه. صدَّرَ بها الخليلُ المادّةَ فقال: «أحببته نقيض أبغضته»، وردَّها ابنُ فارس إلى اللزوم: «وأما اللزوم فالحب والمحبة، اشتقاقه من أحبه إذا لزمه». واللزومُ انضمامٌ لا يُفارِق - أن تَلزَم النفسُ الشيءَ فلا تنتشر عنه.(٣)
فحدُّ (حب): انضمامُ الشيء إلى نفسه في حيِّز، فتَتضامُّ أجزاؤه ويَقصُر عن الانتشار. والانضمامُ من ذاته لا بجاذبٍ من خارج؛ فإذا أُريد فاعلٌ خارجيّ لزِمَ حرفٌ ثالثٌ يُدخِله.
وتصنيفُ ابن فارس نفسِه شاهدٌ على القسمة. قال في الباب: «أصول ثلاثة، أحدها اللزوم والثبات، والآخر الحبة من الشيء ذي الحب، والثالث وصف القصر». وثلاثتُها انضمام - واللزومُ ما مضى، والحبّةُ ما تضامَّ حتى صغُر، ووصفُ القِصَر هو أن يَقصُر عن الانتشار.(٤)
وأصرحُ الجذور شاهداً حَبَض. قال الخليل: «والوتر يحبض إذا مددته ثم أرسلته» - يَرتَدّ إلى موضعه بعد المدّ، وهذا هو الانضمام في صورةٍ تُرى بالعين. ومثله «حبض ماء الركية إذا انحدر ونقص» - غار الماءُ فقصُر مداه.(٥)
ثم تجري الجذور على هذا: الحَبَن أن يَكثُر الماء في البطن «فيعظم البطن جدا» - انحباسٌ في حيّز؛ والحِزباءة «أرض حزنة غليظة» تضامَّ تُرابُها فاشتدّ؛ و«حبشت الشيء أحبشه حبشا إذا جمعته»؛ والحَلْبة «خيل تجتمع للسباق من كل أوب».(٦)
وأبينُها في الحيّز الحِباس. قال الخليل: «الحباسات في الأرض قد أحاطت بالدبرة يحبس فيها الماء حتى يمتلئ ثم يساق إلى غيرها». حاجزٌ يُقام فيَحوز الماء فلا ينتشر. ومثله في الغريب المصنَّف: «الحبس مثل المصنعة … وهو الماء المستنقع» - والمَصنَعة حوضٌ يُجمَع فيه ماء المطر.(٧)
فإن قيل: فأين رَحُبَ من هذا؟ والرَّحْبُ سَعةٌ لا انضمام. والجواب أن الحدّ ليس تقلُّصاً، بل انضمامٌ في حيّز؛ والرَّحْبُ هو الحيّزُ نفسُه - ما يَسَعُ ما انضمّ إليه. قال الخليل: «ورجل رحيب الجوف أي: أكول» - جوفٌ يَسَعُ الكثير.(٨)
وبقي من ثمانيةٍ وعشرين محاكَماً مخالفان. أبينهما حَرِب: «وحَرِبَ فلان حَرَباً: أُخِذَ مالُه» - سَلْبٌ وتفريقٌ لا جمع. وقد وقفنا فيه ولم نتكلّف له تسويةً.(٩)
ثانياً: كتلة (بح)
واقلِبْ الحرفين تنقلبِ الجهة. قال الخليل: «بح: عود أبح: إذا كان في صوته غلظ» - صوتٌ تفرَّقت أجزاؤه فلم يَصفُ. وقال ابن دريد: «بحبح الرجل وتبحبح إذا اتسع. والبحبحة: الاتساع». انفراجٌ في المسموع وانفراجٌ في المرئيّ، والكتلةُ واحدة.(١٠)
فحدُّ (بح): انفراجُ الشيء عن نفسه، فتَتباعَدُ أجزاؤه ويَتَّسِعُ مَداه.
والبحرُ أصرحُها. قال الليث: «البحر سمي به لاستبحاره، وهو انبساطه وسعته». ومثله البَحْنانة «الجلة العظيمة» - وعاءٌ اتّسع؛ و«البحث: طلبك شيئا في التراب» - تُفرِّق الترابَ لتُخرِج ما تحته.(١١)
وتجري الجذور على هذا: قال ابن دريد: «البراح: الأرض المنكشفة الظاهرة»، وقال الخليل: «وأرض براح: لا بناء فيها ولا عمران»؛ و«البطحاء: مسيل فيه دقاق الحصى، فإن عرض واتسع سمي أبطح»؛ و«البذح: الشق»؛ و«البوح: ظهور الشيء» والباحةُ عَرصةُ الدار.(١٢)
وأدلُّها على أن الانفراج مدٌّ لا كسرٌ شَبَح. قال الخليل: «والشبح: مدك الشيء بين أوتاد ليجف. والمضروب يشبح إذا مد للجلد». تُباعِد بين طرفَيه حتى يَتَّسِع مَداه - وهذا هو الحدُّ في صورةٍ محسوسة.(١٣)
ومنه الذَّبْح، وقد ردَّه القدماء إلى الشقّ صراحة: «وأصل الذبح الشق ذبحت المسك إذا فتقت عنه نوافجه». فالذبحُ ليس قتلاً في أصله، بل فَتْقٌ ينفرج به ما كان مضموماً.(١٤)
وبقي من عشرين محاكَماً مخالفٌ واحد: دَبَّح - «التدبيح: تنكيس الرأس في المشي»، وهو انحناءٌ إلى الداخل، فِعلُ (حب) لا (بح). وقفنا فيه ولم نتكلّف له تسويةً.(١٥)
(حب) يَنضَمُّ الشيءُ فيها إلى نفسه فيَقصُر، و(بح) يَنفرِجُ عن نفسه فيَتَّسِع. حرفان اثنان، عُكِس ترتيبُهما فانعكست الجهة.
ثالثاً: الأربعةُ على الحدَّين
الآن تُعرض الكلماتُ الأربع. وقد عقد لها الخليل باباً واحداً فقال: «باب الحاء والسين والباء معهما ح س ب، ح ب س، س ح ب، س ب ح، مستعملات». فسمّى أربعةً وسكت عن اثنين - بسح وبحس - ولم نجدهما في سبعة معاجم.(١٦)
الاثنان اللذان يَنبَسِطان
سبح: انبساطٌ في مدًى لا يُمسِك المتحرِّكَ فيه شيء. قال الخليل: «والنجوم تسبح في الفلك: تجري في دورانه»، و«السابح من الخيل: الحسن مد اليدين في الجري» - مدُّ اليدين لا رفعُهما. وفي التهذيب: «سبح اليربوع في الأرض إذا حفر فيها» - يُفرِّج الترابَ عن نفسه ليَمضي.(١٧)
سحب: انبساطٌ على وجه الأرض بجرٍّ من خارج. قال الخليل: «السحب: جرك الشيء، كسحب المرأة ذيلها، وكسحب الريح التراب». والذيلُ ينبسط على الأرض، لكن جارَّه غيرُه. وفي التهذيب: «رجل سحبان أي جراف يجرف كل ما مر به».(١٨)
الاثنان اللذان يَضُمّان
حسب: ضمُّ المنتشر حتى لا يَندَّ منه شيء. قال الخليل: «والحساب: عدك الأشياء». والعدُّ ضمُّ آحادٍ متفرّقة في حيّزٍ واحد. وفي الباب نفسِه «الحُسبان: سهام قصار» - قصُرت فتضامَّت، و«الحسبانة: الوسادة الصغيرة».(١٩)
حبس: ضمٌّ يَمنع الخروج. قال الخليل: «الحبس والمحبس: موضعان للمحبوس، فالمحبس يكون سجنا ويكون فعلا كالحبس»، و«الحبيس: الفرس يجعل في سبيل الله» - وُقِف فلا يخرج عن وقفه. فالغالبُ فيه المآلُ الذي يستقرُّ إليه الشيء، ولذلك جاء الاسمُ والفعلُ على لفظٍ واحد.(٢٠)
فانحلّت الأربعةُ بالحدّين، اثنان في هذه العائلة واثنان في تلك - بالقسمة نفسِها التي خرجت من الجرد قبل النظر فيها. وأما بسح وبحس فليستا في كلام العرب.(٢١)
رابعاً: أين تقع السين
بقي سؤال. الكتلة واحدة في كل زوج، والسين تتنقّل بين ثلاثة مواضع. فهل لموضعها أثر؟
والسينُ انسيابٌ يُدخِل فاعلاً من خارج. فإذا وقعت أوّلاً كانت هي مادّة الفعل وجرى الفعل متّصلاً، وإذا وقعت وسطاً كانت محوراً يجري العمل عليه على مراحل، وإذا وقعت آخِراً كانت مآلاً يستقرّ إليه. وهذا ما وجدناه:
| الجذر | موضع السين | دورها | الحاصل |
|---|---|---|---|
| سبح | أوّلاً | مادّة الفعل | انبساطٌ متّصلٌ لا يُمسِكه شيء - النجم والسابح |
| سحب | أوّلاً | مادّة الفعل | انبساطٌ متّصلٌ بجارٍّ من خارج - الذيل والسحاب |
| حسب | وسطاً | محور | ضمٌّ يجري على مراحل - العدّ آحاداً بعد آحاد |
| حبس | آخِراً | مآل | ضمٌّ استقرّ فلا يخرج - الوقف والسجن |
فمتجه السين واحدٌ في العائلتين، والذي تغيّر دورُها لا متجهُها.
خامساً: في القرآن
والآن نعود إلى الأسئلة التي بدأنا بها. والمواضعُ أربعةَ عشرَ ومئتان: سبح اثنان وتسعون، وحسب تسعةٌ ومئة، وسحب أحدَ عشر، وحبس موضعان. وأوّلُ ما يستوقف الناظر أنّ القسمة التي خرجت من الجرد هي القسمة نفسُها التي جرى عليها التنزيل، ولم نَعرِضْ عليه شيئاً حتى فرَغنا منه.(٢٢)
السَّبْحُ مدًى لا يُمسِك
﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ﴾ [الأنبياء ٣٣]، وأعادها في يس: ﴿وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ﴾ [يس ٤٠]. ولم يقل يجرون ولا يدورون. والذي يُميّز السَّبْحَ أن الوسط لا يُمسِك المتحرّك ولا يَحُدُّه؛ والفَلَكُ مدًى منفسِح.
وانظر ما قبلها في يس: ﴿لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ﴾ [يس ٤٠]. لا إدراكَ ولا سبق - أي لا يبلغ أحدُهما الآخر فيَضُمَّه. فالنفيُ نفيُ الانضمام، والإثباتُ إثباتُ الانفراج.
ومنه ﴿إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا﴾ [المزمل ٧] - نهارٌ منفسِح لا يَحبِسك فيه شيء. ووصفَه بالطول، والطولُ صفةُ المدى لا صفةُ الفعل.(٢٣)
و﴿وَٱلسَّٰبِحَٰتِ سَبۡحٗا﴾ [النازعات ٣] جاءت بين ﴿وَٱلنَّٰشِطَٰتِ نَشۡطٗا﴾ و﴿فَٱلسَّٰبِقَٰتِ سَبۡقٗا﴾ - كلُّها حركةٌ في سعة.
وأمّا التسبيحُ فتنزيه، وهو من الباب نفسِه. قال ابن فارس: «والتنزيه: التبعيد. والعربُ تقول: سبحان من كذا، أي ما أبعده». فالتسبيحُ إبعادٌ لله عمّا لا يليق - انفراجٌ بينه وبين ما نُسِب إليه. ولهذا جاء بحرف التعدية إلى المُنزَّه: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ [الجمعة ١].(٢٤)
وقال: ﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ﴾ [الإسراء ٤٤]. فأثبتَ لكل شيءٍ تسبيحاً، ونفى عنّا فِقهَه لا سماعَه.
والسَّحْبُ انبساطٌ بجارٍّ
ليس في المصحف من الفعل إلا موضعان، وكلاهما جَرٌّ على وجه الأرض: ﴿يَوۡمَ يُسۡحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ﴾ [القمر ٤٨]، و﴿إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ﴾ [غافر ٧١]. مبنيّاً للمفعول في الموضعين - فالجارُّ غيرُهم.
وسائرُها السحاب. و﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ﴾ [الأعراف ٥٧] - يُساق ولا يَسوق نفسَه، كما يُسحَب الذيلُ ولا يَنسحِب.
والحسابُ ضمُّ ما انتشر
﴿وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [البقرة ٢١٢]. وليس المعنى بلا عَدّ، بل بلا حَدٍّ يَضُمُّه ويَقصُر به - فالرزقُ منفسِح.
و﴿ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانٖ﴾ [الرحمن ٥] - يجريان على تقديرٍ يَضُمُّهما فلا يَندَّان عنه. وهو ضدُّ ما في ﴿يُسَبِّحُونَ﴾: هناك مدًى لا يُمسِك، وههنا تقديرٌ يُمسِك. والحرفان هما الحرفان، والترتيبُ مقلوب.
ومن الباب ﴿وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ﴾ [الطلاق ٣] - من حيث لا يَضُمُّه في تقديره. ومنه ﴿فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ﴾ في الآية نفسها: ما يَضُمُّ حاجتَه كلَّها فلا يَبقى منها ناشِر.
وأمّا ﴿وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ﴾ [الكهف ١٨] فضَمٌّ في النفس: تَجمَع القرائنَ فتَخرُج بحُكم. ولهذا صحَّ أن يكون الحُكمُ خطأً - لأن الضمَّ وقع على ما ظهر لا على ما كان.
والحَبْسُ ضمٌّ يمنع
موضعان لا ثالثَ لهما، وكلاهما مَنعُ خروج: ﴿تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ﴾ [المائدة ١٠٦] - يُوقَفان للاستحلاف فلا يَمضِيان؛ و﴿لَّيَقُولُنَّ مَا يَحۡبِسُهُۥٓۗ﴾ [هود ٨] - ما الذي يُمسِك العذابَ عن الخروج إلينا.
سادساً: لئلّا يختلط
فإن قيل: فما الفرق بين السَّبْح والسَّحْب، وكلاهما انبساط؟ والفرق في الفاعل. السابحُ يَبسُط نفسَه بنفسه، والمسحوبُ يُبسَط بجارٍّ. ولهذا جاء ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ مبنيّاً للفاعل و﴿يُسۡحَبُونَ﴾ مبنيّاً للمفعول، ولم ينعكسا في موضعٍ واحد.
فإن قيل: فما الفرق بين الحَبْس والإمساك؟ فليس بينهما في المعاجم فرق؛ ردَّ ابنُ فارس أحدَهما إلى الآخر فقال في مسك: «أصل واحد صحيح يدل على حبس الشيء أو تحبسه». وتحريرُ الفرق بينهما لا يتمُّ إلا بجرد كتلة (مسك)، ولم نجرِدْها.(٢٥)
الخاتمة
افتتحنا بسبعة أسئلةٍ عن آياتٍ حروفُها واحدة، وسألنا: هل تستطيع السداسيّةُ أن تكشف لنا أسرارَ القرآن؟ والجواب: تكشفُ منها ما كان مبناهُ على الحروف. فالنجمُ يَسبَح لأنّ الفَلَكَ لا يُمسِكه، وهو بحُسبانٍ لأنّ التقديرَ يَضُمُّه - ولم يتناقض الوصفان لأنّ الحرفين انعكسا. والرزقُ بغير حسابٍ لأنّه لم يُضَمَّ إلى حدّ. والذيلُ يُسحَب ولا يَسبَح لأنّ جارَّه غيرُه. والحبسُ موضعان لأنّه مآلٌ لا فعلٌ يجري.
والنجمُ في فَلَكه، والذيلُ يُجَرّ، والسحابُ يُساق - في جهةٍ تَبسُط. والحسابُ، والوسادةُ الصغيرة، والفرسُ الموقوف، والماءُ يَستنقِع خلف الحِباس - في جهةٍ تَضُمّ. حرفان اثنان، عُكِس ترتيبُهما فانعكست الجهة.
وفي الباب لطيفة. الأحسبُ عند الخليل «الذي ابيضت جلدته من داء ففسدت شعرته فصار أحمر وأبيض … وهو الأبرص»، والحُسبانُ «سهام قصار». فما جعلَه ابنُ فارس أربعةَ أصولٍ متفرّقة - العَدُّ والكفايةُ والوسادةُ والبَرَص - يجمعُه شيءٌ واحد: تضامٌّ حتى يَقصُر عن الانتشار.(٢٦)
هذا، والله أعلم.
- المقاييس جـ٣ صـ١٢٥ (سبح)؛ وجـ٢ صـ٥٩-٦١ (حسب). وختمَ ابنُ فارسٍ أصولَ حسب الأربعةَ بقوله: «وقد يتّفق في أصول الأبواب هذا التفاوتُ الذي تراه». ↩
- العين جـ٣ صـ٣١-٣٢. والجَرَّة: إناءٌ من خزف. وفي المادّة نفسِها روايةٌ أخرى في الحَباب: «وحَبَابُ الماء: فقاقيعُه الطافيةِ كالقَوارير، ويقال: بل مُعظَم الماء… فهذا يدُلُّ على أنه معْظَم الماء» (جـ٣ صـ٣٢). ↩
- العين جـ٣ صـ٣١ (أحببته)؛ والمقاييس جـ٢ صـ٢٦ (اللزوم). ↩
- المقاييس جـ٢ صـ٢٦. ↩
- العين جـ٣ صـ١١٠ (حبض)؛ والغريب المصنَّف جـ٢ صـ٤٥١ (حَبَضَ ماءُ الرَّكِيّة). والرَّكِيّة: البئر. ↩
- العين جـ٣ صـ٢٥٠ (حبن)؛ والعين جـ٣ صـ١٦٥ (حزب)؛ والجمهرة جـ١ صـ٢٧٨ (حبش)؛ والعين جـ٣ صـ٢٣٨ (حلب). ↩
- العين جـ٣ صـ١٥١ (الحِباسات)؛ والغريب المصنَّف جـ٢ صـ٤٤٧ (الحِبس). والدَّبْرة: المَزرعةُ المُقطَّعةُ للسَّقي. ↩
- العين جـ٣ صـ٢١٥. والصياغةُ التي تَستوعبُ رحب هي الحيِّز: الرَّحْبُ هو الحيِّزُ الذي يَسَعُ ما انضمَّ إليه - ولذلك يقال «مرحباً» لمن نزَل لا لمن ذهب. ↩
- العين جـ٣ صـ٢١٤. وثالثُ أصول ابن فارس في الباب «بعضُ المجالس» (المقاييس جـ٢ صـ٤٨) - والمِحرابُ صدرُ البيت، حيِّزٌ محجوزٌ مضموم. والحَريبةُ في المعجمين «مالُه الذي يعيش به». ↩
- العين جـ٣ صـ٣٢ (بح)؛ والجمهرة جـ١ صـ١٧٣ (بحبح). وقال ابنُ فارسٍ في الباب: «أصلان: أحدهما أن لا يصفو صوت ذي الصوت، والآخر سعة الشيء وانفساحه» (جـ١ صـ١٧٤). ↩
- العين جـ٣ صـ٢١٩، ونسبَه الأزهريُّ إلى الليث: «وقال الليثُ: سُمي البحرُ بَحْراً لاستبْحاره» (التهذيب جـ٥ صـ٢٥). وفي الموضع نفسِه قولٌ منازِع: «وقال غيره: سمي البحرُ بحراً لأنّه شقَّ في الأرض شقّاً… والبحرُ في كلام العرب الشقّ». والبَحْنانة في التهذيب جـ٥ صـ٧٦، ونصُّها: «الجُلَّة العظيمة البحرانية التي يحمل فيها الكنعد المالح»؛ والبحثُ في العين جـ٣ صـ٢٠٧. ↩
- الجمهرة جـ١ صـ٢٧٤ (البَراح)؛ والعين جـ٣ صـ٢١٦ (أرض بَراح)؛ والعين جـ٣ صـ١٧٤ (بطح)؛ والتهذيب جـ٤ صـ٢٧٤ (بذح)؛ والعين جـ٣ صـ٣١١ (بوح). ↩
- العين جـ٣ صـ٩٩. والوَتِد: ما يُغرَز في الأرض ليُشَدَّ إليه. ↩
- العين جـ٣ صـ٢٠٢ (ذبح)؛ والجمهرة جـ١ صـ٢٧٣. والنَّوافج: أوعيةُ المِسك. ↩
- العين جـ٣ صـ١٨٧؛ والغريب المصنَّف جـ٣ صـ٨٠١، وهو فيه عن الأمويّ. وجذرٌ آخرُ نُوزِعَ في صورته وقُدِّم فيه الأقدم: كَبَح - في العين جـ٣ صـ٦٦ «الكبح: كبحك الدابة باللجام، وهو قرعك إياها»، وفي الجيم جـ٣ صـ١٦٦ «كبح: الرد»؛ وفي الغريب المصنَّف جـ٣ صـ٨٧٣ عكسُه: «وهو أن تجذبها إليك باللجام لكي تقف ولا تجري». ↩
- العين جـ٣ صـ١٤٨. ↩
- العين جـ٣ صـ١٥٢ (النجوم والسابح)؛ والتهذيب جـ٤ صـ١٩٦ (اليَربوع). واليَربوع: دُوَيبّةٌ تَحفِر في الأرض. ↩
- العين جـ٣ صـ١٥١، ونسبَه الأزهريُّ إلى الليث: «سحب: الليثُ: السَّحْبُ جَرُّك الشيءَ على الأرض» (التهذيب جـ٤ صـ١٩٥)؛ ورجلٌ سَحبان في التهذيب جـ٤ صـ١٩٥. والذَّيل: ما جُرَّ من الثوب على الأرض. ↩
- العين جـ٣ صـ١٤٩-١٥٠. والحُسبانة: وِسادةٌ صغيرة (المقاييس جـ٢ صـ٦٠). ↩
- العين جـ٣ صـ١٥٠-١٥١. والحَبيس: الفرسُ يُوقَفُ في سبيل الله فلا يُباع. ↩
- فُحِصَ غيابُ (بسح) و(بحس) في سبعة معاجم - العين والصحاح والمقاييس واللسان والتاج والمحكم والعباب - بصيغ الفعل والمصدر واسم الفاعل ورؤوس الأبواب. وكلُّ ما ظهر باءُ جرٍّ داخلةٌ على غيرهما: «بحِسٍّ»، «بحُسْبانٍ». ↩
- عُدَّت المواضعُ على المصحف: سبح اثنان وتسعون في سبعٍ وثمانين آية، وحسب تسعةٌ ومئة في اثنتين ومئة، وسحب أحدَ عشر، وحبس موضعان. ↩
- وفي المعاجم أقوالٌ أخرى في سَبْح المزمّل، أقدمُها: «أي: فَراغاً للنَّوم، عن أبي الدُّقَيْش» (العين جـ٣ صـ١٥١)، و«قال الليثُ: معناه فراغاً للنوم» ومعه الفرّاءُ «ما تقضي حوائجك» وأبو إسحاق «فراغاً وتصرُّفاً» وابنُ الأعرابيّ «اضطراباً ومعاشاً» وأبو عبيدة «منقلَباً طويلاً» (التهذيب جـ٤ صـ١٩٦)؛ ونصُّ المحكم: «والسَّبْحُ التقلُّبُ والانتشارُ في الأرض، فكأنّه ضِدّ» (جـ٣ صـ٢١٣). ↩
- المقاييس جـ٣ صـ١٢٥، ونصُّه: «والتنزيه: التبعيد. والعربُ تقول: سبحان من كذا، أي ما أبعده». ↩
- المقاييس جـ٥ صـ٣٢٠. ↩
- العين جـ٣ صـ١٥٠. ↩
التعليقات (0)