أسرار قصة موسى مع الخضر


أسرار قصة موسى مع الخضر

من هو الخضر؟

بقلم علي موسى الزهراني

رجل يخرق سفينة قوم حملوه، ويقتل غلاماً يلعب، ويبني جداراً لقوم منعوه الطعام. وموسى ينكر عليه في المرات الثلاث، وإنكاره في محله في المرات الثلاث. ثم يأتي التأويل فينقلب المنكر كله معروفاً، ولم يتغير من الفعل شيء. فإذا فتحنا السورة وجدنا في ألفاظها سؤالاً بعد سؤال.

قال الخضر: ﴿وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا﴾ [الكهف: ٦٨]. فقال ﴿خُبۡرٗا﴾ ولم يقل نبأً ولا علماً، واللفظان متاحان. فما الذي حمله على هذا اللفظ دونهما؟

ثم اشترط عليه فقال: ﴿قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا﴾ [الكهف: ٧٠]. فبدّل اللفظ في السياق نفسه، فوعده بالذكر بعد أن نفى عنه الخبر. فلِمَ عدل عن لفظه الأول؟

والسورة نفسها استعملت الألفاظ الثلاثة في قصصها الثلاث: قال في أصحاب الكهف ﴿نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣]، وقال في ذي القرنين ﴿قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا﴾ [الكهف: ٨٣]، وقال في هذه ﴿خُبۡرٗا﴾. ثلاثة ألفاظ في سورة واحدة، كلٌّ في قصة. أمصادفة هي؟

وساق تأويله على ثلاثة ضمائر لا تختلط: ﴿فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا﴾ في السفينة، و﴿فَخَشِينَآ﴾ و﴿فَأَرَدۡنَآ﴾ في الغلام، و﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ في الجدار. ثلاث حوادث وثلاثة ضمائر، وموسى لم ير معه أحداً في واحدة منها. فمن هؤلاء الذين خشوا وأرادوا؟

وقال ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا﴾ [الكهف: ٧٩]، والقوم في البحر لا خلف لهم فيه ولا أمام. فما الوراء ههنا؟

ودخلا ﴿أَهۡلَ قَرۡيَةٍ﴾ [الكهف: ٧٧]، ثم قال ﴿فِي ٱلۡمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ٨٢]. فلفظتان لموضع واحد في قصة واحدة. فما وجه التفريق؟

وموسى لا يطيق الظلم، وقد رأى غلاماً يُقتل بين يديه فلم يتدخل، وإنما أنكر بعد وقوع الفعل. فما الذي منعه؟

وحملا حوتهما في وعائهما، ثم ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ سَرَبٗا﴾ [الكهف: ٦١]، فحكاه الفتى على أنه عجب. وحوتٌ في وعاء لا يخرج منه بنفسه، ولا يحفر في الماء نفقاً. فما الذي رآه الفتى حتى عدّه عجباً؟

فهل في ألفاظ القصة نفسها جواب هذا كله؟

أولاً: الرحلة، أين كانت ومتى

لم تقل السورة سبب الرحلة ولا زمانها، وإنما ابتدأت بموسى قد عزم:

﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا﴾ [الكهف: ٦٠]

فالواضح أنه كان يبحث عن الخضر، وأنه عرف الغاية قبل أن يخرج.

فأين كان المكان؟

يتبين من السورة أنه بجوار البحر، فقد هرب الحوت في الماء، ثم ركبا السفينة بعدها. فهي منطقة ساحلية بحرية.

وههنا دقيقة في اللفظ. فقد قال في الغاية ﴿مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ﴾، ثم لم يقل «فلما بلغا مجمع البحرين»، بل قال:

﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجۡمَعَ بَيۡنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ سَرَبٗا﴾ [الكهف: ٦١]

فقال ﴿مَجۡمَعَ بَيۡنِهِمَا﴾. فههنا مجمعان لا مجمع واحد: مجمع البحرين الذي هو غايته، ومجمعٌ آخر وسطيٌّ بينهما هو الذي بلغاه. فليس مجمع البحرين مكاناً واحداً محدداً كما يُتصوَّر.

ثم استظل بالصخرة، وهذا يدل على أن المنطقة صحراوية لا شجر فيها، فمن وجد شجراً لم يأوِ إلى حجر.

ومتى كانت؟

لو حددنا التاريخ لحددنا بالتقريب المكان. والاحتمالان اثنان: أن تكون في شباب موسى حين كان في بيت الفراعنة، أو أن تكون في حياته بجوار مدين عند الشيخ أبي البنتين.

ونرجّح أنها في فترة الرعي والخدمة، فقد كان يبحث عن ربه بشدة في تلك الفترة، فقيل له إن هناك رجلاً له عجائب وغرائب، وأنه بالقرب من مجمع البحرين.

والذي نؤكده أنه لم يكن قد نال النبوة بعد. فهو بعدها انشغل تماماً عن التعلم وتفرغ لإدارة قومه. ثم إنه قال:

﴿قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا﴾ [الكهف: ٦٩]

فلم يقل «أنا صابر»، بل قال ﴿سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا﴾ ثم لم يصبر. والصبر أن تتحمل الألم وتوقن أن النتيجة ستكون طيبة، وموسى لم يكن موقناً بنتيجة ما رآه فلم يتحمل. ورجل يَعِد بما لا يعلم من نفسه ليس على حال النبي الذي يوحى إليه.

ثم ما قصة الحوت؟

الواضح أن الحوت كان مطبوخاً جاهزاً. والدليل في النص نفسه:

﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبٗا﴾ [الكهف: ٦٢]

فلم يقل «اطبخ غداءنا»، بل قال ﴿ءَاتِنَا غَدَآءَنَا﴾. والإتيان إحضار شيء معدّ، لا صنعُ شيء لم يُصنع. وههنا العجيبة: فهو ميت مطبوخ، ثم تحوّل إلى حي.

وقد تكون الصورة على وجه آخر: أن يحمل الخادم الحوت في كيس وهم يمشون على الساحل، فلا يموت لأن الماء يبلغ السلة وهم على الشاطئ، فيستطيع أثناء نوم موسى أن يخترق السلة ويهرب. غير أن الذي نراه أن الصواب هو الأول: حوت مطبوخ خرج من الجعبة وسار نحو الساحل. وربما كان ﴿سَرَبٗا﴾ طريقة سيره لا نفقاً حفره.

ونلاحظ أن الخادم لم يفزع ولم يرتعب، وإنما حكاه على أنه عجب، والعجب بروز شيء متميّز عن نسق ما حوله فيستوقف النظر:

﴿قَالَ أَرَءَيۡتَ إِذۡ أَوَيۡنَآ إِلَى ٱلصَّخۡرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبٗا﴾ [الكهف: ٦٣]

فقد كان عنده علم أن عجائب ستحدث في ذلك الموضع، فلهذا كان موقفه تعجباً لا رعباً وخوفاً.

وهذا يحملنا على القول إن حركة ملائكية هي التي تدخلت فأحيت الحوت، وغرضها تنبيه موسى أنه قد بلغ المكان المقصود. وقد يكون من فعل الخضر نفسه، والأمر ليس بمستحيل، فكما كان لعيسى قدرة على الإحياء فكذلك يكون للخضر، فأحياه في أثناء نوم موسى رحمةً منه أو ليدلّه على مكانه. ومهما يكن الفاعل فإن موسى استدلّ به مباشرة على أنه قد قرب من الرجل.

ونلاحظ في اللفظ نفسه أن النسيان ليس خواء الذهن من الخبر، وإنما هو ما يشبه الإهمال وجعل الشيء الواجب درجة ثانية في الذاكرة. ولم يقل «نسيا حوتاً» بل قال ﴿حُوتَهُمَا﴾ بالإضافة إليهما، فهو زادهما المحمول معهما. فالخادم كان يذكر الحوت وفعله ذكراً جيداً، غير أنه تشاغل عن إخبار موسى به، ثم عدّ تشاغله من فعل الشيطان. فالشيطان لا يقدر أن يضرّ ذاكرة الإنسان، وإنما يقدر أن يشغله بأمر آخر.

ثم كيف عرف موسى الرجل؟

عاد موسى ولم يحدد النص أين لقيه، أعند الصخرة نفسها أم في قارعة الطريق:

﴿قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا﴾ [الكهف: ٦٤]

ونتعجب كيف كلّمه مباشرة. أسأله من أنت فقال أنا الخضر؟ أم كان له اسم معروف عند أهل المنطقة فناداه به فعرفه؟ والنص لم يفصّل، فلا نزيد عليه.

وأعجب منه: كيف عرف موسى مكانه أصلاً؟ أكان يأتيه الوحي؟ فإن كان يأتيه الوحي فلماذا كل هذا العناء والذهاب والإياب، ولماذا لم يُخبَر بالمكان على وجه الدقة؟ وهذا يدل على أنه قابل الخضر قبل النبوة.

ثم لماذا منعه من السؤال؟

قال له ﴿فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا﴾ [الكهف: ٧٠]. وهذا قد يبين أنه بشري لا يتحمل السؤال المكرر، فربما احتاج ذهنه إلى استرخاء ليركّز على تلك العلوم التي تكشف له الأخبار، أي ما يحدث الآن. والملك لا يُعييه سؤال ولا يحتاج إلى تفرغ ذهن.

وإن كان بشرياً فسؤالان آخران يبقيان: كيف كان ينفق على نفسه؟ وهل كانت له أسرة يهتم بها؟ والنص ساكت عن هذه الأمور.

ثم أين ذهب الخادم؟

القصة تؤكد أن الذي رافق الخضر هو موسى وحده، فقد جاء الفعل مثنى ﴿رَكِبَا﴾ و﴿فَٱنطَلَقَا﴾ و﴿أَتَيَآ﴾، ولم يُذكر الفتى بعد الصخرة البتة. فلماذا لم يرافقهما؟

نحسب أن الخضر اشترط رجوعه، أو أن موسى صرفه. وموسى نفسه لم يحتمل ما رأى، فالفتى أولى بألا يحتمله.

ثانياً: قال خُبْراً ولم يقل نبأً

وقد مرّ بنا قوله ﴿مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا﴾. فلم يقل «نبأً» ولا «علماً»، بل قال ﴿خُبۡرٗا﴾. وفي اللفظة كلها البوصلة.

فالخبر هو المعلومة الحية الحالية الآنية التي فيها استمرار، ليست من الماضي ولا من المستقبل. والنبأ أخبار الماضي أو المستقبل، أما الحاضر المستمر فيسمى خبراً. فالفرق بينهما ليس في مقدار العلم، بل في زمن الواقعة.

فما فائدة هذا التفريق ههنا؟

فائدته أن كل ما فعله الخضر كان يقع في تلك اللحظة، لا في مستقبل يُستشرف. فالملك خارج بجنوده الآن يطلب السفن، فأسرع الخضر يعيب السفينة قبل أن يبلغها الملك. والغلام يُرهق منذ مدة أبويه ولا يزال مستمراً، فأسرع إليه. والجدار متفكِّك الأجزاء الآن على وشك أن ينقضّ فيظهر ما تحته، فأسرع فأقامه.

ثلاثة أعمال مستعجلة، والذي يميّزها كلها أنها جارية في الحال وموسى لا يراها. ولهذا قال خُبْراً ولم يقل نبأً.

ونلاحظ أن السورة وزّعت الألفاظ الثلاثة على قصصها. فقال ﴿نَبَأَهُم﴾ في أصحاب الكهف لأنه خبر أمة مضت غائب عن السامع، وقال ﴿ذِكۡرًا﴾ في ذي القرنين لأنه مستقرّ في مستودع المعلومات، يُحضَر ويُقدَّم، ولم يقل في واحدة منهما «خُبْراً». وإنما جاءت الخبرية في قصة الخضر وحدها، لأنها القصة الوحيدة التي تجري بين يدي الناظر وهو موسى.

ثم انظر إلى الشرط الذي اشترطه، فقال ﴿حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا﴾. فلم يقل «حتى أحدث لك منه خبراً»، بل قال ﴿ذِكۡرٗا﴾. والذكر إحضار وتقديم لما استقر في الذاكرة. فالواقعة حين تقع وتستمر تكون خبراً، فإذا مضت صارت في الذاكرة، فعندها يُحدِث له منها ذكراً، أي يستخرجها من مخزونه فيقدّمها مفسَّرة. والمعلومات موجودة عند الرجلين، غير أنها عند موسى مبهمة، وعند الخضر مفسَّرة.

فلم يَعِده بأن يزيده معلومة، وإنما وعده بأن يجلّي له ما رآه بعينه.

ثالثاً: السفينة والملك القادم

قال المولى:

﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا﴾ [الكهف: ٧١]

وهذا يدل على أنهما لم يبتعدا عن مجمع البحرين، فالبحر ما زال إلى جوارهما.

وقد ركبا مجاناً فيما نرجّح، ودليله في النص:

﴿أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا﴾ [الكهف: ٧٩]

فلم يقل «لقوم يعملون في البحر»، بل قال ﴿لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ﴾، فهم عاملون فيه لا ناقلون عليه. وسفينتهم سفينة صيد لا سفينة أجرة، ومن ركب سفينة صيد فإنما يركبها بمعروف من أهلها.

فلماذا استُعملت لفظة الوراء؟

الوراء ما حدث في الخفاء فجاوز حدّ الإدراك ولم يُحتسب، وليست جهةً خلف الظهر. فالملك لم يكن خلفهم في المكان، وإنما كان أمره خافياً عنهم. وهو في تلك الساعة خارج بجنوده يطلب السفن، والقوم في البحر لا يعلمون. ولو بلغهم خبره ما خرجوا أصلاً.

ولهذا كان الفعل مستعجلاً. فالخضر لم يقل «سيأخذها ملك»، بل حكى واقعاً جارياً. ولم يخرقها خرقاً يُغرقها، وإنما ﴿فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا﴾، فأحدث فيها عيباً لا يُغرق أهلها، حتى إذا مرّ بها الملك رآها معيبة فتركها.

ونلاحظ أنه كان يأخذها غصباً ولا يصلح معيبها، فهو في عجلة، ولو كان الغصب عادته لعرفه الناس واحترسوا منه.

واندهاش موسى في محله لا يُلام عليه. فرجل يخرق سفينة قوم حملوه بمعروف، هذا في ظاهره جناية. ولهذا قال ﴿إِمۡرٗا﴾، وهي عند مجاهد المنكَر وعند أبي عبيدة الداهية العظيمة. وعمل الخضر مع ذلك كان نبيلاً، فقد عرّض نفسه لأذاهم لو رأوه، وفعل ما فعل من أجلهم.

رابعاً: الغلام الذي يُرهق أبويه الآن

ثم كانت الثانية:

﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا﴾ [الكهف: ٧٤]

وقال فيها ﴿نُّكۡرٗا﴾ بعد أن قال في السفينة ﴿إِمۡرٗا﴾، والنكر ما تنكره النفس وتستقبحه. وفرّق ابن عطية بينهما فقال إن الإمر فساد متوقَّع لم يقع بعد، فأهل السفينة لم يغرقوا، وأما النكر ففساد قد وقع، فالغلام قُتل.

وتأويلها:

﴿وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا﴾ [الكهف: ٨٠-٨١]

ونلاحظ أن القرآن لم يقل إن الغلام كان كافراً، بل قال ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا﴾. فالخشية على الأبوين لا على الغلام. والإرهاق أن يُغشيهما ويُكلِّفهما ما لا يطيقان، والطغيان ارتفاع القوة أو الرغبة فوق الحد الذي يضبطها حتى تفيض آثارها خارجه. فالفيض واقع على الأبوين، والحمل عليهما، والأمر جارٍ في الحال.

فكم كان سنّه؟

اختلف فيه أهل التفسير. فالجمهور على أنه لم يبلغ، وحجتهم أن موسى سمّاه ﴿نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ﴾ والزكية الطاهرة من الذنوب التي لم تتلوث. ونقل القرطبي عن الكلبي أنه كان بالغاً يقطع الطريق، وحجة هؤلاء قوله ﴿بِغَيۡرِ نَفۡسٖ﴾، إذ لو كان صغيراً لم يُحتج إلى نفي القصاص عنه. والراهق في لسان العرب ابن العشر إلى إحدى عشرة.

فهل كان يؤذيهما في تلك اللحظة بعينها؟

لا يعقل ذلك وهو يلعب حين لقياه. وإنما نحسب أن إرهاقه لهما حال قائمة مستمرة، وأن الخضر إنما سافر لهذه المهمة بعينها ولعلها أصل الرحلة. فالحال قائمة الآن وإن لم تكن الفعلة واقعة في تلك الدقيقة.

ثم قال ﴿أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ﴾، والإبدال أن تترك ما هو قليل النفع مقابل كثير النفع لك، فلا يقوم إلا بذاهب وقائم مقامه. والزكاة ههنا الطهارة والنقاء كما في ﴿زَكِيَّةَۢ﴾ نفسها. فالفعل طرف من معاوضة لا إعدام مجرد.

فلماذا لم يتدخل موسى وهو الذي لا يطيق الظلم؟

الجواب في لفظة القتل نفسها. فالقتل تقييد يُحكم السيطرة، ثم ضرب أو طعن متتابع على النقطة نفسها ينتهي بسقوط المقتول. وهذا فعل سريع محكم، يبدأ بإمساك يمنع الحركة وينتهي في لحظة. فلم يكن لموسى فيه مهلة يتدخل فيها، ولهذا لم يملك إلا الإنكار بعد وقوعه.

خامساً: الجدار الذي يكاد أن ينقضّ

ثم كانت الثالثة:

﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا﴾ [الكهف: ٧٧]

وههنا دقيقة في اللفظ. فالنص قال ﴿أَهۡلَ قَرۡيَةٍ﴾، ثم قال في التأويل ﴿فِي ٱلۡمَدِينَةِ﴾. والقرية هي الدولة بمدنها وتوابعها، والمدينة هي العاصمة أو أكبر تجمع سكاني فيها. فلم يقل «أتيا أهل مدينة» ولا قال «لغلامين يتيمين في القرية»، بل فرّق بينهما تفريقاً مقصوداً: دخلا الدولة، وكان الجدار في عاصمتها.

ولو كانت القرية ريفاً صغيراً ما كان لها عاصمة، ولما احتاج النص إلى لفظتين.

وأما الجدار فقال فيه ﴿يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾، فهو في تلك الساعة متفكك الأجزاء وسقوطه واقع لا محالة. وهذا أمر حاضر جارٍ، لا مستقبل يُستشرف. وموسى رأى جداراً قائماً منصوباً أمامه، والخضر رأى ما في باطنه.

وتأويله:

﴿وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا﴾ [الكهف: ٨٢]

فالكنز تحت الجدار مستور، وسقوطه يكشفه فينهبه أهل المدينة قبل أن يبلغ الغلامان أشدهما، وهي سنّ القوة والتمام.

وقد قال المولى ﴿وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا﴾ ونسبه إليهما، فهما يعلمان به. ولو كانا يجهلانه لما صحّ أن يُقال يستخرجانه. وإنما أخفاه أبوهما عن أهل القرية لا عنهما.

وهذه وحدها هي التي نُسبت الإرادة فيها إلى الله وحده ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾، ثم ختمها بقوله ﴿وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِي﴾.

سادساً: الضمائر الثلاثة

وههنا موضع يستوقف كل قارئ. فقد ساق الخضر تأويله على ثلاث درجات لا تختلط:

في السفينة ﴿فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا﴾ مفرداً. وفي الغلام ﴿فَخَشِينَآ﴾ و﴿فَأَرَدۡنَآ﴾ جمعاً. وفي الجدار ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ فنسب الإرادة إلى المولى وحده. ثلاث حوادث وثلاثة ضمائر، ولو كان الأمر واحداً لجاء الضمير واحداً.

فالأول لم يأته فيه أمر، فنفّذه بنفسه لأن الملك مقبل والوقت ضيق.

والثاني قرار جماعي، ولعل قتل النفس مما لا يُنفرد به. ولعل الرحلة كلها كانت خطة مرسومة على هذا الغلام بعينه، فاشترك في تدبيرها جمع، والمريدون كلهم أرادوا أن يبدل الله أبويه خيراً منه.

والثالث أمر مباشر من الله، ولهذا لم ينسبه إلى نفسه ولا إلى الجمع.

فمن هؤلاء الذين شاركوه، ولم يرَ موسى معه أحداً؟

هذا موضع لا نجزم فيه. فالذي رآه موسى أن الخضر وحده هو الذي قتل، وأنه وحده الذي خرق، وأنه وحده الذي أقام. ولم يشاركه موسى في فعل من الثلاثة، ولا ظهر معه شريك. فإن كان الشركاء ملائكة فهم لا يُرَون، وشركتهم في التدبير والتنفيذ الخفيّ لا في المباشرة الظاهرة. وهذا كله بحسب ما ظهر، والله أعلم بمراده.

سابعاً: ثلاث إساءات قوبلت بثلاث إحسانات

وههنا أمر عجيب لا يُلتفت إليه، وهو أن الخضر أحسن في الحالات الثلاث كلها، وأن الإحسان في كل واحدة وقع في موضع الإساءة.

فأصحاب السفينة حملوه بمعروف، فكان جزاؤه في الظاهر أن يثقب سفينتهم. والذي فعله في الحقيقة أنه أنقذها لهم من الغصب.

والأبوان لم يُسِئا إليه، وإنما كانا مؤمنين، فأحسن إليهما بما ظاهره أفجع ما يقع بأبوين.

وأهل القرية منعوه الطعام وردّوه، ثم أقام لهم جداراً بلا أجر. ولم يُحسن إليهم هم، وإنما أحسن إلى غلامين بينهم، وسبب الإحسان أن أباهما كان صالحاً ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢].

فأبٌ صالح مات، وبقي صلاحه يعمل لولديه بعد موته. فجزاء العمل الصالح تُجنى ثماره وإن تأخرت، وقد تُجنى بعد أن يموت صاحبها.

وفي هذا ثلاثة أمور تُستفاد:

أن نُحسن وإن أُسيء إلينا، فأهل القرية منعوا الطعام فأُقيم لهم جدارٌ في بلدهم.

وأن نُحسن بما هو صواب لا بما يُرضي، ولو كان ظاهره الضرر وغضبَ من نُحسن إليه. فأصحاب السفينة لو رأوه لأذوه، وموسى نفسه أنكر عليه ثلاثاً.

وأن جزاء العمل الصالح لا يضيع وإن تأخر، وهو ما قررته السورة نفسها في وسطها:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]

فلم يقل «أجر من أحسن قولاً»، بل قال ﴿أَحۡسَنَ عَمَلًا﴾. وهو الميزان الذي افتتحت به السورة ﴿لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا﴾.

ثامناً: سرّ السورة، عطاء الله لغير الأنبياء

فما الذي جمع قصص هذه السورة الأربع؟

تفتتح السورة بالحمد على عطاء:

﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا﴾ [الكهف: ١-٢]

كتابٌ لا عوج فيه، قيّمٌ، أُنزل على عبدٍ، ومن لدنه. ثم تُري السورة هذا العطاء نفسه واقعاً في أربعة من غير الأنبياء.

فالفتية سألوه فأعطاهم:

﴿إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا﴾ [الكهف: ١٠]

ورجلٌ في مثَل جُعلت له جنتان:

﴿۞ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا﴾ [الكهف: ٣٢]

وعبدٌ لم يُسمَّ أُوتي رحمة وعُلِّم علماً:

﴿فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا﴾ [الكهف: ٦٥]

وذو القرنين مُكِّن وأُوتي:

﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا﴾ [الكهف: ٨٤]

ولا نبيَّ في الأربعة. ولفظ «نبي» ومشتقاته لا يقع في السورة كلها البتة، ولا فيها من مادة الرسالة إلا موضع واحد في غيرهم ﴿وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [الكهف: ٥٦]. وموسى وحده هو النبي المسمّى فيها، وقد جاء طالباً يتعلم لا ممنوحاً، ثم لم يصبر ثم فُورق.

فالعبرة إذاً ليست في العطاء، بل في نسبته إلى معطيه. ولهذا كان صاحب الجنتين هو الشاهد المخالف: فعطاؤه وحده جاء بالأسباب المعتادة، جنةٌ تنبت بماء وتربة، فالتبس عليه فنسبها إلى نفسه:

﴿وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا﴾ [الكهف: ٣٤]

ونومُ ثلاثمئة سنة، وعلمُ ما يجري خفياً، وتمكينُ الأرض، لا يتوهمها أحد من كسبه. فذاك موضع الالتباس وحده، وفيه وقع. وعُوتب بنص صريح:

﴿وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا﴾ [الكهف: ٣٩]

أي كان الواجب أن ينسبه إلى معطيه. وهو وحده الموصوف في السورة بالشرك ﴿يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا﴾، وبه خُتمت السورة تحذيراً ﴿وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾.

تاسعاً: فالخضر بشر عادي

وبهذا تنحلّ المسألة التي أكثر الناس فيها.

فالخضر أحد الأربعة الممنوحين في هذه السورة، وكلهم من غير الأنبياء ومن البشر. والفتية بشر قطعاً، وقد سألوا ﴿ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ﴾، وأُوتي الخضر ﴿رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا﴾ باللفظ نفسه. فالباب الذي أُعطي منه هو الباب الذي سأل منه الفتية.

ولو كان ملكاً لخرج عن نظم السورة كلها، إذ ليس في عطاء الملائكة عبرةٌ لأحد، وإنما العبرة أن يُعطى بشرٌ ليس بنبي.

ويشدّ هذا ما مرّ بنا: أنه استطعم أهل القرية بصيغة المثنى، وأن قوله ﴿فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا﴾ إرادة باشرها من غير أمر جاءه، وأنه منع موسى من السؤال، والملك لا يُعييه سؤال ولا يحتاج إلى تفرغ ذهن.

وليس بنبي أيضاً، فمهمة النبي فكرية تنقذ أمة، ومهمة هذا إنقاذ أفراد بأعيانهم من ضرر واقع. ولم يعرض على موسى ولا على فتاه عقيدة ولا شريعة.

فهو رجل من الناس، آتاه الله رحمة من عنده وعلّمه من لدنه علماً. ولا حاجة بنا إلى أكثر من هذا.

عاشراً: فكيف كان يبلغه هذا العلم؟

وقد يسأل سائل: بأي طريق كان يصل هذا العلم اللدني إلى الخضر؟

ونرجّح على قدر علمنا المحدود أنه كان يرى رؤيا تدفعه إلى ما يفعل. فالرؤيا باب عظيم، وقد أُمر بها بعض الأنبياء أمراً مباشراً عاجلاً:

﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]

ثم قال المولى ﴿قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآ﴾ [الصافات: ١٠٥]، فجعلها أمراً يُصدَّق ويُنفَّذ.

ومنها ما هو استشرافي يُري صاحبَه ما سيكون. فأُري الرسول ﷺ قومَ بدر في منامه:

﴿إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣]

وأُري يوسف مستقبله في صورة رمزية ﴿إِنِّي رَأَيۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبٗا﴾ [يوسف: ٤]، وأُري ملك مصر مجاعة قومه في صورة رمزية كذلك ﴿سَبۡعَ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ﴾ [يوسف: ٤٣].

فنرجّح أن الخضر رأى الغلام والغلامين في المنام: رأى الأبوين يناديانه أن أنقذهما، ورأى الغلامين يناديانه، أو رأى أباهما الميت الصالح يناديه أن ينقذهما.

وأما السفينة فيبدو أن أمرها كان طارئاً، ولهذا نسب فعلها إلى نفسه ﴿فَأَرَدتُّ﴾ ولم ينسبه إلى المولى.

الخاتمة

افتتحنا بسؤال: ما الذي غاب عن موسى وحضر للخضر؟

والجواب أنه لم يغب عنه علم مستقبل، وإنما غاب عنه خبر حاضر. فالملك خارج الآن، والغلام يُرهق أبويه الآن، والجدار متفكِّك الآن. ثلاثة أحداث جارية في اللحظة نفسها، أحدهما يراها والآخر لا يراها، فحكم كلٌّ بما بلغه.

ولهذا قال ﴿خُبۡرٗا﴾ ولم يقل نبأً، ثم وعده بـ﴿ذِكۡرٗا﴾ لا بعلم، لأن الأمر لم يكن ينقصه إلا أن يستقر في الذاكرة فيُجلّى.

وحين جلّاه له انقلب المنكر معروفاً في لحظة، ولم يتغير من الفعل شيء، وإنما تغيّر ما أحاط به من خبر.

هذا والله أعلم

التعليقات (0)