تفسير آية: يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا
نبأٌ سبق قافلته بشهر، وقومٌ لا يعرفون من الدنيا إلا مَن عَلا فيها
كانت فارس والروم في حرب طويلة، فانكسرت الروم على تخوم الشام بين أذرعات وبُصرى. وبلغ الأمرُ مكة فشقّ على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين، وفرح المشركون. ونقل النسفيُّ قولهم كما أورده ابن عجيبة في البحر المديد: «أنتم والنصارى أهل الكتاب، ونحن وفارس أُمِّيُّون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنَظهرنَّ نحن عليكم».[1]
ونلاحظ أن هذه ليست شماتة عابرة. هي قياسٌ تامّ الأركان: نتيجةُ معركةٍ في أدنى الأرض تُقرأ حكمًا على النبوة في مكة. وتحته قياسٌ أخفى منه: أنّ إلهًا لا يدفع عن أوليائه إلهٌ بعيد، فما بقي إلا الوسائط والأسباب. فبأيّ شيء ردّ النص الكريم؟
﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ﴾ [الروم: 2]
﴿فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ﴾ [الروم: 3]
﴿فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [الروم: 4]
﴿بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الروم: 5]
ثم جاء الحكم على علمهم في آيتين متتابعتين:
﴿وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: 6]
﴿يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]
وقبل أن نسأل: ما هذا «الظاهر» الذي يعلمونه؟ يعرِض سؤالٌ هو أوّل منه: من أين علموا أصلًا؟
أولًا: أخبرٌ معلوم عندهم، أم نبأٌ سبقهم به الوحي؟
المشهور في كتب التفسير أن الخبر بلغ مكة أوّلًا، ثم نزلت الآيات. والذي أرجّحه خلافه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرهم بالهزيمة قبل أن تصل، وأنّ «غُلِبَتِ ٱلرُّومُ» نبأٌ لا تذكير. ولي على ذلك أربعة أوجه، ثم أذكر ما يَرِد عليها.
الوجه الأول: المسافة والقافلة
بين مواضع القتال على تخوم الشام وبين مكة نحو ألفٍ ومئتَي كيلومتر. ولم يكن ثمّ بريدٌ ولا حركةُ نقلٍ سريعة، وإنما قوافل تسير سيرًا بطيئًا في مراحل. فالخبر يقطع هذه المسافة في شهر، وربما في شهرين. فبين وقوع الحدث وبلوغه مكةَ فجوةٌ لا يملأها شيء إلا الوحي.
وهذا الوجه يثبت الفجوة ولا يثبت وحدَه من ملأها. فما الذي يدلّ على أنّ الذي ملأها هو النص؟
الوجه الثاني: لم يقل «إذ» ولا «وأنتم»
إذا ذكّر القرآن قومًا بواقعةٍ شهدوها ربطها بهم برابط. فقال في بدر:
﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123]
وقال في حنين:
﴿لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ﴾ [التوبة: 25]
وقال في الغار، وحدّد الموضع:
﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40]
فانظر: «وأنتم أذلّة»، «إذ أعجبتكم كثرتكم»، «إذ هما في الغار». تذكيرٌ مشدودٌ إلى مَن حضر.
ثم انظر إلى الروم: «غُلِبَتِ ٱلرُّومُ». لا «إذ»، ولا «وأنتم»، ولا «لقد». جملةٌ خبريةٌ مجرّدة عن كل ما يشدّها إلى ذاكرة السامع. فلم يخرج الكلام مخرج التذكير، بل مخرج الإخبار. وفرقٌ بين أن يقال لك «تذكر يوم كذا» وأن يقال لك «وقع كذا».
الوجه الثالث: تحديد الموضع
ولو كان الخبر عندهم بتفاصيله من أفواه التجار، فماذا يفيدهم قولُه «فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ»؟ ومَن عنده الخبر مفصَّلًا لا يُحتاج معه إلى تحديد مكانه.
على أنّ في «أدنى الأرض» وجهًا آخر لا يعارض هذا بل يزيده، وسيأتي في موضعه.
الوجه الرابع: الحروف المقطّعة وما يليها
وهذا أعجب ما وقفتُ عليه. فقد استقريتُ سور القرآن المفتتحة بحروف مقطّعة، ونظرتُ ماذا يلي الحروفَ مباشرة، فإذا هو على أربعة أنحاء:
| ما يلي الحروف | السور |
|---|---|
| ذِكرُ الكتاب أو القرآن | البقرة، الأعراف، الشعراء، القصص، لقمان، السجدة، يس، غافر، فصلت، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف، ص، ق، القلم |
| صفةُ الله أو رحمته | آل عمران، مريم، طه |
| خطابُ الناس بالفتنة | العنكبوت |
| خبرٌ دنيويٌّ مؤرَّخ | الروم وحدها |
فليس في القرآن سورةٌ مقطّعةٌ يليها نبأُ حربٍ إلا الروم. والحروفُ المقطّعة إنما تُدخل الوحيَ وتؤذن به؛ ولهذا يليها في عامة السور ذكرُ الكتاب. فإذا وليها ههنا «غُلِبَتِ ٱلرُّومُ»، فقد قُدِّم الخبرُ في مقام يُقدَّم فيه الكتاب. أي إن الخبر نفسه معروضٌ على أنه من المُنزَل، لا من المتداوَل. ولعله من أنباء المستودع العظيم عند الله، لا من أنباء القافلة.
وهذا كلّه ترجيحٌ مني، والله أعلم بمراده. فما الذي يَرِد عليه؟
ما يَرِد على هذا
يَرِد عليه أمران.
أما الأول فأن كتب التفسير تنصّ على أن الخبر بلغ مكة ثم نزلت الآية، وأن المشركين فرحوا وشمتوا قبل النزول. ولم أقف على روايةٍ واحدة تجعل الرسول هو المخبِر الأول. وأنا من هذا على علم، ولا أدّعي أن معي فيه نقلًا.
وأما الثاني فأنّ الحجّة إنما تقوم على مقدّمةٍ يسلّمها الخصم؛ فلو لم يعلموا الهزيمة لم يكن لهم فرحٌ يُردّ عليهم.
والجواب أنّ هذا الاعتراض ينقلب حجّةً لنا إذا تُؤمّل. فإنهم إن سمعوا الخبر منه، فقد صدّقوه في شطره وكذّبوه في شطره: قبلوا «غُلِبَتِ ٱلرُّومُ» لأنها تسرّهم، وردّوا «سَيَغۡلِبُونَ» لأنها تسوءهم. ولهذا جُعل الشطران في نَفَسٍ واحد وفي آيةٍ واحدة، حتى لا يُفرَّق بينهما. وهذا وجهٌ لطيف، غير أنه استنباطٌ من البناء لا خبرٌ مرويّ، فليؤخذ بقدره.
احتمالٌ لا أرجّحه
وقد يقال: بل تُرك الخبر يأتيهم من طريق قريش تمحيصًا للمؤمنين، فإنّ وقْعه عليهم من أفواه خصومهم أشدّ.
وهذا وجهٌ له حظٌّ من النظر، ولا أرجّحه. فإن القرآن يحرص على السَّبق في الأنباء الغيبية، وهو من أظهر أدلّة صدق الرسول. ولو كان الخبر قد ظهر وبان لما احتاج النص إلى ذكره أصلًا، ولاكتفى بأن يقول: ستغلب الروم بعد حين. فأيّ فائدةٍ للقارئ في «غُلِبَتِ ٱلرُّومُ» وهي عنده؟
ثانيًا: فلماذا سلّط الله الفرسَ على الروم؟
بقي سؤالٌ لا يستقيم فهم السورة بدونه: إن كان الأمر لله، فلمَ أذِن بهزيمة أهل الكتاب أوّلًا ثم بغلبتهم آخرًا؟
والجواب في السورة نفسها، في آيةٍ من وسطها لا من مطلعها:
﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ [الروم: 41]
فتأمّل قيدين فيها. قال «بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ» ولم يقل كلَّه؛ فهي كسرةٌ لا استئصال. وقال «لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ» ولم يقل ليهلكوا؛ فالغاية الرجوع لا الإفناء. فالضربةُ تأديبٌ يُراد به الرجوع، لا حكمٌ نهائيّ على أهلها.
وقد كانت الدولة الرومية يومئذ قد أوغلت في القهر الديني، فاضطهدت الكنائس المخالفة لمذهب الإمبراطورية، وثبت اضطهادها لليهود، وزاد بذلك غرورها. وهذا التقييد لازم؛ فليست السلطة الرومية المعتدية هي النصارى جميعًا.[2]
ولو لم تُصَبْ بمثل هذه الكسرة لطمعت فيما هو أبعد. وليس هذا فرضًا نفرضه؛ فقد وقعت المحاولة وفشلت. ذكر الزبير بن بكّار - كما نقله الكلاعي في الاكتفا - أنّ عثمان بن الحُوَيرث قدم على قيصر فتنصّر وحسنت منزلته عنده، وأنّ قيصر ملّكه على أهل مكة وكتب له إليهم كتابًا، فأنِفَت قريش أن تدين لأحد، وصاح فيهم أبو زمعة الأسود بن المطلب في الطواف: «إنّ قريشًا لِقاحٌ لا تُملَك ولا تَمْلِك»، فمنعوا عثمان.[3]
فههنا محاولةٌ رومية لنصب مَلِكٍ تابعٍ على مكة، وقعت قبل البعثة. [والوصلُ بينها وبين الكسرة استنباطٌ مني، لا نصّ فيه.]
فإذا كانت الكسرة تأديبًا، فلمَ رُدَّت إليهم الغلبة بعد بضع سنين؟
الجواب في المطلع نفسه:
﴿فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [الروم: 4]
﴿بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الروم: 5]
فلم يقل «لله الأمر من بعد» وحدها فيكون النصر وحده منه، بل قال «مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُ»، فجمع الهزيمة والغلبة في يدٍ واحدة. ثم سمّى غلبتهم الآتية «نَصۡرَ ٱللَّهِ» - وهم ليسوا مسلمين. ولو كان المولى بعيدًا كما تصوّرت قريش، فمن الذي نَصَر؟
وههنا لطيفة: قال «يَنصُرُ مَن يَشَآءُ» ولم يقل ينصر مَن يستحقّ. فالنصر قسمةٌ تُقسَم بمشيئة، لا أجرةٌ تُستحقّ بعمل. وهذا هو مفتاح السورة كلها، وسيتكرر أربع مرات كما سيأتي.
ثالثًا: الظهور ركوبُ الظَّهر، لا مجردُ الغلبة
ونعود إلى الآية. فالغَلَبة واقعةٌ تنتهي، والظهور مقامٌ يبقى بعدها. فالظاهر على غيره هو الذي علاه واستوى على ظهره، كما يركب الرجل دابته فتحمله. وهذا هو الأصل الحسّي في المادة، وقد جاء في القرآن على أصله مرتين:
﴿فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا﴾ [الكهف: 97]
فالسدّ لم يُقاتَل ولم يُغلَب، وإنما عجزوا أن يَعلوه. ولهذا قابله بالنقب: فوقَه أو من خلاله. ومثله:
﴿وَلَوۡلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ لَّجَعَلۡنَا لِمَن يَكۡفُرُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ لِبُيُوتِهِمۡ سُقُفٗا مِّن فِضَّةٖ وَمَعَارِجَ عَلَيۡهَا يَظۡهَرُونَ﴾ [الزخرف: 33]
معارجُ يعلونها. فههنا الظهور صعودٌ حسّيّ لا نزاع فيه.
وعلى هذا الأصل جرى المعنى السياسي. ونلاحظ أن الصيغة الاسمية جاءت في موضعين اثنين لا ثالث لهما، وكلاهما في المقام لا في المعركة:
﴿يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَاۚ قَالَ فِرۡعَوۡنُ مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ [غافر: 29]
فقُرن الظهور بالمُلك لا بيوم قتال، وقُيّد باليوم: «ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ». والثاني:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ لِلۡحَوَارِيِّـۧنَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٞۖ فَأَيَّدۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُواْ ظَٰهِرِينَ﴾ [الصف: 14]
وأما الفعل فيتعدّى بـ«على» في كل مواضعه:
﴿إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا﴾ [الكهف: 20]
﴿كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ﴾ [التوبة: 8]
﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة: 33]
فثبت أن الظهور في هذا الباب علوٌّ وتمكّن، لا مجردُ ربح جولة.
رابعًا: ولم يقل «غالبًا» وهو في يده
وههنا موضعٌ يُغفَل عنه. فالسورة تملك لفظ الغلبة وتستعمله ثلاث مرات في آيتين:
﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ﴾ [الروم: 2]
﴿فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ﴾ [الروم: 3]
فلو أراد المولى جلّ جلاله «يعلمون مَن غَلَب» لكان اللفظ حاضرًا بين يديه، وقد أداره على ثلاثة وجوه قبل ذلك بأربع آيات. لكنه عدل عنه إلى «ظاهرًا». فما وجه العدول؟
الوجه أن المعلوم عندهم ليس نتيجة الوقعة، بل المقام الذي نشأ عنها. فقريش لم تكن تُعنى بمن قُتل ومن انهزم، وإنما بمن صار له العلوّ في زمانهم. والعبرة عندهم بالراكب لا بالركضة.
خامسًا: ولم يقل «الظاهر» بل قال «ظاهرًا»
ولو قال «يعلمون الظاهر من الحياة الدنيا» لأفاد أنهم أحاطوا بكل ما ظهر في عصرهم من القوى. لكنه نكّره فقال «ظاهرًا»، وأدخل عليه «من» التبعيضية، فصار المعنى: ظاهرًا واحدًا من جملة الظواهر.
وقد فطن الزمخشري إلى فائدة التنكير وإن صرفها إلى غير هذا، فقال في الكشاف: «وفي تنكير الظاهر: أنهم لا يعلمون إلا ظاهرًا واحدًا من جملة الظواهر».[4] فالعبارة عنده في تقليل معلومهم، وهي عندنا في تعيينه: قوةٌ واحدة، في زمنٍ واحد.
وهذا أدقّ ما في الآية. فليس علمهم ناقصًا في الآخرة وحدها؛ هو ناقصٌ حتى في الدنيا. عرفوا ظاهر زمانهم ولم يعرفوا ظواهر الأزمنة. فأين تعرض السورة عليهم بقيةَ الظواهر؟
سادسًا: الجواب في الآيتين التاليتين
﴿أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ﴾ [الروم: 8]
﴿أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ [الروم: 9]
فانظر كيف جاء الجواب من جنس السؤال. لم يعظهم بزهدٍ ولا بذمٍّ للدنيا، وإنما أحالهم على ظواهر أخرى: أممٌ كانت أشدّ قوة، وأثارت الأرض وعمرتها أكثر مما عمرها هؤلاء. أي إنهم أتقنوا القانونين اللذين تعوّل عليهما قريش: القانون السياسي وهو القوة، والقانون الطبيعي وهو إثارة الأرض وعمارتها. ثم سقطوا. فالإتقان لم يعصمهم، والظاهر الذي تعرفونه ليس أول ظاهر ولا آخره.
ثم كرّر الدعوة نفسها بعد ثلاثين آية:
﴿قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُۚ كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ﴾ [الروم: 42]
وهذه حجة السورة في جملة: أنتم تقرأون لقطةً واحدة من شريط طويل، ثم تحكمون بها على الشريط.
سابعًا: الدنيا والآخرة زمنان، لا طبقتان
ذهب الزمخشري ومن تبعه إلى أن للدنيا ظاهرًا وباطنًا، فظاهرها زخارفها وباطنها أنها مَعبرٌ إلى الآخرة. وصرّح الألوسي فقال: «وأيًّا ما كان فالظاهر أن المراد بالظاهر مقابلُ الباطن».[5] ومثله الطباطبائي في الميزان: «وظاهرُ الحياة الدنيا ما يقابل باطنَها».[6]
ولست أدري كيف اطمأنّوا إلى هذا، والنص لم يقابل الظاهر بالباطن أصلًا، وإنما قابله بالآخرة.
وحيثما أراد القرآن الظاهر في مقابلة الباطن صرّح بالباطن معه:
﴿وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَبَاطِنَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡسِبُونَ ٱلۡإِثۡمَ سَيُجۡزَوۡنَ بِمَا كَانُواْ يَقۡتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: 120]
﴿أَلَمۡ تَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ﴾ [لقمان: 20]
﴿هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: 3]
فأين الباطن في آية الروم؟ لا باطن فيها؛ فيها «الآخرة».
وههنا دقيقة تحسم الباب. فإنّ القرآن يسمّي الدنيا «الأولى» ويجعل «الآخرة» قسيمتها، في أربعة مواضع:
﴿وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [القصص: 70]
﴿فَلِلَّهِ ٱلۡأٓخِرَةُ وَٱلۡأُولَىٰ﴾ [النجم: 25]
﴿فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡأٓخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰٓ﴾ [النازعات: 25]
﴿وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ﴾ [الضحى: 4]
والأولى والآخرة تقابلٌ في الزمن لا في الطبقة. و«الدنيا» نفسها أفعلُ تفضيل من الدنوّ، و«الآخرة» من التأخّر؛ فكلتاهما وصفُ موقعٍ في تسلسل. فمن جعل المحور ظاهرًا وباطنًا فقد أقحم تقابلًا ليس هو تقابلَ اللفظين في كلام الله.
وهنا يعود قوله «فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ». فقد افتُتحت السورة بأدنى الأرض، ثم قالت «من الحياة الدنيا». والجذر واحد: الأقربُ مكانًا، والأقربُ زمانًا. وهو مبلغهم من العلم في الاثنين.
ثامنًا: وليست معايشَهم
وأكثر ما في كتب التفسير أن المراد المعايش. قال ابن عباس فيما رواه الطبري: «يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهّال»، وعنه: «متى يغرسون ومتى يزرعون ومتى يحصدون». وقال قتادة: «يعلمون تجارتها وحرفتها وبيعها». وقال الضحّاك: «يعلمون بنيان قصورها وتشقيق أنهارها وغرس أشجارها». وعن عكرمة روايةٌ غريبة: «الخرّازون والسرّاجون». وأشهر ما في الباب قول الحسن: «بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقُر الدرهم بيده فيخبرك بوزنه، ولا يُحسن يصلي».[7]
وهذا كلامٌ حسنٌ في نفسه، غير أنه لا يستقيم في هذا الموضع لوجهين.
أما الأول فمن داخل السورة. فقد جعلت السورة طلبَ المعاش آيةً من آيات الله لا عيبًا على أحد:
﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ﴾ [الروم: 23]
وأعادته غايةً لإرسال الرياح:
﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [الروم: 46]
فكيف يُعاب عليهم في الآية السابعة ما جُعل آيةً في الثالثة والعشرين؟ ولو كان علمُ الزرع والحصاد مذمّةً لكانت الآيتان في نقض إحداهما الأخرى.
وأما الثاني فقاعدةٌ عامة: أن الله لا يعيب على قومٍ ما هو واقعٌ على البشر كافّة. فكلّ الناس يتعلمون معايشهم ويدرسون ويتحرّفون، والمولى يحضّهم على ذلك ويمتنّ عليهم به. فلا يستقيم أن يُخصّ به مشركو مكة ذمًّا وهو حال الخلق أجمعين.
ثم إنّ في الروايات نفسها ما يشهد للمعنى الذي نقول به وإن لم يقصده أصحابه. فقد ذكر القرطبي كلام أبي العباس المبرّد في قسمة كسرى أيامه، ثم أتبعه بقول ابن خالويه: «ما كان أعرفَهم بسياسةِ دُنياهم، يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا».[8] فجعله في سياسة الدنيا، وضرب المثل بملك فارس.
تاسعًا: وليست زخارفَها
وأما القول بأن الظاهر هو التمتع بالزخارف والتنعم بالملاذّ، فقد تعقّبه الألوسي بما لا مزيد عليه، فقال: «وتُعُقِّب بأنهما ليسا مما علموه منها، بل من أفعالهم المرتَّبة على علمهم».[9] ونحوه لأبي السعود.
وهو تعقّبٌ دقيق. فالتنعّم فعلٌ يقع بعد العلم، لا معلومٌ يُعلَم. والآية أخبرت عن معلومهم لا عن سلوكهم.
عاشرًا: التراث ملك نصفَي الجواب ولم يصل بينهما
ولسنا ندّعي أن القوم أخطأوا جميعًا؛ فالذي وقع أدقّ من ذلك وأعجب. فقد ملكوا الشطر الأول وملكوا الشطر الثاني، ثم لم يصلوا بينهما.
أما الشطر الأول - وهو اللفظ - فقد نقله ابن عطية في المحرر الوجيز عن الجمهور، فقال: «وقال ابن عباس والحسن والجمهور: معناه ما فيه الظهور والعلوّ في الدنيا، من إتقان الصناعات والمباني ومظانّ كسب الأموال والفلاحات ونحو هذا».[10] فاللفظ عنده من الظهور والعلوّ لا من القشرة والسطح. ولم أقف على من قال بهذا غيره فيما راجعتُ من التفاسير.
وأما الشطر الثاني - وهو السياق - فقد وصله بحادثة الروم غيرُ واحد. قال ابن عاشور في التحرير والتنوير إنّ مراهنة المشركين نشأت «عن قصور عقولهم، فأحالوا أن تكون للروم بعد ضعفهم دولةٌ على الفرس»، ثم أدخل في المذمومين «رجالَ الدولة ورجالَ الحرب من الفرس الذين كانوا مزدهين بانتصارهم»، «ومن الروم أنفسهم». ثم علّل الانتقال إلى ما بعدها بأنّ سببه «اعتيادُهم قصرَ أفكارهم على الجولان في المألوفات دون دائرة الممكنات».[11]
فانظر إلى هذه العبارة الأخيرة، فإنها تشخيصُ الداء بعينه. ومثلها قول السعدي: «فينظرون إلى الأسباب ويجزمون بوقوع الأمر الذي في رأيهم انعقدت أسبابُ وجوده... فهم واقفون مع الأسباب، غير ناظرين إلى مسبِّبها المتصرّف فيها».[12] ورجّح الطباطبائي أنّ الآية «لبيان موجَب جهلهم بأنّ وعد الله حق، وأنّ لله الأمر من قبل ومن بعد، وأنه ينصر المؤمنين على الكافرين»، ثم قال: «وهذا أظهر».[13]
فالذي بقي هو الوصل. فإذا كان اللفظ عند الجمهور «الظهور والعلوّ»، وكان السياق عند هؤلاء دولةً تعلو ودولةً تسقط، فلمَ صُرف الظهور إلى الصناعات والفلاحات وسياقُه بين يديه؟
حادي عشر: يعلمون ظاهرًا، وظهر الفساد
ودقيقةٌ في السورة تكشف حكمها على هذا العلو. فجذر الظهور فيها في ثلاثة مواضع لا رابع لها: «يعلمون ظاهرًا» [الروم: 7]، و«حين تُظهرون» [الروم: 18] وهي الظهيرة، والثالث:
﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ [الروم: 41]
فالذي يقرأونه ظهورًا وعلوًّا، تسمّيه السورة فسادًا ظَهَر. لفظٌ واحد، وحكمان متقابلان. وليس هذا من باب المصادفة في الألفاظ؛ فالسورة تعيد اللفظ لتقلب الحكم.
ثاني عشر: هدمُ الأركان الثلاثة
وقد قدّمنا أنّ تحت شماتتهم دعوى أعرض منها: أنّ الإله الأعلى بعيدٌ لا يتدخل، وأنّ الذي يفعل هو الوسائط من الملائكة والجن، وأنّ الذي يُنال بالعمل هو قوانين الطبيعة والسياسة. والسورة تهدم الثلاثة على الترتيب.
أما دعوى البُعد فتُردّ بأمرين. الأول أنّ لفظ النصر ورد في السورة موضعين اثنين، وهما طرفا الجواب: «بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ» [الروم: 5]، ثم:
﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الروم: 47]
«حقًّا علينا» - وهذا التركيب لا نظير له في القرآن. فأيّ بُعدٍ يبقى مع إلزامٍ يلزم به المولى نفسه؟
والثاني أنهم سألوا: أين ناصرُك؟ فارتدّ السؤال عليهم:
﴿بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ﴾ [الروم: 29]
وأما دعوى الوسائط فتُردّ بثلاث:
﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمۡ شُفَعَٰٓؤُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ كَٰفِرِينَ﴾ [الروم: 13]
﴿أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ﴾ [الروم: 35]
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۖ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفۡعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيۡءٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [الروم: 40]
ثم تأتي الحجّة عليهم من فعلهم هم:
﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرّٞ دَعَوۡاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ﴾ [الروم: 33]
فإذا جدّ الأمر تركوا الوسائط ودعوه هو منيبين إليه. فأين البُعد الذي يزعمونه؟ ولهذا أمرت السورة بالمواصلة المباشرة أربع مرات في اليوم بأسمائها:
﴿فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ﴾ [الروم: 17]
﴿وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ﴾ [الروم: 18]
وأما دعوى القوانين فقد سبق جوابها في [الروم: 9]، وتزيدها السورة وسمًا فتضع لفظ المشيئة على كل قانونٍ عوّلوا عليه: النصر [الروم: 5]، والرزق [الروم: 37]، والمطر [الروم: 48]، والقوة والضعف [الروم: 54]:
﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ [الروم: 37]
﴿۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ﴾ [الروم: 54]
فالقوانين تجري، غير أنّ القسمة ليست فيها.
ثالث عشر: ثم تُغلق السورة بالنزاع نفسه
وليس الخلاف في مقدار الزمن عارضًا في أول السورة، بل تعود إليه في آخرها:
﴿وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٖۚ كَذَٰلِكَ كَانُواْ يُؤۡفَكُونَ﴾ [الروم: 55]
﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِۖ فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: 56]
فالمجرمون يقدّرون المدة بساعة، وأهلُ العلم يقدّرونها إلى يوم البعث. والخصومة في قياس المدى لا في غيره. ولهذا ختمها بقوله «وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ»، وهو اللفظ الذي افتُتحت به الحجّة في الآية السادسة.
فتبيّن أنّ السورة تطوّق مسألتها بطوق واحد: علمٌ قاصر على المدى القريب في أولها، وعلمٌ قاصر على المدى القريب في آخرها.
رابع عشر: فأين الفلاح إذن؟
بقي السؤال: إن لم تكن الغلبة علامةً على شيء، فما العلامة؟
السورة تجيب في موضعٍ يُظنّ أنه استطراد، وليس باستطراد:
﴿فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [الروم: 38]
﴿وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبٗا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ﴾ [الروم: 39]
فههنا ميزانان: مالٌ يربو في أموال الناس فيُرى، ومالٌ يربو عند الله فلا يُرى. وسمّى الفلاح لأهل الثاني لا لأهل الأول. وهذا هو جواب السورة على قريش في المال، كما كان جوابها عليهم في الغَلَبة.
ثم يأتي الأمر العملي، وهو أن يُقام الوجه على ما لا يتبدّل، لا على ما ظهر اليوم وسيسقط غدًا:
﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: 30]
فمن بنى دينه على مَن يعلو في زمانه، فدينه يتقلّب بتقلّب الموازين. ومن بناه على الفطرة ثبت وإن دارت الدول.
الخاتمة
كانت قريش تتابع أخبار الجبهة كما يتابع الناس اليوم نشراتهم، وتعرف مَن صعد ومَن نزل. ولم يكن ذلك عيبها. عيبُها أنها جعلت من هذه المتابعة ميزانًا للحق، فقالت: غلب أشباهُنا أشباهَكم، فسنغلبكم، وأين ربّكم إن كان قريبًا؟ فردّ عليها القرآن بأنها تعلم ظاهرًا واحدًا، من زمنٍ واحد، من حياةٍ هي الأولى لا الآخرة.
وأخبرها - على ما أرجّح - بنبأٍ لم يكن قد بلغها بعد، ثم ضمّ إليه نبأً ثانيًا لم يقع بعد. فصدّقت الأول وكذّبت الثاني، ثم جاءها الثاني في بضع سنين.
وما زالت الحجّة قائمة على أهلها. فكم من قومٍ يقيسون صحة الدين بقوة أهله في زمانهم، فإذا ضعفوا ارتابوا، وإذا قوي غيرُهم ظنّوه على الحق. والغَلَبةُ الأولى ليست علامةَ الفلاح.
اللهم علّمنا ما ينفعنا، وارزقنا نظرًا يجاوز أدنى الأرض وأدنى الزمان، ولا تجعلنا ممن يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون.
هذا، والله جلّ جلاله أعلم.
التعليقات (0)