حرفٌ في الميزان، لا في اللسان
لماذا خُصَّت الشدّةُ وحدَها بأن تُعَدَّ حرفاً؟ وكيف ضاعت الكتلةُ الثنائيّة؟
خلاصةُ ما نقول
الجوابُ في كلمة: الميزان. وضع أهلُ الصناعة ميزاناً على ثلاثة أحرف - «فَعَلَ» - ثمّ وزنوا به اللسان. فما جاءهم على ثلاثةٍ قَبِلوه. وما جاءهم على حرفين لم يقولوا: هذا بناءٌ آخر؛ قالوا: هذا ثلاثيٌّ أُدغم أوّلُه. فسدُّوا الموضعَ الشاغرَ بالشدّة، وسمَّوها حرفاً. فالقالبُ سبق المصبوب، والنتيجةُ سبقت الاستقراء.
وبيانُ ذلك في ستّ:
أوّلاً: الحركاتُ في العربيّة أنصافُ حروف. الفتحةُ نصفُ ألف، والضمّةُ نصفُ واو، والكسرةُ نصفُ ياء. وهذا ليس قولَنا؛ هو نصُّ ابن جنّي، وقبله متقدّمو النحويين الذين سمَّوها: الألفَ الصغيرة، والواوَ الصغيرة، والياءَ الصغيرة.
ثانياً: وميزانُهم في ذلك: أشبِعِ الحركةَ يظهرْ لك الحرفُ الذي هي نصفُه. أشبعْ فتحةَ «عَمْر» تصرْ «عامر». أشبعْ كسرةَ «عِنَب» تصرْ «عِينَب».
ثالثاً: فطبِّقِ الميزانَ على الشدّة. أشبِعِ الشدّةَ في «مَدَّ» يظهرْ لك دالٌ ثانية: مَدَدَ. فالشدّةُ - بميزانهم هم - دالٌ صغيرة، نصفُ حرفٍ كأخواتها الثلاث.
رابعاً: فإن عددتم الشدّةَ حرفاً كاملاً في الجذر، فعُدُّوا الفتحةَ ألفاً كاملة، وليكن «مَدَر» أربعةَ أحرف. وإلّا فهو كيلٌ بمكيالين.
خامساً: فالكلمةُ العربيّة تقوم على كتلةٍ من حرفين. والحرفُ الثالثُ الصحيح يُخرج جذراً آخر له حدٌّ يخصُّه؛ والمكرَّرُ لا يُخرج شيئاً، لأنّه نصفُ حرفٍ لا حرف.
سادساً: وثمرةُ هذا أنّ جذورَ العربيّة بالآلاف، وكتلَها دون سبعمائة. فمن ملك الكتلَ ملك اللسان.
قالوا: الفتحةُ نصفُ ألف، والضمّةُ نصفُ واو، والكسرةُ نصفُ ياء. فقولوا معنا: والشدّةُ نصفُ الحرف الذي قبلها. وإلّا فما الفرق؟
أوّلاً: الحركاتُ أنصافُ حروف
ابدأْ من مسألةٍ يعرفها كلُّ من قرأ في التصريف. الحركاتُ ثلاث: فتحةٌ وضمّةٌ وكسرة. وحروفُ المدّ ثلاثة: ألفٌ وواوٌ وياء. وليس هذا التطابقُ صدفة.
قال أبو الفتح ابنُ جنّي: «اعلم أنّ الحركاتِ أبعاضُ حروف المدّ واللين، وهي الألف والياء والواو. فكما أنّ هذه الحروف ثلاثة، فكذلك الحركات ثلاث، وهي الفتحة والكسرة والضمّة. فالفتحةُ بعضُ الألف، والكسرةُ بعضُ الياء، والضمّةُ بعضُ الواو. وقد كان متقدِّمو النحويين يسمّون الفتحةَ الألفَ الصغيرة، والكسرةَ الياءَ الصغيرة، والضمّةَ الواوَ الصغيرة - وقد كانوا في ذلك على طريقةٍ مستقيمة».(١)
فالحركةُ عندهم حرفٌ صغير. ولم يقلْه ابنُ جنّي مذهباً له وحدَه، بل حكاه عن المتقدِّمين وصوَّبهم. وقال في موضعٍ آخر: «فليست تسميةُ الحركات حروفاً صغاراً بأبعدَ في القياس».
ثمّ أعطاك الميزانَ الذي تختبر به. قال: «ويدلُّك على أنّ الحركاتِ أبعاضٌ لهذه الحروف، أنّك متى أشبعتَ واحدةً منهنّ حدث بعدها الحرفُ الذي هي بعضُه. وذلك نحو فتحة عين عَمْر، فإنّك إن أشبعتَها حدثت بعدها ألف فقلتَ: عامر. وكذلك كسرةُ عين عِنَب، إن أشبعتَها نشأت بعدها ياءٌ ساكنة، وذلك قولُك عِينَب. وكذلك ضمّةُ عين عُمَر، لو أشبعتَها لأنشأتْ بعدها واواً ساكنة، وذلك قولُك عُومَر. فلولا أنّ الحركاتِ أبعاضٌ لهذه الحروف وأوائلُ لها، لَما تنشَّأت عنها».(٢)
وأعادها في كتابٍ آخر تقريراً لا احتمالاً: «الحركةُ قد ثبت أنّها بعضُ حرف. فالفتحةُ بعضُ الألف، والكسرةُ بعضُ الياء، والضمّةُ بعضُ الواو». وبنى عليها أنّ حكمَ البعض جارٍ مجرى حكم الكلّ.(٣)
ثانياً: فأشبِعِ الشدّةَ - ماذا يظهر؟
والآن خذْ ميزانَه وضَعْه على الشدّة.
قلْ: «مَدَّ». ثمّ أشبِعِ الشدّةَ - أي مُدَّها حتى تتمّ. ماذا يظهر؟ تظهر دالٌ ثانية: مَدَدَ. كما ظهرت الألفُ من فتحة عَمْر، وظهرت الياءُ من كسرة عِنَب.
فالشدّةُ في «مَدَّ» دالٌ صغيرة، كما أنّ الفتحةَ في «عَمْر» ألفٌ صغيرة. حرفٌ نصفُه ظاهرٌ ونصفُه مطويّ. وهذا هو مذهبُهم بعينه، طُبِّق على العلامة الرابعة كما طُبِّق على الثلاث.
فإن قيل: وما الذي تجنيه من هذا؟ فالجواب أنّ الحسابَ لا يستقيم بمكيالين. إن كانت الفتحةُ نصفَ ألف فلا تُعدُّ في الجذر - وهم لا يعدُّونها؛ ولم يقلْ أحدٌ إنّ «مَدَر» أربعةُ أحرف. فبأيّ حقٍّ تُعَدُّ الشدّةُ حرفاً كاملاً في الجذر وهي نصفُ حرفٍ مثلُها؟
فإن قيل: الفتحةُ تُشبَع فتُعطي ألفاً أبداً، والكسرةُ ياءً أبداً، والضمّةُ واواً أبداً - فلكلِّ واحدةٍ حرفٌ معيَّنٌ لا تتعدّاه. وأمّا الشدّةُ فلا حرفَ لها معيَّن: تُشبَع في «مَدَّ» فتُعطي دالاً، وفي «زَلَّ» فتُعطي لاماً. فليست إذن نصفَ حرفٍ بعينه؛ هي شيءٌ آخر.
والجوابُ من أربعة أوجه، أوّلُها التسليم. الفرقُ ثابتٌ ولا نُنكره: الحركاتُ الثلاثُ أبعاضٌ لثلاثة أحرفٍ بأعيانها، والشدّةُ بعضٌ للحرف الذي هي عليه أيّاً كان.
والثاني أنّ هذا انضباطٌ لا اضطراب. فالشدّةُ لا تتلوّن بما قبلها من الكلمة ولا بما بعدها؛ هي بعضُ الحرف الذي هي عليه وحدَه، لا تتعدّاه أبداً. شدّةُ الدال دالٌ ولا تكون لاماً، وشدّةُ اللام لامٌ ولا تكون دالاً. فالقاعدةُ مطّردةٌ اطّراداً تامّاً: ثلاثُ حركاتٍ لثلاثة أحرفٍ من حروف المدّ، وشدّةٌ لكلِّ حرفٍ من الثمانية والعشرين. والنسبةُ واحدة، وإنّما اتّسع العددُ لأنّ الحروفَ الصحيحة أكثرُ من حروف المدّ.
والثالث - وهو الحاسم - أنّ هذا الوجهَ حجّةٌ علينا في ظاهره، ولنا في حقيقته. فالحرفُ الأصليُّ في الجذر له هويّةٌ يستقلُّ بها: راءُ «مدر» راءٌ حيثما وقعت، لا تتبدّل بجارها ولا تستعير منه. والشدّةُ لا هويّةَ لها من نفسها؛ هي صدى ما هي عليه. فإذا كانت الفتحةُ - ولها حرفُها المعيَّن - لا تُعَدُّ في الجذر، فالشدّةُ التي لا حرفَ لها من نفسها أولى ألّا تُعَدّ. وما لا يستقلُّ بهويّةٍ لا يكون أصلاً.
والرابع أنّ إشباعَ الشدّة ليس تقديراً في الذهن، بل مسموعٌ في الاستعمال - وفي التنزيل نفسِه. قال: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل ٩٤] فأدغم، وقال: ﴿فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ﴾ [البقرة ٢٠٩] فأشبع، فظهرت اللامُ الثانية بلسان العرب لا بتقدير الصرفيّ. وأمّا فتحةُ «عَمْر» فلا تُشبَع في الاستعمال ألبتّة؛ إنّما أشبعها ابنُ جنّي تقديراً ليُريَك أصلَها. فالشدّةُ أثبتُ نسباً من أخواتها لا أضعف.
ولسنا نقول إنّ الشدّةَ لا معنى لها. فللحركات معانٍ ظاهرةٌ لا يُنكرها أحد. بحركة العين وحدَها يفترق «ضَرَبَ» عن «فَرِحَ» عن «شَرُفَ»: قالوا فَعَلَ بالفتح يكون متعدّياً ولازماً، وفَعِلَ بالكسر كذلك، وفَعُلَ بالضمّ لا يكون إلّا لازماً. وبالحركة وحدَها يفترق الفاعلُ من المفعول في الإعراب.(٤)
غير أنّ أحداً لم يُدخل الفتحةَ في الجذر، مع أنّها تحمل هذا كلَّه. فالمعنى شيء، والدخولُ في الجذر شيءٌ آخر. والشدّةُ من هذا الباب سواءً: تحمل معنًى - وهو المبالغةُ والتكرار - ولا تدخل في الجذر، لأنّها نصفُ حرفٍ لا حرف.
ولا فرقَ يُذكر. بل الفتحةُ أظهرُ في اللسان من الشدّة، وهي أوّلُ ما ينطق به الصبيّ. وإنّما امتازت الشدّةُ بشيءٍ واحد: أنّ الميزانَ كان محتاجاً إليها. «فَعَلَ» ثلاثةُ مواضع، فلمّا جاءت الكلمةُ بحرفين مُلئ الموضعُ الشاغرُ بنصف الحرف، ثمّ رُقِّي النصفُ إلى رتبة الكامل ليَقبَله الميزان.
ثالثاً: وما السكون؟
وبقيت العلامةُ الخامسة، وهي التي يُظنُّ أنّها لا شيء. والسكونُ ليس قتلاً للحرف، ولا هو حبسٌ له حتى يجيء ما بعده. هو تجريدٌ.
وبيانُه أنّ الحركةَ تجيء بعد الحرف لا معه. قرَّرها ابنُ جنّي مع سيبويه فقال: «الحركةُ حادثةٌ بعد حرفها المحرَّك بها»، واحتجَّ بأنّ الحرفَ الناشئ عن الحركة لو ظهر لم يظهرْ إلّا بعد حرفها. فالمتحرِّكُ إذن: حرفٌ ثمّ نصفُ حرفٍ يتلوه. والساكنُ: حرفٌ ليس بعده نصفُه.(٥)
وهذا عُرْيٌ لا موت. والدليلُ صنيعُ الخليل نفسِه: «كان الخليلُ إذا أراد أن يذوق الحرفَ فتح فاه بألفٍ ثمّ أظهر الحرف، ثمّ يقول: أبْ، أتْ، أجْ». فجرَّده من نصفه ليسمعه على حقيقته. ولو كان السكونُ قتلاً ما ذاق به حرفاً؛ إنّما يُذاق الحيّ.(٦)
غير أنّ الحرفَ العاريَ لا يستقلُّ بنفسه. قال ابنُ جنّي: «والابتداءُ بالساكن ليس في هذه اللغة العربيّة». وقال شيخُه أبو عليٍّ الفارسيّ: «العربُ قد امتنعت من الابتداء بما يُقارب حالَ الساكن، وإن كان في الحقيقة متحرِّكاً... فإذا كان بعضُ المتحرِّك لمضارعته الساكنَ لا يمكن الابتداءُ به، فما الظنُّ بالساكن نفسِه؟». فهو حرفٌ تامُّ النطق، ناقصُ الاستقلال - يَعلَق بما قبله لأنّه لا زادَ بعده يحمله.(٧)
فانظر الآن إلى الدال في ثلاثة أحوال. في «مَدْ» دالٌ عاريةٌ ليس بعدها شيء. وفي «مَدَ» دالٌ ومعها نصفُ ألف. وفي «مَدَّ» دالٌ عاريةٌ ثمّ دالٌ ومعها نصفُها - فأُطيلت الدالُ الواحدة، ولم يُؤتَ بحرفٍ من خارج. وهذا عينُ قول الخليل: «التثقيلُ مدّ».
وبه يُفهم كلامُه الآخر الذي كان مُشكِلاً: «فلا يتمكَّن لأنّه على حرفين، فلا ينقاد للتصريف حتى يُضاعَفَ أو يُثقَّل». لأنّ التصريفَ إنّما يجري على أنصاف الحروف - يقلبها فتحةً وضمّةً وكسرة. فالكتلةُ التي آخرُها عارٍ ليس فيها ما يُقلَّب، فلا تتصرَّف. فإمّا أن يُلحَق بها نصفٌ - وهو التثقيل: «قَدّ»؛ وإمّا أن تُعاد الكتلةُ كلُّها - وهو التضعيف: «قَدْقَد».
وهنا تنقلب حجّةُ ابن جنّي إلينا. فالكلماتُ التي عدَّها شاهداً على قلّة الثنائيّ - «من، وفي، وعن، وهل، وقد، وبل، وكم، وإذ، وصه، ومه» - أكثرُها ساكنُ الآخر. فهي كتلٌ عاريةٌ لم يُلحَق بثانيها نصفُ حرفٍ يمدُّه. فلم تتصرَّف - لا لأنّها ليست أصولاً، بل لأنّها عُرْيانة.(٨)
رابعاً: والخليلُ سمّى التثقيلَ مدّاً
وقد سبق ابنُ جنّي إلى هذا مَن هو أقدمُ منه. الخليلُ بن أحمد قال في صدر كتابه: «والعربُ تشتقُّ في كثيرٍ من كلامها أبنيةَ المضاعف من بناء الثنائيّ المثقَّل بحرفَي التضعيف».
ثمّ ضرب المثل وفسَّر الآلة: «ألا ترى أنّهم يقولون: صَلَّ اللجامُ صليلاً، فلو حكيتَ ذلك قلتَ: صَلْ، تمدُّ اللامَ وتُثقِّلها... فالتثقيلُ مدٌّ والتضعيفُ ترجيع. لأنّ الترجيعَ يخفُّ فلا يتمكَّن لأنّه على حرفين، فلا ينقاد للتصريف حتى يُضاعَفَ أو يُثقَّل».(٩)
فتأمّلْ ثلاثاً. المضاعفُ مشتقٌّ من الثنائيّ، فالأصلُ الحرفان والمضاعفُ فرعٌ عليهما. والتثقيلُ مدّ - أي إطالةٌ في الصوت، وهو لفظُ الكمّ لا لفظُ الحرف، ويوافق «الإشباع» عند ابن جنّي. والعلّةُ أنّ الحرفين لا ينقادان للتصريف، لا أنّ المعنى لا ينعقد بهما.
وله في الرباعيّ المضاعف - صَلْصَل وزَلْزَل - كلمةٌ من هذا الباب: «ويُنسَب إلى الثنائيّ لأنّه يضاعفه». فرجَّع الأربعةَ إلى حرفين كُرِّرا، ولم يجعلها أربعةَ أصول.(١٠)
وله ثالثةٌ تكشف الآلةَ كشفاً. قال إنّك إذا أخذتَ «قد» و«هل» و«لو» وأردتَ أن تجعلها أسماءً، لم تستقمْ لك حتى تُشدِّدها: «فقلت: هذه لوٌّ مكتوبة، وهذه قدٌّ حسنةُ الكِتْبة، زِدْتَ واواً على واو، ودالاً على دال، ثمّ أدغمتَ وشدَّدت. فالتشديدُ علامةُ الإدغام والحرفُ الثالث». فالتشديدُ هو الحرفُ الثالث - هكذا قال، ولم يقلْ إنّ معه حرفاً ثالثاً.(١١)
وكان طلبُ الأصل يُستثقَل على أهل اللغة أحياناً. سأل ابنُ دريدٍ أبا حاتمٍ السجستانيَّ عن اشتقاق «ثاذق» - وهو اسمُ فرس - فقال: لا أدري. وسأل الرياشيَّ فقال: «يا معشر الصبيان، إنّكم لتتعمّقون في العلم». ثمّ سأل أبا عثمان الأشنانداني فقال: «هو من ثَدَقَ المطرُ من السحاب، إذا خرج خروجاً سريعاً، نحو الوَدْق».(١٢)
خامساً: ما صنعه أهلُ المعاجم، وما لم يصنعوه
ولسنا نُنقِص القومَ حقَّهم. حفظوا اللسانَ حين كاد يضيع، وجمعوا ما لا يُجمَع، ورتَّبوه ترتيباً ما زلنا عليه إلى اليوم. غير أنّهم صنعوا شيئاً ولم يصنعوا آخر.
صنعوا الجردَ والحفظَ والترتيب. ولم يسألوا سؤالاً واحداً: لِمَ اجتمع هذان الحرفان؟ بوَّبوا بحرفين - الخليلُ وابنُ سيده والأزهريُّ وابنُ دريدٍ وابنُ فارس - ثمّ مضَوا يشرحون الجذورَ واحداً واحداً، ولم يقفوا عند العنوان الذي كتبوه بأيديهم.
والذي منعهم الميزان. رجلٌ يزن بـ«فَعَلَ» لا يرى في الكلمة إلّا ثلاثة. فإذا جاءته على حرفين لم يقلْ: هذه كلمةٌ على حرفين؛ قال: هذه ثلاثةٌ أُدغم أوّلُها. فالنتيجةُ سبقت الاستقراء، والقالبُ سبق المصبوب.
ومع ذلك ظلَّ صنيعُهم يشهد على ما لم يقولوه. الخليلُ سمّى بابَ المضاعف: «باب الثنائيّ الصحيح»، ثمّ فتح داخلَه: «باب القاف مع الشين: ق ش، ش ق مستعملان». حرفان. فلمّا بلغ الثلاثيَّ قال: «باب العين والهاء والقاف: ع هـ ق، هـ ق ع مستعملان». ثلاثة. ولو كان «شقّ» عنده ثلاثيّاً لَكتبه بثلاثةٍ كما كتب أخاه.(١٣)
وابنُ سيده عنوَنَ أوّلَ أبواب المحكم: «أبواب المضاعف وهو الثنائيُّ الصحيح». لم يقلْ: الملحقُ بالثنائيّ ولا الشبيهُ به؛ قال: هو هو. والأزهريُّ يقول: «حقّ، قحّ: مستعملان في الثنائيّ والمكرَّر».(١٤)
وأبو عليٍّ القاليُّ عنوَنَ أبوابَه: «الجيم والراء في الثنائيّ في الخطّ والثلاثيّ في الحقيقة لتشدُّد أحد حرفيه». وهذا عنوانٌ يُقرُّ بالدعوى وهو يُنكرها: فالذي صيَّره ثلاثيّاً - بنصّه - هو التشدُّد، لا حرفٌ منطوق.(١٥)
وابنُ دريدٍ عقد باباً سمّاه: «أبواب الثنائيّ الملحق ببناء الرباعيّ المكرَّر» - يعني زَلْزَل وصَلْصَل. فردَّ الأربعةَ إلى ثنائيٍّ كُرِّر، ولم يجعلها أربعةَ أصول.(١٦)
وابنُ فارسٍ - وهو أشدُّهم تمسُّكاً بالأصول - أبوابُه على صيغةٍ واحدةٍ لا تتخلَّف: «باب الجيم والثاء وما يثلثهما». حرفان ثابتان في العنوان، وثالثٌ يجيء ويذهب في المتن. وأفرد للمضاعف باباً على حِدة لم يُدخله في أبواب الثلاثيّ.(١٧)
سادساً: ماذا يصنع الحرفُ الثالث؟
والسؤالُ في صورته الدقيقة: إذا لحق الكتلةَ حرفٌ ثالثٌ صحيح، فماذا حدث؟ والجواب: خرج جذرٌ جديدٌ له حدٌّ يخصُّه، غيرُ حدِّ أخيه.
خذ كتلة «شق». قال الخليل: «والشقُّ غير بائنٍ ولا نافذ» - فُرجةٌ لا تُبين الشيءَ عن بعضه. ثمّ انظر ما تصنع بها الحروفُ حين تُثلِّثها.(١٨)
شقب: فُرجةٌ في جانب الجبل تُوكِر فيها الطير. وشِيق: شِقٌّ في الجبل. وشدق: باطنُ الخدّين. وشقص: سهمٌ عريضُ النصل. ورشق: الرمي حتى ينفُذ. خمسةُ جذورٍ، لكلٍّ صورتُه المحسوسة، ولكلٍّ في المعجم بابُه.(١٩)
وليس يلزم أن تبقى الصورةُ الأولى ظاهرةً في كلّ فرع. فمن «مد» خرج مدر وهو طينٌ متحبِّب، ومدح وهو وصفُ محاسنَ بكلامٍ جميل، ومدن وليس فيه إلّا المدينة. ومن «شط» خرج شطأ وهو ما يخرج حول الأصل، وشطب وهو امتدادٌ في شيءٍ رخص، وشطر وهو نصفُ الشيء. والذي يعنينا أنّ كلَّ واحدٍ من هذه جذرٌ برأسه، له بابُه وحدُّه وصورتُه.(٢٠)
والآن ضَعْ مكانَ الحرف الثالث نصفَ الحرف - أي الشدّة - وانظر ماذا يخرج. مَدَدٌ وشَطَطٌ. وفي كتاب العين: «المدد: ما أمددتَ به قوماً في الحرب وغيره من الطعام والأعوان»، و«الشطط: مجاوزةُ القدر في كلّ شيء». وحدُّ «مد» عند ابن فارس: «جرُّ شيءٍ في طول». فالمددُ هو ما يُمَدُّ به، والشططُ هو البُعدُ عن القصد.(٢١)
لم يخرج جذرٌ جديد. ولا تجد في معجمٍ باباً اسمُه «مدد» تحته صورةٌ غيرُ صورة «مد»، ولا باباً اسمُه «شطط». بل أدرج ابنُ فارسٍ الشططَ داخل مادّة «شط» فقال: «أشطَّ فلانٌ في السَّوم، إذا أبعَدَ وأتى الشطَط، وهو مجاوزةُ القدر». ولو كان الشططُ جذراً برأسه لأفرده كما أفرد شطراً وشطناً.(٢٢)
فالفرقُ بين مَدَّ ومَدَد فرقُ صيغةٍ لا فرقُ مادّة: مَدَّ هو الحدث، ومَدَدٌ اسمُ مقداره. وقال ابنُ فارسٍ في العدد: «مقدارُ ما يُعَدّ». وفي الحديث: «لها مهرُ مثلها لا وَكْسَ ولا شَطَط» - أي لا نقصانَ ولا زيادة. فقُوبل الشططُ بالوَكْس، مقداراً بمقدار.(٢٣)
سابعاً: متى يظهر المكرَّر؟
يظهر عند الضرورة الصوتيّة وحدَها. فالشدّةُ - وهي نصفُ حرف - لا تقوم إلّا بحركةٍ في آخر الكلمة تحملها؛ فإذا سكن الآخرُ سقطت الشدّةُ وانفكَّ الحرفُ اضطراراً، وإذا تحرّك عاد الإدغام. والتنزيلُ يفصل في هذا بغير تكلُّف.
قال: ﴿كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ﴾ [الإسراء ٢٠]، فأدغم لأنّ الآخرَ متحرّك. وقال: ﴿فَلۡيَمۡدُدۡ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ﴾ [الحج ١٥]، ففكَّ لأنّ الجزمَ أسكنَ الآخر. ومثلُه ﴿يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران ١٢٥]، و﴿وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا﴾ [الحجر ١٩].
وفي الكتلة الأخرى مثلُه: ﴿فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ﴾ [ص ٢٢]، ففُكَّ للجزم. ثمّ ﴿لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا﴾ [الكهف ١٤]، فجاء اسماً على مقداره.
فالحرفُ يبرزُ حيث تمنعُ الحركةُ الشدّةَ، ويغيبُ حيث تسمح. وهذا وحدَه يفصل بينه وبين كلِّ حرفٍ أصليّ: أرأيتَ راءَ «مدر» تسقط إذا رُفعت الكلمة وتعود إذا جُزمت؟ لا حرفَ في العربيّة يفعل هذا. ولا عجب - فالجزمُ إنّما أسقط نصفَ حرفٍ لا حرفاً، ثمّ أظهره كاملاً حين لم يجدْ ما يحمله.
وأصرحُ من هذا آيةٌ واحدةٌ جمعت الصيغتين: ﴿قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا﴾ [الكهف ١٠٩]. مِدادٌ ومَدَدٌ في نَفَسٍ واحد: هذا ما يُمَدُّ به القلم، وذاك ما يُمَدُّ به البحر. مادّةٌ واحدة، وليس بينهما إلّا الصيغة.
ثامناً: ابنُ جنّي أغلق البابَ ثمّ فتحه
وأعلمُ الناس بالتصريف في العربيّة رجلٌ أعجميُّ الأب: أبو الفتح ابنُ جنّي، وكان أبوه مملوكاً روميّاً. قيل في ترجمته: «لم يُصنِّف أحدٌ في التصريف، ولا تكلَّم فيه أحسنَ ولا أدقَّ كلاماً منه». وقد رأيتَ كيف فتح لنا البابَ بأنصاف الحروف. وهو الذي أغلقه من الجهة الأخرى.(٢٤)
أمّا الإغلاق فقولُه: «لا يمكن الاشتقاقُ من كلمةٍ على أقلَّ من ثلاثة أحرف». وعلّتُه - وهي علّةُ الخليل قبله: «حرفٌ يُبتدأ به، وحرفٌ يُحشى به الكلمة، وحرفٌ يُوقَف عليه» - أنّ المبتدأ به لا يكون إلّا متحرِّكاً والموقوفَ عليه لا يكون إلّا ساكناً، «فلمّا تنافرت حالاهما وسَّطوا العينَ حاجزاً بينهما». فالعلّةُ نُطقيّةٌ صوتيّةٌ محضة، ليس فيها حرفٌ واحدٌ من جهة المعنى.(٢٥)
ثمّ فتحه في الموضع الذي أغلق فيه. سأل كيف يُبنى من الحرف «لا» مثالُ «فعَّلت»، فأجاب أنّه لا يستقيم حتى تُكرِّر الحرفَ نفسَه: «فيلزمك على ذلك أن تزيد على الألف ألفاً أخرى ليكون الثاني من لفظ الأوّل». فعلاجُ نقص الثالث عنده تكرارُ ما عنده - وهو الصنيعُ الذي نتكلَّم عنه بعينه.(٢٦)
وجعل الحرفَ الثالثَ أضعفَ الثلاثة وأعرضَها للسقوط: «والعين أقوى من الفاء واللام، وذلك لأنّها واسطةٌ لهما ومنكوفةٌ بهما، فصارا كأنّهما سياجٌ لها، ومبذولان للعوارض دونها. ولذلك تجد الإعلال بالحذف فيهما دونها». ثمّ عدَّ ما حُذفت لامُه: «اليد والدم والفم والأب والأخ».(٢٧)
وفسَّر تكرير الحرف تفسيراً كمّيّاً لا كيفيّاً: «جعلوا تكرير العين في المثال دليلاً على تكرير الفعل، فقالوا: كسَّر وقطَّع وفتَّح وغلَّق»، و«المصادرُ الرباعيّة المضعَّفة تأتي للتكرير نحو: الزعزعة والقلقلة والصلصلة»، فجعلوا المثالَ المكرَّرَ للمعنى المكرَّر. وقال: «فمعنى خشُن دون معنى اخشوشن؛ لِما فيه من تكرير العين وزيادة الواو».(٢٨)
ونصَّ على تضعيف اللام بعينها - وهي موضعُ النزاع لا نظيرُه: «ولهذا أيضاً ضاعفوها كما ضاعفوا العينَ للمبالغة نحو: عُتُلّ وصُمُلّ». فتضعيفُ اللام عنده مبالغةٌ في المعنى لا معنًى جديد. وهو قولُنا سواءً بسواء: إن كان تضعيفُ العين في «قطَّع» مبالغةً في القطع لا حدثاً آخر، فتضعيفُ اللام في «مدَّ» مبالغةٌ في المدّ لا حرفاً آخر.(٢٩)
وله بابٌ يُقرِّر فيه أنّ المعنى يبقى مع تبدُّل بعض الحروف: «ازدحامُ الدال والتاء والطاء والراء واللام والنون إذا مازجتهنَّ الفاءُ على التقديم والتأخير، فأكثرُ أحوالها ومجموعُ معانيها أنّها للوهن والضعف»، و«واستعملوا تركيب ج ب ل و ج ب ن و ج ب ر لتقاربها في موضع واحد وهو الالتئام والتماسك». غير أنّه يمضي إلى ما هو أوسعُ ممّا نقول، حتى «ضارعوا بالأصول الثلاثة: الفاء والعين واللام». فهو يُثبت أكثرَ من دعوانا لا أقلَّ منها؛ ونحن نقف حيث يقف الدليل.(٣٠)
تاسعاً: وما خطرُ هذا كلِّه؟
ولهذا الباب ثمرةٌ تُجنى، لا مسألةٌ تُدار في مجالس أهل الصنعة. وهي ثلاث، وثالثتُها أخطرُها.
الأولى في العدد. في معجم مقاييس اللغة أربعةُ آلافٍ وخمسُمائةٍ وثلاثون مادّة. فإذا رددتَها إلى كتلها لم تجد إلّا ستَّمائةٍ وتسعاً وأربعين كتلة. وإذا ضممتَ كلَّ كتلةٍ إلى مقلوبها - «شق» مع «قش» - لم يبقَ إلّا ثلاثُمائةٍ وأربعٌ وعشرون عائلة. فأربعةُ آلافٍ ونصفٌ تُردُّ إلى ثلاثمائة. بل مائةٌ واثنتان وسبعون كتلةً وحدَها تحمل نصفَ جذور المعجم.(٣١)
والثانية في التعليم، وهي التي تُغيِّر حالَ النشء. الصبيُّ اليوم يحفظ الكلماتِ واحدةً واحدة، فيقضي في ذلك سنيَّ عمره ولا يبلغ إلّا نَزْراً. ولو عُلِّم الكتلَ لَما احتاج إلّا إلى ثلاثمائةِ عائلة. فإذا استقرَّ عنده أنّ «شق» فُرجةٌ لا تُبين، فُتح له بابُها كلُّه دفعةً واحدة: شقب وشيق وشدق وشقص ورشق وشرق وشقر. ثمّ يمرُّ بجذرٍ لم يسمعْه في عمره فيعرف وجهَه، لأنّه يعرف كتلتَه. وهذا يختصر السنين اختصاراً.
والثالثة معجمٌ من طرازٍ آخر. فمعاجمُنا كلُّها مبنيّةٌ على الجذر: تبحث عن كلمةٍ فتجد بابَها وحدَه، ثمّ تُغلقه وتذهب. والمعجمُ الذي نريده مبنيٌّ على الكتلة: تبحث فيه عن جذرٍ فتُفتح لك عائلتُه كلُّها بحدٍّ واحد، فترى الجذرَ في نسبه لا في عزلته. وهو معجمٌ في ثلاثمائة بابٍ لا في أربعة آلاف - يُحفَظ ولا يُراجَع فقط.
وفيه رابعةٌ تتبع: أنّ الكتلةَ ميزانٌ تُصحَّح به المعاجمُ نفسُها. فإذا جُمعت جذورُ الكتلة الواحدة فاتَّفق عشرةٌ منها على صورةٍ وشذَّ واحد، فالشاذُّ متَّهم: إمّا تصحيفُ ناسخ، وإمّا شرحُ متأخِّرٍ لم يسمعْ من عربيّ. وقد كان ابنُ فارسٍ يفعل هذا بذوقه فيقول: «شاذّ»، أو «لا قياس له». والكتلةُ تجعل الذوقَ ميزاناً.
وهو نفسُه شهد على حَيرة الصنعة. قال في «قش»: «القاف والشين كلماتٌ على غير قياس»، ثمّ قال في بعضها: «وهذا إن صحَّ فلعلّه من باب الإبدال». وقال في «حسب» بعد أن عدَّ له أربعةَ أصول: «وقد يتّفق في أصول الأبواب هذا التفاوتُ الذي تراه». والرجلُ إمامُ القائلين بالأصول - فإذا تحيَّر في الثنائيّات فليست الحيرةُ منّا وحدَنا.(٣٢)
عاشراً: اعتراضان
الأوّل لابن دريد. قرَّر في مقدّمة الجمهرة: «فمن الثلاثيّ ما هو في الكتاب وفي السمع على لفظ الثنائيّ وهو ثلاثيٌّ لأنّه مبنيٌّ على ثلاثة أحرف... فأدغموا الساكنَ في المتحرِّك فصار حرفاً ثقيلاً، وكلُّ حرفٍ ثقيلٍ فهو يقوم مقام حرفين في وزن الشعر وغيره». ثمّ سمّى بابَه: «باب الثنائيّ الصحيح»، وقال فيه: «اللفظُ ثنائيٌّ والمعنى ثلاثيّ».(٣٣)
والجوابُ من كلامه هو. أقرَّ أنّ المسموعَ حرفان («وفي السمع على لفظ الثنائيّ»)، وصرَّح بأنّ الذي جعلها ثلاثةً هو الوزن («وأصلُ وزن الكلمة فَعَل»، و«يقوم مقام حرفين في وزن الشعر»). فالثلاثةُ عنده في الوزن، والسماعُ حرفان - وهو ما نقول بحروفه. ثمّ هو نفسُه ردَّ الرباعيَّ المضاعفَ إلى ثنائيٍّ مكرَّر في بابٍ سمّاه بذلك؛ فالمبدأُ مبدؤه، وإنّما وقف به حيث وقفت صناعتُه.
والثاني لمحمد حسن جبل، وهو ممّن نأخذ عنه ونُقرُّ له بالسبق في معاني الحروف المفردة. وقد بنى معجماً كاملاً على أنّ الأصل حرفان وسمّاهما «الفصل المعجميّ»: «يتمثّل في التراكيب التي تبدأ بحرفين بعينيهما مرتَّبَين». فهو معنا في الكتلة، وفارَقَنا في المكرَّر: جعل له قيمةً في المعنى، فقال إنّ في المضعَّف «حرفاً مكرَّراً هو الثاني والثالث، وهذا التكرارُ له قيمتُه في التعبير عن المعنى»، وإنّ «الحرف الثالث... له هو أيضاً معناه».(٣٤)
والذي نراه أنّ التكرارَ يزيد المعنى شدّةً - كما قال ابنُ جنّي في المبالغة - لا يزيده جهةً أخرى. والفرقُ بيّن: الحرفُ الأصيلُ يُخرج جذراً له في المعجم بابٌ وحدٌّ يخصُّه، والمكرَّرُ لا يُخرج شيئاً. فإن كان للمكرَّر معنًى مستقلٌّ فأين جذرُه؟ وأين بابُه؟ ولا يكون في اللسان معنًى بلا لفظٍ يحمله.
الخاتمة
الشدّةُ ليست عدماً. فيها حبسُ الصوت وإطالتُه، وهي زيادةٌ محسوسةٌ في المقدار يفرِّق السامعُ بينها وبين تركها. والذي نقوله إنّها نصفُ حرفٍ كأخواتها، لا حرفٌ كاملٌ له وجهتُه. فمن سمّاها حرفاً فقد سمّى النصفَ كلّاً.
وأمّا الحرفُ الذي في «شقق» و«مدد» فله موضعٌ نعرفه. الميزانُ الذي وضعه أهلُ الصناعة «فَعَلَ»: فاءٌ وعينٌ ولام، ثلاثةُ مواضعَ لا رابعَ لها ولا ثالثَ دونها. فلمّا جاءتهم الكلمةُ بحرفين لم يكن أمامهم إلّا أن يملأوا الموضعَ الشاغر. فملأوه بنصف حرف، ثمّ سمَّوا النصفَ كاملاً ليَقبَله الميزان.
فالحرفُ الثالثُ في «شقق» ليس في اللسان؛ هو في الميزان. وقد سُمّي الميزانُ ميزاناً لأنّه يزن، لا لأنّه يخلق ما يزنه. ولو أنّ رجلاً وزن بمكيالٍ من ثلاثة أرطال، ثمّ جاءه رطلان ونصف، فحسب النصفَ رطلاً ليمتلئ المكيال - ما قال أحدٌ إنّ الماءَ ثلاثة.
هذا، والله أعلم.
- سرّ صناعة الإعراب جـ١ صـ٣٣. ↩
- سرّ صناعة الإعراب جـ١ صـ٣٤. ↩
- الخصائص جـ٢ صـ٣٢٩، وجـ٢ صـ٣١٨. ↩
- شذا العرف في فن الصرف صـ٥٧. ↩
- الخصائص جـ٢ صـ٣٢٩. وهو مذهبُ سيبويه، رجَّحه ابنُ جنّي. ↩
- سرّ صناعة الإعراب جـ١ صـ٢٠، نقلاً عن مقدّمة اللسان عن الليث. ↩
- الخصائص جـ١ صـ٦١، وجـ١ صـ٩٢. والقولُ الثاني لأبي عليٍّ الفارسيّ، شيخِ ابن جنّي. ↩
- الخصائص جـ١ صـ٥٦. ↩
- التهذيب جـ١ صـ٣٩، في صدر الكتاب حيث ينقل الأزهريُّ عن الليث عن الخليل. ↩
- العين جـ١ صـ٥٥. ↩
- العين جـ١ صـ٥٠. وأبو زُبيد الطائيّ شاعرٌ مخضرم. ↩
- نزهة الألباء صـ١٥٥. والوَدْق: «المطر كلُّه، شديدُه وهيّنُه» - العين جـ٥ صـ١٩٨. ↩
- العين جـ١ صـ٦٢، وجـ٥ صـ٦، وجـ١ صـ٩٦. ↩
- المحكم جـ١ صـ٥٣، والتهذيب جـ٣ صـ٢٤١. والقُحّ: الخالصُ من كلّ شيء. ↩
- البارع في اللغة صـ٥٦٨، ونظائرُه فيه تسعُ مرّات. ↩
- الجمهرة جـ١ صـ١٧٣. ↩
- المقاييس جـ١ صـ٥٠٥ ونظائرُه، وجـ٣ صـ١٦٥ لباب المضاعف. ↩
- العين جـ٥ صـ٧. ↩
- العين جـ٥ صـ٤٦ (شقب)، والتهذيب جـ٩ صـ١٦٩ (شيق)، والعين جـ٥ صـ٣٤ (شدق)، وجـ٥ صـ٣٣ (شقص)، وجـ٥ صـ٣٧ (رشق). ↩
- المقاييس جـ٥ صـ٣٠٥ (مدر)، وصـ٣٠٨ (مدح)، وصـ٣٠٦ (مدن)؛ وجـ٣ صـ١٨٥ (شطأ وشطب)، وصـ١٨٦ (شطر)، وصـ١٨٣ (شطن). ↩
- العين جـ٨ صـ١٦ (المدد)، وجـ٦ صـ٢١٢ (الشطط)، والمقاييس جـ٥ صـ٢٦٩ (حدّ مد). ↩
- المقاييس جـ٣ صـ١٦٦. ↩
- المقاييس جـ٤ صـ٢٩، والصحاح جـ٣ صـ١١٣٨ - وفيه: «قال أبو عمرو: الشطط: مجاوزةُ القدر في كلّ شيء». والوَكْس: النقصان. ↩
- نزهة الألباء صـ٢٤٤. ↩
- سرّ صناعة الإعراب جـ٢ صـ٤٢٤، والعين جـ١ صـ٤٩، والخصائص جـ١ صـ٥٧. ↩
- سرّ صناعة الإعراب جـ٢ صـ٤٢٤. ↩
- الخصائص جـ٢ صـ١٥٧. ↩
- الخصائص جـ٢ صـ١٥٥، وجـ٣ صـ٢٦٨. ↩
- الخصائص جـ٢ صـ١٥٨. والضميرُ في «ضاعفوها» عائدٌ على اللام، بدليل ما قبله: «وإن كانت اللام فيه أقوى من الزائد... لأنّ اللام بالعين أشبه». ↩
- الخصائص جـ٢ صـ١٦٨، وصـ١٥١، وصـ١٥٢. ↩
- إحصاءُ موادّ المقاييس على أبوابه. ↩
- المقاييس جـ٥ صـ١٠، وجـ٢ صـ٦١. ↩
- الجمهرة جـ١ صـ٥١، والتسميةُ في صـ٥٣. ↩
- المعجم الاشتقاقيّ المؤصَّل جـ١ صـ١٩، وصـ٢٠، وصـ٢١. ↩
التعليقات (0)