هل المصحف قرآن أم كتاب؟
إذا كان القرآن من القراءة، فلماذا زادت النون في آخره؟
الخلاصة
القاف والراء إذا اجتمعتا فمعناهما أن يُصبّ الشيء في حيّز يُمسكه فيَقِرّ فيه، وهو باقٍ على حاله يُغترف منه. هذا هو القَرار والقَرْو والمِقراة والوِقر والوَقار والقار.
فإذا لحقتها الهمزة صار الفعل: يستقرّ الشيء في الحيّز إلى أجل، ثم ينبلج منه ما لم يكن. هذا هو الرحم يُصبّ فيه الماء فيَقِرّ ثم يخرج ولد، وهو القُرء والقُروء.
والقراءة أن تنقل ما في مستودعٍ إلى جوف صدرٍ آخر فتجعله يَقِرّ فيه. ولهذا قال أهل اللغة في الكتلة عارية: القَرّ صبّ الماء في الشيء، والقَرّ صبّ الكلام في الأذن. فالقارئ صابّ، والمستمع مستودَع.
فإذا زدت النون في الآخر صار الاسم للمخزن الذي يفيض ويُصَبّ منه. والكتاب هو المخزن الكبير الساكن، والقرآن هو المخزن الذي يخرج منه إلى الصدور.
القراءة صبٌّ من مستودع إلى مستودع. والقرآن هو المستودَع الذي يُصَبّ منه.
القاف والراء: حيّز يُمسك ما صُبّ فيه
في كتاب العين: «والقرار: المستقر من الأرض. وأقررته في مقره ليقر، وفلان قار أي ساكن».(١) وجعلهما ابن فارس أصلين لا أصلاً واحداً فقال: «القاف والراء أصلانِ صحيحان»، أحدهما البرد «والآخر على تمكن»، ثم قال في الثاني: «والأصل الآخر التمكن، يقال قر واستقر»، ثم أعطى صورة الفعل مرتين فقال «يقال قررت الماء»، وقال «والقر: صب الكلام في الأذن».(٢)
القَرّ عندهم صبُّ الماء في الحوض، وصبُّ الكلام في الأذن. الفعل واحد والمصبوب مختلف.
وأما البرد فليس أصلاً ثانياً. الماء إذا برد جمد فقرّ في موضعه ولم يسل، ولهذا سمّوا اليوم البارد قرّاً وسمّوا ما يصيب الإنسان منه قِرّة. فالبارد قارّ والساكن قارّ، والفعل واحد.
وانظر تتابع الصورة الحسّية في كلامهم. القَرْو حوض من خشب: «القرو، مسيل المعصرة ومثعبها»، «والقرو: شبه حوض ضخم يفرغ فيه الماء من الحوض الضخم ترده الإبل والغنم».(٣) والمِقراة حوض آخر: «والقري: جبي الماء في الحوض، تقول: قريت الماء فيه قرياً»، «والمقراة: شبه حوض ضخم يقرى فيه من البئر».(٤) حتى الجرح جعلوه حوضاً: «والمدة تقري في الجرح أي تجتمع».(٥) وقال ابن فارس في هذه المادّة: «أصل صحيح يدل على جمع واجتماع»، وسمّى القرية قرية «لاجتماع الناس فيها».(٦)
ثم اقلب الجهة إلى ما يقع على الحامل. الوِقر حِمل: «والوقر: حمل حمار وبرذون وبغل كالوسق للبعير». والوَقْر ثقل في الأذن: «الوقر: ثقل في الأذن، تقول: وقرت أذني عن كذا». والوَقار ثقل في صاحبه يمنعه أن يطيش: «والوقار: السكينة والوداعة».(٧) وقال ابن فارس: «أصل يدل على ثقل»، وقال «منه الوقر: الثقل في الأذن».(٨) والقار: «تطلى به السفن، وتحشى به الخلاخيل والأسورة»،(٩) يُصبّ في جوف الحليّ فيَقِرّ فيه ويملؤه. وحتى البيت الواسع سمّوه بالحرفين لأنه جوف يسع ما يوضع فيه: «ودار قوراء واسعة الجوف».(١٠)
فما الفرق بين القرّ والسكن
السكن انقطاع الحركة: هو الجزء من البيت الذي تنقطع فيه الحركة فينام الإنسان ويهدأ. والقرّ ليس كذلك. الماء يَقِرّ في المِقراة وهو ماء يُغترف منه، والمِدّة تَقري في الجرح ثم تُستخرج، والقار يُحشى في جوف الخلخال فيبقى قاراً فيه لا ميتاً.
فالقرّ حَبْس في حيّز مع بقاء الشيء على حاله، والسكن انقطاع الحركة. وهذا هو الذي جعل القرآن قابلاً لأن يُصَبّ منه ولا يُقال فيه سكن.
الهمزة: يستقرّ ثم ينبلج مما لم يكن
فإذا لحقت الهمزة آخر الحرفين تغيّر شيء واحد: صار المستقرّ يُخرج ما لم يكن. والمعاجم تقوله بلا تأويل. قال ابن سيده: «وقرأت الناقة والشاة تقرأ: حملت»، و«وناقة قارئ، بغير هاء»، ثم قال: «وأقرأت الناقة والشاة: استقر الماء في رحمها».(١١) وفي كتاب العين: «فأما الناقة، فإذا حملت قيل قرؤت قروءة»، ثم: «والقارىء: الحامل».(١٢)
وفي المادّة نفسها القارئ بالمعنى الذي نعرفه: «وقرأ فلان قراءة حسنة، فالقرآن مقروء، وأنا قارىء. ورجل قارىء عابد ناسك».(١٣) فالمعنيان عنده جميعاً. لكن أحدهما يفسّر الآخر ولا ينعكس: الناقة الحامل تفسّر لك لماذا سُمّي حامل الكتاب قارئاً، وحامل الكتاب لا يفسّر لك لماذا سُمّيت الناقة الحامل قارئاً.
والرحم الخالي لا يُقال إنه قرأ. قال الجوهري: «وما قرأت جنيناً، أي لم تضم رحمها على ولد».(١٤) وقال ابن سيده في المرأة: «وقرئت المرأة: حبست حتى انقضت عدتها»، وحكى عن أبي عمرو بن العلاء: «دفع فلان جاريته إلى فلانة تقرئها: أي تمسكها عندها حتى تحيض للاستبراء».(١٥) وحكى عن بعضهم في قِرى الضيف يُؤخّر: «أعتمت قراك أم أقرأته»، قال: «أي أحبسته وأخرته».(١٦)
قرأ: استقرّ ثم انبلج من العدم.
فالماء يُصبّ في الرحم، ويُحبس تسعة أشهر، ثم يخرج منه ولد لم يكن. والكلام يُصبّ في الصدر، ويُحبس، ثم يخرج منه كلام مسموع لم يكن في الهواء قبل ذلك.
النون: من الفعل إلى المخزن
النون في اللسان وعاء يَكُنّ الشيء ويصونه، وعنه يصدر ما استكنّ فيه. أنت تراها في الضِّمن والخَزن والكَمن والدَّفن والبَطن، كلها حوز في باطن. والوعاء يسبق ما يخرج منه لا يتلوه.
فإذا قلت قرأ فقد أخبرت عن الفعل: صبٌّ في مستودع. وإذا قلت قرآن فقد أخبرت عن المخزن الذي يُصَبّ منه.
والكتاب هو المخزن الكبير الساكن، والقرآن هو المخزن الذي يفيض فيخرج منه إلى الصدور. ولذلك جاءا في مطلعين متقابلين:
﴿الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ﴾ [الحجر: 1]
﴿طسٓۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡقُرۡءَانِ وَكِتَابٖ مُّبِينٍ﴾ [النمل: 1]
اسمان لشيء واحد من موضعين، ويتقدّم أحدهما حيث يكون المقام له. ومثله:
﴿كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ [فصلت: 3]
فالكتاب هو الموصوف، والقرآن حال منه: هيئته حين يُفصَّل ويخرج عربياً لقوم يعلمون.
وحرفا الكتاب هما الكاف والتاء، وحدّهما الحصر المتداخل: شيء يُحصر في شيء فيتداخل معه حتى يصير منه، كالكتيبة والكُتبة والكتاب. فالكاف والتاء تحصران، والقاف والراء تُقِرّان وتَصُبّان. وهذا الفرق بين المخزنين ظاهر في الحرفين قبل أن يظهر في الآيات.
وليس بناء فُعلان تفرّداً. الفَرْق فعل يقع، والفُرقان ما يُفرق به. والبَهْت فعل، والبهتان حال قائمة. والغَفْر فعل، والغُفران سعة لا تنقطع. وقد جمع الله الاسم والفعل في آية واحدة فقال ﴿وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ﴾، والنون فيهما واحدة.
الاعتراض الأكبر: أنهم جعلوه مصدراً
أثقل ما يُعترض به علينا أن أهل اللغة يعدّون قرآناً مصدراً لقرأ كالقراءة سواء. قال الجوهري: «وقرأت الكتاب قراءة وقرآنا، ومنه سمي القرآن».(١٧) وقال ابن سيده في صدر المادّة: «القرآن: التنزيل، وإنما قدمته على ما هو أبسط منه لشرفه. قرأه يقرؤه ويقرؤه: الأخيرة عن الزجاج، قرأ، وقراءة، وقرآنا».(١٨) وفسّر الجوهري آيتي القيامة بالقراءة نفسها في الصفحة التي نقلنا عنها: «وقوله تعالى: (إن علينا جمعه وقرآنه) أي جمعه وقراءته، (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) أي قراءته».(١٩) وهذا نصّ في خلاف ما نقول، ولا نطويه.
والجواب أن كون اللفظ مصدراً في الميزان شيء، وكون الكتاب استعمله موضع القراءة شيء آخر. فضع القراءة موضع القرآن وانظر:
﴿وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ تصير: وقراءةً فرقناها لتقرأها على الناس.
﴿فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ﴾ تصير: فاقرءوا ما تيسّر من القراءة.
﴿لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ﴾ تصير: لو أنزلنا هذه القراءة على جبل.
ثلاثة لا يقولها عربي. والذي يستقيم في المواضع كلها أن يكون القرآن هو المخزن الذي تُصَبّ منه القراءة. فلم يخطئ أهل اللغة في الميزان، وإنما وزنوا ولم يستقرئوا الاستعمال.
القرآن في القرآن
جمعه ثم قرآنه ثم قراءته
الرسول يتلقّى الوحي ذات مرة فتأتيه التوجيهات:
﴿لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ﴾ [القيامة: 16]
﴿إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ﴾ [القيامة: 17]
﴿فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ﴾ [القيامة: 18]
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ﴾ [القيامة: 19]
فلم يقل فاتبع قراءتنا، ولا فاتبع ما قرأناه، بل قال ﴿فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ﴾. ولو كان القرآن هو القراءة لصار الكلام تكراراً لا معنى تحته: فإذا قرأناه فاتبع قراءتنا.
والجمع في كلام الله ضمّ الأعيان على حقيقتها، كجمع الجنود والعظام والصحف. فالمولى يجمعه أولاً، ثم يجعله في وعاء اسمه القرآن يسهل الغرف منه، ثم ﴿فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ﴾ وهو الصبّ في صدر الرسول. فقوله فاتبع قرآنه أي اتبع المستودع، لا الصوت الذي يمرّ.
والعطف صحيح لأن الجمع غير الوعاء، والوعاء غير الصبّ.
كيف ينزل: من الكتاب إلى الصدر إلى اللسان
الكتاب مستودع ساكن محفوظ. فينزل منه ما ينزل فيصير قرآناً، أي مستودعاً يُغرف منه. ثم يُصَبّ في صدر الرسول فيصير صدره وعاء يحفظه. ثم يخرج منه إلى الناس كلاماً يفهمونه.
والذي يحوّله ليس الرسول. انظر إلى الآيات الثلاث: ﴿إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ﴾ ثم ﴿فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ﴾ ثم ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ﴾. ثلاث مرّات ينسب الفعل إلى نفسه سبحانه. فالجمع عليه، والوعاء عليه، والصبّ منه، والبيان عليه.
ولهذا نهاه عن العجلة باللسان. فالرسول يتلقّى ما يُصَبّ في صدره فيتعجّل بلسانه، والنهي أن يسبق بلسانه تحويلاً ليس إليه. ولو كان الأمر إليه لما نُهي عنه.
ثم قال ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ﴾. والبيان إظهار الشيء بعد خفائه. فالمصبوب في الصدر يحتاج أن يُبان حتى يظهر لمن يسمعه، والمنطوق باللسان ابتداء لا يحتاج إلى بيان بعده. فالبيان آخر المراتب لا أولها.
وشاهد ذلك أن اللسان في التنزيل أداة توصيل لا ذات الموصَّل:
﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ﴾ [إبراهيم: 4]
فالمرسَل واحد والألسنة تختلف، واللسان لأجل البيان للقوم. ومثله:
﴿وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا أَعۡجَمِيّٗا﴾ [فصلت: 44]
فالجعل يقع على اللسان، ولو شاء لجعله أعجمياً. ومثله:
﴿وَإِنَّهُۥ لَفِي زُبُرِ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 196]
فهو نفسه في كتب الأولين، وليست بلسان قريش.
قرآناً فرقناه لتقرأه
﴿وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا﴾ [الإسراء: 106]
الاسم أولاً والفعل بعده معلَّلاً به. ولو كان القرآن فعل القراءة لصار: وقراءةً فرقناها لتقرأها. وزاد على مُكث، والمُكث لبث وتؤدة. فالمخزون يُصَبّ قليلاً قليلاً، وهذا شأن المخزن لا شأن الفعل؛ والفعل إذا وقع انقضى بتمامه ولا يقال فيه على مُكث.
وقال ﴿تَنزِيلٗا﴾، والمنزل محطة لا يمكث فيها الشيء طويلاً. فالقرآن ينزل منزلاً بعد منزل ولا يستقرّ في الطريق، حتى يبلغ الصدر فيَقِرّ فيه.
وإنك لتُلقّى القرآن من لدن حكيم عليم
﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلۡقُرۡءَانَ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: 6]
لم يقل وإنك لتقرأ. قال تُلقّى، والتلقّي أخذ شيء من مُعطٍ، ولا يُتلقّى الفعل إنما يُتلقّى الشيء. ثم قال من لدن، ولدن أعظم المخازن الذي منه المعجزات الموهوبة للبشر. فالمصبوب خرج من أعظم مخزن، ونزل حتى قرّ في صدر الرسول، ثم يُصَبّ منه في صدور الناس.
وقرآن الفجر: الدعوة تُقرأ على الناس
﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا﴾ [الإسراء: 78]
الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل هي الدعوة إلى الدين، وإنما تكون بقراءة السور على الناس. فقرآن الفجر قراءة السور على من يحضر في ذلك الوقت.
ثم قال إنه كان مشهوداً. والمشهود ما يحضره شاهد. فالذي يُقرأ في الفجر، وقد يُحسب أنه لا يسمعه أحد، له من يشهده. ولم يقل وقراءة الفجر، بل أضاف المخزن إلى وقت صبّه.
سنقرئك فلا تنسى
﴿سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ﴾ [الأعلى: 6]
النسيان في كلام الله ليس خواء الذهن من الخبر، بل سقوط الشيء من رتبة الأول حتى يُترك ويُؤخّر. فالمعنى: سنصبّ في صدرك هذا الكلام فلا تتركه ولا تؤخّره عن رتبة الأول.
ولعلها نهي لا نفي: لا تنسَ، أي لا تترك القرآن، واجعله كل اهتمامك ولا يشغلك عنه شاغل. وهذا أشبه بسياق السورة، فإن ما قبله وما بعده أوامر.
وعلى الوجهين جميعاً، جاء بالإقراء ولم يجئ بالإسماع ولا بالإنطاق. والإقراء صبّ في مستودع، والترك إخراج له من رتبته. فقابل الصبّ بالترك، لا الصوت بالسكوت.
اقرأ باسم ربك
﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]
﴿ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ﴾ [العلق: 3]
الأمر أن يقرأ القرآن على الناس. فالقراءة صبّ في صدور المخاطبين، وباسم ربك أي بإذنه وتحت رعايته.
وأعاد الأمر مرتين، وبين المرتين ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ﴾ و﴿ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ﴾. فذكر الخلق ثم ذكر التعليم بالقلم، والقلم يخطّ في الصحيفة. فقابل بين ما يستقرّ في الصدر وما يستقرّ في المكتوب.
وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا
﴿وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]
وهذا أصرح موضع في الباب. إذا جاء أحدهم فصبّ في صدرك وعقلك كلمات القرآن، فأنصت له حتى يدخل صدرك ويستقرّ فيه فتستوعبه. ولهذا أمر بأمرين: الاستماع، ثم الإنصات. والاستماع إقبال بالأذن، والإنصات كفّ عن كل شاغل، لأن الصبّ لا يتمّ والوعاء مضطرب.
ولو كانت القراءة مجرد صوت يُسمع لكفى الاستماع. وإنما زاد الإنصات لأن المقصود أن يَقِرّ الكلام في الصدر لا أن يمرّ بالأذن.
وفي آذانهم وقراً
﴿وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِذَا ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا﴾ [الإسراء: 46]
لم يقل صمماً ولا ثقلاً ولا سدّاً. قال وقراً، والوقر والقرآن من القاف والراء. والوقر شيء استقرّ في آذانهم فمنعهم من السماع والفهم.
فالأذن التي فيها وقر قد شُغل وعاؤها بغير هذا الكلام، فلا يجد القرآن موضعاً يَقِرّ فيه. ولذلك قرن الوقر بالأكنة على القلوب في الآية نفسها، والكِنّ يستر ويحبس. فالمانع في الموضعين واحد: وعاء مشغول.
وأعادها مع القرآن نفسه:
﴿وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا أَعۡجَمِيّٗا لَّقَالُواْ لَوۡلَا فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥٓۖ ءَا۬عۡجَمِيّٞ وَعَرَبِيّٞۗ قُلۡ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدٗى وَشِفَآءٞۚ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٞ وَهُوَ عَلَيۡهِمۡ عَمًىۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُنَادَوۡنَ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ﴾ [فصلت: 44]
ولم يجئ الوقر في المصحف كله إلا في سبعة مواضع: ستة في أذن سُدّت عن هذا الكلام، وواحد في حِمل تحمله الريح:
﴿فَٱلۡحَٰمِلَٰتِ وِقۡرٗا﴾ [الذاريات: 2]
فالحاملات وقراً. فرجع اللفظ إلى الحمل، وهو الذي قيل فيه إن الناقة إذا حملت قيل قرؤت، وإن الحامل قارئ.
فلما قُضي
﴿وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: 29]
القضاء إمضاء الشيء وإنفاذه؛ فإن كان حكماً فإمضاؤه إلى من ينفذه. والجنّ يبحثون عن النبي الجديد، فيجدونه، فيستمعون قراءة القرآن، ويحضرون المجلس الذي يُقرأ فيه، وفي المقروء أوامر تبليغ الدعوة.
فقوله فلما قُضي أي فلما أُمضي الأمر إلى من ينفذه. ولهذا قال بعده:
﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ﴾ [الأحقاف: 29]
فصاروا هم المنفّذين. وهذه الدورة كاملة في نفر واحد: صُبّ في صدورهم، فقرّ فيها، فأمضوه إلى قومهم.
إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون
﴿إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ﴾ [الواقعة: 77]
﴿فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ﴾ [الواقعة: 78]
﴿لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79]
المكنون هو الكتاب لا القرآن، والكِنّ هو الوعاء الذي يستر ما فيه. فالذي لا يمسّه إلا المطهرون هو الكتاب المخزون، لا يمسّه إلا الملائكة. ولذلك لا يستطيع الجنّ مسّه ولا الأخذ منه.
وهذا يوافق ما قدّمناه: الكتاب مخزن ساكن محفوظ لا تناله الأيدي، والقرآن ما يفيض منه فيُصَبّ في الصدور. والجنّ في الآية الأخرى إنما نالوه من طريق واحد: أن يحضروا مجلساً يُقرأ فيه.
ثلاثة قروء
﴿وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ﴾ [البقرة: 228]
المطلقة تتربّص ثلاثة قروء، والقُرء استقرار الماء في الرحم إلى أجل ينتظر فيه ما يخرج منه. فالمنتظَر ليس الدم في نفسه، بل نتيجة ما صُبّ.
والقرينة في الآية نفسها، إذ قال بعدها ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكۡتُمۡنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيٓ أَرۡحَامِهِنَّ﴾. فذكر ما خلق الله في الأرحام مع القروء.
فالقُرء الواحد استقرار وانتظار مرة واحدة، وثلاثة قروء ثلاث مرات يُستيقن بها. وهذا هو الفعل نفسه الذي في القرآن: يُصبّ فيَقِرّ ثم ينبلج منه ما لم يكن. هذا في الرحم وذاك في الصدر.
فاقرءوا ما تيسر من القرآن
﴿فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ﴾ [المزمل: 20]
فجعل القرآن أصلاً يُقرأ منه بعضه. ولو كان القرآن هو القراءة لصار المعنى: فاقرءوا ما تيسّر من القراءة. وإنما يقال من الشيء المخزون: خذ منه ما تيسّر. ثم أعادها فقال ﴿فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ﴾، وردّ الضمير إلى القرآن.
ولقد يسرنا القرآن للذكر
﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾ [القمر: 17]
أربع مرّات في سورة واحدة، وفي كل مرّة يقول القرآن ولا يقول القراءة. والذكر استحضار الشيء وإبقاؤه حاضراً في القلب واللسان قائماً في رتبة الأول. فالتيسير للذكر تيسير لأن يُصَبّ فيستقرّ، ونقيضه في الآية الأخرى النسيان وهو سقوطه من تلك الرتبة.
ولو أنزلناه على جبل
﴿لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21]
خاشعاً متصدّعاً. والتصدّع تشقّق الشيء الصلب. فجعله ثقلاً يقع على المحلّ فيصدّعه إن لم يحتمله، وهذا نعت الموضوع في الوعاء لا نعت الصوت المسموع، والصوت لا يصدّع جبلاً.
وهو يوافق الوِقر والوَقار: حِمل يقع على الحامل فيُقِرّه. فالجبل لا يحتمل هذا الوقر فيتصدّع، والصدر البشري يحتمله فيَقِرّ فيه.
فهل المصحف قرآن أم كتاب
المصحف ليس الكتاب. الكتاب مستودع مكنون لا تناله الأيدي:
﴿فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ﴾ [الواقعة: 78]
﴿لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79]
والمصحف ورق مسطور تمسّه الأيدي وتحمله وتطويه وتحرقه النار. فلو كان المصحف هو الكتاب لبطل قوله لا يمسّه إلا المطهرون، ولكان كل من مسّ ورقة قد مسّ المكنون. وهذا لا يقوله أحد.
وليس المصحف القرآن أيضاً. القرآن مستودع يَقِرّ فيه المصبوب ويُغرف منه، ولذلك قال:
﴿فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ﴾ [المزمل: 20]
فالغرف يكون من مستودع ملآن، والصحيفة لا يُغرف منها بل يُنظر فيها. ثم قال:
﴿وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]
فأمر بالاستماع والإنصات، ولو كان القرآن هو المصحف لأمر بالنظر.
فالمصحف تسجيل لما يُقرأ من القرآن، لا القرآن نفسه ولا الكتاب نفسه. هو أثر الصبّ لا المستودع الذي صُبّ منه. ولهذا يُقال حفظ القرآن ولا يُقال حفظ المصحف، ويُقال في صدره قرآن ولا يُقال في صدره مصحف.
الكتاب مكنون لا تمسّه الأيدي، والقرآن مستودع في الصدور يُغرف منه، والمصحف ورق يسجّل ما غُرف.
أسئلة وأجوبتها
لماذا عطف القرآن على الجمع؟ لأن الجمع ضمّ، والقرآن المخزن الذي اجتمع فيه، والقراءة صبّه في الصدور. ثلاث مراتب لا واحدة.
ولماذا قال فاتبع قرآنه ولم يقل فاتبع قراءته؟ لأن المتبوع هو المخزن لا الفعل العارض.
وكيف صار قرآناً قبل أن يُقرأ؟ لأن الاسم واقع على المخزن وما فيه، والقراءة صبّ منه يأتي بعده على مُكث.
ولماذا أُضيف إلى الفجر؟ لأنه مخزن يُضاف إلى وقت صبّه، والصلاة لدلوك الشمس دعوة تُقرأ فيها السور على الناس.
ولماذا قابل الإقراء بالنسيان؟ لأن الإقراء صبّ في رتبة الأول، والنسيان ترك وتأخير عنها. ولو كان تلفيظاً لقابله بالسكوت.
وما معنى اقرأ باسم ربك؟ اقرأ القرآن على الناس بإذن ربك.
ولماذا قال وقراً في أذن من لا يفقه؟ لأن الوقر شيء استقرّ في الأذن فشغل الوعاء، فلم يبق للقرآن موضع يَقِرّ فيه.
وما الجامع بين عدّة المطلقة واسم الكتاب؟ الفعل الواحد: يُصَبّ الشيء في حيّز فيَقِرّ إلى أجل، ثم ينبلج منه ما لم يكن. هذا في الرحم وذاك في الصدر.
وما الفرق بين الكتاب والقرآن؟ الكتاب المخزن الكبير الساكن الذي لا تمسّه الأيدي، والقرآن المخزن الذي يفيض فيُصَبّ في الصدور. والمصحف ورق يسجّل ما صُبّ.
الكتاب مستودع عظيم ساكن لا تمسّه الأيدي. والقرآن مستودع يستقرّ فيه الشيء فيخرج منه منتوج مثمر.
وخلاصة الأمر أنّ القرآن هو المستودع الذي فيه الكلمات، يغرف منه من يغرف. وأما الكتاب فهو المستودع العظيم الساكن الذي لا يمسّه إلا الملائكة. فإذا نزل شيء من الكتاب للبشر سُمّي توراة أو زبوراً أو إنجيلاً أو قرآناً. والقرآن هو المستودع الذي يستقرّ فيه الشيء ويخرج منه منتوج مثمر.
وكلّ اسم من هذه الأسماء أخذ اسمه من ميكانيكته لا من ملّة أهله. فالزبور تكوين القول في وحدات محدّدة محكمة الحدود، والقرآن حيّز يَقِرّ فيه المصبوب ثم ينبلج منه ما لم يكن. فالاسم يتبع الصورة.
ونقيض القرآن في اللسان ليس السكوت، بل الوَقْر. وهما من حرفين اثنين.
وآخر ما في هذا كله أن الذي يُقال له قارئ في كلام العرب هو الناقة الحامل. حملت ثم وضعت. فمن حمل هذا الكلام في صدره ثم صبّه في صدر غيره فهو القارئ، ومن مرّ به على لسانه ولم يَقِرّ في صدره فقد قرأ حروفاً ولم يقرأ قرآناً.
هذا والله أعلم
التعليقات (0)