هل حدَّدَتِ الملائكةُ مكانك في النار؟


هل حدَّدَتِ الملائكةُ مكانك في النار؟

بقلم علي موسى الزهراني

هل كُتب فقرُك وغناك؟

وهل أُجبرتَ على عملٍ لأنه مكتوبٌ سلفًا؟

وهل ضمنتَ مقعدك في الجنة أو في النار لأنّ ملَكًا سجّل ذلك؟

وماذا عن المرض؟ أكلُّ مرضٍ يصيبك مكتوبٌ عليك، أم هو بسبب إهمالك؟

ولماذا نُحاسَب إذا كنا مجبَرين؟

ولماذا يُبعَث الرسول إذا كنا ضالّين سلفًا؟

ولماذا تسجّل الملائكة أعمالنا وهي مكتوبةٌ سلفًا؟

والقدر في القرآن حسابٌ ومقاديرُ مضبوطة، ليس فيها شيء عشوائيّ: أجلٌ وموتٌ، وحدودٌ للأشياء، ونصيبٌ من طعامٍ وشراب، وموعدٌ يقع في وقته، ومسافةٌ تُحسب بدقّة. وليس دفترًا خفيًّا سُجّلت فيه معاصي الفرد وطاعاته قبل أن يولد ثم سِيق إليها سَوقًا. والمكتوبُ ضربان: سننٌ عامة تجري على البشر كافّة، ومقاديرُ شخصية غير أخلاقية كالجنس والأجل والرزق. فأما القرار الأخلاقي فلم يُكتب على صاحبه قبل أن يختاره، وإنما يُكتب بعد أن يقدّمه.

ولو كان قد سُطّر على الإنسان قبل مولده أن يؤمن أو يكفر، وأن يصدق أو يكذب، وأن يعدل أو يظلم، ثم لم يملك أن يخرج عما سُطّر عليه، فما معنى أن يأمره الله وينهاه؟ وما معنى أن يراقبه، ويسجل عمله، ويرسل إليه الرسل، ويفتح له باب الرجوع، ثم يحاسبه ويجزيه؟ إن عقوبة المجبَر على فعل لم يختره ظلم، وقد نزّه الله نفسه عنه فقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46].

كيف صارت المسألة نزاعًا

بدأ الخطاب بسيطًا متماسكًا: أمرٌ ونهي، واختيار، ومراقبة، وعمل، ثم جزاء. ولم يُعرف عن أصحاب النبيّ ﷺ أنهم خاضوا في هذا الجدل؛ كانوا في حروبٍ متّصلة يذهب فيها الولد والحبيب، وهم يعلمون أنهم مخيّرون وأن الجزاء الجنة. ثم أُديرت المسألة في المجالس بعدهم حتى صارت علمًا يُدرَّس.

يقول الشهرستاني إن الاختلاف في الأصول «حدثت في آخر أيام الصحابة بدعة معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، ويونس الأسواري في القول بالقدر»(١). وحكى مسلمٌ في صدر صحيحه عن أصحاب هذا القول صيغةً غاليةً في الجانب الآخر: «وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ»(٢)، أي مستأنَفٌ لا تقدير فيه أصلًا. فالغلوّ وقع من الطرفين معًا: طرفٌ ألغى التقدير كله، وطرفٌ ألغى الإنسان كله.

وأقصى ما بلغه الطرف الثاني ما نُسب إلى الجهم بن صفوان. قال الشهرستاني في تعداد مقالاته: «إن الإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله؛ لا قدرة له، ولا إرادة، ولا اختيار، وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وتنسب إليه الأفعال مجازا كما تنسب إلى الجمادات، كما يقال: أثمرت الشجرة، وجرى الماء، وتحرك الحجر»(٣). وحكى الأشعري عنه نحوه: «لا فعل لأحد في الحقيقة إلا الله وحده وأنه هو الفاعل وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز»(٤). فقد سُوّي بين الإنسان والشجرة، ولم يبقَ للأمر والنهي والحساب موضع.

وقبل أن يمضي القارئ حاكمًا على هؤلاء، يُنصَف كلُّ فريقٍ في مقصده. فالجهمُ لم يقصد إبطال الإنسان لذاته؛ إنما خاف أن يكون في الكون فاعلٌ مع الله فيدخل الشركُ من هذا الباب، فأغلقه بأن نفى الفعل عن الخلق أجمعين. ومقابلوه من القدرية لم يقصدوا إخراج الأمر من يد الله؛ إنما خافوا أن يُنسب إليه ظلمٌ، بأن يُحتَّم على العبد فعلٌ ثم يُعاقَب عليه، فنزّهوه بأن جعلوا الفعل للعبد وحده. فكلاهما أراد أن يصون لله صفة: هذا صان الوحدانية، وذاك صان العدل. والخطأُ وقع في الطريق لا في المقصد؛ إذ ظنّ كلٌّ منهما أنّ صيانة إحدى الصفتين لا تتمّ إلا بهدم الأخرى.

وأما أهل الحديث فيتكلمون عن أنفسهم في كتبهم. قال أبو بكر الإسماعيلي في «اعتقاد أئمة الحديث»: «ويقولون إنه لا خالق على الحقيقة إلا الله عز وجل، وأن أكساب العباد كلها مخلوقة لله، وأن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لا حجة لمن أضله الله عز وجل، ولا عذر»(٥). وقرّر البخاري في «خلق أفعال العباد» أن «حَرَكَاتُهُمْ وَأَصْوَاتُهُمْ وَاكْتِسَابُهُمْ وَكِتَابَتُهُمْ مَخْلُوقَةٌ»، واحتجّ بقوله: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]، وعقّب عليها بما يحدّ مراده: «فَأَخْبَرَ أَنَّ الصِّنَاعَاتِ وَأَهْلَهَا مَخْلُوقَةٌ»(٦). وسياق الآية يشهد لهذا الحدّ؛ فالتي قبلها ﴿قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ﴾ [الصافات: 95]، والكلام في العابدين وما ينحتونه من الأصنام. فلا يقوم هذا الموضع حجةً على أن الله يخلق اختيار الكفر في الإنسان ثم يحاسبه عليه.

ثم جاءت نظرية الكسب جوابًا لهذا المأزق، وأصولها عند ضرار بن عمرو والحسين النجار قبل الأشعري. قال الأشعري في ضرار: «والذي فارق ضرار بن عمرو به المعتزلة قوله أن أعمال العباد مخلوقة وأن فعلاًواحداً لفاعلين أحدهما خلقه وهو الله والآخر اكتسبه وهو العبد»(٧). وقال الشهرستاني في النجارية: «أن أعمال العباد مخلوقة لله وهم فاعلون لها»(٨). وصورتها عند الأشعري كما نقلها الشهرستاني: الفعل «يكون خلقا من الله تعالى إبداعا وإحداثا، وكسبا من العبد: حصولا تحت قدرته»(٩). وقال الأشعري في مقالاته: «والحق عندي أن معنى الاكتساب هو أن يقع الشيء بقدرة محدثة فيكون كسباً لمن وقع بقدرته»(١٠).

لكن الإشكال بقي على حاله: إذا كانت قدرة الإنسان لا تُحدث شيئًا فما الفرق بينها وبين عدمها؟ فحاول الباقلاني أن يثبت لها أثرًا في وجهٍ من وجوه الفعل، إذ قال: «الدليل قد قام على أن القدرة الحادثة لا تصلح للإيجاد، لكن ليست تقتصر صفات الفعل أو وجوهه واعتباراته على جهة الحدوث فقط»(١١). ثم صرّح الجويني بما هو أوضح: «أما إثبات قدرة لا أثر لها بوجه فهو كنفي القدرة أصلا». ولم يقف عند النقض، بل اقترح مخرجًا: «فلابد إذن من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة»، ونفى أن يكون ذلك على وجه الإحداث والخلق(١٢). فهو يثبت للعبد أثرًا حقيقيًّا في فعله، ويمنعه أن يكون خلقًا وإحداثًا. وهذا أقرب ما بلغه المذهب، وفيه اعترافٌ بأن الكسب على صورته الأولى لا يحلّ شيئًا.

وثمّ موقفٌ ثالث لم يدخل هذا المضيق، وعبارتُه المشهورة: «لا جبر ولا تفويض، بل أمرٌ بين أمرين». وهو قولٌ قديم يُنسب إلى أئمة أهل البيت، ولم يبقَ حكرًا عليهم؛ فقد صار إليه من الأشاعرة فخرُ الدين الرازي بعد طول ذبٍّ عن مذهب الأشعري، فوصف المسألة بأنها «عجيبة، فإنّ الناس كانوا مختلفين فيها أبداً»، ثم قال: «الحق ما قال بعض أئمة الدين انّه لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين»(١٣).

ولنُبيّن أولًا ما هذا المضيق. فقد جرى النزاعُ قرونًا بين طرفين لا ثالث لهما في ظنّ أصحابه:

  • طرفٌ قال بالجبر: ليس للعبد فعلٌ حقيقيّ البتّة، وإنما الله وحده هو الفاعل فيه. وإنما قالوا ذلك حمايةً للتوحيد؛ خافوا أن يكون في الكون فاعلٌ سوى الله.
  • وطرفٌ قال بالتفويض: العبدُ يفعل فعله استقلالًا، وقد فوّض الله إليه أمره فلا مدخل له فيه. وإنما قالوا ذلك حمايةً للعدل؛ خافوا أن يُعاقَب من لم يفعل.

وكلٌّ من الطرفين رأى أنّه إن ترك موقفه سقط في موقف صاحبه: فالجبريُّ يرى أنّ إثبات فعلٍ للعبد شركٌ في الخلق، والمفوِّضُ يرى أنّ نفيَ الفعل عنه ظلمٌ في الحساب. فصار الأمر عندهم كالمفاضلة بين خسارتين.

يقول جعفر السبحاني في عرض هذا: «كان الرأي السائد على المناهج الكلامية منذ أطلّ المفكّرون من المسلمين بنظرهم على هذه المسألة، أنّه لا مناص من اختيار أحد الرأيين، وأنّه لا طريقَ ثالثٍ بينهما لسالك طريق المعرفة، وبذلك ضلّ القائلون إما في متاه الجبر، أو وقعوا في حبال الشرك». ثم يقرّر أنّ الموقف بين الأمرين، وأنّه «وليست صيانة التوحيد منوطاً بالقول بالجبر، ولا صيانة عدلِه وقسطِه، منحصراً بالقول بالتفويض»(١٤).

وموضعُ النفع في هذا الموقف أنه ردّ الأمر إلى أصله. فالطرفان معًا بنيا على قضيةٍ واحدة لم يقفا عندها ليمتحناها، وهي: أنّ إثبات فعلٍ حقيقيّ للعبد يُنقص من سلطان الله. فلمّا سلّما بها لزمهما ما لزم: من أراد أن يبقى سلطانُ الله تامًّا نفى فعل العبد فوقع في الجبر، ومن أراد أن يبقى الحسابُ عادلًا أثبت للعبد فعلًا مستقلًّا فوقع في التفويض.

وهذه القضية هي التي يجب أن تُمتحن، لا فروعُها. فليس بين قدرة العبد وقدرة ربّه مزاحمة، حتى إذا زادت إحداهما نقصت الأخرى. وذلك أنّ قدرة العبد نفسَها من عطاء الله؛ هو الذي خلقه، وخلق فيه القدرة على الاختيار، وأقام له العالم الذي يعمل فيه، وأجرى الأسباب التي يتحرّك بها. فالعبدُ يفعل فعله حقيقةً، وفعلُه في الوقت نفسه قائمٌ بما أعطاه الله. ومَثَلُه أنّ الرجل يكتب بيده كتابًا فيُنسب الكتابُ إليه حقيقةً؛ ولا يُقال إنّ إثبات الكتابة له ينقص شيئًا ممن خلق له اليد والقلم والعقل والعافية.

فمن أزال هذه القضية من الطريق لم يبقَ عليه أن يختار بين خسارتين. يُثبت للعبد فعله كما يقول القرآن، ويبقى سلطان الله تامًّا كما يقول القرآن، ولا تعارض.

نقدُ أحاديث السجلّات

وقبل ذلك لفظٌ يجب تحريره. جرى الناسُ على تسمية هذا الباب «القدر»، وليس ذلك اسمَه. فالقدرُ في القرآن حسابٌ ومقاديرُ مضبوطة، كما يأتي بيانه؛ وأمّا الذي تتكلم فيه هذه الأخبار فشيءٌ آخر: صحيفةٌ تُكتب للإنسان قبل أن يولد، ثم تسبقه إلى عمله فتحمله عليه. ولها في الأخبار نفسِها اسمٌ أدقُّ من «القدر»، هو لفظُ حديث ابن مسعود: «فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ». فنحن نسمّي هذه الدعوى سَبْقَ الكتاب، ونسمّي هذه الأخبار أحاديثَ السجلّات؛ وما ورد فيها وفي كلام المتأخّرين من لفظ «القدر» بهذا المعنى فاستعمالٌ لا يوافق ما قرّره القرآن للّفظة، ونحن ننقله كما هو ولا نجري عليه.

وقبل الدخول في القرآن نقف مع أشهر ما يُحتجّ به في هذا الباب. ونسوق كلَّ حديثٍ بتمامه لا مقتطعًا، فأكثرُ القرّاء لا يعرف نصَّها، والاقتطاعُ يُخفي ما فيها.

وموقفُنا معروضٌ من أوّله: هذه أخبارُ آحادٍ في أخطر مسألةٍ عُرضت على العقل، والميزانُ الذي تُوزن به هو القرآن؛ فما وافقه قُبل، وما خالفه رُدّ ولو تلقّاه الناس بالقبول قرونًا. ثم إنّ أصحاب النبيّ ﷺ كانوا في حربٍ متّصلة يذهب فيها الولدُ والحبيب، وهم يعملون ويحتسبون ويعلمون أنّ الجزاء الجنة؛ ولم يكن هذا الجدلُ شغلَهم. وإنما اتّسع له الوقتُ في مجالس من جاء بعدهم.

الأول: كتابةُ المقادير قبل الخلق. عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ»(١٥).

وهذا لا نزاع فيه. لفظُه صريحٌ في «مقادير الخلائق»، لا في اختيارات الأفراد؛ وهو موافقٌ لقوله ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ [القمر: 49]، ولقوله ﴿قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا﴾ [الطلاق: 3]. فهو في نظام الخلق ومقاديره.

والثاني: الملَك على النطفة. وهو أطولُ ما في الباب، وفيه اعتراضٌ ودُفع بالحديث. سمع أبو الطفيل عامرُ بن واثلة عبدَ الله بن مسعود يقول: «الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ». فأتى حذيفةَ بن أسيد الغفاريّ فحدّثه بذلك، وقال: «وَكَيْفَ يَشْقَى رَجُلٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ؟». فقال له: «أَتَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا مَلَكًا، فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَجَلُهُ؟ فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ رِزْقُهُ؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلَا يَنْقُصُ»(١٦).

وانظر ما الذي كُتب في هذه الرواية: ذكورةٌ أو أنوثة، وأجلٌ، ورزق. ثلاثةٌ لا رابع لها، وكلُّها مقاديرُ تكوينٍ وظرف، ليس فيها قرارٌ أخلاقيّ يُملى على صاحبه. والأهمّ أنّ سؤال أبي الطفيل بقي بلا جواب؛ فقد سأل: كيف يشقى رجلٌ بغير عمل؟ فأُجيب بحديثٍ ليس فيه شقاءٌ أصلًا. فالسؤالُ في وادٍ والجوابُ في وادٍ.

والثالث: لفظٌ زِيد فيه الخُلُق والشقاء. عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ النُّطْفَةَ تَقَعُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَتَصَوَّرُ عَلَيْهَا الْمَلَكُ… فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ فَيَجْعَلُهُ اللهُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَسَوِيٌّ أَوْ غَيْرُ سَوِيٍّ؟ فَيَجْعَلُهُ اللهُ سَوِيًّا أَوْ غَيْرَ سَوِيٍّ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ مَا رِزْقُهُ؟ مَا أَجَلُهُ؟ مَا خُلُقُهُ؟ ثُمَّ يَجْعَلُهُ اللهُ شَقِيًّا أَوْ سَعِيدًا»(١٧).

وزيادةُ هذا اللفظ على الذي قبله: سواءُ الخلقة، والخُلُق، والشقاءُ أو السعادة. والثلاثةُ من جنس الأول: سواءُ الخلقة تكوينٌ في البدن، والخُلُقُ طبعٌ يولد به الإنسان ولا يُحاسَب عليه وإنما يُحاسَب على ما يفعل به. وأما الشقاءُ والسعادةُ فقد مضى بيانُهما، وسيأتي تمامُه: الشقيُّ من يكابد الطريق، والسعيدُ من يتلقّى العون؛ وذلك من جنس الرزق والأجل لا من جنس الاختيار.

والرابع: حديث ابن مسعود، وفيه موضعُ النزاع كلِّه. قال: «حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا»(١٨).

ههنا لفظتان زائدتان على الروايتين قبله: «وَعَمَلِهِ»، و«فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ». وهما اللتان يقوم عليهما القولُ بالتسيير كلُّه، وهما اللتان تُعرضان على القرآن فتُردّان. فالقرآن يجعل الكتاب تسجيلًا لاحقًا لا سابقًا غالبًا: ﴿وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ﴾ [يس: 12]، ويقصر الإنسان على سعيه: ﴿وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39]، ولا يكلّفه إلا وسعه: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: 286]. ثم إنّ الحديث نفسه يهدم دعوى الجبر من طرفٍ آخر: فالرجلُ فيه يعمل بعمل أهل الجنة عمرًا طويلًا، ثم يعمل بعمل أهل النار؛ والفعلُ منسوبٌ إليه في الحالين.

والخامس: أشقيٌّ أو سعيد، ثم تُطوى الصحف. عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبيَّ ﷺ: «يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَمَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبَانِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ فَيُكْتَبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ، وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ فَلَا يُزَادُ فِيهَا، وَلَا يُنْقَصُ»(١٩).

وهذا أشدُّها؛ فقد قُدّم الشقاءُ والسعادةُ على الجنس، وزِيد «وَأَثَرُهُ»، وخُتم بطيّ الصحف فلا زيادة ولا نقصان. وهو معارَضٌ بنصّ القرآن: ﴿يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [الرعد: 39]. فالمحوُ والإثباتُ قائمان، وصحيفةٌ لا يُزاد فيها ولا يُنقَص تُبطلهما. ولاحظ أنّ الروايتين الأوليين خلتا من هذا كلِّه، وهما عن الرجل نفسه.

والسادس: جوابُ المزنيَّين، وفيه دليلُه فانظر أينطق له أم عليه. قال أبو الأسود الدؤليّ: قال لي عمران بن الحصين: «أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرِ مَا سَبَقَ؟ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ. قَالَ: أَفَلَا يَكُونُ ظُلْمًا؟». ثم قال عمران: «إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ، وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: لَا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى فِيهِمْ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ عز وجل: ﴿وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا ۝ فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا﴾»(٢٠) [الشمس: 7-8].

وأولُ ما يُلاحظ أنّ الاعتراض وقع داخل الحديث نفسه: «أَفَلَا يَكُونُ ظُلْمًا؟». وهو الاعتراض الذي يقوم عليه هذا المقال كلُّه، ولم يُجَب عنه في الرواية.

ثم انظر إلى الدليل الذي سيق. الإلهامُ في الآية بيانُ الطريقين معًا لا إلزامٌ بأحدهما؛ أُلهمت النفسُ الفجورَ والتقوى جميعًا، ولو كان أحدُهما قُضي عليها لما احتاجت أن تُلهَم الآخر. ثم تمامُ الآيات هو الحاكم: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ۝ وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]، والفعلان مسنَدان إلى صاحب النفس: هو الذي يزكّيها، وهو الذي يدسّيها. فالشاهدُ الذي سيق للقضاء السابق ينطق بخلافه إذا قُرئ إلى آخره.

والسابع: «لا اعملوا». عن عليّ قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ، إِلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ فَلِمَ نَعْمَلُ؟ أَفَلَا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: لَا اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ ۝ وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡعُسۡرَىٰ﴾»(٢١) [الليل: 5-10].

والسؤال في الحديث سؤالٌ وجيه: إن كان المنزلُ معلومًا فلِمَ نعمل؟ والجوابُ في ظاهره لا يحلّ شيئًا؛ فهو يأمر بالعمل ويعلّل بالتيسير لما خُلق له، وذلك تأكيدٌ للتسيير لا رفعٌ له. غير أنّ الآية المتلوّة في آخره تقلب الأمر: فقد جُعل الإعطاءُ والتقوى والتصديق شروطًا متقدّمة، والتيسيرُ جوابًا لها. فالتيسيرُ لاحقٌ للعمل لا سابقٌ له، والنصُّ الذي تُلي للتأييد يشهد على خلافه.

والثامن: احتجاجُ آدم على موسى. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا، وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى اصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى»(٢٢).

وهذه مردودةٌ من أصلها. فالله ردّ الاحتجاج بالمشيئة على قائليه وسمّاه خرصًا: ﴿قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمٖ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَآۖ﴾ [الأنعام: 148]؛ فما كان مردودًا على المشركين لا يصير حجّةً غالبةً في فم نبيّ. ثم إنّ آدم لم يبقَ عليه لومٌ يُدفع بسبق الكتاب، فقد تِيب عليه واجتباه ربّه وهدى: ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ﴾ [البقرة: 37]، ﴿ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ﴾ [طه: 122]؛ فمن اجتباه ربّه لا يُقام في مقام المتّهم يعتذر. ولو صحّ الاحتجاج بسبق الكتاب على الذنب لبطل الأمرُ والنهي كلُّه، ولكان جواب المشركين ﴿لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكۡنَا﴾ [الأنعام: 148] حجّةً مقبولة لا خرصًا مردودًا.

وفي الباب ما ينقض هذا كلَّه. فقد ترجم البخاريُّ لهذه المسألة بما يحسمها، فسمّى الباب: «بَابٌ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللهِ»، واستشهد فيه بقوله ﴿وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ﴾ [الجاثية: 23](٢٣). فقيّد الجفافَ بالعلم، وذلك القيدُ الذي تدور عليه هذه المقالة كلها.

وفيه أيضًا ما يقرّر الاختيار في أدقّ ما يصدر عن الإنسان، وهو كلمتُه. قال ﷺ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ»(٢٤). وقال لمعاذٍ حين سأله: وإنّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»(٢٥). فمن حُوسب على كلمةٍ لم يُلقِ لها بالًا، فهو مالكٌ لها ولما هو أكبر منها.

وإلى القرآن نمضي.

حدُّ الحرية وحدُّ السلطان

الإنسان حر حرية كاملة في المجال الذي يُحاسَب عليه؛ يملك اختياره الأخلاقي وقصده وسعيه، وإن لم يكن مالكًا للكون ولا لجسمه ولا للظروف المحيطة به. هو لا يخلق نفسه ولا قدرته، ولا تخرج إرادته من مُلك الله، ولا يضمن نفاذ كل ما يريد؛ لكنه يعيّن وجهته الأخلاقية ضمن القدرة التي أعطاه الله إياها. والله يراقبه في أثناء الاختيار وبعده؛ وقد يؤدبه إذا أخطأ، ويكافئه إذا أحسن إلى البشر، ويمضي عليه الحكم إذا تحول خطؤه إلى جرم. فالحرية لا تعني الإفلات من العاقبة، وسيادة الله لا تعني إلغاء الإنسان. وهي حرّيةٌ في مبدأ الطريق لا في آخره؛ فمن سار في الإعراض حتى طُبع على قلبه ثم خُتم عليه فقد ضيّق على نفسه بيده، والحساب واقعٌ على الاختيارات التي أوصلته إلى تلك الحال، لا على عجزٍ صار إليه بعدها. والقرآن لم يعاقب على الختم، وإنما عاقب على ما قبله.

حجة المشركين: لو شاء الله ما فعلنا

أول ما ينبغي الانتباه إليه أن القرآن لم يقدم الاحتجاج بمشيئة الله على أنه توحيد عميق، بل حكاه عن المشركين ثم أبطل حجتهم:

﴿سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكۡنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأۡسَنَاۗ قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمٖ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَآۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَخۡرُصُونَ﴾ [الأنعام: 148].

ونُعت قولهم بأنه ظنّ وخرص. والظنّ في القرآن جزمٌ ويقين، لا ترجيح ولا احتمال؛ فهم جازمون بما لا علم لهم به، وذلك هو الخرص بعينه. فالآية لا تعيب عليهم التردد، بل تعيب عليهم اليقين الباطل الذي لم يخرجوا له دليلًا.

ثم انظر إلى الآية التي تليها مباشرة: ﴿قُلۡ فَلِلَّهِ ٱلۡحُجَّةُ ٱلۡبَٰلِغَةُۖ فَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾ [الأنعام: 149]. فهم ادّعوا الحجة بالمشيئة، فرُدّت إليهم ونُسبت الحجة البالغة إلى الله وحده. ولو كانوا مُجبَرين حقًّا لكانت الحجة لهم لا عليهم؛ ولهذا جاء في موضع آخر أن غاية إرسال الرسل قطع هذا الباب: ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ﴾ [النساء: 165].

وتتكرر حجتهم بلفظها في موضعين آخرين: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ﴾ [النحل: 35]، و﴿وَقَالُواْ لَوۡ شَآءَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَا عَبَدۡنَٰهُمۗ﴾ [الزخرف: 20]. وفي الأعراف نسبوا فاحشتهم إلى أمر الله فجاء الرد قاطعًا: ﴿قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ﴾ [الأعراف: 28].

فالمشكلة قديمة إذن: يفعل الإنسان، ثم يجعل مشيئة الله عذرًا لفعله. ولو كان الله قد أجبرهم على الشرك لما صح إبطال حجتهم ثم محاسبتهم عليه.

للإنسان مشيئة حقيقية

الطريق مبيَّن، والاستجابة موكولة إليه: ﴿إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]. وفي موضع آخر جُعل أمامه طريقان مرتفعان يُصعد فيهما: ﴿وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ﴾ [البلد: 10]. والهداية في القرآن إرشادٌ إلى الطريق الصحيح، لا سَوقٌ فيه بغير إرادة صاحبه؛ فمن أُرشد ثم لم يسلك فقد أُقيمت عليه الحجة.

ثم رُبط الجزاء بسعيه هو، والسعي تحرّكٌ نحو هدف منشود:

﴿وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ۝ وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ ۝ ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ﴾ [النجم: 39-41].

وقُسمت العاقبة قسمة صريحة لا تحتمل وسطًا: ﴿إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ﴾ [الإسراء: 7]. وحين جاء البصر جاء معه الاختيار: ﴿فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ﴾ [الأنعام: 104]. وحُسمت التبعة فلا تنتقل عن صاحبها: ﴿مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا﴾ [الإسراء: 15]. وحتى الذرة لا تسقط من الحساب: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ۝ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ﴾ [الزلزلة: 7-8].

هذه نسبة مباشرة لا تحتمل التأويل: سعي الإنسان، وإحسانه، وإساءته، وعمله، ثم جزاؤه.

وأصرحُ من ذلك كله مشهدُ الأمانة. عُرضت على السماوات والأرض والجبال فأبَين، وحملها الإنسان: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ﴾ [الأحزاب: 72]. ولو لم يكن للحامل اختيار لما كان في الحمل أمانة أصلًا؛ فالأمانة إنما تُسمّى أمانة لأن حاملها قادر على أن يخون فيها.

وقد يُعترض بقوله: ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ ۝ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [التكوير: 28-29]، وبنظيرها ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ﴾ [الإنسان: 30]. والآية الأولى تثبت مشيئة الإنسان صراحة، والثانية تضعها داخل مُلك الله لا خارجه. فالله هو الذي شاء أن يخلق إنسانًا قادرًا على المشيئة، وكان قادرًا على أن يقهر الجميع على الإيمان فلم يفعل: ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ﴾ [يونس: 99]. فعموم سلطان الله لا يحوّل إرادة الإنسان إلى وهم؛ بل هو الضمان الذي أوجدها وأبقاها.

والآية التالية لها تقول: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تُؤۡمِنَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَجۡعَلُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ﴾ [يونس: 100]. فالإذن يحفظ سيادة الله: لا يقع شيء خارج مُلكه. لكن آخر الآية يعيد النتيجة إلى موقف الإنسان؛ فالرجس على الذين لا يعقلون، لا على الذين لم يُؤذن لهم.

القدر حسابٌ ومقاديرُ مضبوطة

التركيب المذهبي الشائع «القضاء والقدر» لا يرد في القرآن. والقضاء إمضاء الشيء وإنفاذه؛ فإن كان حكمًا فإمضاؤه إلى من ينفذه(٢٦). وأما القدر فهو الحساب والمقدار: أمرٌ له مقاديرُ محسوبة، ليس فيه شيء عشوائيّ(٢٧).

انظر أين وقع في كتاب الله:

  • في الخلق كله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ [القمر: 49]، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا﴾ [الفرقان: 2].
  • في النازل من السماء: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ﴾ [الحجر: 21].
  • في أقوات الأرض: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقۡوَٰتَهَا﴾ [فصلت: 10].
  • وفي كل شيء حدّ: ﴿قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا﴾ [الطلاق: 3].

وأصرحُ ما يكشف المراد قرنُ التقدير بالحساب نصًّا: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ﴾ [يونس: 5]. تقديرٌ بمنازل، وثمرتُه عددُ السنين والحساب. وعلى هذا جرى سائرُه: ﴿وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ﴾ [الرعد: 8]، ﴿وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ﴾ [المؤمنون: 18]، ﴿فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ﴾ [المعارج: 4]. حتى الآنيةُ في الجنة تُقدَّر: ﴿قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٖ قَدَّرُوهَا تَقۡدِيرٗا﴾ [الإنسان: 16]. فكلُّ ما يقبل العدَّ أو القياس داخلٌ في هذا الباب.

ثم انظر إلى المواضع التي وقع فيها على واقعةٍ بعينها؛ فالحساب فيها ظاهرٌ لا يخفى.

طوفانُ نوح: ﴿فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ ۝ وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ﴾ [القمر: 11-12]. ماءٌ ينزل من فوق، وماءٌ يتفجّر من تحت، ثم يلتقيان. والتقاؤهما ليس مصادفة؛ هو أمرٌ حُسب حسابًا دقيقًا: كم ينزل، ومتى يتفجّر، وأين يلتقي الماءان.

وموسى حين رجع من مدين: ﴿فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ﴾ [طه: 40]. وههنا قدرُ الوقت والزمن؛ فقد قدّر الله الزمن حسابًا، فجاء موسى في اللحظة المحسوبة لا قبلها ولا بعدها.

وامرأة لوط: ﴿إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ قَدَّرۡنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ﴾ [الحجر: 60]. حُسبت لها المسافة بدقّة، فهي لا تموت مع القوم تحت الانهيار، وإنما يدركها الغبار المتصاعد بعده؛ ولذلك قيل إنها من الغابرين. وعلّتها في نظم القصة: مشيتها بطيئة، والتفتت خلفها. وقد استُثنيت بالنصّ من النهي عن الالتفات: ﴿وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡۚ﴾ [هود: 81].

وأمرُ الله في الخلق الذين مضوا: ﴿مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا﴾ [الأحزاب: 38]. والقرينة في الآية نفسها: ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ﴾. فالذي نُعت بأنه ﴿قَدَرٗا مَّقۡدُورًا﴾ سنّةٌ جاريةٌ في الأوّلين، لا مصيرُ رجلٍ بعينه.

فالتقدير إذن حسابٌ يقع على الوقائع والمواعيد والمسافات والسنن، لا إملاءٌ للقرار الأخلاقي على صاحبه. ومن ههنا وجب الفصل بين ثلاثة لا يجوز خلطها: سننٌ عامة تجري على الناس كافّة، ومقاديرُ شخصية غير أخلاقية كالجنس والأجل والرزق والمصير الدنيويّ، واختيارٌ أخلاقيّ يقوم عليه الحساب. والأولان مكتوبان، والثالث هو الذي نُفي أن يُكتب على صاحبه قبل أن يختاره.

أربعةُ ألفاظٍ لا تُخلط

ومن ههنا جاء الخلط كلُّه. يقول الناس «القضاء والقدر» ويريدون به كتابًا سابقًا بالمصائر، والقرآن يستعمل أربعة ألفاظٍ لكلِّ واحدٍ منها عملُه: القدرُ تعيينُ الحدّ أو المقدار، والكتابُ إثباتُ الشيء، والقضاءُ إمضاؤه وإنفاذُه، والسنّةُ قانونٌ عامٌّ يتكرّر.

ولم يُترك هذا للاستنباط، بل فُصل في النصّ. جُمع القدرُ والسنّةُ في آيةٍ واحدةٍ مستقلَّين: ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا﴾ [الأحزاب: 38]؛ ولو كانت السنّةُ هي القدرَ لما احتيج إلى ذكرهما جميعًا. وفُصل القضاءُ من التقدير كذلك: ﴿فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ﴾ إلى قوله ﴿ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ﴾ [فصلت: 12]؛ فالتقديرُ ضبطُ العدد والزمن والهيئة، والقضاءُ إمضاءُ الخلق وإتمامُه.

فلفظُ «القدر» وحده لا يحمل دعوى أنّ مستقبل الإنسان الأخلاقيّ مكتوبٌ عليه. تلك دعوى مبناها على لفظ الكتاب، وسيأتي أنّ الكتاب في الاختيار تسجيلٌ بعد العمل لا حَمْلٌ على ما لم يقع.

ليلة القدر

ويُحتجّ بليلة القدر على أنّ الأرزاق والآجال تُكتب فيها. وليس في السورة من ذلك حرف. الذي فيها: ﴿لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ﴾ [القدر: 3]. فعُرِّفت الليلةُ بمقارنةٍ محسوبة، قياسًا إلى ألف شهر. واسمُها من القدر بمعنى المقدار والقيمة، لا بمعنى دفترٍ يُملأ.

الموت مقدارٌ محسوب

ومن أظهر ما يكشف هذا آيةُ الموت: ﴿نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ﴾ [الواقعة: 60]. ولم يقل «خلقنا الموت» وقد سبق منه لفظ الخلق في موضعه، بل قال ﴿قَدَّرۡنَا﴾؛ ولم يقل «قدّر» بل ﴿قَدَّرۡنَا﴾ بنون الجماعة. فلعمل الموت جنودٌ وأدوات: جراثيمُ وملائكةٌ وأسبابٌ تعمل به.

والمقدار ههنا يحتمل وجهين. أحدهما أنه مقدارٌ في العدد والوقت، فلا تموت الجماعة كلها دفعةً واحدة؛ هذا في زمنٍ وذاك في زمن، ولذلك جاء بعده ﴿وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ﴾. والآخر أنّ المقدار في الجسم نفسه، ففناؤه يقع لخللٍ في عضوٍ من أعضائه.

وهو الكتاب المؤجَّل: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ﴾ [آل عمران: 145]. فالكتاب قرّر مدةً معيّنة يستمر فيها الجسم على الحياة ثم يفنى، والأجسام تختلف في قوّتها. وليس معنى ذلك أنّ عمر كل فرد مسجَّلٌ باسمه في لوح؛ فالمدة تطول بالرياضة وحسن التدبير، وتقصر بالمخدّرات وسوء التدبير: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٖ وَلَا يُنقَصُ مِنۡ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِي كِتَٰبٍۚ﴾ [فاطر: 11]. فالزيادة والنقص واقعان، والكتاب هو القانون الذي يجريان بمقتضاه.

وأما القتل فقد يُكتب على قومٍ، وليس ذلك كتابًا سابقًا لمولدهم. هي حالاتٌ طارئة تقع نتيجةَ عمل البشر والجماعات، فيقضي المولى أن يموت فلانٌ أو يُقتل لسببٍ من الأسباب، نراه أو لا نراه. وأقوى ما قد يُعترض به قوله عن أُحد: ﴿لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ﴾ [آل عمران: 154]. والمكتوب ههنا هو القتل، أي نتيجةٌ من نتائج الحرب، لا اختيار الكفر أو الظلم أو العصيان. وقد نسبت الآيات قبلها الأفعال الأخلاقية إلى أصحابها بلا وساطة: ﴿فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم﴾ [آل عمران: 152].

بل إنّ الآية نفسها هي أشدّ ما في القرآن على القول بأن الاختيار مكتوب. اقرأ صدرها: طائفة ﴿أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ﴾ [آل عمران: 154]، ثم قالوا: ﴿لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ﴾ [آل عمران: 154]. فالذين رفعوا شعار «ليس لنا من الأمر شيء» بعد الهزيمة سمّى القرآن جزمهم هذا ظنّ الجاهلية. فيفرّق النصّ داخل القصة الواحدة بين نتيجةٍ تقع في نظام الموت، وبين عصيانٍ اختاره فاعلوه، وبين دعوى الجبر التي تُقال بعد وقوع المصيبة.

أفي المعيشة مقدارٌ مقسوم؟

المقدار قائم، والقرآن يقرّره: ﴿نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ﴾ [الزخرف: 32]. والقسمة ههنا قانونٌ لا تعيينُ أشخاص. لم يقرّر الله أن فلانًا يكون غنيًّا وفلانًا يكون فقيرًا بأسمائهما، وإنما قرّر أن يكون في الناس أغنياء وفقراء، وأن تقوم الدرجات ليسخّر بعضهم بعضًا.

والتقديرُ في الرزق سعةٌ وضيق، لا تعيينُ أسماء: ﴿ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ﴾ [الرعد: 26]، ﴿فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ﴾ [الفجر: 16]. فـ﴿وَيَقۡدِرُۚ﴾ في مقابلة البسط: يجعل المقدار أضيق. وهو أمرٌ يجري بأسبابه على من جرت عليه أسبابُه.

وقد يُغني الله الرجل ليختبره: ﴿وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ﴾ [الأنبياء: 35]. ويتوعّد القوم بذهاب النعمة إن لم يُحسنوا، ويعد المحسن بالسعة إن التزم بالقوانين: ﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ [الأعراف: 96]، ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا ۝ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا ۝ وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ﴾ [نوح: 10-12]. ولو كان الغنى والفقر معيَّنَين على أعيان الناس لما صحّ وعدٌ ولا وعيد.

ثم إنّ المقدار لم يُغنِ صاحبه عن السعي، بل أُمر بالمشي والانتشار والابتغاء: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ﴾ [الملك: 15]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ﴾ [الجمعة: 10]. ولو كان الرزق يبلغ صاحبه وهو قاعد لما أُمر بالمشي، ولا بالانتشار، ولا بالابتغاء.

فالفقر والغنى يجريان بأسبابهما كما يجري الموت بسببه. والمكتوب مقدارٌ في نظام المعيشة، لا حكمٌ يُعفي القاعد من قعوده ولا يُبطل سعي الساعي.

ويُفرَّق ههنا بين لفظين: الرزقُ نصيب الإنسان من الطعام والشراب، والمعيشةُ أوسع منه، وفيها المال والدرجات والتسخير. ولذلك جاء الأمر بالمشي مقرونًا بالأكل: ﴿فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ﴾ [الملك: 15]؛ مشيٌ ثم أكل. وجاءت القسمة على لفظ المعيشة لا على لفظ الرزق.

المرض: أمكتوبٌ هو أم إهمال؟

ليس كل مرضٍ عقوبةً على ذنب. فقد مسّ الضرُّ نبيًّا كريمًا: ﴿وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]. ورفع الله الحرج عن المريض ولم يزده عليه: ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ﴾ [الفتح: 17]. ولو كان المرض جزاءً لكان الأليق أن يُشدَّد عليه لا أن يُخفَّف عنه.

ومنه ما يقع بكسب اليد، وقد مرّ أن من المصائب ما هو أثرٌ لما كسب الناس. ولذلك نُهي الإنسان عن أن يوقع نفسه في الهلاك بإهماله: ﴿وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]. ولا يُقال: السببُ والنتيجةُ كلاهما داخلٌ في سبق الكتاب؛ فإنّ هذا مسلَّمٌ ولا ينفع القائل به. فالنزاع ليس في أنّ الأسباب مقدَّرة، بل في أن يكون الفعل واقعًا على صاحبه بلا اختيارٍ منه ثم يُحاسَب عليه. والنهيُ عن الإهمال إنما يُوجَّه إلى من يملك ألّا يُهمل؛ فالخطاب نفسه دليلُ القدرة، لا الأثرُ وحده.

وأدقّ ما في الباب أدبُ إبراهيم في نسبة الفعلين: ﴿وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ﴾ [الشعراء: 80]. نسب المرض إلى نفسه، ونسب الشفاء إلى ربه. ولو كان المرض كلُّه مكتوبًا عليه لقال: وإذا أمرضني.

فما الذي كتبه الله؟

وقع الخلط لأن لفظ «كتب» جُمع كله في معنًى واحد، والسياقات مختلفة. وفي القرآن أربعة استعمالات لا ينبغي أن تختلط: تكليف عام، ووعدٌ أو حكم، وتسجيل لاحق للعمل، وإحاطةٌ علمية لا تُكره الفاعل.

1. قوانين عامة وفرائض على الجميع

قال: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183]، وكتب القصاص والوصية والقتال في سياقاتها [البقرة: 178، 180، 216]. تكاليفُ عامة موجَّهة إلى الناس كافّة، لا أخبارٌ بأن فلانًا بعينه سيطيعها أو يعصيها. ولو كانت خبرًا لكان الخطاب بها عبثًا.

وتدخل ههنا قوانين الخلق والمصائب والأعمار: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ﴾ [الحديد: 22]. ولم يُترك الغرض مبهمًا، بل صُرّح به في الآية التي بعدها: ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾ [الحديد: 23]. فالمقصود تربية النفس على ألّا تنكسر بالفائت ولا تبطر بالحاصل، لا فتحُ دفترٍ يُقرأ فيه مصير الأفراد. وكذلك زيادة العمر ونقصه ﴿إِلَّا فِي كِتَٰبٍۚ﴾ [فاطر: 11].

فالذي سبق هو القانون الذي يحكم الواقعة عند تحقق سببها، لا قرارُ الإنسان الأخلاقي قبل أن يتخذه.

2. وعودٌ وأحكام لمصلحة المؤمنين

قال: ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ﴾ [المجادلة: 21]. وقال: ﴿أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]. وقال: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ﴾ [التوبة: 51]. والآية الأخيرة ردٌّ على الكفار والمنافقين حين تربّصوا بالمؤمنين الدوائر؛ فالمكتوب الذي لا يصيبهم غيره هو انتصار المسلمين، لا قائمةُ ما سيقع لكل رجلٍ منهم. وهي تقول «لنا» لا «علينا»، وسياقها المواجهة والنصر والرعاية. فهذه وعودٌ كتبها الله قانونًا يجري.

وما كُتب لقومٍ لا يجعل استجابتهم آلية. قيل لبني إسرائيل: ﴿ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ﴾ [المائدة: 21]. فالكتابة «لهم» صاحبها أمرٌ بالدخول وتحذيرٌ من الارتداد؛ ثم ارتدّوا فخسروا الأرض المكتوبة لهم. ولو كانت الكتابة سَوقًا لما احتاجت إلى أمرٍ ولا إلى تحذير. ويقول القرآن كذلك: ﴿يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [الرعد: 39]، فأبواب الكتاب لا تُختزل في صورة مصيرٍ شخصيّ جامد.

3. تسجيلٌ يقع بعد العمل

قال: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ﴾ [يس: 12]. وقال في أعمال المجاهدين: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ﴾ [التوبة: 120]، وفي النفقة وقطع الوادي: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [التوبة: 121]. تعلّق الكتاب ههنا بما قدّموه وما وقع منهم، فهو تسجيلٌ وشهادةٌ يقوم عليهما الجزاء.

ولهذا يلقى الإنسان يوم القيامة كتابًا يقرؤه بنفسه: ﴿وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ۝ ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا﴾ [الإسراء: 13-14]. ولِمَ جُعلت النفس حسيبًا على صاحبها دون غيرها؟ لأن الحساب معالجة قيمٍ متضاربة داخل وعاءٍ واحد لاستخراج المقدار الصافي، والنفس هي الوعاء الذي وقع فيه الكسب كله. ولو كان الكتاب أمرًا أُجبر عليه لما صحّ أن تكون النفس شاهدةً على عدالة الحساب.

4. إحصاءُ الله وعلمه

الله يعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، وكل ذلك ﴿فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ﴾ [الأنعام: 59]. وهذا إحصاءٌ لما هو واقع، لا إمساكٌ بيد الفاعل. والقرآن يجمع بين إحاطة العلم ونسبة العمل إلى الإنسان في نَفَسٍ واحد: ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [النحل: 93]. فلو كان العلم إكراهًا لسقط السؤال.

فلا ننكر علم الله، ولا كتبه، ولا سلطانه؛ وإنما ننكر القفزة التي تحوّل العلم إلى إكراه، والكتاب إلى سيناريو أخلاقي شخصي، والإنسان إلى أداةٍ يعاقبها الله على حركةٍ خلقها فيها بغير اختيارها.

الشماعة الشيطانية: من المستفيد من القول إن الشر مكتوب؟

تحويل علم الله وكتابه إلى قائمةٍ سابقةٍ بكل شرٍّ سنفعله ليس تعظيمًا لله، بل هو بحثٌ عن مبرر للشر. فالذي يقول بعد فعله الشرير: «هذا ما كتبه الله عليّ» ينقل اللوم من نفسه إلى ربه، ويجعل الطاعة بطولةً له، ثم يجعل المعصية شيئًا كُتب عليه لا يد له فيه. حيلةٌ أخلاقية قديمة: يفعل الإنسان ما يريد، ثم يزعم أنه لم يكن قادرًا على غيره.

ولم تنتشر عقيدة التسيير لقوّة دليلها، وإنما لأنها تُريح الضمير. فمن قال إن عمله مكتوبٌ عليه استراح من تبعة ما فعل، ونام على وسادةٍ لا تؤرّقه. ولذلك تلقّفتها الجماهير وردّها الأذكياء؛ فالراحة تُشترى بثمنٍ واحد، وهو أن يتنازل الإنسان عن كونه فاعلًا.

إنها شماعة شيطانية يعلّق عليها الإنسان مسؤوليته، ويخدعه بها الشيطان لكي يستمر في ضلاله. والشيطان نفسه يتبرأ يوم الحساب من دعوى الإجبار، ويخطب في أتباعه:

﴿وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ [إبراهيم: 22].

الآية تهدم الشماعة من أصلها. والسلطان قوةٌ يتمكن بها صاحبها من رقاب الآخرين فيسيطر عليهم، وقد نفاه الشيطان عن نفسه نفيًا مطلقًا: لم يكن معه ما يقهرهم به، إنما دعا فاستجابوا. ولهذا أمرهم أن يلوموا أنفسهم. فالشيطان يخدع ويغوي، لكنه لا يصنع القرار بدل الإنسان؛ والإنسان هو الذي يمنحه المدخل بالاستجابة، ثم يحاول عند انكشاف العاقبة أن يعلّق اختياره على سبق الكتاب.

والمكتوب حقًّا نوعان متمايزان: ما كتبه الله قبلنا من القوانين العامة المطلقة التي تجري على البشر جميعًا، وما يُكتب في سجلنا من الأعمال التي قدّمناها والآثار التي تركناها. وصيغة القرآن دقيقة: ﴿وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ﴾ [يس: 12]؛ ما قدّموا، لا ما سيُجبرون على تقديمه. ولو كان المكتوب قد كُتب في الماضي لقيل: وكتبنا ما قدّموا. وإنما قيل ﴿وَنَكۡتُبُ﴾، والكتابة تقع الآن على ما قُدِّم.

وهذا لا ينفي مطلقًا سلطان الله الكامل. الله قادر على أن يتحكم بنا كل التحكم، ولو شاء لقهر الناس جميعًا على الإيمان؛ لكنه لا يريد أن يتحكم بنا في المجال الذي أقام عليه الحساب، بل يريدنا أحرارًا نعمل من ذات أنفسنا. فترك الإكراه اختيارٌ إلهي مقصود، لا عجزٌ عن الإكراه؛ والسيادة العليا هي التي أنشأت للإنسان مجال حريته، وهي القادرة على إنهائه، لكنها لا تستعمل قدرتها لنقض الغاية التي من أجلها كان الأمر والنهي والجزاء.

إن الله سبحانه وتعالى يريد صناعة الإنسان البطل: إنسانًا يعرف الحق ثم يختاره، ويقاوم الخداع، ويتحمل مسؤولية قراره، ويقوم إذا أخطأ بدل أن يختبئ خلف سبق الكتاب. ولا يريد الإنسان الإمعة البهائمي الذي يسلّم عقله وإرادته لسادته أو آبائه أو شيطانه، ثم يقول: لم يكن لي خيار. وقد سجّل القرآن اعتراف هؤلاء: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠﴾ [الأحزاب: 67]. ونعت من عطّل قلبه وسمعه وبصره بأنه أضلّ من الأنعام: ﴿لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ﴾ [الأعراف: 179]. ولاحظ أنها آلاتٌ موجودةٌ معطَّلة، لا آلاتٌ منزوعة؛ فالقلوب لهم، والأعين لهم، والآذان لهم، وإنما عطّلوها هم. فالبطولة ههنا ليست قوة الجسم، بل استقلال الضمير، وشجاعة الاختيار، وقبول تبعة العمل.

القلب المطبوع: يدخله الخبر مشوَّهًا

أقوى ما يُعترض به على هذا كله آياتُ الطبع والختم؛ فظاهرها عند من يقرؤها منفردة أن الله أغلق القلب فامتنع صاحبه عن الإيمان، ثم عوقب على امتناعٍ ليس بيده. وفصلُ الأمر في الآيات نفسها، فإنها لم تذكر واحدًا منهما قطّ إلا وذكرت معه سببه، ولم تقدّمه على الكفر مرة واحدة. وهما بعد ذلك مرتبتان لا مرتبة واحدة.

فالطبع ضربُ صورةٍ على المادة تلزمها: يُطبع الدرهم فيخرج بالصورة التي ضُربت عليه. وليس الطبع سدًّا للمنفذ، بل تغييرٌ لآلة الإدراك؛ فالوارد يدخل ولا يُمنع، لكنه يمرّ على الصورة المضروبة فيخرج مشوَّهًا. ولذلك جاءت عاقبته نفيَ الفقه والعلم لا نفيَ الاتصال: ﴿فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ﴾ [المنافقون: 3]، ﴿وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [التوبة: 93]، ﴿كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [الروم: 59].

وأبينُ ما في الباب موضعٌ يصوّر المطبوع وهو في مجلس الرسول: ﴿وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ﴾ [محمد: 16]. فهو حاضرٌ يستمع، وبابُه مفتوح، والكلام يبلغه؛ ثم يخرج فلا يحمل منه شيئًا فيسأل: ماذا قال آنفًا؟ فليس ههنا منعٌ من الدخول، وإنما فسادٌ في المعالجة. ولذلك خُتمت آية الطبع في موضع آخر بالغفلة لا بالعجز: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ﴾ [النحل: 108]. وبهذا يُقرأ ﴿وَنَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ﴾ [الأعراف: 100]؛ فليس المنفيّ بلوغَ الصوت آذانهم، وإنما سماعُ القبول.

وهو معلّقٌ بأسبابه في كل مواضعه. ففي النساء سيقت عللٌ متتابعة ثم جاء الطبع في آخرها: ﴿فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ﴾ [النساء: 155]. والباء في ﴿بِكُفۡرِهِمۡ﴾ تقطع النزاع: الطبع واقعٌ بكفرهم، لا الكفر واقعٌ بالطبع.

وفي هذه الآية دعوى تستحق الوقوف. قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ﴾، ومرادهم: قلوبنا مغلَّفةٌ محميّةٌ عن كل ما تدعونا إليه، فلا تُتعب نفسك يا محمد. وليست شكوى من ختمٍ ضُرب عليهم؛ ولو كانت شكوى لما صحّ أن يُردّ عليهم بـ«بَلْ»، فالإضراب لا يقع إلا على دعوى تُبطَل. ونظير قولهم ما حكاه الله عن غيرهم بلفظٍ أوضح: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيٓ أَكِنَّةٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ وَفِيٓ ءَاذَانِنَا وَقۡرٞ وَمِنۢ بَيۡنِنَا وَبَيۡنِكَ حِجَابٞ فَٱعۡمَلۡ إِنَّنَا عَٰمِلُونَ﴾ [فصلت: 5]. دعوى استغناءٍ وتحصُّنٍ تُقال في وجه الداعي ليكفّ. فجاء الجواب يقلب الدعوى عليهم: ليست حصانةً مُنحوها، بل هو طبعٌ نزل بهم بكفرهم. وقد رُدّت عليهم القولة نفسها بالإضراب نفسه في موضع آخر، غير أن الجواب ثَمّ باللعن لا بالطبع: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ﴾ [البقرة: 88]. واللعن عكس الصلاة: إغلاقُ الباب فلا يَسمع اللهُ الملعونَ ولا ينظر إليه، كما أنّ صلاته إقبالٌ واستماعٌ واستجابة. فادّعوا أنّ بابهم مغلقٌ دون الرسول فلا ينفُذ إليهم، فجاءهم الجواب أنّ البابَ مغلقٌ من الجهة الأخرى: لا هم يُصغون، ولا يُصغى إليهم.

وتمام آية النساء ﴿فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [النساء: 155]، والاستثناء فيها في الأشخاص لا في القلوب: قليلٌ منهم يؤمنون، لا أن المطبوع على قلبه يؤمن إيمانًا قليلًا.

وفي المنافقين ترتيبٌ زمنيّ لا يحتمل التقديم والتأخير: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ﴾ [المنافقون: 3]. آمنوا أولًا، فقد كان القلب مفتوحًا، ثم كفروا، ثم طُبع. وفي المتخلفين عن الغزو جاء بعد رضاهم بالقعود: ﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ﴾ [التوبة: 87]. وفي المتكبرين جُعل نعتًا لازمًا لحالٍ اختاروها: ﴿كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ﴾ [غافر: 35].

والختم أشدُّ منه: سدٌّ لا هادي بعده

والقلب في القرآن وعاءٌ يُملأ، ولذلك صحّ فيه السدّ. قال في بني إسرائيل: ﴿وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ﴾ [البقرة: 93]، فجعل العجل شرابًا أُشربوه في قلوبهم حتى امتلأت به. ومن كان وعاءً فتُخُيِّل فيه الامتلاء صحّ أن يُختم عليه كما تُختم القارورة.

والختم سدُّ المنفذ: تختم القارورة فيقف عندها النفاذ. ويتعيّن اتجاهه بالعضو الذي وقع عليه: فالقلب والسمع والبصر مداخل، والختم عليها منعُ أن يدخلها شيء؛ والفم مخرج، والختم عليه منعُ الكلام أن يخرج: ﴿ٱلۡيَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَآ أَيۡدِيهِمۡ﴾ [يس: 65].

فالمطبوع يصله الخبر مشوَّهًا، والمختوم لا يصله. وشاهد ذلك ثلاثة مواضع لا تحتمل غير هذا.

الأول: أن الختم قُرن بأخذ السمع والبصر أخذًا، لا بإفساد عملهما: ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ وَأَبۡصَٰرَكُمۡ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِهِۗ﴾ [الأنعام: 46]. فسُوّي بين الأخذ والختم في سياق واحد.

والثاني: أن الإنذار وتركه يستويان بعده: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ۝ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ﴾ [البقرة: 6-7]. وليس في مطبوعٍ موضعٌ واحد يستوي فيه الإنذار وتركه؛ بل ظلّ المطبوع يحضر ويستمع.

ويلحق بالختم في هذا البابِ الأكنّةُ والوقر، فقد عُقّبا بأشدّ ما في القرآن من قطع الرجاء: ﴿إِنَّا جَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۖ وَإِن تَدۡعُهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ فَلَن يَهۡتَدُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا﴾ [الكهف: 57]. غطاءٌ على القلب وسدٌّ في الأذن، ثم ﴿فَلَن يَهۡتَدُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا﴾. ولم يقع مثل هذا في موضع طبعٍ واحد.

والثالث، وهو الفاصل: أن الختم وحده عُقّب بنفي الهداية بعده نفيًا عامًّا: ﴿أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ﴾ [الجاثية: 23]. فالاتخاذ فعله هو، والإضلال بعده، والختم بعدهما، ثم لا هادي بعد ذلك. وقيدٌ رابع لا يُغفل: ﴿عَلَىٰ عِلۡمٖ﴾؛ فما جاء الختم إلا على علمٍ سابقٍ بحال المحل.

وقبل هذا وذاك مرتبةٌ تتكوّن على مهل: ﴿كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ [المطففين: 14]. فالذي غطّى القلب كسبُهم أنفسهم، تراكم عليه شيئًا بعد شيء حتى حجبه، كما يعلو الصدأ المرآة بطول الإهمال فلا تعود تُري الصورة. وانظر كيف عدل عن أن يقال: ران على قلوبهم ما كتبنا عليهم.

فهي ثلاث حالاتٍ متفاوتة لا حالٌ واحدة: رَينٌ يتراكم بالكسب فيحجب، وطبعٌ يُشوِّه الوارد وصاحبه بعدُ متصل، وختمٌ يقف عنده الوارد فلا هادي بعده. ولا يقع من ذلك شيء ابتداءً، ولا يقع إلا بعد بيانٍ وإعراض. ولهذا قال في الغافلين: ﴿لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: 179]، فأثبت لهم القلوب ونفى عنها الفقه؛ فالآلة موجودة، والعطب في تعطيل صاحبها لها.

من يضلّه الله؟

يبقى الاعتراض الثاني: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ﴾ [النحل: 93]. فإن كانت المشيئة مطلقة فلا فرق بين إنسان وإنسان.

وهذه المشيئة مقيَّدةٌ في القرآن نفسه بنعت المحل، وأن الإضلال إرشادٌ إلى الطريق الخاطئ، لا سَوقٌ فيه بغير إرادة الماشي. فمن أُرشد إلى طريقٍ فسلكه، فقد سلكه بقدميه. وقد ذُكر المضلَّلون في كل موضعٍ بنعوتهم:

في المثل يُضِلّ ويهدي بالشيء الواحد، ثم يُقصر الإضلال على صنفٍ بعينه: ﴿يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ [البقرة: 26]. مثلٌ واحد، وقارئان: هذا يزداد به بصرًا، وذاك يزداد به عمًى؛ والفرق في القارئ لا في المثل.

وفي إبراهيم: ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ﴾ [إبراهيم: 27]. التثبيت للذين آمنوا بعد إيمانهم، والإضلال للظالمين بعد ظلمهم.

وفي غافر جاء الإضلال بعد قصةٍ طويلة من الشك والتكذيب: ﴿فَمَا زِلۡتُمۡ فِي شَكّٖ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦۖ﴾ [غافر: 34]، ثم ﴿كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ مُّرۡتَابٌ﴾ [غافر: 34]. فالمضلَّل مسرفٌ مرتاب قبل أن يُضلّ.

وأصرح منها كلها آية التوبة، فقد نصّت على أن الإضلال لا يقع إلا بعد البيان: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ﴾ [التوبة: 115]. فأُثبتت هدايةٌ سابقة، وبيانٌ سابق، ثم كان ما كان.

والقاعدة التي تجمع هذا كله جاءت في آيتين متقابلتين. في جانب الهدى: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ﴾ [محمد: 17]، فالاهتداء أولًا ثم الزيادة. وفي جانب الزيغ: ﴿فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ﴾ [الصف: 5]، فالزيغ منهم أولًا ثم الإزاغة. ولاحظ «لمّا»؛ فهي تربط الثاني بالأول ربط الجواب بشرطه.

ومن سلك سبيل الاجتهاد وُعد بالهداية وعدًا مؤكَّدًا: ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ﴾ [العنكبوت: 69]. والمجاهدة قبل الهداية في نظم الآية وفي المعنى جميعًا. وكذلك: ﴿يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ﴾ [المائدة: 16]، فالاتباع شرطٌ متقدم. وأوضحُها في تصوير الاختيار: ﴿ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ﴾ [الزمر: 18]. استمعوا، ثم وازنوا، ثم اختاروا الأحسن، ثم قيل عنهم: هؤلاء هداهم الله. فالهداية اسمٌ للنتيجة التي أعطاها الله لمن فعل ذلك، لا قوةٌ دفعتهم إليه.

ما الذي نُفي عن الرسول من الهداية

ويُعترض بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ﴾ [القصص: 56]. وقيل للنبي ﷺ نفسه في سورة أخرى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ [الشورى: 52]. فنُفيت عنه الهداية وأُثبتت له في آيتين، والجمع بينهما يكشف الباب.

المنفيّ عنه إيقاعُ الاهتداء في قلب من أحبّ، والمُثبَت له الدلالةُ والبيان. فالرسول يدلّ ولا يُدخل، ويبيّن ولا يُكره. ولهذا حُدّت وظيفته حدًّا لا يتجاوزه: ﴿فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ ۝ لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ﴾ [الغاشية: 21-22]. وقيل في الدين كله: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ﴾ [البقرة: 256]. ولو كان الاهتداء يقع بالقهر لكان الإكراه أقصر الطرق إليه، ولكان النبي أولى الناس بأن يُؤمر به في أقرب الناس إليه.

وأما ﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا﴾ [السجدة: 13]، فهي إخبارٌ عن قدرةٍ لم تُستعمل، لا عن قدرةٍ استُعملت. و«لو» حرفُ امتناعٍ لِما امتنع؛ فمعناها أن هذا لم يقع. وقد صُرّح بعلة عدم وقوعه في يونس: ﴿أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ﴾ [يونس: 99]، فالإكراه على الإيمان مرفوضٌ في الأصل لا متعذَّرٌ على القدرة.

الشقاء نتيجةٌ لا نعتٌ سابق

قال: ﴿يَوۡمَ يَأۡتِ لَا تَكَلَّمُ نَفۡسٌ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ﴾ [هود: 105]. فقد يُقرأ هذا على أنّ الناس صنفان بالخلقة الأولى: ناجٍ وهالك.

وقد شرحنا معنى السعادة والشقاء فيما مضى. السعيد يوم القيامة من يتلقّى العون فييسَّر له الوصول، ثم يدخل الجنة لأنه تلقّى العون. والشقيّ من يجد صعوبةً هائلة في الوصول إلى المحشر، فيكون مصيره إلى النار. فالشقاء مكابدةٌ في الطريق، والسعادة عونٌ يأتي من غير صاحبه.

ولهذا جاء الفعلان في الآيتين بعدها على وجهين متقابلين: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ﴾ [هود: 106]، ثم ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلۡجَنَّةِ﴾ [هود: 108]. فمن كابد الطريق نُسب الفعل إليه، ومن أُعين عليه نُسب العون إلى غيره. وليس في الآيتين لقبٌ كُتب على صاحبه قبل أن يولد.

مسألةُ علم الله تُفرَد بمقال

ويعرض ههنا سؤال: إذا كان الله يعلم أنّ فلانًا سيكفر، فهل يستطيع فلانٌ ألّا يكفر؟

وهذا السؤال نُرجئه إلى مقالٍ مستقلّ يُفرَد له. وعلّةُ إرجائه أنّه لا يمسّ ما نحن فيه؛ فحرّيةُ الإنسان قائمةٌ على الأمر والنهي والمراقبة والجزاء، وهذه ثابتةٌ بالنصّ على كلّ حال. وإنما يمسّ السؤالُ وجهًا آخر، هو انتظامُ المنطق واستقامتُه؛ وذلك بابٌ يُبسط في موضعه ولا يُقضى فيه عَرَضًا.

المراقبة ثم العاقبة بحسب العمل

قال الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾ [النساء: 1]. وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ ۝ كِرَامٗا كَٰتِبِينَ ۝ يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ﴾ [الانفطار: 10-12]. ولم يقل: يعلمون ما كُتب عليكم؛ بل ﴿مَا تَفۡعَلُونَ﴾، والفعل إتيان الشيء أول مرة. فالمراقبة والكتابة متجهتان إلى فعلٍ يقع من الإنسان، ولذلك صحّ أن يكون له أو عليه.

وإذا عمل الإنسان صالحًا وهو مؤمن، ومن ذلك الإحسان إلى البشر، فقد أحسن إلى نفسه أولًا، ووُعد بالحياة الطيبة: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ﴾ [النحل: 97]. وإن أساء فعليه إساءته: ﴿مَّنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۗ﴾ [فصلت: 46]. والعمل ههنا هو الفعل المتكرر المعتاد، لا الزلّة العارضة؛ ولذلك عُلّق عليه الجزاء الدائم.

وقد يأتي التأديب ليوقظ المخطئ ويردّه قبل أن يستحكم: ﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ [الروم: 41]. ولاحظ ﴿بَعۡضَ﴾؛ فالمقصود التنبيه لا الاستيفاء. ومثلُها: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ﴾ [الشورى: 30]. فأثبتت الآيتان أن من الفساد والمصائب ما هو أثرٌ لكسب الناس، وأن الغاية أن يرجعوا؛ ولا تجعلان كل مصيبةٍ فرديةٍ دليلًا على ذنب صاحبها.

والتغيير إلى الأسوأ يبدأ من القوم قبل أن تُسلب النعمة: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ﴾ [الأنفال: 53]. وقُرّرت القاعدة في موضع آخر مجرّدةً عن النعمة: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ﴾ [الرعد: 11]. تغييرٌ في الأنفس أولًا، ثم تغييرٌ في الحال ثانيًا؛ وهذا هو ترتيب السنن كله.

أما إذا صار الخطأ جرمًا، أي قولًا يشرعن قتل الآخرين واضطهادهم ونهبهم ويحرّض العامة والدولة عليهم، فإن العقوبة تبلغ إمضاء الحكم: ﴿وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ [يونس: 13]، ثم ﴿كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ [يونس: 13]. ولاحظ الشرطين: ظلمٌ وقع منهم، وبيّناتٌ جاءتهم. ولا يُمضى الحكم على أهل قريةٍ غافلين ولا مصلحين: ﴿ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ﴾ [الأنعام: 131]، ﴿وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ﴾ [القصص: 59]، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ﴾ [هود: 117]. فالله لا يهدم قريةً أهلُها يُصلحون. والقضاء ههنا إمضاء حكمٍ بعد بيانٍ وجرم، لا كتابةُ الجرم على صاحبه ثم سَوقُه إليه.

ومن السنن الجارية أن المُلك يُنال بأسبابه لا بالأنساب ولا بالأماني. لما استكثر بنو إسرائيل على طالوت الملك قيل لهم: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ﴾ [البقرة: 247]. فذُكرت العلة: علمٌ وقوة. ولو كان الأمر محاباةً لما احتاج إلى تعليل.

الاختبار دليل الاختيار

لو كانت النتائج تجري بالأثرة لا بالأسباب، لكان أولى الناس بها الأنبياء؛ وهم أعظم الخلق وأقربهم إلى الله، ومعهم الوحي والتأييد. ومع ذلك جرت عليهم السنن كما جرت على غيرهم. والاختبار نفسه أكبر دليلٍ على الاختيار لا على الإجبار؛ فمن لا يملك قراره لا يُختبر.

يوم أُحد. الرسول ﷺ بين أصحابه، والوعد قد صدق أول النهار، ثم انقلب الأمر: ﴿وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ﴾ [آل عمران: 152]. ثلاثة أسباب صُرّح بها: فشلٌ وتنازعٌ وعصيان. ولما سألوا من أين جاءتهم المصيبة جاء الجواب في كلمتين: ﴿أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ﴾ [آل عمران: 165]. ولم يقل: هو من كتابٍ سُطّر عليكم قبل أن تُخلقوا.

ويوم حنين. خرجوا في عددٍ لم يخرجوا في مثله قط، فأعجبتهم كثرتهم، فكانت الكثرة نفسها بابَ الهزيمة: ﴿وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ﴾ [التوبة: 25]. علّةٌ في النفوس قبل أن تكون في السلاح، والرسول ﷺ فيهم.

والأمر بالإعداد. لم يُقل لهم: توكّلوا فالنصر مكتوب؛ بل قيل: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ [الأنفال: 60]. و﴿مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم﴾ [الأنفال: 60] حدُّ التكليف، والإرهاب نتيجةٌ للإعداد لا هبةٌ دونه.

وآدم. أُخرج أولًا: ﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ﴾ [البقرة: 36]، ثم تِيب عليه: ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ﴾ [البقرة: 37]، ثم مضى الهبوط بعد التوبة لا قبلها: ﴿قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ﴾ [البقرة: 38]. توبةٌ مقبولة، وعاقبةٌ نافذة بعدها، في قصةٍ واحدة.

وموسى. وكز رجلًا فقضى عليه، فاستغفر فغُفر له: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي فَٱغۡفِرۡ لِي فَغَفَرَ لَهُۥٓۚ﴾ [القصص: 16]. ثم لم تقف المغفرة أثرَ الفعل في الأرض، فخرج هاربًا من بلده: ﴿فَخَرَجَ مِنۡهَا خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُۖ﴾ [القصص: 21].

وثلاثةُ ألفاظٍ ههنا يُفرَّق بينها. العفو محوٌ للذنب مجانًا بلا عقابٍ ولا تعويض. والمغفرة محوٌ له من سجلات الكتاب بعد تعويضٍ وعملٍ أو بعد عقاب. والرحمة تُزيل ما بقي من أثر العقوبة. ولذلك جاء الطلب ثلاث درجاتٍ مرتّبة: ﴿وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ﴾ [البقرة: 286]. وموسى غُفر له، ومضى عليه أثرُ الفعل في الأرض فخرج من بلده خائفًا.

ويونس. ذهب مغاضبًا فوقع ما وقع، ثم عُلّقت نجاته على عمله هو لا على مقامه: ﴿فَلَوۡلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِينَ ۝ لَلَبِثَ فِي بَطۡنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ﴾ [الصافات: 143-144]. شرطٌ وجوابه؛ ولو كانت النبوّة وحدها كافية لسقط الشرط.

ونوح في ابنه. دعا لابنه فرُدّ عليه دعاؤه: ﴿قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ﴾ [هود: 46]. فالنسب لم يشفع، ودعوة النبيّ لم تُغيّر حكم العمل.

والنبيّ ﷺ نفسه خوطب بهذا الميزان. عاتبه ربّه في إذنه للمتخلفين: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ [التوبة: 43]. وعاتبه في تحريم ما أحلّ له: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ﴾ [التحريم: 1]. وقال في أسرى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [الأنفال: 67]، ثم ﴿لَّوۡلَا كِتَٰبٞ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِيمَآ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ [الأنفال: 68]. فمن جرى عليه هذا الميزان وهو سيّد ولد آدم، فليس بعده من يُرجى له إعفاء.

فإذا جرت السنن على أعظم الخلق، فمن دونهم أولى. الذي يجري هو العمل وما يترتب عليه، ولا كتابةٌ سابقة تُنجي من نتيجته.

لماذا لا نقبل الكسب؟

لا نقبله لأربعة أسباب.

أولها، وهو الذي يهدم السؤال من أصله، أنّ الخلق في القرآن لا يقع على الأفعال. فالخلقُ خلطُ المواد وتركيبُها لتكوين مادةٍ جديدة لا ترجع إلى حالتها الأولى، وليس إنشاءً من عدم(٢٨)؛ ولذلك صحّ أن يُسأل: ﴿مِنۡ أَيِّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥ﴾ [عبس: 18]، والسؤال عن المادة التي كان منها. ويقابله الجعل، وهو تحويلُ الشيء أو نقلُه ويمكن الرجوع فيه. وقد جُمع الفعلان في موضعٍ واحد: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ﴾ ثم ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ﴾ [المؤمنون: 12-13]؛ خلقٌ للمادة، وجعلٌ بنقلها إلى موضعها.

ووقع فعلُ الخلق في المصحف في مئتين وتسعة عشر موضعًا، فما أُسند مرّةً واحدة إلى عملٍ من أعمال العباد. مفعولُه أبدًا عين: السماواتُ والأرض، والإنسان، والأزواج، والأنعام، والليل والنهار. وما جاء في ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ﴾ [الملك: 2] فالموتُ والحياةُ عينان لا نبصرهما، لا فعلان من أفعالنا؛ ولو كانا فعلين لما جُعل العملُ في الآية نفسها شيئًا آخر يُبتلى به.

فلم يبقَ إلا موضعٌ واحد يُحتجّ به: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]. وقد مرّ أنّ الذي قبله ﴿قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ﴾ [الصافات: 95]؛ فالمعمولُ صنمٌ منحوت، مادةٌ خُلقت ونحتتها أيدٍ خُلقت. فالبناءُ كلُّه قام على تنزيل لفظ الخلق على ما لا يقع عليه.

وبهذا يسقط النزاع من أصله. فليس السؤال: أيخلق العبدُ فعله أم يخلقه الله؟ بل الفعلُ لا يُخلق ولا يُوصف بالخلق أصلًا، وإنما يُكسب. ومن ثمّ لا حاجة إلى «كسبٍ» بلا أثرٍ يُتوسَّط به بين خالقٍ ومخلوق. وعلى هذا الأصل نفسه لا يُقال في كلام الله إنه مخلوق؛ فالخلقُ للأعيان، والكلامُ ليس عينًا تُحوَّل من مادةٍ إلى مادة.

وثانيها أنّ الكسب في اللسان قبضٌ وجمعٌ وإمساك: يأخذ الكاسبُ الشيء فيضمّه إليه ويُحكم عليه فلا يفلت. فتسميةُ قدرةٍ لا أثر لها «كسبًا» تفريغٌ للّفظ من العمل الذي وُضع له. والقرآن ينسب ما كسبت الأيدي والنفوس إليها ثم يبني عليه الرهن والجزاء: ﴿كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38]. والرهن حبسٌ بدَينٍ لزم صاحبه؛ فكيف تُرهَن نفسٌ بشيءٍ لم يقع بها؟ وفرّق القرآن كذلك بين ما لها وما عليها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾ [البقرة: 286]، وقصر التبعة على الكاسب: ﴿وَلَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٍ إِلَّا عَلَيۡهَاۚ﴾ [الأنعام: 164]. ويوم القيامة تشهد الجوارح بالكسب نفسه: ﴿وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ [يس: 65].

وثالثها أنّ المسؤولية تحتاج إلى فعلٍ حقيقي. من لم يكن له أثرٌ في الفعل لا يصح أن يكون وحده محلّ اللوم عليه؛ وتسميته «مكتسبًا» لا تغيّر شيئًا، بل ينتقل الإشكال من موضعه إلى صياغةٍ اصطلاحية. وقد اعتُرض عليه من داخل أهل المذهب ومن خارجهم. قال ابن تيمية في القدرة التي لا أثر لها: «تسمية هذا مقدورا دون هذا تحكم محض وتفريق بين المتماثلين»، ونقل قولةً سائرة: «عجائب الكلام التي لا حقيقة لها ثلاثة طفرة النظام وأحوال أبي هاشم وكسب الأشعري»(٢٩). وعرّف القوشجيُّ الكسبَ بأنه «مقارنة الفعل لقدرة الإنسان من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلاً له»، فعقّب عليه جعفر السبحاني: «إذا كان دور العبد، هو دور المقارنة بلا تأثير لقدرته وإرادته، فلماذا كان هو المسؤول عن فعل الغير؟»(٣٠).

ورابعها أنّ القرآن أغنانا عن هذا البناء كله: الله خلق الإنسان وقدرته والعالم الذي يعمل فيه، وهداه السبيل، وترك له أن يشكر أو يكفر، ثم راقبه وكتب ما قدّم، وأجرى عليه سنن العاقبة. فليس المطلوب شريكًا مع الله في خلق الكون، ولا إنسانًا بلا إرادة؛ بل عبدٌ مخلوق حرٌّ في قراره، وربٌّ مالكٌ يحكم بعدل.

الخلاصة

القدر في القرآن ليس دفترًا خفيًّا سُجلت فيه معاصي الفرد وطاعاته ثم أُجبر على تمثيلها. هو حسابٌ ومقاديرُ مضبوطة: قوانينُ عامة تحكم الوقائع والمصائب والأعمار، ومقاديرُ تُضبط بها المواعيد والمسافات والآجال. وذلك غير كتابة الاختيار الأخلاقي على الإنسان إكراهًا. وما يسمّيه الناس «القدر» من صحيفةٍ سابقةٍ تحمل صاحبها على عمله، فاسمُه الأدقُّ سَبْقُ الكتاب، وقد تبيّن أنّه لا أصل له.

فما الذي يُكتب؟ يُكتب على الإنسان عملُه الذي قام به هو، ويُكتب بعد أن يعمله لا قبله. يفعل الرجلُ فعله، فتُثبته الكتابة؛ فالكتابة أثرٌ للعمل لا سببٌ له. وأما ما سيفعله غدًا فليس في صحيفةٍ تنتظره. وسبق قبل ذلك ما أقام الله عليه الخلق من مقادير وحدود وسنن عامة مطلقة، وذلك شيءٌ آخر لا يمسّ اختياره.

وأما اختيار الإنسان نفسه فلم يُكتب عليه ليُجبره. هو مخيّر فيما أقيم عليه الحساب، ضمن قدرةٍ وظروفٍ لم يخترها؛ يشاء الإيمان أو الكفر، ويسعى، ويحسن أو يسيء. ولا يغيب عنه شيء: يراقبه الله، ويكتب ما قدّم وآثاره، ويعفو عن كثير، وقد يؤدبه ليرجع، ويزيد المهتدي هدى، ويزيد الزائغ زيغًا بعد اختياره الأول، ويكافئ المحسن، ويمضي الحكم على المجرم بعد البيان.

على أنّ هذه الحرّية لا وزن لها في مقابل إرادة الله. نعم الإنسان حرّ، لكنه لا يستطيع أن يخرج عن محيط إرادة ربّه؛ ولو كان له ذلك لوقعت الفوضى في الكون، ولصار في المُلك مُلكان. فحرّيتُه في حدودها الضيّقة التي هي موضعُ اختباره: يختار في المجال الذي كُلِّف فيه، ولا يملك أن يوقف شمسًا ولا أن يردّ أجلًا ولا أن ينقض سنّة. والله قادرٌ على أن يتحكم به كلّ التحكم، لكنه أراد في مجال التكليف إنسانًا يختار من ذاته، لا دميةً تتحرك ثم تُسأل عن حركة غيرها. فالحرّيةُ عطيّةٌ ممنوحةٌ داخل مُلكٍ لا يخرج عنه أحد، لا شركةٌ في المُلك.

وعليه فالجملة الجامعة هي:

الإنسان مخيّر في المجال الذي أقيم عليه الحساب، غير مسيّر إلى معصيته؛ والمكتوب حقًّا هو السنن العامة، وعملُ الإنسان يُكتب بعد أن يعمله لا قبله. وهو حرٌّ في حدودٍ لا يخرج بها عن إرادة ربّه، وتلك الحدود هي موضع اختباره. ودعوى أن الشر مكتوب على فاعله قبل فعله شماعة شيطانية؛ فمن أحسن أحسن لنفسه، ومن أساء فعليها.

عذرٌ لمن اجتهد فأخطأ

وقد جرى في هذا المقال ردٌّ على أقوال، ولم يجرِ حكمٌ على رجال؛ وبينهما فرقٌ يجب أن يُحفظ.

فالذين قالوا بالجبر ما أرادوا أن يجعلوا الناس بهائم، وإنما أرادوا ألّا يكون في المُلك مالكان. والذين قالوا بالحرّية التامّة ما أرادوا أن يُخرجوا الخلق من يد الله، وإنما أرادوا ألّا يُنسب إلى العدل الحقّ ظلم. وكلُّ فريقٍ منهما مشى في طريقٍ يظنّه أسلمَ لجناب ربّه. ومن اجتهد فأخطأ ومقصدُه أن يصون لله صفةً من صفاته، فليس محلًّا للتشنيع، فضلًا عن أن يُخرج من الملّة.

وقد دفع بعضُهم ثمن رأيه من عنقه: قُتل جهم بن صفوان بمرو(٣١)، وصُلب غيلان الدمشقي على باب دمشق(٣٢). ولم يكن ذلك جوابًا عن حجّة، وإنما كان سيفًا وُضع في موضع الدليل.

فالجنايةُ الكبرى في هذا الباب ليست خطأً في الرأي، بل إخراجُ المخالف من الملّة ثم استباحةُ دمه. ومن أخطأ فله عذرُ من طلب الحقّ فلم يبلغه، وأجرُ من اجتهد. وأمّا من كفّر وسفك فذاك الذي يُحاسَب؛ لأنه لم يزلّ في مسألةٍ نظرية، بل جنى على معصومٍ بيده هو. وذلك عملٌ يُكتب عليه بعد أن عمله، لا صحيفةٌ سبقته.

هذا والله أعلم.

(١)الشهرستاني، «الملل والنحل»، ط الحلبي، جـ1 ص28.
(٢)صحيح مسلم، ط التركية، كتاب الإيمان، جـ1 ص28-29.
(٣)الشهرستاني، «الملل والنحل»، جـ1 ص87.
(٤)أبو الحسن الأشعري، «مقالات الإسلاميين»، ت ريتر، ص279.
(٥)أبو بكر الإسماعيلي، «اعتقاد أئمة الحديث»، ت محمد بن عبد الرحمن الخميس، دار العاصمة، ص60.
(٦)البخاري، «خلق أفعال العباد»، ص47، وص46.
(٧)أبو الحسن الأشعري، «مقالات الإسلاميين»، ت ريتر، ص281.
(٨)الشهرستاني، «الملل والنحل»، جـ1 ص88.
(٩)الشهرستاني، «الملل والنحل»، جـ1 ص97.
(١٠)«مقالات الإسلاميين»، ص542.
(١١)الشهرستاني، «الملل والنحل»، جـ1 ص97.
(١٢)المصدر نفسه، جـ1 ص98.
(١٣)فخر الدين الرازي، نقله السبحاني في «لبّ الأثر في الجبر والقدر» ص256.
(١٤)جعفر السبحاني، «لبّ الأثر في الجبر والقدر»، ص234-235.
(١٥)صحيح مسلم، ط التركية، كتاب القدر، جـ8 ص51.
(١٦)صحيح مسلم، ط التركية، جـ8 ص45.
(١٧)صحيح مسلم، ط التركية، جـ8 ص46.
(١٨)صحيح مسلم، ط التركية، كتاب القدر، جـ8 ص44؛ وصحيح البخاري، ط السلطانية، كتاب بدء الخلق، جـ4 ص111.
(١٩)صحيح مسلم، ط التركية، جـ8 ص45.
(٢٠)صحيح مسلم، ط التركية، جـ8 ص48-49.
(٢١)صحيح مسلم، ط التركية، جـ8 ص47.
(٢٢)صحيح مسلم، ط التركية، جـ8 ص49.
(٢٣)صحيح البخاري، ط السلطانية، جـ8 ص122؛ وحديث أبي هريرة «جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ» جـ7 ص4.
(٢٤)صحيح البخاري، ط السلطانية، كتاب الرقاق، جـ8 ص101.
(٢٥)سنن الترمذي، ت بشار، جـ4 ص362.
(٢٦)القضاء: معنى هذه اللفظة مقرَّرٌ في «معجم كلمات القرآن»، وهو معجمٌ في طور البناء، وقد أُفردت لها دراسةٌ مستقلّة.
(٢٧)القدر: معنى هذه اللفظة مقرَّرٌ في «معجم كلمات القرآن»، وهو معجمٌ في طور البناء، وقد أُفردت لها دراسةٌ مستقلّة.
(٢٨)الخلق والجعل: معنى هذه اللفظة مقرَّرٌ في «معجم كلمات القرآن»، وهو معجمٌ في طور البناء، وقد أُفردت لها دراسةٌ مستقلّة.
(٢٩)ابن تيمية، «الصفدية»، جـ1 ص151.
(٣٠)القوشجي والتعقيب عليه في: السبحاني، «لبّ الأثر في الجبر والقدر»، ص148.
(٣١)الشهرستاني، «الملل والنحل»، جـ1 ص86: «وقتله سلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية».
(٣٢)حاشية محقّق «الملل والنحل»، جـ1 ص47: «فأمر هشام بصلبه على باب دمشق».

التعليقات (0)