بقلم علي موسى الزهراني
مقدّمة
كان يُفترَض على المسلمين أن يكون البحثُ والدرسُ في أسس المُلك من أكثر مباحثهم دراسةً وضبطاً، فلا نجد لهم تلك الدراسات المعتبرة، وتركوا الأمر للفقهاء الذين راموا السلامة، والرضا بأدنى حياةٍ ممكنة، خاصّةً بعد ثوراتٍ عبثيّةٍ فوضويّةٍ دمّرت بلاد العرب والإسلام. لهذا ساهمنا بهذا المقال لنعرف نظامَ المُلك في القرآن المكرَّم.
والمُلك في القرآن ليس ما يفهمه الناس اليوم من تاجٍ وعرشٍ وحيازةٍ للأرض والمال. المُلكُ الإدارةُ والتصريف(١): أن تُهيمن على الأمر بشرعيّةٍ لا باستحواذ. ولهذا قال ﴿لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ﴾ ولم يقل "له السماوات والأرض"، ولهذا يُؤتى المُلكُ ويُنزَع ويُنازَع فيه بالأحقّيّة لا بالقدرة.
وإذا كان المُلكُ إدارةً، فالسؤالُ الطبيعيّ: بأيّ شيءٍ يستحقّ الرجلُ أن يُدير الناسَ وأموالَهم وأنفسَهم؟
وسببُ هذا المقال أنّ الناس اليوم بين طرفين: طرفٍ يرى السلطة غنيمةً تُؤخذ بالمال أو بالنسب أو بالغلبة، وطرفٍ يرى كلَّ حاكمٍ يُخرَج عليه إذا ظلم. والقرآن يردّ الطرفين معاً.
وقد طرح القومُ عدّةَ أسئلة:
ما شروطهم في الحاكم؟
وهل للغلبة عندهم قيمةٌ تعلو الشروط؟
وماذا يفعلون مع من اختلّت شروطهم فيه؟
وما الذي استقرّ عليه الأمرُ عندهم آخِراً؟
وبسبب هذه الأسئلة ظهرت أربعُ فرقٍ كلٌّ منها يُدلي بدلوه مجيباً عن هذه الأسئلة. وإليك ما طرحوه.
ما قرّره المسلمون في وِلاية الأمر
شروطُ الوِلاية عند الماوردي
حصَر الماوردي في القرن الخامس ما يُشترَط في صاحب الإمامة الكبرى في سبع خصال، أربعٌ منها في نفسه وبدنه:
"وَأَمَّا أَهْلُ الْإِمَامَةِ فَالشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِيهِمْ سَبْعَةٌ: أَحَدُهَا: الْعَدَالَةُ عَلَى شُرُوطِهَا الْجَامِعَةِ. وَالثَّانِي: الْعِلْمُ الْمُؤَدِّي إلَى الِاجْتِهَادِ فِي النَّوَازِلِ وَالْأَحْكَامِ. وَالثَّالِثُ: سَلَامَةُ الْحَوَاسِّ مِنْ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ؛ لِيَصِحَّ مَعَهَا مُبَاشَرَةُ مَا يُدْرَكُ بِهَا. وَالرَّابِعُ: سَلَامَةُ الْأَعْضَاءِ مِنْ نَقْصٍ يَمْنَعُ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْحَرَكَةِ وَسُرْعَةِ النُّهُوضِ"(٢)
ثمّ قال: "وَالْخَامِسُ: الرَّأْيُ الْمُفْضِي إلَى سِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ وَتَدْبِيرِ الْمَصَالِحِ. وَالسَّادِسُ: الشَّجَاعَةُ وَالنَّجْدَةُ الْمُؤَدِّيَةُ إلَى حِمَايَةِ الْبَيْضَةِ وَجِهَادِ الْعَدُوِّ. وَالسَّابِعُ: النَّسَبُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ"(٣)
وسوف نجد عند إجابتنا على هذه الأسئلة أنّنا متّفقون مع القدماء في بعض هذه الشروط: فالعدالةُ هي الخيريّة، والعلمُ والرأيُ هما العلم، وسلامةُ الأعضاء والشجاعةُ والنجدةُ هي البسطةُ في الجسم، أي القوّةُ بمفهومها الواسع. والسابعةُ وحدَها زائدةٌ عليها، وهي النسب. ولن نجد هذا الشرطَ في القرآن كما يأتي؛ بل نجد ما يخالفه بحزم.
وقد ضاق الجوينيُّ بهذا الشرط عند الحاجة فأسقطه إن لم يوجد قرشيٌّ كافٍ، وقال: "فَإِذًا عَدَمُ النَّسَبِ لَا يَمْنَعُ نَصْبَ كَافٍ، ثُمَّ يَنْفُذُ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا يَنْفُذُ مِنْ أَحْكَامِ الْقُرَشِيِّ". وعلّتُه أنّ الغرض من نصب الإمام انتظامُ أمر الناس، "وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُتْرَكَ الْخَلْقُ سُدًى لَا رَابِطَ لَهُمْ، وَيُخَلَّوْا فَوْضَى لَا ضَابِطَ لَهُمْ"(٤)
غير أنّه لم يُسقِطه إسقاطاً. فإن ظهر بعدُ قرشيٌّ مستوفٍ ولم يعسر خلعُ غير النسيب، "فَالْوَجْهُ عِنْدِي تَسْلِيمُ الْأَمْرِ إِلَى الْقُرَشِيِّ"، والذي نُصِّب قبله "فِي مَنْزِلَةِ الْمُسْتَنَابِ"(٥). فالكفايةُ عنده تسدّ الفراغ، والنسبُ يبقى صاحبَ الحقّ متى حضر.
سقوطُ الشرط أمام الغلبة
كتب أبو يعلى الفرّاء أنّ الإمامة تنعقد من وجهين: باختيار أهل الحلّ والعقد، وبعهد الإمام قبله. ثمّ ساق عن أحمد بن حنبل روايةً تُعارضهما:
"وَرُوِيَ عَنْهُ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهَا تَثْبُتُ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، وَلَا تَفْتَقِرُ إِلَى الْعَقْدِ. فَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدُوسِ بْنِ مَالِكٍ الْعَطَّارِ: ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، برّاً كان أو فاجراً"(٦)
وساق معها ما هو أصرحُ في العمل: "وقال أيضاً في رواية أبي الحرث... تكون الجمعة مع من غلب"، ثمّ احتجّ بصنيع ابن عمر رضي الله عنهما: "واحتج بأن ابن عمر صلى بأهل المدينة في زمن الحرة"، وبقوله: "نحن مع من غلب"(٦)
ولم يكن في أيديهم نظامٌ للبيعة يقوم بنفسه. فالعقدُ والمبايعةُ كما صوّروهما لا تقع، وإنّما الذي وقع في العمل بيعةُ المتغلّب بعد تغلُّبه. فبقي في كتبهم كتابان: كتابُ الشروط لمن يستحقّ ابتداءً، وكتابُ الطاعة لمن استولى انتهاءً.
وقد نقل ابن حجرٍ عن ابن بطّال أنّ الأمر انتهى إلى إجماعٍ في الطاعة: "وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ السُّلْطَانِ الْمُتَغَلِّبِ وَالْجِهَادِ مَعَهُ، وَأَنَّ طَاعَتَهُ خَيْرٌ مِنَ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حَقْنِ الدِّمَاءِ وَتَسْكِينِ الدَّهْمَاءِ، وَحُجَّتُهُمْ هَذَا الْخَبَرُ وَغَيْرُهُ مِمَّا يُسَاعِدُهُ، وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا وَقَعَ مِنَ السُّلْطَانِ الْكُفْرُ الصَّرِيحُ فَلَا تَجُوزُ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ بَلْ تَجِبُ مُجَاهَدَتُهُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا"(٧)
فهو إجماعُ طاعةٍ لا إجماعُ استحقاق، ومقيَّدٌ باستثناءٍ واحد؛ وسيأتي أنّ ذلك الاستثناء لا ينضبط بحدٍّ يقف عنده الناس.
فالجوابُ عمّا يُسأل عنه: هل كانت سياستُهم مع من غلب؟ نعم كانت في العمل. غير أنّ الذي يُغفَل أنّ هذا حكمُ ما بعد الوقوع لا شرطُ الاستحقاق. ما قال أحدٌ منهم إنّ الغلبة تصنع العلمَ ولا تصنع الخيريّة؛ إنّما قالوا إنّ الأمر إذا وقع فبقاؤه أخفُّ من قلعه.
وعندما تراجعت قوّةُ الدولة العباسيّة صار هناك سلاطينُ يتحكّمون بها. وصار ما يشبه الاتفاق: تبقى الدولةُ العباسيّةُ لا تُمَسّ، شكليّةً لا قيمة لها إلّا إعطاءُ الشرعيّة للسلطان، فيحكم باسم الخليفة ويباركه الخليفةُ مقابل أن يتركه وشأنه.
إمارةُ الاستيلاء
وأوضحُ ما يُرى فيه هذان الكتابان بابٌ عقده الماورديُّ نفسُه، لا في الإمامة الكبرى بل في إمارة البلاد. ويُطلِق عليها "إمَارَةُ الِاسْتِيلَاءِ الَّتِي تُعْقَدُ عَنْ اضْطِرَارٍ"، وقال فيها إنّها أن "يَسْتَوْلِيَ الْأَمِيرُ بِالْقُوَّةِ عَلَى بِلَادٍ يُقَلِّدُهُ الْخَلِيفَةُ إمَارَتَهَا، وَيُفَوِّضُ إلَيْهِ تَدْبِيرَهَا وَسِيَاسَتَهَا، فَيَكُونُ الْأَمِيرُ بِاسْتِيلَائِهِ مُسْتَبِدًّا بِالسِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ، وَالْخَلِيفَةُ بِإِذْنِهِ مُنَفِّذًا لِأَحْكَامِ الدِّينِ"(٨)
ثمّ بيّن أنّ ذلك ليس الأصل في النظام، ولكنّه نظامٌ له فوائده: "وَهَذَا وَإِنْ خَرَجَ عَنْ عُرْفِ التَّقْلِيدِ الْمُطْلَقِ فِي شُرُوطِهِ وَأَحْكَامِهِ، فَفِيهِ مِنْ حِفْظِ الْقَوَانِينِ الشَّرْعِيَّةِ وَحِرَاسَةِ الْأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ مُخْتَلًّا مَخْذُولًا وَلَا فَاسِدًا مَعْلُولًا، فَجَازَ فِيهِ مَعَ الِاسْتِيلَاءِ وَالِاضْطِرَارِ مَا امْتَنَعَ فِي تَقْلِيدِ الِاسْتِكْفَاءِ وَالِاخْتِيَارِ؛ لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَ شُرُوطِ الْمُكْنَةِ وَالْعَجْزِ"(٨)
وألزم ذلك المستوليَ بالقوّة على الإمارة بشروطٍ سبعة، آخرُها "أَنْ يَكُونَ الْأَمِيرُ فِي حِفْظِ الدِّينِ وَرِعًا عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ"، ثمّ ختمها بقوله: "فَهَذِهِ سَبْعُ قَوَاعِدَ فِي قَوَانِينِ الشَّرْعِ يُحْفَظُ بِهَا حُقُوقُ الْإِمَامَةِ وَأَحْكَامُ الْأُمَّةِ فَلِأَجْلِهَا وَجَبَ تَقْلِيدُ الْمُسْتَوْلِي"(٩)
فالماورديُّ عالجَ واقعاً ولم يُبِح ابتداءً، والعلّةُ التي ساقها هي العجز لا الشرع. وهذا أنصفُ ممّا صنع من جاء بعده فجعل الواقعَ أصلاً، والتمس للغلبة شرعيّةً في نفسها.
تحريمُ الخروج عند أهل السنة
أمّا الخروج فحُسِم عندهم بالإجماع. قال النووي: "وَأَمَّا الْخُرُوجُ عَلَيْهِمْ وَقِتَالُهُمْ فَحَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانُوا فَسَقَةً ظَالِمِينَ... وَأَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ السُّلْطَانُ بِالْفِسْقِ"(١٠)
وعلّتُه عندهم واحدةٌ صريحة: "وَسَبَبُ عَدَمِ انْعِزَالِهِ وَتَحْرِيمِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْفِتَنِ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَفَسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَتَكُونُ الْمَفْسَدَةُ فِي عَزْلِهِ أَكْثَرَ مِنْهَا فِي بَقَائِهِ"(١٠)
ولم يكن إجماعاً من أوّل الأمر. نقل النوويُّ عن القاضي عياض أنّ ابن مجاهد ادّعى الإجماع، "وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ هَذَا بِقِيَامِ الْحَسَنِ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ، وَبِقِيَامِ جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَالصَّدْرِ الْأَوَّلِ عَلَى الْحَجَّاجِ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ"، ثمّ قال: "وَقِيلَ إِنَّ هَذَا الْخِلَافَ كَانَ أَوَّلًا ثُمَّ حَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ"(١٠)
فالإجماعُ عندهم متأخّرٌ عن خلاف، والذي حسمه التجربةُ لا النصُّ وحدَه. خرج زيدُ بن عليّ سنة اثنتين وعشرين ومئة فقُتل وصُلب، وخرج محمدٌ ذو النفس الزكيّة سنة خمسٍ وأربعين ومئة فقُتل ومن معه، وقبلهما ما يأتي ذكرُه. وما بلغ خارجٌ منهم ما خرج لأجله، وإنّما ورث الناسُ بعده أشدَّ ممّا كان قبله.
وأمّا الكفرُ الطارئ فاستثنَوه، ولم يجعلوا الجوابَ فيه واحداً في كلّ حال. قال عياض: "فَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ كُفْرٌ وَتَغْيِيرٌ لِلشَّرْعِ أَوْ بِدْعَةٌ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْوِلَايَةِ وَسَقَطَتْ طَاعَتُهُ وَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامُ عَلَيْهِ وَخَلْعُهُ وَنَصْبُ إِمَامٍ عَادِلٍ إِنْ أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ"، ثمّ قيّده بالقدرة، فإن عجزوا "لَمْ يَجِبِ الْقِيَامُ، وَلْيُهَاجِرِ الْمُسْلِمُ عَنْ أَرْضِهِ إِلَى غَيْرِهَا وَيَفِرَّ بِدِينِهِ"(١٠)
فالقيامُ عندهم على القادر، والهجرةُ للعاجز. والذي نقرّره في هذا المقال أنّ الهجرة هي المخرجُ في الحالين؛ فسيأتي أنّ الآية قيلت لقومٍ اعتذروا بالاستضعاف، فما عُلِّق جوابُها بقدرةٍ ولا بعجز.
أيَّ خروجٍ يعنون؟
وههنا سؤالٌ لا بدّ منه: أيعنون خروجَ أهل البلد على حاكمهم، أم كلَّ من نازع الإمامَ ولو كان دولةً مسلمةً أخرى؟
أمّا حدُّهم للبغاة فهو الداخل. قال الماوردي: "وَإِذَا بَغَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَخَالَفُوا رَأْيَ الْجَمَاعَةِ وَانْفَرَدُوا بِمَذْهَبٍ ابْتَدَعُوهُ"(١١)، وقال أبو يعلى: "وأما قتال أهل البغي وهم الذين يخرجون على الإمام، ويخالفون الجماعة، وينفردون بمذهب ابتدعوه"(١٢). وقتالُهم يخالف قتالَ المشركين من ثمانية أوجه، أوّلُها "أَنْ يَقْصِدَ بِالْقِتَالِ رَدْعَهُمْ وَلَا يَعْتَمِدُ بِهِ قَتْلَهُمْ"(١٣). فالباغي عندهم مواطنٌ يُستتاب ويُنذَر، لا جيشٌ غازٍ من إقليمٍ آخر.
غير أنّهم منعوا تعدُّد الإمامة ولو تباعدت الديار. قال النووي إنّ بيعة الثاني باطلة "وَسَوَاءٌ كَانَا فِي بَلَدَيْنِ أَوْ بَلَدٍ أَوْ أَحَدُهُمَا فِي بَلَدِ الْإِمَامِ الْمُنْفَصِلِ"(١٤)، و"وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْقَدَ لِخَلِيفَتَيْنِ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ سَوَاءٌ اتَّسَعَتْ دَارُ الْإِسْلَامِ أَمْ لَا"(١٥). وذهب إمامُ الحرمين إلى تجويزه في الأقطار المتباعدة إذا لم يبلغها نظرُ الإمام، فردَّه النوويُّ وقال إنّه "قَوْلٌ فَاسِدٌ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ"(١٥).
فالنعتُ عندهم يشمل الاثنين، والتناقضُ الذي يلزم منه قائمٌ في كتبهم لا في تخريجٍ عليها. فالخارجُ الذي يُقاتَل اليوم، إذا تغلّب وانحاز بدارٍ سقطت إمامةُ الأوّل ولم تعُد إليه: "فَالْإِمَامُ الْمَأْسُورُ فِي أَيْدِيهِمْ خَارِجٌ مِنَ الْإِمَامَةِ بِالْإِيَاسِ مِنْ خَلَاصِهِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ انْحَازُوا بِدَارٍ تَفَرَّدَ حُكْمُهَا عَنِ الْجَمَاعَةِ... فَإِنْ خَلَصَ الْمَأْسُورُ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِمَامَةِ لِخُرُوجِهِ مِنْهَا"(١٦). فبالأمس باغٍ يُقاتَل، واليومَ إمامٌ تجب طاعتُه.
سيفُ الخوارج
والخوارجُ ليسوا أوّلَ من خرج على الحاكم. أوّلُ من خرج قتلةُ عثمان رضي الله عنه، ومن سكت عنهم، ومن أيّدهم، ومن آواهم؛ ثمّ قتلوا من أيّدهم وكفّروه.
غير أنّ الخوارج أوّلُ من جعل السيف مذهباً يُقرَّر، وأوّلُ من أسقط شرط النسب. قال الأشعري: "وَأَمَّا السَّيْفُ فَإِنَّ الْخَوَارِجَ تَقُولُ بِهِ وَتَرَاهُ، إِلَّا أَنَّ الْإِبَاضِيَّةَ لَا تَرَى اعْتِرَاضَ النَّاسِ بِالسَّيْفِ، وَلَكِنَّهُ يَرَوْنَ إِزَالَةَ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ وَمَنْعَهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا أَئِمَّةً بِأَيِّ شَيْءٍ قَدَرُوا عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ أَوْ بِغَيْرِ السَّيْفِ". وقال فيهم: "وَيَرَوْنَ أَنَّ الْإِمَامَةَ فِي قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ إِذَا كَانَ الْقَائِمُ بِهَا مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ"(١٧)
وفي هذا الشقّ الأخير أصابوا، وفي الأوّل وقعت الكارثة. فالسيفُ إذا خرج لم يقف عند الحاكم. انظر إلى أوّل انشقاقٍ وقع بينهم: "وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْخِلَافَ بَيْنَهُمْ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ الْحَنَفِيُّ، وَالَّذِي أَحْدَثَهُ الْبَرَاءَةُ مِنَ الْقَعَدَةِ وَالْمِحْنَةُ لِمَنْ قَصَدَ عَسْكَرَهُ وَإِكْفَارُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْهِ"(١٨)
فالخارجُ بدأ بالحاكم، ثمّ امتحن جارَه القاعد، ثمّ كفَّر من لم يلحق بعسكره. ومن هذا الأصل جاء الاستعراض: أن يعترضوا الناسَ في الطريق فيمتحنوهم، فمن وافقهم سلِم ومن خالفهم قُتل.
هل هي ثاراتٌ قديمة؟
وقف عند اسم الرجل: نافعُ بنُ الأزرق الحنفيّ. ساق ابنُ حزمٍ نسبَه مسلسلاً في بني حنيفة(١٩)، وهم أهلُ اليمامة الذين كُسِرت شوكتُهم في حروب الردّة. وحين انفضّ الخوارجُ بعده قامت لهم إمارةٌ في اليمامة نفسِها على يد نجدةَ بنِ عامرٍ الحنفيّ(٢٠).
وأوّلُ من تولّى الخوارجَ رجلٌ من الأزد: عبدُ الله بنُ وهبٍ الراسبيّ، وراسبٌ بطنٌ من شنوءةَ من الأزد(٢١). وبيعتُهم إيّاه نقضٌ عمليٌّ لدعوى "الأئمّةُ من قريش" قبل أن يكون خروجاً على عليّ. وابنُ الأشعث الذي يأتي خبرُه من كندة، وكندةُ كان لها مُلكٌ قبل الإسلام فذهب. فالسيفُ لم يُرفَع في فراغ؛ تحته أقوامٌ زال مُلكُهم وتحتهم ثاراتٌ قديمة.
وأصرحُ ما في هذا الباب رجلٌ من الأزد سفك دماء أهل المدينة. ففي سنة ثلاثين ومئة خرج أبو حمزةَ الخارجيُّ واسمه المختار، وهو من بني سليمةَ بنِ مالك بن فهمٍ من الأزد(٢٢)، ومعه بلجُ بنُ عقبةَ الأزديُّ(٢٣)، فلقي أهلَ المدينة بقُدَيد. وكانت المقتلةُ على قريش: "وكانت المقتلة على قريش، هم كانوا أكثر الناس، وبهم كانت الشوكة، وأصيب منهم عدد كثير"(٢٤). وفي خبرٍ آخر: "فقتل أهل المدينة، لم يفلت منهم إلا الشريد، وقتل أميرهم عبد العزيز بن عبد الله"(٢٥). وعدّةُ من قُتِل منهم سبعمئة(٢٦).
ثمّ دخل المدينة، فرقِيَ منبرَ رسول الله ﷺ وخطب أهلَها يُقرِّعهم: "يا أهل المدينة، أولكم خير أول وآخركم شر آخر"(٢٧). فرجلٌ من الأزد يستبيح مدينةَ النبيّ ﷺ. والسببُ حسبَ رأينا أنّه مُلكٌ قديمٌ وثاراتٌ قديمةٌ تفجّرت باسم الدين، قاعدتُها "أنا خيرٌ منه".
حين يسقط أصلُ الوِلاية
وبلغ بطائفةٍ منهم أن نزعوا عن الوِلاية وجوبَها. فالعجاردةُ رأوا أنّ الأمّة إذا تعاونت على الحقّ استغنت عن والٍ. يقول السبحاني في بيان مذهبهم: "ادّعت العجاردة بأنّ الواجب على الاُمّة التعاون والتعاضد لإحياء الحق وإماتة الباطل، ومع قيام الاُمّة بهذا الواجب لا يبقى للإمام فائدة تستدعي تسلّطه على العباد، أمّا إذا اختلفت الاُمّة ولم تتعاون على نشر العدل واحقاق الحق فيجب عليها تعيين من يقوم بهذه المهمات، وعلى ذلك فالإمامة لا تجب بالشرع ولا بالعقل، وإنّما تجب للمصلحة أحياناً"(٢٨)
وشعارُهم "لا حكم إلّا لله" له وجهان. أوّلُهما إنكارُ تحكيم الرجال فيما نزل فيه حكمُ الله، وعليه فرقُهم كلُّها. والثاني أن لا إمرةَ إلّا لله، أي إسقاطُ الحكم والدولة جملةً، وأن يكون الأمرُ لله مباشرةً بلا وسيط. وإلى الثاني ذهبت طائفةٌ منهم؛ ولذلك قال عليٌّ رضي الله عنه حين سمعها: "كلمة عدل أريد بها جور، إنما يقولون: لا إمارة ولا بد من إمارة بر أو فاجر"(٢٩). وحُكِي عن النجدات منهم أنّهم أجمعوا "على أنه لا حاجة للناس إلى إمام قط. وإنما عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم"(٣٠)
فصارت الوِلايةُ عندهم دواءً يُتناوَل عند المرض لا ركناً يقوم به الاجتماع. وهذا آخرُ الطريق حين يُجعَل الخروجُ أصلاً: لا يبقى للسلطة معنًى إلّا ما تفرضه الضرورة.
الأمرُ بالمعروف عند المعتزلة
الخروجُ عند المعتزلة ليس مدخلاً مستقلّاً، إنّما هو الدرجةُ الأخيرة من إنكار المنكر. وهو أصلُهم الخامس: "وَأَجْمَعَتِ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَّا الْأَصَمَّ عَلَى وُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَالْقُدْرَةِ: بِاللِّسَانِ وَالْيَدِ وَالسَّيْفِ كَيْفَ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ"(٣١)
فالمناطُ عندهم القدرة، لا اختلالُ شرطٍ في الحاكم. ومن قدر وجب عليه، ومن عجز سقط عنه. وحُكِي عنهم القولُ بانعزال السلطان بالفسق؛ عزاه النوويُّ أوّلاً إلى بعض أصحابه من الشافعيّة ثمّ قال: "وَحُكِيَ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ أَيْضًا"، ثمّ ردَّه وعدَّه مخالفاً لإجماع أهل السنة الذي نقله قبلَه(١٠)
والذي يُقال في هذا الأصل أنّ ميزانه في يد صاحبه. فالقدرةُ يقدّرها المنكِرُ لا المنكَرُ عليه، والمعروفُ يحدّه هو، فإذا صار في يده سيفٌ صار حَكَماً وخصماً معاً.
الشيعة في زمن الغيبة
الإمامةُ عند الشيعة لا تُنال بعقدٍ ولا بغلبة، إنّما تُنصَّب من الله. يقول السبحاني: "فذهب المسلمون إلى وجوب نصب الإمام، إمّا على اللّه سبحانه كما عليه الشيعة، وإمّا على الاُمّة كما عليه غيرهم، فوجوب نصب الامام لا خلاف فيه بين المسلمين، وإنّما الكلام في تعيين من يجب عليه ذلك"(٢٨)
فكلُّ قائمٍ بالأمر في غياب المنصوص ليس إماماً في أصل مذهبهم. ومع ذلك لم يجعلوا السيف مخرجاً، على ما نقله الأشعريّ: "وَقَالَتِ الرَّوَافِضُ بِإِبْطَالِ السَّيْفِ وَلَوْ قُتِلَتْ حَتَّى يَظْهَرَ الْإِمَامُ فَيَأْمُرَ بِذَلِكَ"(٣٢)
فالثمرةُ في الحاكم القائم متقاربةٌ والأصلُ متباعد. هؤلاء يُمسِكون لأنّ الطاعة واجبة، وأولئك يُمسِكون لأنّ الآمرَ بالخروج غائب. والزيديّةُ من الشيعة على خلاف ذلك، رفعوا السيف وعدَّهم الأشعريُّ في القائلين به.
وههنا موضعُ الخطورة في مذهب الإماميّة. فهم لم يُسلّموا للحاكم القائم عن قناعة، بل ربّما مالوا إلى تكفيره، وإنّما يُمسِكون لأنّ الإمام المعيَّن من الله لم يظهر زمانُه بعد. ومعنى ذلك أنّ الإمساك مُعلَّقٌ لا مقرَّر: فلو ظهرت دعوةٌ مناهضةٌ للدولة وزعم صاحبُها أنّه الإمامُ المنتظَر أو النائبُ عنه لاستجابوا له. وهذا الذي يُلاحَظ عليهم عبر التاريخ من سرعة الاستجابة لكلّ دعوةٍ تناهض الدولة القائمة.
العداءُ المكتوم للحاكم
وثَمّ أمرٌ أخطرُ من الخروج نفسِه، وهو المزاجُ الذي يُنبِته. فكلُّ هذه الجماعات، حتّى جماعةُ أهل الحديث، لا تُكِنُّ الحبَّ للحاكم، وإنّما تتعامل معه وهي مضغوطةٌ مُجبَرة، وتراه زنديقاً أو مبتدعاً لو خالفها قيدَ أنملةٍ في صغائر الأمور. ولهذا كان الجوُّ العامُّ ثوراتٍ تلوَ ثورات، حتّى جاء الأعاجمُ والأتراكُ وحكموا البلاد بالنار والحديد، ولم يبقَ للعرب إلّا الخيامُ وحليبُ النياق، بسبب ذهاب ريحهم.
ومشكلةُ الإماميّة لن تنتهي مع حاكمٍ أبداً. فحتّى لو كان نبيّاً أو مَلِكاً لن يقبلوا به إلّا لو كان من الأئمّة خاصّتهم.
وخطرُ أهل الحديث أنّهم بكثرة تشريعاتهم يحاصرون الحاكم، فيصبح في نظرهم ونظر العامّة فاسقاً مبتدعاً زنديقاً، لأنّه خرج عن خطّ ألوف المرويّات التي قد تتصادم مع الواقع المعاش. فهم وإن زعموا رمزيّةَ الحاكم إلّا أنّهم حشروه في زاويةٍ ضيّقة: فإمّا أن يدير البلاد بالشكليّات والطقوسيّات المنهِكة، وإمّا أن يديرها كما يجب أن تُدار وفوق مصالح العباد والبلاد، ومهما فعل فهو في نظرهم مبتدعٌ فاسق.
والتحريضُ عندهم لا يكون علنيّاً بل مخفيّاً. وذلك أنّ الحاكم لا يستطيع الاحتكامَ إلى شكليّات تشريعاتهم وصغائر الأمور، بل حتّى كبائرها قد لا تُبيح له الظروفُ العملَ بها، ممّا قد يضطرّه لمسايرتهم والتمسّك بالمظهريّات حتّى يُسكِت العامّةَ والخاصّةَ منهم.
ما استقرّ عليه الأمر
جمع الأشعريُّ أقوال الناس كلَّها في مكانٍ واحد فكانت أربعة:
"وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي السَّيْفِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقَاوِيلَ: فَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالزَّيْدِيَّةُ وَالْخَوَارِجُ وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُرْجِئَةِ: ذَلِكَ أَوْجَبُ إِذَا أَمْكَنَنَا أَنْ نُزِيلَ بِالسَّيْفِ أَهْلَ الْبَغْيِ وَنُقِيمَ الْحَقَّ... وَقَالَتِ الرَّوَافِضُ بِإِبْطَالِ السَّيْفِ وَلَوْ قُتِلَتْ حَتَّى يَظْهَرَ الْإِمَامُ فَيَأْمُرَ بِذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ: السَّيْفُ إِذَا اجْتَمَعَ عَلَى إِمَامٍ عَادِلٍ يَخْرُجُونَ مَعَهُ فَيُزِيلُ أَهْلَ الْبَغْيِ. وَقَالَ قَائِلُونَ: السَّيْفُ بَاطِلٌ وَلَوْ قُتِلَتِ الرِّجَالُ وَسُبِيَتِ الذُّرِّيَّةُ، وَأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ يَكُونُ عَادِلًا وَيَكُونُ غَيْرَ عَادِلٍ وَلَيْسَ لَنَا إِزَالَتُهُ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا، وَأَنْكَرُوا الْخُرُوجَ عَلَى السُّلْطَانِ وَلَمْ يَرَوْهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ"(٣٢)
وأعجبُ ما في الباب أنّ القائلين بالسيف احتجّوا بالآية نفسِها التي نمنع بها انتقالَ الإمامة إلى ظالم: ﴿لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [البقرة ١٢٤]. والآيةُ تمنع أن ينالها الظالمُ ابتداءً، ولا تجعل السيفَ أداةَ إنزاله انتهاءً. فبينهما ما بين المنع والانتقام.
فهذه حصيلةُ أربعة عشر قرناً: شروطٌ محرَّرةٌ في الكتب لا يُسأل عنها أحد، وطاعةٌ لمن غلب عُلِّلت بالعجز لا بالاستحقاق، وأربعةُ أقوالٍ في السيف آخرُها الذي استقرّ عليه جمهورُ الأمّة. والذي نقرّره في هذا المقال أنّ منع الخروج ليس مصلحةً تُقدَّر وتَنقلب بانقلاب الزمان، بل هو حكمٌ في التنزيل؛ وأنّ الشروط الثلاثة إنّما هي في المستحقّ قبل أن يلي، فإذا فاتته لم تجعله الغلبةُ مستحقّاً، ولم يجعله السيفُ مخلوعاً.
كيف تعامل العربُ والمسلمون مع الحاكم
هذه الأقوالُ لم تبقَ حبيسةَ الكتب. وقبل أن نأخذ منها ثورتين نفصّلهما، ننظر في الخيط كلِّه من أوّله.
فالثوراتُ ضدّ الحكم بالمدينة ابتدأت قبل وفاة الرسول ﷺ. تمثّلت في حركة اليهود بالمدينة، ثمّ حركةِ المنافقين، ثمّ ممانعتهم لحكم أبي بكرٍ وعمر، ثمّ حروبِ الردّة، ثمّ مؤامرتهم على عثمان ثمّ مقتلِه، ثمّ استقبالِ بعض الأطراف لقتَلته ودعمِهم، ثمّ انقلابِهم على من دعمهم، ثمّ ثورةِ الأوس والخزرج على الدولة، ثمّ ثورةِ ابن الأشعث، ثمّ ثوراتِ العلويّين المتكرّرة. فالتاريخ الإسلاميُّ كلُّه ثوراتٌ في ثوراتٍ فاشلة، بسبب أنّهم رفضوا ما قرّره المولى وجعله حاكماً للبلاد.
ونأخذ من هذه السلسلة أكبرَ ثورتين في القرن الأوّل، ونسأل عن كلِّ واحدةٍ سؤالاً واحداً: من أين جاءت؟
ثورةُ أهل المدينة على يزيد
سنةَ ثلاثٍ وستّين خلَع أهلُ المدينة يزيدَ وأمَّروا عليهم رجلاً منهم. يقول ابن عبد البرّ: "وقُتِل عبدُ الله بنُ حنظلةَ يومَ الحرّة سنةَ ثلاثٍ وستّين، وكانت الأنصارُ قد بايعته يومئذٍ، وبايعت قريشٌ عبدَ الله بنَ مُطيع"(٣٣)
فمن هذا الرجل؟ هو عبد الله بن حنظلة بن أبي عامرٍ الراهب: "يقال له ابنُ الغسيل، لأنّ أباه حنظلةَ غسيلُ الملائكة... ويقال له عبدُ الله ابنُ الراهب، ينتسب إلى جدّه، وهو عبدُ الله بنُ حنظلةَ بنِ الراهب، والراهبُ هو أبو عامر، واسمه عبدُ عمرِو بنُ صيفيّ"(٣٤)
والجدُّ هو المسألة. فأبو عامرٍ الراهب لم يكن رجلاً عادياً في تاريخ المدينة:
"وكان أبوه أبو عامر يعرف بالراهب في الجاهلية، وكان أبو عامر وعبد الله بن أبَيّ بن سلول قد حسدا رسول الله ﷺ على ما مَنّ الله به عليه، فأما عبد الله بن أبَيّ فأضمر النفاق، وأما أبو عامر فخرج إلى مكة، ثم قدم مع قريش يوم أحد محارباً، فسماه رسول الله ﷺ: الفاسق. وأقام بمكة فلما فتحت هرب إلى هرقل والروم فمات كافراً هنالك سنة تسع"(٣٥)
فالرجلُ خرج من المدينة إلى قيصرَ يستنجده على الدولة الناشئة، وترك خلفه بناءً محدَّد الغرض: "وذلك أنّ أبا عامرٍ هو الذي كان حزَّبَ الأحزابَ... فلمّا خذَله اللهُ لَحِق بالرومِ يطلب النصرَ من مَلِكهم على نبيّ الله، وكتب إلى أهلِ مسجدِ الضِّرارِ يأمُرهم ببناء المسجد الذي كانوا بَنَوه"(٣٦)
ثمّ اجتمع النَّسَبان في الحفيد. فأمُّ عبدِ الله بنِ حنظلةَ هي "جميلةُ بنتُ عبدِ الله بنِ أُبيّ بنِ سَلول"(٣٧). فقائدُ الحرّة حفيدُ الرجلين اللذين قرَنهما الخبرُ الأوّل: أبي عامرٍ من أبيه، وابنِ أُبيٍّ من أمّه(٣٨).
ولم تكن المعارضةُ في المدينة مجرّدَ تحريض، بل كانت مسلَّحةً وغادرة. فبنو قريظة نقضوا عهدهم يومَ الأحزاب والمسلمون محصورون، والعدوُّ على الأبواب، والنقضُ في تلك الساعة يعني فتحَ المدينة من داخلها: "فنقَض كعبُ بنُ أسدٍ عهدَه، وبرِئ ممّا كان عليه فيما بينه وبين رسول الله"(٣٩)، فلمّا بُعِث إليهم من يستوثق منهم "فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، ونالوا من رسول الله، وقالوا: لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد"(٤٠)
فالحرّةُ ليست حادثةً ابتدأت سنةَ ثلاثٍ وستّين. هي آخرُ حلقةٍ في سلسلةٍ أقدمُ من الهجرة، تنقطع جيلاً وتعود جيلاً، حتّى وجدت ساعتها(٤١).
ثورةُ ابن الأشعث
وكندةُ كانت دولةً ذاتَ قوّةٍ قبل الإسلام. مُلِّك عليها حُجْرٌ آكلُ المُرار فكان "مَلِكِ عَرَبٍ بِنَجْدٍ وَنَوَاحِي الْعِرَاقِ"(٤٢)، وبلغ حفيدُه الحارثُ بنُ عمرٍو الحيرةَ فأزال مُلكَ آل النعمان، ووزّع بنيه ملوكاً على قبائل معدّ، ثمّ تشتّت أمرُهم من بعده(٤٣).
ولم تُسلِّم للدولة الجديدة طوعاً. منعت الصدقةَ على عهد أبي بكرٍ رضي الله عنه وأجمعت على الردّة، فسِير إليها فهُزِمت وتحصّنت بالنُّجَير؛ وكان الأشعثُ بنُ قيسٍ في رؤوسها، ثمّ أُخِذ أسيراً فعُفِي عنه ورجع إلى الجماعة(٤٤). والذي خرج على الحجّاج بعد نحوِ سبعين سنةً حفيدُه: عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيسٍ الكِنديّ.
يسوق الطبريُّ عن أهل ذلك الزمان قولَهم: "إنّا إذا خلعنا الحجّاجَ عاملَ عبدِ الملك فقد خلعنا عبدَ الملك، فاجتمعوا إلى عبد الرحمن، فكان أوّلَ الناس"(٤٥)، ثمّ "لمّا دخل عبدُ الرحمن بنُ محمّدٍ البصرةَ بايعه على حرب الحجّاج وخلعِ عبدِ الملك جميعُ أهلها من قرّائها وكهولها"(٤٦)
واجتمع لها عددٌ لم يجتمع مثلُه لخارج: "أهلُ الكوفة وأهلُ البصرة وأهلُ الثغور والمسالحِ بديرِ الجماجم والقرّاءُ من أهل المصرين، فاجتمعوا جميعاً على حرب الحجّاج، وجمعهم عليه بغضُهم والكراهيةُ له، وهم إذ ذاك مائة ألف مقاتل ممن يأخذ العطاء"(٤٧)
وهؤلاء هم الذين احتُجَّ بقيامهم على دعوى الإجماع في منع الخروج، كما مرّ في نقل القاضي عياض. وهم المعارضةُ الثقافيّةُ ذاتُها التي منها أصحابُ الحديث. ولسنا نحكم عليهم بشيءٍ إلّا أنّهم خالفوا أمرَ الله وخرجوا على سلطةٍ قائمة.
ثمّ كانت النتيجة. وقعةُ دير الجماجم "في شعبانَ من هذه السنة، وقيل: كانت سنةَ ثلاثٍ وثمانين"(٤٨)، وانتهت بهزيمة الخارجين. ثورةٌ فشلت، ودمّرت العنصرَ العربيَّ وأضعفته؛ مئةُ ألفِ مقاتلٍ من أهل المصرين تبدّدوا في حربٍ داخليّة، وبقي الحجّاجُ وبقي عبدُ الملك، وظلّ الخروجُ يقتل أهلَه سنينَ بعد انطفائه.
والعبرةُ في الثورتين واحدة. كلتاهما قامت على مظلمةٍ حقيقيّة، وكلتاهما انتهت بأن هلك من خرج ولم يَنَل ما خرج لأجله. مات يزيدُ بعد الحرّة بأشهرٍ قليلة، فما استفاد أهلُ المدينة من موته شيئاً؛ كانت مدينتُهم قد استُبيحت، ووجوهُهم قد قُتِلوا، وطُوِيت صفحتُهم السياسيّةُ فلم تُفتَح بعدها.
وثورةُ العباسيّين أشدُّ الثلاث أثراً
وقيامُ الدولة العباسيّة خروجٌ على حاكمٍ قائم، وإن كُتِب له النجاح. ونتائجُه كارثيّةٌ على العرب أنفسِهم، وبها سقط حكمُهم نهائيّاً.
فالدعوةُ لم تقم في دار العرب، بل وُجِّه دعاتُها إلى المشرق. يقول ابنُ الأثير في وصيّة محمد بن عليّ لهم: "ثُمَّ تُقْبِلُ أَنْصَارُنَا مِنَ الْمَشْرِقِ حَتَّى تَرِدَ خَيْلُهُمُ الْمَغْرِبَ وَيَسْتَخْرِجُوا مَا كَنَزَ الْجَبَّارُونَ"، ثمّ "بَعَثَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى خُرَاسَانَ دَاعِيًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى الرِّضَا، وَلَا يُسَمِّيَ أَحَدًا"(٤٩). فجندُها من المشرق، والدعوةُ إلى رجلٍ مُبهَمٍ لا يُسمَّى. ومن دعا الناسَ إلى مجهولٍ فقد أخذ بيعتَهم على غير معلوم، وبهذا مَلَك القائمون بها أن يصنعوا بعد الظفر ما شاؤوا.
فلمّا ظفروا سنةَ اثنتين وثلاثين ومئة لم يقفوا عند الحكم. أُخِذ من بني أميّة تسعون رجلاً على الطعام فضُرِبوا بالعُمُد، "وَبَسَطَ عَلَيْهِمُ الْأَنْطَاعَ، فَأَكَلَ الطَّعَامَ عَلَيْهَا وَهُوَ يَسْمَعُ أَنِينَ بَعْضِهِمْ حَتَّى مَاتُوا جَمِيعًا"(٥٠). ثمّ بلغ الأمرُ الموتى: "وَأَمَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ بِنَبْشِ قُبُورِ بَنِي أُمَيَّةَ بِدِمَشْقَ"(٥٠). ثمّ الأحياءُ في كلّ أرض: "وَتَتَبَّعَ بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ أَوْلَادِ الْخُلَفَاءِ وَغَيْرِهِمْ فَأَخَذَهُمْ، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا رَضِيعٌ أَوْ مَنْ هَرَبَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، فَقَتَلَهُمْ بِنَهْرِ أَبِي فُطْرُسٍ"(٥١)
ثمّ التفتت الدولةُ إلى قائد جندها بخراسان فقتلته. دُعِي أبو مسلمٍ الخراسانيُّ فعاتبه المنصور، فقال أبو مسلم إنّ هذا لا يُقال له بعد بلائه، فأجابه بالكلمة التي هي مفتاحُ الباب كلِّه: "إِنَّمَا عَمِلْتَ فِي دَوْلَتِنَا وَبِرِيحِنَا، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ إِلَيْكَ مَا قَطَعْتَ فَتِيلًا"(٥٢). ثمّ صفَّق بيده فخرج الحرس، "فَقَالَ: اسْتَبْقِنِي لِعَدُوِّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَقَالَ: لَا أَبْقَانِيَ اللَّهُ إِذًا، أَعَدُوٌّ أَعْدَى لِي مِنْكَ؟!"(٥٣)
ثمّ خرج على العباسيّين من كان يُرجى لهم. ظهر محمدُ بنُ عبد الله بن الحسن بالمدينة سنةَ خمسٍ وأربعين ومئة فقُتل، وخرج أخوه إبراهيمُ بالعراق فقُتل، وحُمِل رأسُه إلى المنصور "فَلَمَّا رَآهُ بَكَى حَتَّى خَرَجَتْ دُمُوعُهُ عَلَى خَدِّ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي كُنْتُ لِهَذَا كَارِهًا! وَلَكِنَّكَ ابْتُلِيتَ بِي وَابْتُلِيتُ بِكَ!"(٥٤). فالثورةُ التي نجحت أكلت من أعانها ومن نازعها معاً.
ثمّ مالت الدولةُ إلى الفرس ثمّ إلى الترك. ففي أوّل عهدها كانت خراسانُ لأبي مسلم و"عَلَى دِيوَانِ الْخَرَاجِ خَالِدُ بْنُ بَرْمَكَ"(٥٥). ثمّ استكثر المعتصم من الغلمان الأتراك حتّى ضاق بهم أهلُ بغداد وقيل له: "جَاوَرْتَنَا وَجِئْتَ بِهَؤُلَاءِ الْعُلُوجِ مِنْ غِلْمَانِكَ الْأَتْرَاكِ، فَأَسْكَنْتَهُمْ بَيْنَنَا، فَأَيْتَمْتَ صِبْيَانَنَا، وَأَرْمَلْتَ بِهِمْ نِسْوَانَنَا، وَقَتَلْتَ رِجَالَنَا"(٥٦)، فبنى سامرّا وانتقل إليها بهم.
ثمّ صار عقدُ الخلافة نفسُه في أيديهم. استُحلِف قوّادُ الأتراك والمغاربة "عَلَى أَنْ يَرْضَوْا بِمَنْ رَضِيَ بِهِ بُغَا الْكَبِيرُ، وَبُغَا الصَّغِيرُ، وَأُتَامِشُ"، و"كَرِهُوا أَنْ يَتَوَلَّى الْخِلَافَةَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ الْمُتَوَكِّلِ لِئَلَّا يَغْتَالَهُمْ"(٥٧). فمن يوم رُفِع السيفُ على حاكمٍ قائمٍ إلى يوم صار الخليفةُ يُنصَّب بأمر قوّاد الغلمان، طريقٌ واحدٌ متّصل.
ما انتهى إليه المسلمون
فإذا جاوزنا القرن الأوّل إلى ما بعده، رأينا الحصيلة.
سنةَ أربعٍ وثلاثين وثلاثمئة دخل الديلمُ بغداد. "وَوَصَلَ مُعِزُّ الدَّوْلَةِ إِلَى بَغْدَاذَ حَادِي عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى، فَنَزَلَ بِبَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ، وَدَخَلَ مِنَ الْغَدِ عَلَى الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَكْفِي وَبَايَعَهُ، وَحَلَفَ لَهُ الْمُسْتَكْفِي"(٥٨). ثمّ لم تمضِ ستّةُ أسابيعَ حتّى "خُلِع المستكفي بالله لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة"، وصار الخليفةُ يُجرى عليه راتب: "وأُقيم للمستكفي بالله كلَّ يومٍ خمسةُ آلافِ درهمٍ لنفقاته"(٥٩)
ثمّ سنةَ سبعٍ وأربعين وأربعمئة انتقل الأمرُ إلى الترك. "وَسَارَ طُغْرُلْبَك وَدَخَلَ بَغْدَاذَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنَ الشَّهْرِ، وَنَزَلَ بِبَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ"(٦٠)، وهو المنزلُ نفسُه الذي نزله الديلميُّ قبله بمئةٍ وثلاثَ عشرةَ سنة.
فمن الديلم إلى السلاجقة إلى من بعدهم، صار العربُ رعيّةً في دولةٍ يحكمها غيرُهم. والخليفةُ اسمٌ على منبرٍ وراتبٌ يُجرى، والأمرُ لصاحب الشوكة.
وقد جاء ابنُ خلدون بعد ذلك بقرونٍ بنظريّاتٍ عن العرب لا تستقيم، ردَّ فيها هذا كلَّه إلى طبعٍ فيهم. والعربيُّ ليس لجيناتٍ فيه يفعل ذلك، ولكن لطبيعة حياته الصحراويّة الحرّة؛ فهو أقربُ الناس للحرّيّة المطلقة، يتحمّل شظفَ العيش على دلال الخضوع. ثمّ ساهم فهمُهم للدين الخاطئُ في مزيدٍ من هذا الكبرياء المزيَّف، فرفضوا أن يُحكَموا، ويريد كلُّ واحدٍ فيهم أن يكون الحاكم.
والعصبيّةُ التي يُكثِرون الكلامَ عليها هي الشرطُ الثالث للمُلك، وهو القوّة. فإذا توفّر معها العلمُ والخيريّةُ كانت خلافةً راشدة، وإذا انفردت كانت شوكةً بلا رشد.
والذي جمعهم أمرٌ فوقهم، والذي فرّقهم منافسةُ الرياسة. والخروجُ على الحاكم هو منافسةُ الرياسة في أظهر صورها، ولو لبِس ثوبَ الإصلاح.
ولسنا نسوق هذا لِنَعِيَ على أحد. نسوقه ليُعلَم أنّ مسألة الخروج ليست ترفاً نظريّاً يُتناقَش في مجلس. هي المسألةُ التي كلّفت هذه الأمّةَ موقعَها في العالم. ولذلك حرّرناها في هذا المقال كما حرّرها القرآن، لا كما حرّرها الفقهاء بعد وقوع الأمر.
فإذا كان هذا ما انتهى إليه القولُ وما انتهى إليه العمل، فما الذي قرّره القرآن قبلهما؟
توجيه القرآن في التعامل مع الحاكم
نبدأ من آيةٍ واحدةٍ فيها الجواب كلُّه، ثمّ نمضي في نظائرها.
وشروطُ المُلك في القرآن ثلاثة:
- العلم، وليس علومَ الطبيعة، إنّما علومُ الاجتماع والسياسة والاقتصاد التي تُدار بها البلادُ والعباد.
- القوّة، ونعني بها القوّةَ العسكريّة التي تتفوّق على قوّة الآخرين.
- الخيريّة، وهي سماتٌ في الرجل تمنعه أن يصير طاغوتاً بالعلم والقوّة.
ثمّ يأتي بعد الشروط ما لا ينفكّ عنها: فإن اختلّت في الحاكم، أيُخرَج عليه؟ والجوابُ في القرآن قاطع، وهو أهمُّ ما في هذا المقال.
معاني الألفاظ التي يدور عليها الكلام
المُلك: الإدارةُ والتصريف، أي الهيمنةُ على الأمر بشرعيّة، لا استحواذاً ولا حيازة. وعكسُه الطغيان: إدارةٌ بلا شرعيّة.
الاصطفاء: ضمُّ المختار إلى صفٍّ غير صفِّ الناس، فهو التقسيمُ النوعيُّ للبشر بين الأصلح وبين بقيّتهم؛ والاختيارُ مرحلةٌ سابقةٌ عليه. وهو الجانبُ الأخلاقيُّ الخيريُّ من شروط المُلك، وقرينتُه اقترانُه بالتطهير في ﴿ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ﴾. والأرجحُ أنّ الاصطفاء يلي الخيريّة: كلّما عملتَ أعمالاً خيّرةً كثيرةً تنفع الناس اقتربتَ منه. والأرجحُ أنّه أن يجعلك اللهُ في منصبٍ أعلى، أو أن يُعِدَّك لمنصبٍ أعلى(٦١).
الخير: فعلٌ وعمل، لا سجيّةٌ ولا شخصيّة. أن تُعطيَ الفقير، وتُعينَ المحتاج، وتقولَ الحقيقة؛ هذه أعمال(٦٢). والأخيار هم الذين ينفعون الناس، والذين تولَّوا المُلك فأحسنوا.
الإمام: القائدُ الحاكمُ للجماعة. والخلافة حكمُ منطقةٍ كبيرةٍ كمُلك داود، والخلفُ الحاكمون بعد زوال سابقيهم(٦٣).
السلطان: القوّةُ والقدرةُ التي تدفع بها عدوَّك عنك، أو تجعلك متمكّناً من رقاب الآخرين مسيطراً عليهم.
المترَفون: الذين تشبَّعوا باللذائذ، وغالباً يكونون من الأغنياء.
الآية الأمّ: طالوت
﴿وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ [البقرة ٢٤٧]
سأل القومُ نبيَّهم مَلِكاً يقاتلون معه: ﴿ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ﴾ [البقرة ٢٤٦]، فلمّا جاءهم اعترضوا عليه.
واعتراضُهم لأحد سببين: إمّا لأنّه ليس من شيوخ القبيلة الذين يملكون الجاهَ والمال، وإمّا لأنّ نسبهم أعلى وفق حساباتهم المعوجّة. والمالُ إضافةٌ منهم، ساقوها لتقوية اعتراضهم.
فجاء الجوابُ في ثلاثة أفعالٍ لا في واحد: اصطفاه، وزاده علماً، وزاده جسماً.
و﴿ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ﴾ أي اختاره لخيريّته. فحيث كانت مهمّةٌ كان اصطفاء. ومريمُ اصطُفيت مرّتين في آيةٍ واحدة: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران ٤٢]؛ مرّةً لتعمل في المعبد، ومرّةً لتحمل بعيسى.
والشرطان الآخران ذُكِرا مقترنَين بواوٍ واحدة، ﴿فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ﴾، فهما شرطٌ واحدٌ ذو شقَّين. ولا يقوم أحدُهما بغير صاحبه: لا ينفع علمُك إن كنت وحدك في الصحراء بلا قوّةٍ تحميك، ولا تنفع قوّتُك إن لم تعرف أين تضعها.
و"الجسم" ليس حُسنَ الهيئة؛ فالمقامُ مقامُ قتال. فالجسمُ ههنا القدرةُ على حمل السلاح وقيادةِ الجند، وهي القوّةُ العسكريّة بعينها.
هل المال شرطٌ أم عائق؟
المالُ إضافةٌ من الملأ لا شرطٌ من الشرع. وما قال لهم نبيُّهم إنّ المال لا قيمة له، إنّما بيّن أنّ شرعيّة العلم والجسم أقوى من شرعيّة المال. فماذا يصنع المالُ بهم في المعركة إذا كان الذي يديرها لا يُحسِن إدارتها؟
ولا مُلكَ بلا مال. الجيشُ نفقةٌ وسلاحٌ وإمدادٌ ورواتب. غير أنّ من عُيِّن مَلِكاً فقد صارت له حرّيّةُ إدارة الأموال والأنفس، فالمالُ عنده تحصيلُ حاصل؛ ولهذا لم يُجعَل شرطاً فيمن يتقدّم إليه.
وقد رأينا كيف كان الرسولُ ﷺ يأمر المسلمين بالتبرّع بالمال من أجل الجيش في عشرات الآيات. يُقرَن المالُ بالنفس في أمر النفير: ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾ [التوبة ٤١]. ويُجعَل بذلُهما علامةَ الإيمان: ﴿لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ﴾ [التوبة ٤٤]. ويُعاتَب من أمسك: ﴿وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [الحديد ١٠]. وتُحسَب النفقةُ في الطريق ولو صغُرت: ﴿وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ وَلَا يَقۡطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ﴾ [التوبة ١٢١]. ويُسمَّى الأمرُ كلُّه بيعاً: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ﴾ [التوبة ١١١]. فالمالُ عُدّةُ الدولة، ولكنّه ليس شرطاً في شخص الحاكم.
ويوسفُ قدّم أوراق اعتماده بأنّه حفيظٌ عليم: ﴿قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ﴾ [يوسف ٥٥]. أي الشرطين: الخيريّة والعلم. وأمّا القوّةُ فكان سيحصل عليها لو تولّى خزائنَ الأرض، لأنّه سيصبح العزيزَ حينها.
ويقف القرآن من طبقة أصحاب المال موقفَ الحذر الدائم، لأنّها تميل إلى الفساد بطبعها. فهي المقدَّمةُ عند كلّ هلاك: ﴿وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾ [الإسراء ١٦]. وهي المتصدّيةُ لكلّ نذير: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ﴾ [سبأ ٣٤]. وحين قُسِّم الفَيء عُلِّل التقسيمُ بمنعها: ﴿كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ﴾ [الحشر ٧]، أي يتداولون المال بينهم ويُحرَم مستحقّوه. فتكدّسُ المال بطبقةٍ واحدةٍ مدمِّرٌ للبلاد، ولذلك جاء الوعيدُ صريحاً: ﴿وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ﴾ [التوبة ٣٤].
العلم
المُلكُ إدارةٌ وتصريف، ومن كان هذا حدَّه فمُحالٌ أن يُنالَ بغير علمٍ بما يُدار.
ويوسفُ مثالُه: سأل أن يكون على الخزائن لا أن تكون له؛ وبين اللام و"على" في هذا الباب فرقُ ما بين استحواذٍ وكسبٍ وبين وِلاية تصريفٍ فقط. وقد أجابه الله بالتمكين: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ﴾ [يوسف ٥٦].
وداودُ لمّا صار إليه الأمر، جاء العلمُ في العطف مع المُلك نفسِه:
﴿وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ﴾ [البقرة ٢٥١]
ثلاثةٌ معطوفة: المُلكُ، والحكمةُ، والتعليم. والحكمةُ القدرةُ على إصدار الأحكام الصائبة التي تفصل بين الناس، ولهذا قُرِنت في سورة ص بفصل الخطاب: ﴿وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ﴾ [ص ٢٠].
وفي مجلس سليمان يُعرَض إحضارُ عرشِ بلقيس، فيتقدّم اثنان:
﴿قَالَ عِفۡرِيتٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّي عَلَيۡهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٞ﴾ [النمل ٣٩]
﴿قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ﴾ [النمل ٤٠]
والآيتان تبيّنان مدى تمكّن سليمان. لديه القوّة، وهي العفريت ﴿لَقَوِيٌّ أَمِينٞ﴾؛ ولديه العلم، وهو ﴿ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ﴾. وكلُّ هؤلاء يخدمون مملكته العظيمة. ولهذا كان هو الذي يستحقّ المُلك، وكان التوسّعُ لِزاماً عليه، لِما يحمله من خيرٍ للبلاد والعباد.
القوّة
في مَدْيَن فتاتان تَذُودان عن ماشيتهما، فيسقي لهما رجلٌ غريب، فتقول إحداهما لأبيها:
﴿قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦]
نعتت الفتاةُ موسى بالقوّة والأمانة، وهما شرطان من شروط المُلك والعناية، وبقي شرطُ العلميّة. وههنا الأمرُ واضح: لو افترضنا أنّ الماشية هي الرعيّةُ التي يرعاها موسى، فإنّ هذا القائدَ الذي وُضِع عليها هو أعلى منها علماً، فلا يوجد من ينازعه على مُلك تلك الشياه وتدبير أمورها. فهو أعلمُ وأقوى وأخيَر.
والقوّةُ المطلوبة هي التي تتفوّق على قوّة الآخرين. فمن كانت قوّتُه أضعفَ فسبيلُه الانسحابُ من فوره، لا أن يُقدِم على ما لا يُطيق فيُهلِك من معه.
وأمّا القوّةُ وحدَها بلا خُلُقٍ يضبط صاحبَها فقد نُعِيَت على قوم عادٍ بلفظٍ لا يحتمل التأويل: ﴿وَإِذَا بَطَشۡتُم بَطَشۡتُمۡ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء ١٣٠].
الخيريّة
الخيريّةُ لا تضبط العلمَ ولا القوّة؛ هي تضبط الرجلَ الذي يملكهما. فإن اجتمعا فيه وهو فاقدُها صار طاغوتاً.
وفرعونُ أنموذجُ ذلك، والقرآنُ لا يسمّي صنيعَه مُلكاً بل طغياناً. كان صاحبَ قوّة، وله علمٌ مزيّفٌ يستخدمه في سَوق الجماهير نحو الهاوية. يقوم بسياسة فرِّقْ تسُدْ: ﴿إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ﴾ [القصص ٤]. ويرفع من شأن نفسه: ﴿أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ﴾ [النازعات ٢٤]. ويحاصر الجموع ويجعلها تتسوّل منه الطعامَ والماء، فيتحكّم في مصادر المياه: ﴿أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ﴾ [الزخرف ٥١]. فهو ذو قوّة، ويستخدم علمَه بالإدارة في سحق الشعوب وتشتيتها.
والخيريّةُ سماتٌ في صاحبها لا مادّةٌ يُخلَق منها. وأثرُها في العمل: أن تُعطيَ الفقير، وتُعينَ المحتاج، وتقولَ الحقيقة.
واللفظُ في القرآن "الأخيار"، ولا يقع في المصحف كلِّه إلّا في موضعين، وكلاهما في سورة ص:
﴿وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [ص ٤٥]
﴿وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ﴾ [ص ٤٧]
﴿وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ﴾ [ص ٤٨]
والمصطفى هو الذي وُضِع في صفٍّ لوحده لاختياره في مهمّةٍ وعمل. والأخيار هم الذين ينفعون الناس.
وههنا الشروطُ الثلاثة في نظمٍ متتابع: "أولي الأيدي" قوّة، و"الأبصار" علم، و"الأخيار" خيريّة. والمعدودون فيها ملوك أنبياء، والمقامُ مقامُ داودَ وسليمان، أي مقامُ المُلك لا مقامُ الزهد.
ولا يُبالَغ في هذا الشرط حتّى يُحسَب أنّ المُلك يُعطى لأحسنَ صوفيٍّ متدروش. التقوى أعظمُ الشروط، لكنّها لا تعمل وحدها في مسألة المُلك؛ فمن لا علمَ له ولا قوّة لا تُقيمه تقواه على أمر البلاد والعباد.
معارضةُ مشيئة الله فيمن يؤتيه المُلك
والذي يأتي بعد الشروط أنّ الناس لا يرضَون بمن يُقيمه الله. والمعارضةُ قديمةٌ قِدَمَ الخليقة، ومسارُها واحدٌ في كلّ مرّة: يُنصَّب رجلٌ، فيقول المعارضُ: أنا أحقُّ منه.
وأوّلُ من قالها إبليس. أُعلِنت خلافةُ آدم في الأرض: ﴿إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ﴾ [البقرة ٣٠]، ثمّ أُمِر الملأ بالسجود: ﴿ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ﴾ [الأعراف ١١]. فاعترض:
﴿قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ﴾ [ص ٧٦]
واعتراضُه يشبه اعتراض اليهود على طالوت. هؤلاء قالوا ﴿وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ﴾ لنسبٍ أو وجاهةٍ في المجتمع، وهو قال ﴿أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ﴾ لمادّةٍ خُلِق منها. والدعوى واحدة: الأحقّيّةُ بغير الشروط.
والمعارضةُ الثانية كانت بين ابنَي آدم، وهي أوّلُ دمٍ سُفِك في الأرض:
﴿وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [المائدة ٢٧]
تفاضلٌ في القبول لا في القوّة ولا في العلم، وعُلِّل بحرفٍ واحد: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾. والمقبولُ منه كفَّ يدَه وهي مبسوطةٌ له: ﴿لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ﴾ [المائدة ٢٨]. فامتناعُه اختيارٌ لا عجز، وهذا أعظمُ دليلٍ على تقواه وصلاحه.
وهو الذي وقع لعثمان رضي الله عنه. رفض بسطَ يده وهي مبسوطةٌ له، فقُتِل صابراً؛ ثمّ خسِر الذين قتلوه، فتشرّدوا وقُتِلوا هم ومن أعانهم. ﴿فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [المائدة ٣٠].
سورةُ ص تدور حول المُلك
لقد درسنا سورَ القرآن لنعرف مفاتيحها وبؤرتها التي تجمعها، فوجدنا أنّ ص يجمعها المُلكُ والقبولُ بالملوك الذين وضعهم المولى، وأنّ معارضة قريشٍ لمُلك الرسول ﷺ، أي لإدارته البلادَ والعباد، هي كمعارضة إبليس لمُلك آدم.
ولفظُ "الملأ" لا يرد في السورة إلّا مرّتين: ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ﴾ [٦] في ملأ قريش، و﴿مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ [٦٩] في الملأ الأعلى. فالملأُ يفتتح السورةَ ويختمها، والخصومةُ واحدة.
وبين الطرفين تجري مفرداتُ الباب: المُلكُ والحكمةُ وفصلُ الخطاب [٢٠]، وبغيُ الخليطَين على بعضهم [٢٢ و٢٤]، والخلافةُ والحكمُ بالحقّ [٢٦]، وأولو الأيدي والأبصار [٤٥]، والأخيار [٤٧ و٤٨]، ودعوى الخيريّة [٧٦].
ولا تنتقل الإمامةُ إلى ظالم
﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [البقرة ١٢٤]
فالجوابُ استثناءٌ لا ردّ: الإمامةُ قد تكون موروثة، إلّا في ظالم. وهذا أصرحُ نصٍّ في القرآن على أنّ فسادَ الخُلُق يقطع الأحقّيّة في السلطة.
وفي هذا ردٌّ على من يعترض على النظام الملكيّ المستقرّ. فطالما هو مستقرٌّ فلا بأس به، إذا كان يضع في سدّة الحكم نسلاً صالحاً لا ظالماً.
هل يهب الله المُلك هكذا بلا شروط؟
﴿وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ﴾ خاتمةُ آية طالوت، ونظائرُها كثيرة: ﴿تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ﴾ [آل عمران ٢٦].
فهل معنى هذا أنّ الشروط لا أثرَ لها؟
الجوابُ في نظم الآية. فالنبيُّ ساق الشروطَ ثمّ ختم بالمشيئة، ولو كانت المشيئةُ تُلغي الشروط لَما ساقها. فالشروطُ هي الطريقُ الذي يجري به الإيتاء، والمشيئةُ أنّ الطريق ليس سُلَّماً يرقاه المستوفي فيَجِبَ له المُلك.
والمُلك ليس دليلاً على أبديّة الرضا. جعله القرآن امتحاناً منصوصاً، فقرن الوعدَ بالسلطة بالنظر في العمل بعدها:
﴿قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُهۡلِكَ عَدُوَّكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ﴾ [الأعراف ١٢٩]
﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ﴾ [يونس ١٤]
و"الخلائف" من مدخل الإمامة والخلافة. فالآيةُ في التعاقب البشريّ على السلطة والمُلك وليس غيرها.
ويشدُّهما ثالثٌ يجعل التفاضلَ في الدرجات نفسَه ابتلاءً: ﴿وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾ [الأنعام ١٦٥].
فمن بلغ السلطة لم يبلغ مقامَ الرضا التامّ، إنّما دخل موضعَ الاختبار. والدرجةُ التي رُفِع بها هي نفسُها مادّةُ ابتلائه.
ولا يُسقِط الله مَلِكاً سيّئاً ومن حوله أسوأُ منه. فلا بدّ من ملوكٍ حوله أخيَرَ منه، تُدفَع بهم دولتُه: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ﴾ [البقرة ٢٥١].
عدمُ الطاعة فساد
كان الرسول ﷺ يُنظِّم القتال ويجمع الناس تحت راية واحدة، فرفضت جماعاتٌ منهم الالتزامَ بأوامره. كانوا قبل الإذن بالقتال يستعجلونه، فلمّا كُتِب عليهم تخلّفوا:
﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ﴾ [النساء ٧٧]
ففضحتهم الآيات، وقالت لهم:
﴿فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ﴾ [محمد ٢٢]
و"عسى" كما أشرنا في المعجم: أوشك الأمرُ على حدوثه يقيناً، لا احتمالاً(٦٤). فهؤلاء لو استمرّوا في النفور وعدم الطاعة، فحتماً سيفسدون في الأرض ويقطّعون أرحامهم.
والقرآن يجعل التنازعَ نفسَه بابَ الهزيمة: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ﴾ [الأنفال ٤٦]. فالفشلُ وذهابُ الريح نتيجتان مرتّبتان على النزاع لا على الظلم.
الخروجُ على المُلك قد يكون كفراً
إذا كان الحاكمُ عادلاً فالخروجُ عليه كفرٌ بالنعمة وكفرٌ بأمر الله. فالطاعةُ منصوصةٌ في آيةٍ لا تحتمل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩]. فجعل مخرجَ الخلاف الردَّ إلى الله والرسول، لا رفعَ السلاح.
وإن كان الحاكمُ ظالماً فالخروجُ عليه انتحار. لأنّه سيزداد بطشاً بالرعيّة، وهذا نفسُه ما زعم الخارجُ أنّه جاء ليخفّفه أو يقطعه. والظالمُ مرعوبٌ ذو كبرياءٍ مزيّفة، فبدل مصالحة المجتمع يزداد بطشاً؛ وهي سنّةٌ مقرَّرة: ﴿وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا﴾ [الإسراء ٦٠].
وفي الغالب تفشل مثلُ هذه الحركات وتزداد البلادُ سوءاً. والخارجُ كان هدفه كما يزعم الإصلاحَ لا الإفساد، فإذا هو قد أفسد.
وقد جعل القرآن السعيَ في الأرض بالفساد محاربةً لله ورسوله، وجعل جزاءها أشدَّ ما في كتاب الحدود:
﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة ٣٣]
والخارجُ على دولةٍ قائمةٍ يقع في هذا بعينه؛ فهو يسعى في الأرض فساداً وإن سمّى صنيعَه إصلاحاً.
وقد ظلّ الرسول ﷺ ثلاثَ عشرةَ سنةً لم يرفع سكيناً على قريشٍ رغم ظلمهم، حتّى تهيّأت له القوّةُ والدولة التي كانت تنقصه. فهو عليمٌ لا يوجد من هو أعلمُ منه، وهو خيرٌ لا يوجد من هو أخيَرُ منه، ولكن كانت القوّةُ تنقصه. فلمّا مَلَكها صار مَلِكاً للبلاد والعباد، كما مَلَك سليمانُ وداودُ وبقيّةُ الأنبياء الأخيار.
فماذا يفعل المظلومون إذاً؟
ليس أمامهم إلّا الهجرة، إذا وصل الظلمُ أن يمسّهم في دينهم؛ فالدينُ أولى من الأموال والديار.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ﴾ [النساء ٩٧]
فالاحتجاجُ بالاستضعاف مردودٌ في وجه أصحابه، ولم يُقَل لهم: أفلا قاتلتم من ظلمكم. بل قيل: أفلا هاجرتم. ووُعِد المهاجرُ بالسعة: ﴿وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ﴾ [النساء ١٠٠]، وقيل لهم صراحةً: ﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [العنكبوت ٥٦].
وموسى فعلها: دخل على أعتى دولةٍ في زمانه فما سأله عرشَه، سأله شيئاً واحداً: ﴿أَنۡ أَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ [الشعراء ١٧]. وبنو إسرائيل أهلُ تلك البلاد، توطّنوا فيها جيلاً بعد جيلٍ حتّى صاروا جزءاً من نسيجها الاجتماعيّ، وصارت لهم فيها مساهمةٌ صناعيّةٌ واضحة. ومع ذلك كان المطلوبُ الخروجَ بهم لا قلبَ الدولة عليه. والسلطانُ الذي أُعطيَه سلطانُ حمايةٍ لا سلطانُ قهر: ﴿وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا﴾ [القصص ٣٥]. ثمّ خرج بقومه ليلاً.
كيف يتمّ القضاء على الظالم؟
لا يحقّ للفرد أن يغامر ضدّ الظالم؛ فهذا شأنُ الله وحده. وهو الذي يحرّك القوى التي تدمّر دولةَ هذا الظالم. وقد أرسل إلى فرعونَ رسولاً يُنذِره لا ثائراً يَقلِب دولته: ﴿ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ﴾ [طه ٢٤]. وله في ذلك ثلاث أدوات:
الأولى: عقابٌ كونيٌّ إعجازيّ يقضي عليه وعلى جماعته، كما فعل بعادٍ وثمود. عادٌ اغترّت بقوّتها: ﴿فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ﴾ [فصلت ١٥]، فجاءها ما لا تُقاتَل به الرياح: ﴿فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ﴾ [فصلت ١٦]. وثمودُ آثرت العمى: ﴿فَأَخَذَتۡهُمۡ صَٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ [فصلت ١٧]. وفرعونُ نفسُه: ﴿فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡأٓخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰٓ﴾ [النازعات ٢٥]. وسبأُ حين أعرضت: ﴿فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ﴾ [سبأ ١٦]. وهذا يقع حيث لا كُفءَ يدفع.
والثانية: أن يدفع عليه العالَمين من حوله، إن كانت هناك دولٌ بجواره أصلحُ منه فتقضي عليه. وهذه هي السنّة العامّة: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ﴾ [البقرة ٢٥١]. ووقعت في بني إسرائيل بأعيانها: ﴿بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ﴾ [الإسراء ٥]. ﴿بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ﴾، فالفاعلُ هو الله، والأداةُ قومٌ من خارج الدار.
والثالثة: أن يجعل الفتنة بين النخبة فيقضي بعضُهم على بعض. ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ [الأنعام ١٢٩]. فيُسلَّط الظالمُ على الظالم، ويأكل بعضُهم بعضاً، ويسلَم من ليس منهم. وهذه أخفُّ الثلاث على العامّة، لأنّ الحربَ فيها بين أهل القصور لا بين أهل البيوت.
وليس في القرآن أداةٌ رابعةٌ اسمُها سيفُ الخارج على دولته.
شرعيّةُ الفتوحات
وللدولة حقُّ التوسّع، بل يصبح لِزاماً عليها، إذا كانت هناك جماعاتٌ بجوارها مستضعفة، وإذا كانت الدولُ التي حولها ضارّةً لا نافعة، مفسدةً في الأرض.
وهذا ما وعد الله به المستضعَفين: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ﴾ [القصص ٥]. وهو الذي عاتب به القاعدين: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا﴾ [النساء ٧٥]. وهم يدعون ربَّهم، ولم يُخبِرنا القرآنُ أنّهم بعثوا إلى المسلمين يستغيثون.
وقد ظهرت تلك الشرعيّةُ بوضوح في الفتوحات الإسلاميّة. فهو جيشٌ عقيدتُه تحريرُ البلاد والعباد من الظلمة، وإنقاذُ المستضعفين، والقضاءُ على الدول الفاسدة المتعفّنة. والفرقُ بينه وبين الخارج على دولته أنّ هذا دولةٌ منظّمةٌ مسؤولةٌ يُحاسَب قائدُها، وذاك عصابةٌ داخل البلد تُشعِل ما لا تقدر على إطفائه.
حرّيّةُ الكلام صمّامُ الأمان
والذي يدعو إلى الخروج في الدولة العادلة، كلامُه سيذهب هباءً لا قيمة له، وسوف يتندّر الناسُ به. ولهذا تُترَك له حرّيّةُ الكلام، لأنّها قدسُ الأقداس الذي يحمي الدولة من التفتّت والدمار، وهي التي ذكرنا أنّها الصلاة أو جزءٌ منها، أي الصلاتُ بين البشر.
فإن تكلّم متكلّمٌ عن الخروج على الحاكم في دولة العدل فمصيره السخرية. وإن تكلّم في دولة الظلم فمصيره السجن في أحسن الأحوال. أمّا لو تكلّم في الدولة الرخوة فسبَّب الفتنةَ والفسادَ العظيم، فمصيره جهنّم وحسابه عند الله؛ لأنّه من المفسدين أعظمَ الإفساد. ولا نقصد من يتكلّم للإصلاح والتعاون ورأب الصدع، فهذا واجبٌ شرعيٌّ على المواطن الصالح؛ بل من يتكلّم للخروج على الدولة وتدميرها باسم الإصلاح.
وهؤلاء لا يخرجون باسم الفساد، إنّما يخرجون باسم الإصلاح:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ﴾ [البقرة ١١]
﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة ١٢]
ونهى القرآن عن الإفساد بعد استقرار الأمر: ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦]. و﴿بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ قيدٌ في محلّه: البلدُ الذي استقام أمرُه لا يُقلَب.
الأحاديثُ في قتل الخارج
ولا نرى صحّةَ ما جاء في قتل الخارج بالسيف نصّاً. فالخروجُ إن كان كلاماً نظريّاً لم يُطبَّق فهو كلام. وقد قيل بحضرة الرسول ﷺ: ﴿لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ﴾ [المنافقون ٨]، وهو صريحٌ في نيّة قلب الأمر، وأنشأ أصحابُه مسجدَ ضِرارٍ للتآمر على دولة الإسلام، فما قُتِل قائلُه. أمّا إن أفضى الخروجُ إلى قتل الناس فتنفيذُ القانون واجبٌ عليه كغيره، وحينئذٍ يُقتَل بفعله لا بكلامه.
وأمّا عبارةُ "إلّا أن تروا كفراً بواحاً" فذاتُ نفَسٍ خارجيّ، وهي لا تشرح شيئاً: ما الكفر؟ وما البواح؟ ومن الحَكَم فيه؟ فتفتح لكلّ خارجٍ أن يقتل ويسفك بتفسيرٍ من عنده، وهذا عينُ ما جرى.
من يسأل الوِلاية
ليس في القرآن ذمٌّ لمن سأل السلطة. ذاك من طبع البشر وطموحهم، وقد سألها الأنبياء. سليمان سألها صريحاً: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ﴾ [ص ٣٥]. وعبادُ الرحمن يسألون الإمامة دعاءً: ﴿وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤].
غير أنّ المُلك بهذه الشريعة لا يكون إلّا من النخبة. فالعامّيُّ لا يملك القوّة ولو كان عالماً خيّراً؛ فمن أين له القوّةُ العسكريّةُ الشرعيّة إن لم يكن من النخبة، في أيّ نظامٍ كان، جمهوريّاً أو ملكيّاً؟
وقد لا يكون الساعي من النخبة، ولكنّ مواهبه تدفعه أن ينال شيئاً من المُلك، أي من الإدارة والتصرّف، كما نرى الوزيرَ من خارج النخبة يبلغها بكفاءته(٦٥).
وأمّا ﴿تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ﴾ [القصص ٨٣] فهي في علوّ الاستطالة، بقرينة عطف الفساد عليه؛ لا في وِلايةٍ يقوم بها صاحبُها على شروطها.
وأخيراً
الشارعُ لا يقف ضدّ التنافس على المُلك، لكنّه يضع شروطاً صارمةً تمنع العبثَ والفوضى.
فلا يحقّ لك أن تسعى إلى المُلك وأنت أقلُّ علماً من غيرك، وقوّتُك دون قوّة الآخرين. وقبل هذين وبعدهما أن تكون خَيْراً؛ فلو أوصلك العلمُ والقوّةُ إليه وأنت فاقدُ الخيريّة أسقطك المولى، على أنّه لا يُسقِط سيّئاً ومن حوله أسوأُ منه.
وإذا اختلّت الشروطُ في الحاكم فلا يُخرَج عليه بأيّ حال. الخروجُ على العادل كفرٌ، وعلى الظالم انتحارٌ لأنّه يزداد بطشاً. والظالمُ يدمّره الله بأدواته الخاصّة: عقابٌ كونيّ، أو دولةٌ صالحةٌ بجواره، أو فتنةٌ بين النخبة. والمخرجُ للمظلوم الهجرة، وحرّيّةُ الكلام تبقى مصونةً في دولة العدل لأنّها التي تحميها من التفتّت.
وأمّا ضعفُ المسلمين وهوانُهم منذ القرن الأوّل، فسببُه أنّ الأمّة تركت ما قرّره القرآن وأخذت بما نظّرت له بنفسها. فصار تاريخُها ثوراتٍ في ثورات، حتّى ذهبت ريحُها وصار أمرُها إلى غيرها.
هذا والله أعلم.
التعليقات (0)