بقلم علي موسى الزهراني
مقدّمة
كان يُفترَض على المسلمين أن يكون البحثُ والدرسُ في أسس المُلك من أكثر مباحثهم دراسةً وضبطاً، فلا نجد لهم تلك الدراسات المعتبرة، وتركوا الأمر للفقهاء الذين راموا السلامة، والرضا بأدنى حياةٍ ممكنة، خاصّةً بعد ثوراتٍ عبثيّةٍ فوضويّةٍ دمّرت بلاد العرب والإسلام. لهذا ساهمنا بهذا المقال لنعرف نظامَ المُلك في القرآن المكرَّم.
والمُلك في القرآن ليس ما يفهمه الناس اليوم من تاجٍ وعرشٍ وحيازةٍ للأرض والمال. المُلكُ الإدارةُ والتصريف(١): أن تُهيمن على الأمر بشرعيّةٍ لا باستحواذ. ولهذا قال ﴿لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ﴾ ولم يقل "له السماوات والأرض"، ولهذا يُؤتى المُلكُ ويُنزَع ويُنازَع فيه بالأحقّيّة لا بالقدرة(٢).
وإذا كان المُلكُ إدارةً، فالسؤالُ الطبيعيّ: بأيّ شيءٍ يستحقّ الرجلُ أن يُدير الناسَ وأموالَهم وأنفسَهم؟
والناسُ تفرّقوا في نظرتهم إلى السلطة: فئةٌ تراها مغنماً وسلباً وفائدة، وفئةٌ ترى أنّه يجب الخروجُ على الحاكم ولو تدمّرت الدولةُ وظهر الفساد. ولهذا كان هذا المقالُ ضرورةً لتتجلّى لنا الحقيقةُ ناصعة.
وقد طرح القومُ عدّةَ أسئلة:
ما شروطهم في الحاكم؟
وهل للغلبة عندهم قيمةٌ تعلو الشروط؟
وماذا يفعلون مع من اختلّت شروطهم فيه؟
وبسبب هذه الأسئلة ظهرت أربعُ فرقٍ كلٌّ منها يُدلي بدلوه مجيباً عن هذه الأسئلة. وإليك ما طرحوه.
ما قرّره المسلمون في وِلاية الأمر
شروطُ الوِلاية عند الماوردي
حصَر الماوردي في القرن الخامس ما يُشترَط في صاحب الإمامة الكبرى في سبع خصال، أربعٌ منها في نفسه وبدنه:
"وَأَمَّا أَهْلُ الْإِمَامَةِ فَالشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِيهِمْ سَبْعَةٌ: أَحَدُهَا: الْعَدَالَةُ عَلَى شُرُوطِهَا الْجَامِعَةِ. وَالثَّانِي: الْعِلْمُ الْمُؤَدِّي إلَى الِاجْتِهَادِ فِي النَّوَازِلِ وَالْأَحْكَامِ. وَالثَّالِثُ: سَلَامَةُ الْحَوَاسِّ مِنْ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَاللِّسَانِ؛ لِيَصِحَّ مَعَهَا مُبَاشَرَةُ مَا يُدْرَكُ بِهَا. وَالرَّابِعُ: سَلَامَةُ الْأَعْضَاءِ مِنْ نَقْصٍ يَمْنَعُ عَنِ اسْتِيفَاءِ الْحَرَكَةِ وَسُرْعَةِ النُّهُوضِ"(٣)
ثمّ قال: "وَالْخَامِسُ: الرَّأْيُ الْمُفْضِي إلَى سِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ وَتَدْبِيرِ الْمَصَالِحِ. وَالسَّادِسُ: الشَّجَاعَةُ وَالنَّجْدَةُ الْمُؤَدِّيَةُ إلَى حِمَايَةِ الْبَيْضَةِ وَجِهَادِ الْعَدُوِّ. وَالسَّابِعُ: النَّسَبُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ؛ لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِ وَانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ"(٤)
وسوف نجد عند إجابتنا على هذه الأسئلة أنّنا متّفقون مع القدماء في بعض هذه الشروط: فالعدالةُ هي الخيريّة، والعلمُ والرأيُ هما العلم، وسلامةُ الأعضاء والشجاعةُ والنجدةُ هي البسطةُ في الجسم، أي القوّةُ بمفهومها الواسع. والسابعةُ وحدَها زائدةٌ عليها، وهي النسب. ولن نجد هذا الشرطَ في القرآن كما يأتي؛ بل نجد ما يخالفه بحزم.
والأحاديثُ في هذا الباب تدور على الثلاثة التي نقرّرها، لا على النسب.
فأمّا العلمُ فمناطُ الأهليّة: "إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ"(٥). وقُيِّدت الطاعةُ في مسلمٍ بقيدٍ صريح: "إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ أَسْوَدُ، يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا"(٦). فالعبدُ الحبشيُّ يُطاع بشرط أن يقود بكتاب الله، أي بعلمٍ يقود به، لا بمجرّد أنّه وُلّي.
وأمّا القوّةُ فالضعفُ مانعٌ منها. قال ﷺ لأبي ذرّ: "يَا أَبَا ذَرٍّ! إِنَّكَ ضَعِيفٌ. وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ. وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ. إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا"(٧)، وقال له: "لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ"(٨). وأبو ذرٍّ صحابيٌّ زاهدٌ عالم، ومُنِع لضعفه لا لنقصٍ في دينه.
وأمّا الخيريّةُ فهي مدارُ أحاديث الباب كلِّها: "مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللهُ رَعِيَّةً، فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ، إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ"(٩)، و"خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ… وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ"(١٠).
وزاد النصُّ منعَ طلبها: "لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا"(١١)، و"إِنَّا لَا نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ، وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ"(١٢). فالحرصُ على المنصب مانعٌ من نيله؛ وهذا وحده يُسقِط أكثرَ من تنازع عليه في التاريخ.
وقد ضاق الجوينيُّ بهذا الشرط عند الحاجة فأسقطه إن لم يوجد قرشيٌّ كافٍ، وقال: "فَإِذًا عَدَمُ النَّسَبِ لَا يَمْنَعُ نَصْبَ كَافٍ، ثُمَّ يَنْفُذُ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا يَنْفُذُ مِنْ أَحْكَامِ الْقُرَشِيِّ". وعلّتُه أنّ الغرض من نصب الإمام انتظامُ أمر الناس، "وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُتْرَكَ الْخَلْقُ سُدًى لَا رَابِطَ لَهُمْ، وَيُخَلَّوْا فَوْضَى لَا ضَابِطَ لَهُمْ"(١٣)
وقد فصَل بين الشرط والمقصود، فعلّل اشتراطَ النسب بأنّه "تَشْرِيفًا لِشَجَرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ إِذْ لَا يَتَوَقَّفُ شَيْءٌ مِنْ مَقَاصِدِ الْإِمَامَةِ عَلَى الِاعْتِزَاءِ إِلَى نَسَبٍ، وَالِانْتِمَاءِ إِلَى حَسَبٍ"(١٤). فالنسبُ عنده تشريفٌ لا تُبنى عليه وظيفةٌ من وظائف المُلك.
غير أنّه لم يُسقِطه إسقاطاً. فإن ظهر بعدُ قرشيٌّ مستوفٍ ولم يعسر خلعُ غير النسيب، "فَالْوَجْهُ عِنْدِي تَسْلِيمُ الْأَمْرِ إِلَى الْقُرَشِيِّ"، والذي نُصِّب قبله "فِي مَنْزِلَةِ الْمُسْتَنَابِ"(١٥). فالكفايةُ عنده تسدّ الفراغ، والنسبُ يبقى صاحبَ الحقّ متى حضر.
وهذا البابُ الذي أبقاه الجوينيُّ مفتوحاً بابُ فوضى. فمتى صار النسبُ حقّاً يُطالَب به، خرج كلُّ من ادّعى قرشيّةً يزعم أنّ المُلك حقُّه وأنّ القائمَ مستنابٌ ينتظر. والأنسابُ تُدَّعى ولا تُمتحَن، فيقوم التافهُ الحقيرُ فيرفع دعوى نسبٍ لا بيّنةَ عليها ويطلب بها ما ليس له. وحتّى لو صحّ نسبُه لم تسلم البلادُ من حربٍ أهليّةٍ طاحنة، لأنّ في كلّ إقليمٍ قرشيّاً يصلح للدعوى، فتتعدّد المطالبُ ويتفرّق الناسُ على المدّعين. فشرطٌ لا يُمتحَن ويُورِث النزاعَ ليس شرطاً في المُلك، وإنّما هو بابُ فتنةٍ سُمّي شرطاً.
حديثُ النسب: ما ثبت وما لم يثبت
والمعوَّلُ في هذا الشرط حديثٌ واحد: "الأئمّة من قريش". وقد بناه الماورديّ عليه فقال إنّ أبا بكرٍ رضي الله عنه "احْتَجَّ يَوْمَ السَّقِيفَةِ عَلَى الْأَنْصَارِ فِي دَفْعِهِمْ عَنِ الْإِمَامَةِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ"(١٦). فيُنظَر في هذا اللفظ أين هو.
غير أنّ هذا اللفظ المطلق ليس في الصحيحين، والذي فيهما مقيَّد(١٧): "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ"، و"إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللهُ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ"(١٨). والقيدُ الأخيرُ عَقدٌ لا تشريف: الأمرُ فيهم ما أقاموا الدين، فإذا لم يقيموه سقط عنهم.
والذي في الصحيح من كلام أبي بكرٍ يومَ السقيفة إنّما هو بالمعنى، قال: "لَا، وَلَكِنَّا الْأُمَرَاءُ، وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا، وَأَعْرَبُهُمْ أَحْسَابًا"(١٩). وصرّح ابنُ حجرٍ بذلك: "وَلَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ إِلَّا بِمَعْنَاهُ"(٢٠).
فتأمّل حجّةَ أبي بكرٍ رضي الله عنه ما هي. ليست نسباً مقدَّساً، بل موقعاً وكفاءة: أوسطُ العرب داراً، وأعربُهم أحساباً. وهذا نعتُ واقعٍ في زمانه لا حكمٌ لكلّ زمان. فقريشٌ يومئذٍ أهلُ التجارة والرحلتين والسفارة بين القبائل، وفيهم من جرّب قيادةَ الناس. وأكثرُ القيادات كانت منهم لكفاءتهم لا لأنسابهم. وانضاف إلى ذلك أنّ الأنصارَ انسحبوا وفضّلوا دورَ المعارضة، فخلا الميدانُ لقريش.
فالذي نقرّره: النسبُ ليس شرطاً، والذي في النصوص نعتُ حالٍ وقيدُ إقامةِ الدين. ولو كان النسبُ شرطاً لَما احتاج أبو بكرٍ أن يذكر معه الدارَ والحسب.
سقوطُ الشرط أمام الغلبة
كتب أبو يعلى الفرّاء أنّ الإمامة تنعقد من وجهين: باختيار أهل الحلّ والعقد، وبعهد الإمام قبله. ثمّ ساق عن أحمد بن حنبل روايةً تُعارضهما:
"وَرُوِيَ عَنْهُ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهَا تَثْبُتُ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، وَلَا تَفْتَقِرُ إِلَى الْعَقْدِ. فَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدُوسِ بْنِ مَالِكٍ الْعَطَّارِ: ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً، برّاً كان أو فاجراً"(٢١)
وساق معها ما هو أصرحُ في العمل، فنقل عنه: "وقد أومأ أحمد إلى إبطال الإمامة بذلك في رواية أبي الحرث: في الإمام يخرج عليه من يطلب الملك فيفتتن الناس، فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم مع من تكون الجمعة؟" فأجاب: "مع من غلب"، ثمّ احتجّ بصنيع ابن عمر رضي الله عنهما: "واحتج بأن ابن عمر صلى بأهل المدينة في زمن الحرة"، وبقوله: "نحن مع من غلب"(٢١)
وأبو يعلى نفسُه حمَلها على العذر لا على الأصل، فقال إنّها تُحمَل على "أَنَّهُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ عَارِضٌ يَمْنَعُ مِنْ نَصْبَةِ الْعَدْلِ الْعَالِمِ الْفَاضِلِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ النُّفُوسُ قَدْ سَكَنَتْ إِلَيْهِمْ وَكَلِمَتُهُمْ عَلَيْهِ أَجْمَعُ، وَفِي الْعُدُولِ عَنْهُمْ يَكْثُرُ الْهَرْجُ"(٢٢). فالعلّةُ العجزُ ودرءُ الهرج، لا أنّ الغلبة فضيلةٌ يُستحَقّ بها.
ولم يكن في أيديهم نظامٌ للبيعة يقوم بنفسه. فالعقدُ والمبايعةُ كما صوّروهما لا تقع، وإنّما الذي وقع في العمل بيعةُ المتغلّب بعد تغلُّبه. فبقي في كتبهم كتابان: كتابُ الشروط لمن يستحقّ ابتداءً، وكتابُ الطاعة لمن استولى انتهاءً.
وقد نقل ابن حجرٍ عن ابن بطّال أنّ الأمر انتهى إلى إجماعٍ في الطاعة: "وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ السُّلْطَانِ الْمُتَغَلِّبِ وَالْجِهَادِ مَعَهُ، وَأَنَّ طَاعَتَهُ خَيْرٌ مِنَ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حَقْنِ الدِّمَاءِ وَتَسْكِينِ الدَّهْمَاءِ، وَحُجَّتُهُمْ هَذَا الْخَبَرُ وَغَيْرُهُ مِمَّا يُسَاعِدُهُ، وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا وَقَعَ مِنَ السُّلْطَانِ الْكُفْرُ الصَّرِيحُ فَلَا تَجُوزُ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ بَلْ تَجِبُ مُجَاهَدَتُهُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا"(٢٣)
فهو إجماعُ طاعةٍ لا إجماعُ استحقاق، ومقيَّدٌ باستثناءٍ واحد؛ وسيأتي أنّ ذلك الاستثناء لا ينضبط في العمل وإن انضبط في الكتب.
ولم يكن الأمرُ عندهم على درجةٍ واحدة. ففي الموضع نفسِه من فتح الباري ينقل ابنُ حجرٍ خلافَ ذلك: "وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ قَالَ: الَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ فِي أُمَرَاءِ الْجَوْرِ أَنَّهُ إِنْ قَدَرَ عَلَى خَلْعِهِ بِغَيْرِ فِتْنَةٍ وَلَا ظُلْمٍ وَجَبَ، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ الصَّبْرُ"، ثمّ ختم بأنّ "الصَّحِيحُ الْمَنْعُ إِلَّا أَنْ يَكْفُرَ"(٢٤). فالمنعُ هو الصحيحُ عندهم، ومع ذلك بقي في كتبهم قولٌ بالخلع عند القدرة.
فالجوابُ عمّا يُسأل عنه: هل كانت سياستُهم مع من غلب؟ نعم كانت في العمل. غير أنّ الذي يُغفَل أنّ هذا حكمُ ما بعد الوقوع لا شرطُ الاستحقاق. ما قال أحدٌ منهم إنّ الغلبة تصنع العلمَ ولا تصنع الخيريّة؛ إنّما قالوا إنّ الأمر إذا وقع فبقاؤه أخفُّ من قلعه.
وعندما تراجعت قوّةُ الدولة العباسيّة صار هناك سلاطينُ يتحكّمون بها. وصار ما يشبه الاتفاق: تبقى الدولةُ العباسيّةُ لا تُمَسّ، شكليّةً لا قيمة لها إلّا إعطاءُ الشرعيّة للسلطان، فيحكم باسم الخليفة ويباركه الخليفةُ مقابل أن يتركه وشأنه.
إمارةُ الاستيلاء
وأوضحُ ما يُرى فيه هذان الكتابان بابٌ عقده الماورديُّ نفسُه، لا في الإمامة الكبرى بل في إمارة البلاد. ويُطلِق عليها "إمَارَةُ الِاسْتِيلَاءِ الَّتِي تُعْقَدُ عَنْ اضْطِرَارٍ"، وقال فيها إنّها أن "يَسْتَوْلِيَ الْأَمِيرُ بِالْقُوَّةِ عَلَى بِلَادٍ يُقَلِّدُهُ الْخَلِيفَةُ إمَارَتَهَا، وَيُفَوِّضُ إلَيْهِ تَدْبِيرَهَا وَسِيَاسَتَهَا، فَيَكُونُ الْأَمِيرُ بِاسْتِيلَائِهِ مُسْتَبِدًّا بِالسِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ، وَالْخَلِيفَةُ بِإِذْنِهِ مُنَفِّذًا لِأَحْكَامِ الدِّينِ"(٢٥)
ثمّ بيّن أنّ ذلك ليس الأصل في النظام، ولكنّه نظامٌ له فوائده: "وَهَذَا وَإِنْ خَرَجَ عَنْ عُرْفِ التَّقْلِيدِ الْمُطْلَقِ فِي شُرُوطِهِ وَأَحْكَامِهِ، فَفِيهِ مِنْ حِفْظِ الْقَوَانِينِ الشَّرْعِيَّةِ وَحِرَاسَةِ الْأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ مُخْتَلًّا مَخْذُولًا وَلَا فَاسِدًا مَعْلُولًا، فَجَازَ فِيهِ مَعَ الِاسْتِيلَاءِ وَالِاضْطِرَارِ مَا امْتَنَعَ فِي تَقْلِيدِ الِاسْتِكْفَاءِ وَالِاخْتِيَارِ؛ لِوُقُوعِ الْفَرْقِ بَيْنَ شُرُوطِ الْمُكْنَةِ وَالْعَجْزِ"(٢٥)
ثمّ ذكر سبعةً "يَتَحَفَّظُ بِتَقْلِيدِ الْمُسْتَوْلِي مِنْ قَوَانِينِ الشَّرْعِ"، يشترك في التزامها الخليفةُ والأميرُ المستولي، آخرُها "أَنْ يَكُونَ الْأَمِيرُ فِي حِفْظِ الدِّينِ وَرِعًا عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ"، ثمّ ختمها بقوله: "فَهَذِهِ سَبْعُ قَوَاعِدَ فِي قَوَانِينِ الشَّرْعِ يُحْفَظُ بِهَا حُقُوقُ الْإِمَامَةِ وَأَحْكَامُ الْأُمَّةِ فَلِأَجْلِهَا وَجَبَ تَقْلِيدُ الْمُسْتَوْلِي"(٢٦)
فالماورديُّ عالجَ واقعاً ولم يُبِح ابتداءً، والعلّةُ التي ساقها هي العجز لا الشرع. وهذا أنصفُ ممّا صنع من جاء بعده فجعل الواقعَ أصلاً، والتمس للغلبة شرعيّةً في نفسها.
وأقول: "نحن مع من غلب" كلمةٌ خطيرةٌ جدّاً. فهي تُعلِّم الحاكمَ أن يستخفّ بالجمهور ويحتقر الشعوب، ﴿فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ﴾ [الزخرف ٥٤]. بل يجب أن يكون للحاكم الجديد حسابٌ واختبار: فإذا صحّ مُلكُه وتاب عن ذنوبه عُمِّد وقُبِل. لا أن يُقال: مع من غلب، كما تفعل النساء.
ولسنا نطالب بالخروج عليه، ولكنّا نرفض الاعتراف به حتّى يُحسِن ويتبيّن حسنُ إدارته. فإذا أباح الحرّيّات والكلامَ والنقد فحينئذٍ يكون من الصالحين، بل تجب معونتُه.
تحريمُ الخروج عند أهل السنة
أمّا الخروج فحُسِم عندهم بالإجماع. قال النووي: "وَأَمَّا الْخُرُوجُ عَلَيْهِمْ وَقِتَالُهُمْ فَحَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانُوا فَسَقَةً ظَالِمِينَ... وَأَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ السُّلْطَانُ بِالْفِسْقِ"(٢٧)
وعلّتُه عندهم واحدةٌ صريحة: "وَسَبَبُ عَدَمِ انْعِزَالِهِ وَتَحْرِيمِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْفِتَنِ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَفَسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَتَكُونُ الْمَفْسَدَةُ فِي عَزْلِهِ أَكْثَرَ مِنْهَا فِي بَقَائِهِ"(٢٧)
ولم يكن إجماعاً من أوّل الأمر. نقل النوويُّ عن القاضي عياض أنّ ابن مجاهد ادّعى الإجماع، "وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ هَذَا بِقِيَامِ الْحَسَنِ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ، وَبِقِيَامِ جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَالصَّدْرِ الْأَوَّلِ عَلَى الْحَجَّاجِ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ"، ثمّ أجاب عنه: "وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ قِيَامَهُمْ عَلَى الْحَجَّاجِ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الْفِسْقِ بَلْ لِمَا غَيَّرَ مِنَ الشَّرْعِ وَظَاهَرَ مِنَ الْكُفْرِ"، وختم: "وَقِيلَ إِنَّ هَذَا الْخِلَافَ كَانَ أَوَّلًا ثُمَّ حَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ"(٢٧)
فالإجماعُ عندهم متأخّرٌ عن خلاف. خرج زيدُ بن عليّ سنة اثنتين وعشرين ومئة فقُتل وصُلب، وخرج محمدٌ ذو النفس الزكيّة سنة خمسٍ وأربعين ومئة فقُتل ومن معه، وقبلهما ما يأتي ذكرُه. وما بلغ خارجٌ منهم ما خرج لأجله، وإنّما ورث الناسُ بعده أشدَّ ممّا كان قبله.
وأمّا الكفرُ الطارئ فاستثنَوه، ولم يجعلوا الجوابَ فيه واحداً في كلّ حال. قال عياض: "فَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ كُفْرٌ وَتَغْيِيرٌ لِلشَّرْعِ أَوْ بِدْعَةٌ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْوِلَايَةِ وَسَقَطَتْ طَاعَتُهُ وَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامُ عَلَيْهِ وَخَلْعُهُ وَنَصْبُ إِمَامٍ عَادِلٍ إِنْ أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ"، ثمّ قيّده بالقدرة، فإن عجزوا "لَمْ يَجِبِ الْقِيَامُ وَلْيُهَاجِرِ الْمُسْلِمُ عَنْ أَرْضِهِ إِلَى غَيْرِهَا وَيَفِرَّ بِدِينِهِ"(٢٧)
وأصرحُ من عبَّر عن هذا ابنُ تيمية، وجعل العلّةَ موازنةً بين فسادين: "وَلِهَذَا كَانَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْخُرُوجَ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَقِتَالَهُمْ بِالسَّيْفِ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ ظُلْمٌ… لِأَنَّ الْفَسَادَ فِي الْقِتَالِ وَالْفِتْنَةِ أَعْظَمُ مِنَ الْفَسَادِ الْحَاصِلِ بِظُلْمِهِمْ بِدُونِ قِتَالٍ وَلَا فِتْنَةٍ"(٢٨). ثمّ احتجّ بالواقع لا بالنصّ: "وَلَعَلَّهُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ طَائِفَةً خَرَجَتْ عَلَى ذِي سُلْطَانٍ، إِلَّا وَكَانَ فِي خُرُوجِهَا مِنَ الْفَسَادِ مَا هُوَ أَعْظَمُ"(٢٨). وحكى في موضعٍ آخر ما جرى مجرى المثل: "سِتُّونَ سَنَةً مَعَ إِمَامٍ جَائِرٍ، خَيْرٌ مِنْ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِلَا إِمَامٍ"(٢٩).
وموضعُ النظر في حجّته أنّها موازنةٌ لا حكم. فمن قدَّر أنّ فسادَ البقاء أعظمُ من فساد القتال انقلب عليه الدليلُ بعينه؛ فيصير المنعُ رأياً يدور مع تقدير المقدِّرين، ويجد كلُّ خارجٍ في الموازنة نفسِها بابَه. والذي نقرّره أنّ المنع في التنزيل لا في الموازنة، فلا يُنقَض بتقديرٍ ولا يُبنى عليه.
فالقيامُ عندهم على القادر، والهجرةُ للعاجز. والذي نقرّره في هذا المقال أنّ المخرجَ في الحالين الهجرةُ لا السيف؛ فسيأتي أنّ الآية قيلت لقومٍ اعتذروا بالاستضعاف فرُدَّ عليهم بالهجرة، ومن عجز عنها فمعذورٌ بالعفو لا مأذونٌ له في القتال.
أيَّ خروجٍ يعنون؟
وههنا سؤالٌ لا بدّ منه: أيعنون خروجَ أهل البلد على حاكمهم، أم كلَّ من نازع الإمامَ ولو كان دولةً مسلمةً أخرى؟
أمّا حدُّهم للبغاة فهو الداخل. قال الماوردي: "وَإِذَا بَغَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَخَالَفُوا رَأْيَ الْجَمَاعَةِ وَانْفَرَدُوا بِمَذْهَبٍ ابْتَدَعُوهُ"(٣٠)، وقال أبو يعلى: "وأما قتال أهل البغي وهم الذين يخرجون على الإمام، ويخالفون الجماعة، وينفردون بمذهب ابتدعوه"(٣١). وقتالُهم يخالف قتالَ المشركين والمرتدّين من ثمانية أوجه، أوّلُها "أَنْ يَقْصِدَ بِالْقِتَالِ رَدْعَهُمْ وَلَا يَعْتَمِدُ بِهِ قَتْلَهُمْ"(٣٢). فالباغي في حدِّهم طائفةٌ من رعيّة الإمام خرجت عن طاعته، تُنذَر وتُستتاب، لا جيشٌ غازٍ من إقليمٍ آخر.
وحدُّهم للبغاة مبنيٌّ على آيةٍ واحدة، هي آيةُ الحجرات التي يأتي نصُّها. ساقها الماورديُّ بنصّها عَقِبَ حدِّه، ثمّ فسَّر البغيَ فيها بوجهين لا ثالثَ لهما عنده: "بَغَتْ بِالتَّعَدِّي فِي الْقِتَالِ" و"بَغَتْ بِالْعُدُولِ عَنِ الصُّلْحِ"(٣٣). وكلاهما فعلٌ في قتال، ليس في واحدٍ منهما ذكرُ عقيدة. فالزيادةُ زيادتُهم: قولُهم في الحدّ "وَانْفَرَدُوا بِمَذْهَبٍ ابْتَدَعُوهُ" ليس في الآية حرفٌ منه. ولعلّ الذي فيها نزاعُ مصالحَ لا خصومةَ عقيدة.
ثمّ أُلحِق بها الخوارجُ وهم على خلافها. فالطائفةُ في الآية تُقاتِل طائفةً على أمرٍ بينهما ثمّ تُصالَح، والخوارجُ قومٌ يرومون نزعَ العقائد واستبدالها، لا أخذَ مالٍ ولا منعَ أرض. فأُنزِل حكمُ نزاعٍ على دعوةٍ، وهذا موضعُ الخلل في الباب كلِّه.
وقسموا القتالَ ثلاثةَ أقسام: ردّةٌ وبغيٌ ومحاربة(٣٤). وحدُّ المحارب عندهم: "وَإِذَا اجْتَمَعَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ عَلَى شَهْرِ السِّلَاحِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ وَقَتْلِ النُّفُوسِ، وَمَنْعِ السَّابِلَةِ، فَهُمْ الْمُحَارِبُونَ"(٣٥). فالفرقُ في وضعهم بيّن: الباغي يطلب سلطاناً، والمحاربُ يطلب مالاً في طريق.
وههنا يُسأل: لِمَ رفقوا بالباغي وشدّدوا على قاطع الطريق؟ والجوابُ عندهم مصرَّحٌ به: اختلافُ مقصد القتال. فقتالُ الباغي ردعٌ يقف عند رجوعه، قال الماوردي إنّهم يُحارَبون "لِيَنْزِعُوا عَنِ الْمُبَايَنَةِ وَيَفِيئُوا إِلَى الطَّاعَةِ"(٣٦). وقتالُ المحارب استيفاءُ حقٍّ ثبت في ذمّته، ولذلك "يَجُوزُ قِتَالُهُمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ؛ لِاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ مِنْهُمْ"، و"يُؤَاخَذُونَ بِمَا اسْتَهْلَكُوهُ مِنْ دَمٍ وَمَالٍ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا بِخِلَافِ أَهْلِ الْبَغْيِ"(٣٧).
وزادوا علّةً ثانية: دارُ الباغي دارُ إسلام. فلا تُنصَب عليها العَرّادات ولا تُحرَق مساكنُها ولا يُقطَع نخلُها، "لِأَنَّهَا دَارُ إِسْلَامٍ تَمْنَعُ مَا فِيهَا وَإِنْ بَغَى أَهْلُهَا"(٣٨).
والخوارجُ داخلون عندهم في البغاة لا في المحاربين. قال النوويّ: "وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَكْفُرُوا بِبِدْعَتِهِمْ"(٣٩)، ونقل ابنُ حجرٍ عن الخطّابيّ: "أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ مَعَ ضَلَالَتِهِمْ فِرْقَةٌ مِنْ فِرَقِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَجَازُوا مُنَاكَحَتَهُمْ وَأَكْلَ ذَبَائِحِهِمْ"(٤٠). وعلّةُ الرفق عندهم أنّهم "مُجْتَهِدُونَ مُتَأَوِّلُونَ لَمْ يَقْصِدُوا مَعْصِيَةً وَلَا مَحْضَ الدُّنْيَا"(٤١).
فالتأويلُ عندهم عذرٌ يُخفِّف، والطمعُ في المال جريمةٌ تُغلَّظ. ونحن نرى أنّ ميزانَهم هذا مقلوب: فقاطعُ الطريق يقتل نفراً في طريق، والخارجُ على دولةٍ بتأويلٍ يُهلك الحرثَ والنسل ويفتح البلادَ لعدوّها. والفسادُ في الأرض يُقاس بأثره لا بنيّة صاحبه.
غير أنّهم منعوا تعدُّد الإمامة ولو تباعدت الديار. قال النووي إنّ بيعة الثاني باطلة "وَسَوَاءٌ كَانَا فِي بَلَدَيْنِ أَوْ بَلَدٍ أَوْ أَحَدُهُمَا فِي بَلَدِ الْإِمَامِ الْمُنْفَصِلِ"(٤٢)، و"وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْقَدَ لِخَلِيفَتَيْنِ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ سَوَاءٌ اتَّسَعَتْ دَارُ الْإِسْلَامِ أَمْ لَا"(٤٣). وتوقّف إمامُ الحرمين في الأقطار المتباعدة فقال إنّ "فَلِلِاحْتِمَالِ فِيهِ مَجَالٌ" و"هُوَ خَارِجٌ مِنَ الْقَوَاطِعِ"، فردَّ عليه النوويُّ وعدَّه "قَوْلٌ فَاسِدٌ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ"(٤٣).
فالنعتُ عندهم يسع الاثنين. غير أنّ الغلبة عندهم لا تنقل الحقَّ إلى الغالب. فمن انحاز بدارٍ ونصَّب لنفسه إماماً، فالإمامُ المأسور في أيديهم "خَارِجٌ مِنَ الْإِمَامَةِ بِالْإِيَاسِ مِنْ خَلَاصِهِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ انْحَازُوا بِدَارٍ تَفَرَّدَ حُكْمُهَا عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَخَرَجُوا بِهَا عَنِ الطَّاعَةِ، فَلَمْ يَبْقَ لِأَهْلِ الْعَدْلِ بِهِمْ نُصْرَةٌ، وَلِلْمَأْسُورِ مَعَهُمْ قُدْرَةٌ، وَعَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ فِي دَارِ الْعَدْلِ أَنْ يَعْقِدُوا الْإِمَامَةَ لِمَنْ ارْتَضَوْا لَهَا، فَإِنْ خَلَصَ الْمَأْسُورُ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِمَامَةِ لِخُرُوجِهِ مِنْهَا"(٤٤)
فالحكمُ في تعطُّل وظيفة الإمام لا في تصحيح إمامة الباغي؛ يُعقَد لمن يرتضيه أهلُ الاختيار في دار العدل، ولا تصير الشوكةُ حقّاً بنفسها. وإنّما جاء الاضطرابُ من بابٍ آخر: روايةِ أحمدَ "تكون الجمعة مع من غلب"، وإمارةِ الاستيلاء التي صرّح الماورديُّ بأنّها عن اضطرار. فحكمُ الاستحقاق عندهم شيء، وحكمُ ما بعد الوقوع شيءٌ آخر؛ والذي مشت عليه الدولةُ ألفَ سنةٍ هو الثاني.
سيفُ الخوارج
والخوارجُ ليسوا أوّلَ من خرج على الحاكم. سبقهم من قتل عثمان رضي الله عنه ومن آواهم بعد قتله؛ ثمّ صار بعضُ من كان في صفّهم يومئذٍ إلى تكفير من ناصرَهم.
غير أنّ الخوارج أوّلُ من جعل السيف مذهباً يُقرَّر، وأوّلُ من أسقط شرط النسب. قال الأشعري: "وَأَمَّا السَّيْفُ فَإِنَّ الْخَوَارِجَ تَقُولُ بِهِ وَتَرَاهُ، إِلَّا أَنَّ الْإِبَاضِيَّةَ لَا تَرَى اعْتِرَاضَ النَّاسِ بِالسَّيْفِ، وَلَكِنَّهُ يَرَوْنَ إِزَالَةَ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ وَمَنْعَهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا أَئِمَّةً بِأَيِّ شَيْءٍ قَدَرُوا عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ أَوْ بِغَيْرِ السَّيْفِ". وقال فيهم: "وَيَرَوْنَ أَنَّ الْإِمَامَةَ فِي قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ إِذَا كَانَ الْقَائِمُ بِهَا مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ، وَلَا يَرَوْنَ إِمَامَةَ الْجَائِرِ"(٤٥)
وفي هذا الشقّ الأخير أصابوا، وفي الأوّل وقعت الكارثة. فالسيفُ إذا خرج لم يقف عند الحاكم. انظر إلى أوّل انشقاقٍ وقع بينهم: "وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْخِلَافَ بَيْنَهُمْ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ الْحَنَفِيُّ، وَالَّذِي أَحْدَثَهُ الْبَرَاءَةُ مِنَ الْقَعَدَةِ وَالْمِحْنَةُ لِمَنْ قَصَدَ عَسْكَرَهُ وَإِكْفَارُ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْهِ"(٤٦)
فالخارجُ بدأ بالحاكم، ثمّ امتحن جارَه القاعد، ثمّ كفَّر من لم يلحق بعسكره. ومن هذا الأصل جاء الاستعراض: أن يعترضوا الناسَ في الطريق فيمتحنوهم، فمن وافقهم سلِم ومن خالفهم قُتل.
حين يسقط أصلُ الوِلاية
وبلغ بطائفةٍ منهم أن نزعوا عن الوِلاية وجوبَها. رأوا أنّ الأمّة إذا تعاونت على الحقّ استغنت عن والٍ. يقول السبحاني وهو ينسب ذلك إلى العجاردة: "ادّعت العجاردة بأنّ الواجب على الاُمّة التعاون والتعاضد لإحياء الحق وإماتة الباطل، ومع قيام الاُمّة بهذا الواجب لا يبقى للإمام فائدة تستدعي تسلّطه على العباد، أمّا إذا اختلفت الاُمّة ولم تتعاون على نشر العدل واحقاق الحق فيجب عليها تعيين من يقوم بهذه المهمات، وعلى ذلك فالإمامة لا تجب بالشرع ولا بالعقل، وإنّما تجب للمصلحة أحياناً"(٤٧)
وشعارُهم "لا حكم إلّا لله" له وجهان. أوّلُهما إنكارُ تحكيم الرجال فيما نزل فيه حكمُ الله، وعليه فرقُهم كلُّها. والثاني أن لا إمرةَ إلّا لله، أي إسقاطُ الحكم والدولة جملةً، وأن يكون الأمرُ لله مباشرةً بلا وسيط. وإلى الثاني ذهبت طائفةٌ منهم؛ ولذلك قال عليٌّ رضي الله عنه حين سمعها: "كلمة عدل أريد بها جور، إنما يقولون: لا إمارة ولا بد من إمارة بر أو فاجر"(٤٨). وحكى الكعبيُّ عن النجدات منهم أنّهم أجمعوا "على أنه لا حاجة للناس إلى إمام قط. وإنما عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم. فإن هم رأوا أن ذلك لا يتم إلا بإمام يحملهم عليه فأقاموه، جاز"(٤٩)
فصارت الوِلايةُ عند هؤلاء دواءً يُتناوَل عند المرض لا ركناً يقوم به الاجتماع. ونفيُهم للزومها عند التناصف لا لإقامتها عند الحاجة؛ غير أنّ اجتماعاً يتناصف بلا والٍ لم يقم قطّ. وهو آخرُ الطريق حين يُجعَل الخروجُ أصلاً: لا يبقى للسلطة معنًى إلّا ما تفرضه الضرورة.
الأمرُ بالمعروف عند المعتزلة
الخروجُ عند المعتزلة ليس مدخلاً مستقلّاً، إنّما هو الدرجةُ الأخيرة من إنكار المنكر. وهو أصلُهم الخامس: "وَأَجْمَعَتِ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَّا الْأَصَمَّ عَلَى وُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَالْقُدْرَةِ: بِاللِّسَانِ وَالْيَدِ وَالسَّيْفِ كَيْفَ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ"(٥٠)
فالقدرةُ عندهم شرطُ التنفيذ، والموجِبُ قيامُ المنكر والبغي. ومن قدر وجب عليه، ومن عجز سقط عنه؛ ولم يجعلوا مجرّدَ القدرة سبباً كافياً للخروج. وحُكِي عنهم القولُ بانعزال السلطان بالفسق؛ عزاه النوويُّ أوّلاً إلى بعض أصحابه من الشافعيّة ثمّ قال: "وَحُكِيَ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ أَيْضًا"، ثمّ ردَّه وعدَّه مخالفاً لإجماع أهل السنة الذي نقله قبلَه(٢٧)
والذي يُقال في هذا الأصل أنّ ميزانه في يد صاحبه. فالقدرةُ يقدّرها المنكِرُ لا المنكَرُ عليه، والمعروفُ يحدّه هو، فإذا صار في يده سيفٌ صار حَكَماً وخصماً معاً.
الشيعة في زمن الغيبة
الإمامةُ عند الشيعة لا تُنال بعقدٍ ولا بغلبة، إنّما تُنصَّب من الله. يقول السبحاني: "فذهب المسلمون إلى وجوب نصب الإمام، إمّا على اللّه سبحانه كما عليه الشيعة، وإمّا على الاُمّة كما عليه غيرهم، فوجوب نصب الامام لا خلاف فيه بين المسلمين، وإنّما الكلام في تعيين من يجب عليه ذلك"(٤٧)
فكلُّ قائمٍ بالأمر في غياب المنصوص ليس إماماً في أصل مذهبهم. ومع ذلك لم يجعلوا السيف مخرجاً، على ما نقله الأشعريّ: "وَقَالَتِ الرَّوَافِضُ بِإِبْطَالِ السَّيْفِ وَلَوْ قُتِلَتْ حَتَّى يَظْهَرَ الْإِمَامُ فَيَأْمُرَ بِذَلِكَ"(٥١)
فالثمرةُ في الحاكم القائم متقاربةٌ والأصلُ متباعد. هؤلاء يُمسِكون لأنّ الطاعة واجبة، وأولئك يُمسِكون لأنّ الآمرَ بالخروج غائب. والزيديّةُ من الشيعة على خلاف ذلك، رفعوا السيف وعدَّهم الأشعريُّ في القائلين به.
وههنا موضعُ الإشكال في مذهب الإماميّة. فالإمامةُ عندهم بالنصّ، فتبقى شرعيّةُ من قام بالأمر من غير المنصوص مسألةً معلَّقةً، والإمساكُ عن السيف عذرُه غيابُ الآمر لا استحقاقُ القائم. فليس في أصلهم ردُّ نبيٍّ ثبتت نبوّتُه؛ بل التصديقُ بالأنبياء ووجوبُ التمسّك بشريعة محمّد ﷺ من صلب عقائدهم(٥٢). ولا يلزم من انتظار الإمام تصديقُ كلِّ من ادّعاه أو ادّعى النيابة عنه: فالسفارةُ الخاصّةُ انقطعت عندهم بموت السَّمُريّ سنة تسعٍ وعشرين وثلاثمئة "وعدم نصب غيرهم"(٥٣)، وقرَّر المفيدُ أنّ الأئمّة "فوضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان" وأنّ لهم "أن يقضوا بينهم بالحق"، بل جعل إقامةَ الحدود والأحكام "فَرْضٌ مُتَعَيِّنٌ عَلَى مَنْ نَصَبَهُ الْمُتَغَلِّبُ لِذَلِكَ"، وأنّ "لَيْسَ لَهُ الْقَتْلُ وَالْجِرَاحُ إِلَّا بِإِذْنِ سُلْطَانِ الزَّمَانِ"(٥٤). فالإشكالُ في شرعيّة القائم، لا في استجابةٍ لكلّ داعٍ.
ما آلت إليه الأقوال
جمع الأشعريُّ أقوال الناس كلَّها في مكانٍ واحد فكانت أربعة:
"وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي السَّيْفِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقَاوِيلَ: فَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالزَّيْدِيَّةُ وَالْخَوَارِجُ وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُرْجِئَةِ: ذَلِكَ أَوْجَبُ إِذَا أَمْكَنَنَا أَنْ نُزِيلَ بِالسَّيْفِ أَهْلَ الْبَغْيِ وَنُقِيمَ الْحَقَّ، وَاعْتَلُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}، وَبِقَوْلِهِ: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}، وَاعْتَلُّوا بِقَوْلِهِ: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}... وَقَالَتِ الرَّوَافِضُ بِإِبْطَالِ السَّيْفِ وَلَوْ قُتِلَتْ حَتَّى يَظْهَرَ الْإِمَامُ فَيَأْمُرَ بِذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَصَمُّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ: السَّيْفُ إِذَا اجْتَمَعَ عَلَى إِمَامٍ عَادِلٍ يَخْرُجُونَ مَعَهُ فَيُزِيلُ أَهْلَ الْبَغْيِ. وَقَالَ قَائِلُونَ: السَّيْفُ بَاطِلٌ وَلَوْ قُتِلَتِ الرِّجَالُ وَسُبِيَتِ الذُّرِّيَّةُ، وَأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ يَكُونُ عَادِلًا وَيَكُونُ غَيْرَ عَادِلٍ وَلَيْسَ لَنَا إِزَالَتُهُ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا، وَأَنْكَرُوا الْخُرُوجَ عَلَى السُّلْطَانِ وَلَمْ يَرَوْهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ"(٥١)
وأعجبُ ما في الباب أنّ من احتجاجهم الآيةَ التي نمنع بها انتقالَ الإمامة إلى ظالم: ﴿لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [البقرة ١٢٤]. والآيةُ تمنع أن ينالها الظالمُ ابتداءً، ولا تجعل السيفَ أداةَ إنزاله انتهاءً. فبينهما ما بين المنع والانتقام. وأمّا آيةُ الحجرات التي احتجّوا بها معها فيأتي جوابُها في موضعه.
فهذه حصيلةُ أربعة عشر قرناً: شروطٌ محرَّرةٌ في الكتب لا يُسأل عنها أحد، وطاعةٌ لمن غلب عُلِّلت بالعجز لا بالاستحقاق، وأربعةُ أقوالٍ في السيف آخرُها الذي استقرّ عليه جمهورُ الأمّة. والذي نقرّره في هذا المقال أنّ منع الخروج ليس مصلحةً تُقدَّر وتَنقلب بانقلاب الزمان، بل هو حكمٌ في التنزيل؛ وأنّ الشروط الثلاثة إنّما هي في المستحقّ قبل أن يلي، فإذا فاتته لم تجعله الغلبةُ مستحقّاً، ولم يجعله السيفُ مخلوعاً.
وفي مآل هذه الفرق شاهدٌ على أثر القاعدة. فالخوارجُ الذين جعلوا السيفَ فرضاً انقرضت فرقُهم إلّا الإباضيّة، وهي أقلُّها غلوّاً؛ يقول السبحاني: "فإنّ الخوارج انقرضت بعامّة فِرَقها ولم يبق منهم ما يُعبأ به إلّا فرقة الإباضية وهي الفرقة المعتدلة منهم، وهي المذهب الرسميّ في عُمان"(٥٥). وقد نقل الأشعريُّ عنهم قديماً أنّهم "لا ترى اعتراضَ الناس بالسيف"(٥٦)، وصار متأخّروهم يقولون: "فإنّ الإباضية لا يرون وجوبَ الخروج عليه، لا سيّما إذا خيف أن يؤدّي ذلك إلى فتنة وفساد"(٥٧).
والزيديّةُ جعلت الخروجَ شرطاً في الإمامة نفسِها، حتّى قيل لأحدهم: "على مقتضى مذهبك والدُك ليس بإمام، فإنه لم يخرج قطّ"(٥٨). فبقيت محصورةً في اليمن ولم تتّسع.
وأمّا الذين منعوا الخروج فتوسّعوا. وهذا وجهٌ من وجوه النظر في القاعدة: أنّ الأمّة التي تُنفِق قوّتَها في الداخل لا يبقى لها ما تبني به.
وهاتان القاعدتان لم تموتا؛ بل خرجتا في القرن الماضي في صورتين جديدتين.
أمّا الصورةُ الأولى فدعوى الحاكميّة. قرّر سيّد قطبٍ أنّ العالم كلَّه في جاهليّة، وأنّ "هذه الجاهليّة تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخصّ خصائص الألوهيّة.. وهي الحاكميّة"(٥٩)، وأنّ توحيدَ الألوهيّة معناه "نزعُ السلطان الذي يزاوله الكهّان ومشيخةُ القبائل والأمراء والحكّام"(٦٠)، وأنّ الواجب قيامُ مجتمعٍ "يرفض شرعيّةَ أيِّ وضعٍ لا يقوم على هذه القاعدة"(٦١).
وأقول: هذه القاعدةُ تُخرج الدولَ والشعوبَ من الإسلام دفعةً واحدة. فمن قال إنّ كلّ ما حولنا جاهليّة، وإنّ كلَّ وضعٍ قائمٍ باطلُ الشرعيّة، فقد كفّر المجتمعَ والدولةَ معاً وإن لم يستعمل لفظَ التكفير(٦٢). وعليها قامت التنظيماتُ التي لا ترى في بلادها إلّا داراً تُستباح.
وأمّا الصورةُ الثانية فولايةُ الفقيه. وهي حلٌّ لمشكلة الشيعة الإماميّة في زمن الغيبة: إذ بقي المُلكُ معلَّقاً على إمامٍ لا يظهر، فجُعل الفقيهُ نائباً عنه يتولّى الحكمَ حتّى يظهر. وقد صرّح بها المنتسبون إليها: أنّهم "ملتزمون بأوامر قيادةٍ حكيمةٍ وعادلةٍ تتجسّد في ولاية الفقيه"(٦٣).
فالتنظيمُ عند الإخوان والحلُّ عند الإماميّة خرجا من أصلٍ واحد: أنّ السلطةَ القائمة باطلة. واختلفا في المخرج: أولئك بالمجتمع البديل، وهؤلاء بالنائب عن الغائب. وكلاهما جعل بلادَ المسلمين ميداناً لا وطناً.
وثَمّ أمرٌ أخطرُ من الخروج نفسِه، وهو المزاجُ الذي تُنبِته هذه القواعد. فطاعةٌ تقوم على درء المفسدة وحدَها لا تُنبِت رضاً، إنّما تُنبِت احتمالاً وانتظاراً؛ وحاكمٌ يُقاس على تشريعٍ مفصَّلٍ لا يُطيقه مُلكٌ يبقى في موضع الاتّهام مهما صنع. ولهذا كثرت الثوراتُ حتّى وهنت شوكةُ العرب وصار الأمرُ إلى الأعاجم والترك.
والنظرُ ههنا في مآل القاعدة لا في نيّات أصحابها؛ فمتنُهم في الطاعة صريحٌ لا لبس فيه(٦٤)، وإنّما الكلامُ فيما تصنعه القاعدةُ بالحاكم القائم.
وأقول: مشكلةُ الإماميّة لن تنتهي مع حاكمٍ أبداً. فحتّى لو كان نبيّاً أو مَلِكاً لن يقبلوا به إلّا أن يكون من الأئمّة خاصّتهم؛ فهم يُقدِّسون الأئمّة أكثرَ من الأنبياء. وشرعيّةُ القائم بالأمر تبقى معلَّقةً ما لم يكن من المنصوصين، فلا تُنبِت القاعدةُ رضاً بحاكمٍ قائم وإنّما تُنبِت انتظاراً.
وخطرُ أهل الحديث أنّهم بكثرة تشريعاتهم يحاصرون الحاكم، فيصبح في نظرهم ونظر العامّة فاسقاً مبتدعاً زنديقاً، لأنّه خرج عن خطّ ألوف المرويّات التي قد تتصادم مع الواقع المعاش. فهم وإن زعموا رمزيّةَ الحاكم إلّا أنّهم حشروه في زاويةٍ ضيّقة: فإمّا أن يدير البلاد بالشكليّات والطقوسيّات المنهِكة، وإمّا أن يديرها كما يجب أن تُدار وفوق مصالح العباد والبلاد، ومهما فعل فهو في نظرهم مبتدعٌ فاسق.
والتحريضُ عندهم لا يكون علنيّاً بل مخفيّاً. وذلك أنّ الحاكم لا يستطيع الاحتكامَ إلى شكليّات تشريعاتهم وصغائر الأمور، بل حتّى كبائرها قد لا تُبيح له الظروفُ العملَ بها، ممّا قد يضطرّه لمسايرتهم والتمسّك بالمظهريّات حتّى يُسكِت العامّةَ والخاصّةَ منهم.
كيف تعامل العربُ والمسلمون مع الحاكم
وننظر الآن في الخيط كلِّه من أوّله، وقائعَ مرتَّبةً بتواريخها، ونسأل عن كلِّ واحدةٍ سؤالاً واحداً: من أين جاءت؟
المدينةُ: غدرُ اليهود ثمّ نفاقُ الأوس والخزرج
كانت المدينةُ في زمن الرسول ﷺ امتداداً للفوضى والخصومة التي سبقت في الجاهليّة، فكلُّ قبيلةٍ تريد السلطة. ولهذا لمّا هاجر الرسولُ ﷺ إليها لم يستتبَّ له المُلك، أي الإدارةُ والتصريف؛ بل وقفت ضدَّه القبائلُ العربيّةُ اليهوديّةُ ثمّ المنافقون. ووقعت في اليهود ثلاثُ وقائعَ متتابعة، جامعُها واحد.
فبنو قينقاع أوّلُهم. يقول ابنُ إسحاق: "أَنَّ بَنِي قَيْنُقَاعَ كَانُوا أَوَّلَ يَهُودَ نَقَضُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُول الله ﷺ، وَحَارَبُوا فِيمَا بَيْنَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ"(٦٥). فكان الجوابُ إخراجاً لا استئصالاً: "ثُمَّ أَمَرَ بِإِجْلَائِهِمْ"(٦٦).
وبنو النضير أرادوها غيلةً. جاءهم رسولُ الله ﷺ يستعينهم في ديةٍ لزمته، فوعدوه، ثمّ خلا بعضُهم ببعضٍ وهو قاعدٌ إلى جدارٍ من بيوتهم، فقالوا: "مَنْ رَجُلٌ يَعْلُو عَلَى هَذَا الْبَيْتِ، فَيُلْقِي عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيَقْتُلُهُ بِهَا فَيُرِيحُنَا مِنْهُ؟"(٦٧). وكان جوابُهم الإجلاءَ أيضاً(٦٨).
ولم تكن المعارضةُ في المدينة مجرّدَ تحريض، بل كانت مسلَّحةً وغادرة. فبنو قريظة نقضوا عهدهم يومَ الأحزاب والمسلمون محصورون، والعدوُّ على الأبواب، والنقضُ في تلك الساعة يعني فتحَ المدينة من داخلها: "فنقَض كعبُ بنُ أسدٍ عهدَه، وبرِئ ممّا كان عليه فيما بينه وبين رسول الله"(٦٩)، فلمّا بُعِث إليهم من يستوثق منهم "فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، ونالوا من رسول الله، وقالوا: لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد"(٧٠)
فالعلّةُ في الثلاث واحدةٌ فيما تُخبِر به هذه الأخبار: عهدٌ نُقِض وسلاحٌ رُفِع. أقاموا بالمدينة سنين، بينهم وبين الدولة الناشئة عقدٌ يُوفى، ولم تذكر الأخبارُ أنّهم عُرِض لهم قبل الغدر. ولو كانت الملّةُ هي المسألة لَما انتُظِر بهم.
وأخطرُ من اليهود المنافقون. فاليهوديُّ خصمٌ معلومُ الجهة، يُعرَف موضعُه ويُحاسَب على نقضه؛ والمنافقُ داخلُ الصفّ، يحضر الجمعةَ ويغزو ويأخذ العطاء، ثمّ ينقُل الخبرَ إلى العدوّ. وهم عشرات، لا نفرٌ ولا نفران، عدَّهم ابنُ إسحاق بأسمائهم بطناً بطناً من الأوس والخزرج، وصدَّر عدَّهم بقوله: "فَكَانَ مِمَّنْ انْضَافَ إلَى يَهُودَ، مِمَّنْ سُمِّيَ لَنَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ"(٧١). فانضيافُهم إلى يهود هو الحدُّ الجامع لهم.
ورأسُهم رجلان: عبدُ الله بنُ أُبيّ بنِ سلول، وأبو عامرٍ الراهب. وأبو عامرٍ خرج إلى مكّة فقدِم مع قريشٍ يومَ أُحُدٍ محارباً، ثمّ لحِق بقيصرَ يستنجده، وكتب إلى أهل مسجد الضِّرار ببنائه، وبقي يترصّد للمسلمين حتّى مات هناك(٧٢). وسيأتي خبرُه مبسوطاً عند حفيده، فهو أصلُ ما جرى في الحرّة.
كندةُ: ردّةٌ فحصار، ومُلكٌ أُقِرَّ على حاله
وكندةُ كانت دولةً ذاتَ قوّةٍ قبل الإسلام، مُلِّك عليها حُجْرٌ آكلُ المُرار فكان "مَلِكِ عَرَبٍ بِنَجْدٍ وَنَوَاحِي الْعِرَاقِ"(٧٣)، وبلغ حفيدُه الحيرةَ فأزال مُلكَ آل النعمان(٧٤). ثمّ ارتدّ أكثرُها على عهد أبي بكرٍ رضي الله عنه فحوصرت بالنُّجَير، وكان الأشعثُ بنُ قيسٍ في رؤوسها فأُخِذ أسيراً وعُفِي عنه(٧٥). والذي خرج على الحجّاج بعد نحوِ سبعين سنةً حفيدُه.
ويقابل هذا رجلٌ من كندة نفسِها لم يُنزَع منه مُلكُه. بعث رسولُ الله ﷺ خالدَ بنَ الوليد إلى أُكيدرِ دُومةِ الجندل، وهو "رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ، كَانَ مَلِكًا عَلَيْهَا، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا"(٧٦)، فلمّا قُدِم به عليه "فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ، فَرَجَعَ إِلَى قَرْيَتِهِ"(٧٧).
فالفرقُ بين الرجلين ليس في الملّة ولا في الإمارة. أُكيدرُ نصرانيٌّ مَلِكٌ، رجع إلى قريته مَلِكاً بعد الصلح؛ والمحصورون بالنُّجَير مسلمون في الأصل، وما حوصروا إلّا حين منعوا ورفعوا السلاح. والأرجحُ أنّ الإمارة تبقى ما وفت، وأنّ النزعَ يقع عند الغدر لا عند الخلاف.
الحرّةُ سنةَ ثلاثٍ وستّين
سنةَ ثلاثٍ وستّين خلَع أهلُ المدينة يزيدَ وأمَّروا عليهم رجلاً منهم. يقول ابن عبد البرّ: "وقُتِل عبدُ الله بنُ حنظلةَ يومَ الحرّة سنةَ ثلاثٍ وستّين، وكانت الأنصارُ قد بايعته يومئذٍ، وبايعت قريشٌ عبدَ الله بنَ مُطيع"(٧٨)
فمن هذا الرجل؟ هو عبد الله بن حنظلة بن أبي عامرٍ الراهب: "يقال له ابنُ الغسيل، لأنّ أباه حنظلةَ غسيلُ الملائكة... ويقال له عبدُ الله ابنُ الراهب، ينتسب إلى جدّه، وهو عبدُ الله بنُ حنظلةَ بنِ الراهب، والراهبُ هو أبو عامر، واسمه عبدُ عمرِو بنُ صيفيّ"(٧٩)
والجدُّ هو المسألة. فأبو عامرٍ الراهب لم يكن رجلاً عادياً في تاريخ المدينة:
"وكان أبوه أبو عامر يعرف بالراهب في الجاهلية، وكان أبو عامر وعبد الله بن أبَيّ بن سلول قد حسدا رسول الله ﷺ على ما مَنّ الله به عليه، فأما عبد الله بن أبَيّ فأضمر النفاق، وأما أبو عامر فخرج إلى مكة، ثم قدم مع قريش يوم أحد محارباً، فسماه رسول الله ﷺ: الفاسق. وأقام بمكة فلما فتحت هرب إلى هرقل والروم فمات كافراً هنالك سنة تسع"(٧٢)
فالرجلُ خرج من المدينة إلى قيصرَ يستنجده على الدولة الناشئة، وترك خلفه بناءً محدَّد الغرض: "وذلك أنّ أبا عامرٍ هو الذي كان حزَّبَ الأحزابَ، يعني حزَّبَ الأحزابَ لقتالِ رسولِ اللهِ ﷺ، فلمّا خذَله اللهُ لَحِق بالرومِ يطلب النصرَ من مَلِكهم على نبيّ الله، وكتب إلى أهلِ مسجدِ الضِّرارِ يأمُرهم ببناء المسجد الذي كانوا بَنَوه، فيما ذُكِر عنه، ليُصلّيَ فيه، فيما يزعُم، إذا رجَع إليهم، ففعَلوا ذلك"(٨٠)
ثمّ اجتمع النَّسَبان في الحفيد. فأمُّ عبدِ الله بنِ حنظلةَ هي "جميلةُ بنتُ عبدِ الله بنِ أُبيّ بنِ سَلول"(٨١). فقائدُ الحرّة حفيدُ الرجلين اللذين قرَنهما الخبرُ الأوّل: أبي عامرٍ من أبيه، وابنِ أُبيٍّ من أمّه.
والنسبُ ههنا هو الباعث. فأبوه حنظلةُ استُشهِد بأُحُدٍ في صفّ النبيّ ﷺ، وأمُّه أسلمت وبايعت، ونعتَه ابنُ عبد البرّ بأنّه "كان خيراً فاضلاً مقدَّماً في الأنصار". وأمّا السببُ المباشرُ فأصغرُ من أن يحمل خلعَ خليفة: أوفده عثمانُ بنُ محمّدٍ إلى يزيد "فحباه وأعطاه"، ثمّ "رأى منه ما لا يصلح، فلم ينتفع بما وهب له، فلمّا انصرف خلعه"(82). وهل يُعقَل أن يُعلن رجلٌ الخروجَ على دولةٍ لأنّ عطيّةً لم تُرضِه؟ إنّما هو ترصُّدٌ قديمٌ وجد ساعتَه، وقد كان بين أبي عامرٍ وبين قريشٍ ثمّ بين بني أميّة ما كان. فالعطيّةُ شرارةٌ، والحطبُ مجموعٌ من قبلُ بستّين سنة.
ولم يَنَل أهلُ المدينة ما خرجوا لأجله. مات يزيدُ بعد الحرّة بأشهر، وكانت مدينتُهم قد استُبيحت ووجوهُهم قد قُتِلوا.
ابنُ الزبير سنةَ أربعٍ وستّين: بيعةٌ في فراغٍ ثمّ سقوط
وهذا موضعٌ يُخطئ فيه من يعدّه خروجاً. بُويع عبدُ الله بنُ الزبير بمكّة سنة أربعٍ وستّين بعد موت يزيد، لا في حياته. وسبق ذلك أنّ قائدَ جيش الشام عرض عليه البيعةَ في الأبطح وقال: "أَنْتَ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ، هَلُمَّ فَلْنُبَايِعْكَ ثُمَّ اخْرُجْ مَعَنَا إِلَى الشَّامِ"(٨٣).
ودانت له الأمصار. يقول ابنُ الأثير: "فَاجْتَمَعَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَمَنْ بِالْقِبْلَةِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْجَزِيرَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ إِلَّا أَهْلَ الْأُرْدُنِّ"(٨٤)، وولّى على المدينة ومصر عمّالاً من قِبَله(٨٥). ودام أمرُه تسعَ سنين: "وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ تِسْعَ سِنِينَ، لِأَنَّهُ بُويِعَ لَهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ"(٨٦).
وسمّاه المؤرّخون والفقهاء خليفةً بلا تحفُّظ. قال ابنُ حجرٍ: "يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ لَمَّا كَانَ خَلِيفَةً"(٨٧).
ولا يُقال إنّها دولةٌ قامت. فلو كانت له دولةٌ لخرج يُزيل الأمويّين عن الشام، ولَما لزِم الكعبةَ تسعَ سنينَ يحتمي بحُرمتها، حتّى قال مروانُ لمن أراد غزوَه: "لَا تَغْزُ مَكَّةَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُحِلَّ حُرْمَةَ الْبَيْتِ"(٨٨). إنّما هي غفلةٌ وقعت في الدولة الأمويّة بعد موت يزيد، فاتّسع فيها مُلكُه قليلاً ثمّ تزعزع، فنازعه مروانُ وابنُه حتّى قُتل سنة ثلاثٍ وسبعين وصُلب(٨٩). وتسعُ سنينَ لا تصنع دولة.
ومن أخباره ما يدلُّ على إدارته. عُرِضت عليه الخلافةُ ومعها جيشُ الشام قبل البيعة بمكّة، على أن يخرج معهم ويُؤمِّن الناسَ ويُهدِر ما سُفِك بينهم: "فَوَاللَّهِ لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْكَ اثْنَانِ"(٨٣). فأبى وطلب القَوَد: "أَنَا لَا أُهْدِرُ الدِّمَاءَ، وَاللَّهِ لَا أَرْضَى أَنْ أَقْتُلَ بِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عِشْرَةً مِنْكُمْ"(٩٠). فقال له الحصينُ بنُ نُمير: "وَأَنَا أُكَلِّمُكَ سِرًّا وَتُكَلِّمُنِي جَهْرًا، وَأَدْعُوكَ إِلَى الْخِلَافَةِ"(٩١)، ثمّ فارقه. ثمّ ندم: "وَنَدِمَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى مَا صَنَعَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَمَّا الْمَسِيرُ إِلَى الشَّامِ فَلَا أَفْعَلُهُ وَلَكِنْ بَايِعُوا لِي هُنَاكَ"(٩٢). ولعلّ العرضَ كان مكيدةً يُخرَج بها من حرمه، وهو ظاهرٌ من حال القوم.
وأمّا سببُ سقوطه فسوءُ الإدارة وعدمُ القبول. فكبارُ الناس ردّوه: ابنُ عباسٍ وابنُ الحنفيّة وسعيدُ بن المسيّب، فشدّد عليهم حتّى حبس ابنَ الحنفيّة وأعدّ له الحطبَ(٩٣). وإذا كان كبارُهم رفضوه فمن دونهم أضعف؛ ولعلّ كثيراً منهم أظهر البيعةَ خشيةَ السيف.
وأشدُّ من ذلك ما صنع بأخيه. أُتِي بعمرِو بنِ الزبير أسيراً وقد أجاره أخوهما عُبيدة، فردَّ الجوارَ وقال: "أَتُجِيرُ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ! هَذَا مَا لَا يَصْلُحُ وَمَا أَمَرْتُكَ أَنْ تُجِيرَ هَذَا الْفَاسِقَ الْمُسْتَحِلَّ لِحُرُمَاتِ اللَّهِ"، ثمّ "أَقَادَ عَمْرًا مِنْ كُلِّ مَنْ ضَرَبَهُ… وَمَاتَ تَحْتَ السِّيَاطِ"(٩٤). فرجلٌ يقتل أخاه ويُعِدّ الحطبَ لابن الحنفيّة ليس ممّن تُبنى به دولة.
ابنُ الأشعث سنةَ اثنتين وثمانين
والسببُ المباشرُ خلافٌ على أمرٍ عسكريّ. رأى ابنُ الأشعث أن يقف عن التوغّل في بلاد رُتْبِيل، فكتب إليه الحجّاجُ يعنّفه ويهدّده بعزله(٩٥)، ثمّ صار الخلافُ على العامل خلعاً للخليفة: "إنّا إذا خلعنا الحجّاجَ عاملَ عبدِ الملك فقد خلعنا عبدَ الملك"(٩٦).
والخبرُ يقول إنّ الأمر أقدمُ من هذا الخلاف. فقد كان الحجّاجُ يعرف ما في الرجل قبل أن يُوجِّهه: "وكان الحجاج وليس بالعراق رجل أبغض إليه من عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث، وكان يقول: ما رأيته قط إلا أردت قتله"(٩٧). وحكى الشعبيُّ ما رآه بعينه: "كنت عند الحجاج جالسا حين دخل عليه عبد الرحمن بن مُحَمَّد بن الأشعث، فلما رآه الحجاج قال: انظر إلى مشيته، والله لهممت أن أضرب عنقه"(٩٧). ثمّ نقل الشعبيُّ الكلامَ إلى صاحبه فأقرّه على نفسه: "وأنا كما زعم الحجاج إن لم أحاول أن أزيله عن سلطانه، فأجهد الجهد إذ طال بي وبه بقاء"(٩٧).
وأقول: الباعثُ كِبْرٌ لا مظلمة. فابنُ الأشعث سليلُ ملوكِ كندة، يرى نفسه فوق هذا الثقفيّ الذي ليس بمَلِكٍ ومن قبيلةٍ دونَ قبيلته في نظره. والحجّاجُ قرأ ذلك في مشيته قبل أن يقع بينهما شيء، والرجلُ صدّق قراءتَه في نفسه. فنيّةُ الإزالة سابقةٌ على المظلمة التي خرج بها؛ فلمّا أُمِر بما تأنف نفسُه، جعل من المسألة العسكريّة قضيّةَ أمّة.
والدليلُ أنّه عُرِض عليه ما خرج لأجله فردّه. بعث عبدُ الملك يعرض نزعَ الحجّاج، وإجراءَ أعطياتهم كأهل الشام، وولايةَ ابنِ الأشعث أيَّ بلدٍ شاء من العراق ما دام حيّاً(٩٨). ودعا ابنُ الأشعث إلى قبوله: "فَاقْبَلُوا مَا عَرَضُوا عَلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ أَعِزَّاءُ أَقْوِيَاءُ"، فوثبوا: "لَا وَاللَّهِ لَا نَقْبَلُ"، فأعادوا خلعَه ثانية(٩٩). فما ردَّهم عن العافية مظلمةٌ باقية، بل نشوةُ العدد.
ثمّ كانت النتيجة. وقعت دير الجماجم سنةَ اثنتين وثمانين فانتهت بهزيمتهم(١٠٠). جيشٌ يُعَدُّ بمئة ألفٍ من أهل العطاء ومثلِهم من مواليهم(١٠١) تبدّد في حربٍ داخليّة، وبقي الحجّاجُ وبقي عبدُ الملك.
أبو حمزة الخارجيُّ سنةَ تسعٍ وعشرين ومئة
وأصرحُ ما في هذا الباب رجلٌ من الأزد. ظهر أبو حمزةَ الخارجيُّ واسمه المختار، وهو من بني سليمةَ بنِ مالك بن فهمٍ من الأزد(١٠٢)، بمكّةَ في موسم حجّ سنة تسعٍ وعشرين ومئة(١٠٣)، ثمّ سار إلى المدينة فلقي جيشَها بقُدَيدٍ في صفر سنة ثلاثين ومئة. وطلب أصحابُه أوّلاً أن يُخلَّى بينهم وبين عدوّهم: "إنا والله ما لنا حاجة بقتالكم، دعونا نمض إلى عدونا فأبى أهل المدينة"(١٠٤). فكانت الوقعة، "وكانت المقتلة على قريش، هم كانوا أكثر الناس، وبهم كانت الشوكة، وأصيب منهم عدد كثير"(١٠٥)، وفي خبرٍ آخر: "فقتل أهل المدينة، لم يفلت منهم إلا الشريد، وقتل أميرهم عبد العزيز بن عبد الله"(١٠٤). وعدّةُ من قُتِل منهم سبعمئةٌ فيما ذكر الواقديّ(١٠٦).
ثمّ دخل المدينة، فرقِيَ منبرَ رسول الله ﷺ وخطب أهلَها يُقرِّعهم: "يا أهل المدينة، أولكم خير أول وآخركم شر آخر"(١٠٧).
العبّاسيّون سنةَ اثنتين وثلاثين ومئة
وقيامُ الدولة العباسيّة خروجٌ على حاكمٍ قائم، وإن كُتِب له النجاح. ولم تقم دعوتُها في دار العرب، بل وُجِّه دعاتُها إلى المشرق، وأُمِروا أن يدعوا "إِلَى الرِّضَا، وَلَا يُسَمِّيَ أَحَدًا"(١٠٨). ومن دعا الناسَ إلى مجهولٍ فقد أخذ بيعتَهم على غير معلوم، فمَلَك القائمون بها أن يصنعوا بعد الظفر ما شاؤوا.
فلمّا ظفروا لم يقفوا عند الحكم. قُتل من بني أميّة نحوُ تسعين رجلاً على الطعام(١٠٩)، ثمّ نُبِشت قبورُهم بدمشق(١٠٩)، ثمّ تُتُبِّعوا في الأمصار "فَقَتَلَهُمْ بِنَهْرِ أَبِي فُطْرُسٍ"(١١٠).
ثمّ قتلت الدولةُ قائدَ جندها. قال المنصور لأبي مسلم: "إِنَّمَا عَمِلْتَ فِي دَوْلَتِنَا وَبِرِيحِنَا، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ إِلَيْكَ مَا قَطَعْتَ فَتِيلًا"، فاستبقاه أبو مسلمٍ لعدوّه فقال: "لَا أَبْقَانِيَ اللَّهُ إِذًا، أَعَدُوٌّ أَعْدَى لِي مِنْكَ؟!"(١١١). ثمّ خرج عليهم من كان يُرجى لهم، فقُتل محمّدٌ ذو النفس الزكيّة وأخوه إبراهيم(١١٢). فالثورةُ التي نجحت أكلت من أعانها ومن نازعها معاً.
ثمّ مالت الدولةُ إلى الفرس ثمّ إلى الترك، حتّى صار عقدُ الخلافة في أيدي قوّادهم، فاستُحلِفوا "عَلَى أَنْ يَرْضَوْا بِمَنْ رَضِيَ بِهِ بُغَا الْكَبِيرُ"، و"كَرِهُوا أَنْ يَتَوَلَّى الْخِلَافَةَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ الْمُتَوَكِّلِ لِئَلَّا يَغْتَالَهُمْ"(١١٣).
ثمّ استقرّ الأمرُ على صورته الأخيرة. دخل الديلمُ بغدادَ سنةَ أربعٍ وثلاثين وثلاثمئة فبايع الخليفةُ صاحبَ الشوكة، ثمّ صار يُجرى عليه راتب: "وَأُقِيمُ لِلْمُسْتَكْفِي بِاللَّهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ لِنَفَقَاتِهِ"، ثمّ خُلِع بعد ذلك(١١٤). ثمّ جاء الترك سنةَ سبعٍ وأربعين وأربعمئة، فنزل طُغْرُلْبَك "بِبَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ"(١١٥)، وهو المنزلُ نفسُه الذي نزله الديلميُّ قبله بمئةٍ وثلاثَ عشرةَ سنة(١١٦).
وهذا حاصلُ الوقائع كلِّها. أكثرُها أخفق وكلّف البلادَ خسائرَ واسعة، والتي نجحت منها بدّلت الحاكمَ ولم تُبدِّل الحال؛ بل كانت ثمرتُها أن ذهب الأمرُ من العرب إلى غيرهم. فالخليفةُ اسمٌ على منبرٍ وراتبٌ يُجرى، والأمرُ لصاحب الشوكة؛ يحكم باسم الخليفة ويباركه الخليفةُ مقابل أن يتركه وشأنه. وهم لا يملكون إلّا القوّةَ المنظَّمة، بلا علمٍ ولا خيريّة؛ فسقط شرطان من الثلاثة وبقي واحد، فكان ما كان. وسببُ ذلك عندنا أنّهم تركوا ما قرّره المولى من قواعدَ تنظيميّةٍ لتولّي المُلك، إلى قواعدهم التي تقول بالغلبة والسيف دون العلم والخيريّة.
بواعثُ الخروج: ثأرٌ قديمٌ أو مُلكٌ يُطلَب استرجاعُه
وهذه الوقائعُ إذا صُفّت على نسقها ظهر تحتها خيطٌ واحد. فانظر في أنساب من قادها.
وابدأ بأوّل من شقّ عصا الخوارج على إخوانه: نافعُ بنُ الأزرق الحنفيّ. ساق ابنُ حزمٍ نسبَه مسلسلاً في بني حنيفة(١١٧)، وهم أهلُ اليمامة الذين كُسِرت شوكتُهم في حروب الردّة. وقامت للخوارج حركةٌ أخرى باليمامة انتهت قيادتُها إلى نجدةَ بنِ عامرٍ الحنفيّ(١١٨).
وأوّلُ من تولّى الخوارجَ رجلٌ من الأزد: عبدُ الله بنُ وهبٍ الراسبيّ، وراسبٌ بطنٌ من شنوءةَ من الأزد(١١٩). وبيعتُهم إيّاه نقضٌ عمليٌّ لدعوى "الأئمّةُ من قريش" قبل أن يكون خروجاً على عليّ. وابنُ الأشعث الذي مضى خبرُه من كندة، وكندةُ كان لها مُلكٌ قبل الإسلام فذهب. فهؤلاء ثلاثةُ أقوامٍ زال مُلكُهم أو كُسِرت شوكتُهم، ومنهم خرج من خرج.
فالحرّةُ ليست حادثةً ابتدأت سنةَ ثلاثٍ وستّين. هي آخرُ حلقةٍ في سلسلةٍ أقدمُ من الهجرة، تنقطع جيلاً وتعود جيلاً، حتّى وجدت ساعتها(١٢٠).
والذي يظهر لنا أنّ تحت خروج أبي حمزةَ مُلكاً قديماً وثاراتٍ قديمةً تفجّرت باسم الدين، قاعدتُها "أنا خيرٌ منه". وهو نفسُه أنكر ذلك في صدر الخطبة، فقال: "لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشرا ولا بطرا ولا عبثا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر قديم نيل منا"(١٢١). وما من خارجٍ إلّا نفى عن نفسه طلبَ المُلك؛ والدعوى تُقاس بما جرى لا بما قيل.
وقاعدةُ هذه الثورات كلِّها واحدة: أنا خيرٌ منه. ابنُ الزبير يرى نفسه أقربَ إلى الرسول ﷺ نسباً من بني أميّة، وخالتُه عائشةُ أمُّ المؤمنين رضي الله عنها. والعبّاسيّون والعلويّون يقولون: جُعِلنا من آل البيت وجُعِلوا من آل أميّة. وابنُ الأشعث يقول: أنا سليلُ ملوكِ كندة وهذا ثقفيّ. فليست دعوى إصلاحٍ تُطلَب، بل دعوى أحقّيّةٍ بالنسب تُنازَع.
فالنسبُ ههنا هو الباعث، وما سواه شرارة. لا يخرج على إمبراطوريّةٍ قائمةٍ رجلٌ لأنّ عطاءه نقص، ولا لأنّ عاملاً أغلظ له؛ إنّما يخرج من كان له سلطانٌ فذهب، أو كانت له نقمةٌ يطلبها. والذي يبدو عارضاً مباشراً إنّما هو الساعةُ التي وجدها التدبيرُ القديم.
شروطُ تولّي المُلك في القرآن
نبدأ من آيةٍ واحدةٍ فيها الجواب كلُّه، ثمّ نمضي في نظائرها.
وشروطُ المُلك في القرآن ثلاثة:
- العلم، وليس علومَ الطبيعة، إنّما علومُ الاجتماع والسياسة والاقتصاد التي تُدار بها البلادُ والعباد.
- القوّة، ونعني بها القوّةَ العسكريّة التي تتفوّق على قوّة الآخرين.
- الخيريّة، وهي سماتٌ في الرجل تمنعه أن يصير طاغوتاً بالعلم والقوّة.
الآية الأمّ: طالوت
﴿وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾ [البقرة ٢٤٧]
سأل القومُ نبيَّهم مَلِكاً يقاتلون معه: ﴿ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ﴾ [البقرة ٢٤٦]، فلمّا جاءهم اعترضوا عليه.
واعتراضُهم لأحد سببين: إمّا لأنّه ليس من شيوخ القبيلة الذين يملكون الجاهَ والمال، وإمّا لأنّ نسبهم أعلى وفق حساباتهم المعوجّة. والمالُ إضافةٌ منهم، ساقوها لتقوية اعتراضهم.
فجاء الجوابُ في ثلاثة أفعالٍ لا في واحد: اصطفاه، وزاده علماً، وزاده جسماً.
و﴿ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ﴾ أي اختاره لخيريّته، والاصطفاءُ انتقاءٌ للتكليف بمهمّةٍ لمواهبَ أخلاقيّةٍ وعلميّة(١٢٢). فحيث كانت مهمّةٌ كان اصطفاء. ومريمُ اصطُفيت مرّتين في آيةٍ واحدة: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران ٤٢]؛ مرّةً لتعمل في المعبد، ومرّةً لتحمل بعيسى.
والشرطان الآخران ذُكِرا مقترنَين بواوٍ واحدة، ﴿فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ﴾، فهما شرطٌ واحدٌ ذو شقَّين. ولا يقوم أحدُهما بغير صاحبه: لا ينفع علمُك إن كنت وحدك في الصحراء بلا قوّةٍ تحميك، ولا تنفع قوّتُك إن لم تعرف أين تضعها.
و"الجسم" ليس حُسنَ الهيئة؛ فالمقامُ مقامُ قتال. فالجسمُ ههنا القدرةُ على حمل السلاح وقيادةِ الجند، وهي القوّةُ العسكريّة بعينها.
هل المال شرطٌ أم عائق؟
المالُ إضافةٌ من الملأ لا شرطٌ من الشرع. وما قال لهم نبيُّهم إنّ المال لا قيمة له، إنّما بيّن أنّ شرعيّة العلم والجسم أقوى من شرعيّة المال. فماذا يصنع المالُ بهم في المعركة إذا كان الذي يديرها لا يُحسِن إدارتها؟
ولا مُلكَ بلا مال. الجيشُ نفقةٌ وسلاحٌ وإمدادٌ ورواتب. غير أنّ من عُيِّن مَلِكاً فقد صارت له حرّيّةُ إدارة الأموال والأنفس، فالمالُ عنده تحصيلُ حاصل؛ ولهذا لم يُجعَل شرطاً فيمن يتقدّم إليه.
وقد رأينا كيف كان الرسولُ ﷺ يأمر المسلمين بالتبرّع بالمال من أجل الجيش في عشرات الآيات. يُقرَن المالُ بالنفس في أمر النفير: ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ﴾ [التوبة ٤١]. ويُجعَل بذلُهما علامةَ الإيمان: ﴿لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ﴾ [التوبة ٤٤]. ويُعاتَب من أمسك: ﴿وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [الحديد ١٠]. وتُحسَب النفقةُ في الطريق ولو صغُرت: ﴿وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ وَلَا يَقۡطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ﴾ [التوبة ١٢١]. ويُسمَّى الأمرُ كلُّه بيعاً: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ﴾ [التوبة ١١١]. فالمالُ عُدّةُ الدولة، ولكنّه ليس شرطاً في شخص الحاكم.
ويوسفُ قدّم أوراق اعتماده بأنّه حفيظٌ عليم: ﴿قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ﴾ [يوسف ٥٥]. أي الشرطين: الخيريّة والعلم. وأمّا القوّةُ فكان سيحصل عليها لو تولّى خزائنَ الأرض، لأنّه سيصبح العزيزَ حينها.
ويقف القرآن من طبقة المترَفين موقفَ الحذر الدائم، وهم الذين تشبَّعوا باللذائذ وغالبُهم من الأغنياء(١٢٣)،، لأنّها تميل إلى الفساد بطبعها. فهي المقدَّمةُ عند كلّ هلاك: ﴿وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾ [الإسراء ١٦]. وهي المتصدّيةُ لكلّ نذير: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ﴾ [سبأ ٣٤]. وحين قُسِّم الفَيء عُلِّل التقسيمُ بمنعها: ﴿كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ﴾ [الحشر ٧]، أي يتداولون المال بينهم ويُحرَم مستحقّوه. فتكدّسُ المال بطبقةٍ واحدةٍ مدمِّرٌ للبلاد، ولذلك جاء الوعيدُ صريحاً: ﴿وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ﴾ [التوبة ٣٤].
العلم
المُلكُ إدارةٌ وتصريف، ومن كان هذا حدَّه فمُحالٌ أن يُنالَ بغير علمٍ بما يُدار.
ويوسفُ مثالُه: سأل أن يكون على الخزائن لا أن تكون له؛ وبين اللام و"على" في هذا الباب فرقُ ما بين استحواذٍ وكسبٍ وبين وِلاية تصريفٍ فقط. وقد أجابه الله بالتمكين: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ﴾ [يوسف ٥٦].
وداودُ لمّا صار إليه الأمر، جاء العلمُ في العطف مع المُلك نفسِه:
﴿وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ﴾ [البقرة ٢٥١]
ثلاثةٌ معطوفة: المُلكُ، والحكمةُ، والتعليم. والحكمةُ القدرةُ على إصدار الأحكام الصائبة التي تفصل بين الناس، ولهذا قُرِنت في سورة ص بفصل الخطاب: ﴿وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ﴾ [ص ٢٠].
وفي مجلس سليمان يُعرَض إحضارُ عرشِ بلقيس، فيتقدّم اثنان:
﴿قَالَ عِفۡرِيتٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّي عَلَيۡهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٞ﴾ [النمل ٣٩]
﴿قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ﴾ [النمل ٤٠]
والآيتان تبيّنان مدى تمكّن سليمان. لديه القوّة، وهي العفريت ﴿لَقَوِيٌّ أَمِينٞ﴾؛ ولديه العلم، وهو ﴿ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ﴾. وكلُّ هؤلاء يخدمون مملكته العظيمة. ولهذا كان هو الذي يستحقّ المُلك، وكان التوسّعُ لِزاماً عليه، لِما يحمله من خيرٍ للبلاد والعباد.
القوّة
في مَدْيَن فتاتان تَذُودان عن ماشيتهما، فيسقي لهما رجلٌ غريب، فتقول إحداهما لأبيها:
﴿قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦]
نعتت الفتاةُ موسى بالقوّة والأمانة، وهما شرطان من شروط المُلك والعناية، وبقي شرطُ العلميّة. وههنا الأمرُ واضح: لو افترضنا أنّ الماشية هي الرعيّةُ التي يرعاها موسى، فإنّ هذا القائدَ الذي وُضِع عليها هو أعلى منها علماً، فلا يوجد من ينازعه على مُلك تلك الشياه وتدبير أمورها. فهو أعلمُ وأقوى وأخيَر.
والقوّةُ المطلوبة هي التي تتفوّق على قوّة الآخرين. فمن كانت قوّتُه أضعفَ فسبيلُه الانسحابُ من فوره، لا أن يُقدِم على ما لا يُطيق فيُهلِك من معه.
وأمّا القوّةُ وحدَها بلا خُلُقٍ يضبط صاحبَها فقد نُعِيَت على قوم عادٍ بلفظٍ لا يحتمل التأويل: ﴿وَإِذَا بَطَشۡتُم بَطَشۡتُمۡ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء ١٣٠].
الخيريّة
الخيريّةُ لا تضبط العلمَ ولا القوّة؛ هي تضبط الرجلَ الذي يملكهما. فإن اجتمعا فيه وهو فاقدُها صار طاغوتاً.
وفرعونُ أنموذجُ ذلك، والقرآنُ لا يسمّي صنيعَه مُلكاً بل طغياناً. كان صاحبَ قوّة، وله علمٌ مزيّفٌ يستخدمه في سَوق الجماهير نحو الهاوية. يقوم بسياسة فرِّقْ تسُدْ: ﴿إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ﴾ [القصص ٤]. ويرفع من شأن نفسه: ﴿أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ﴾ [النازعات ٢٤]. ويحاصر الجموع ويجعلها تتسوّل منه الطعامَ والماء، فيتحكّم في مصادر المياه: ﴿أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ﴾ [الزخرف ٥١]. فهو ذو قوّة، ويستخدم علمَه بالإدارة في سحق الشعوب وتشتيتها.
والخيريّةُ سماتٌ في صاحبها لا مادّةٌ يُخلَق منها. والخيرُ فعلٌ وعمل، لا سجيّةٌ ولا شخصيّة: أن تُعطيَ الفقير، وتُعينَ المحتاج، وتقولَ الحقيقة؛ هذه أعمال(١٢٤).
واللفظُ في القرآن "الأخيار"، ولا يقع في المصحف كلِّه إلّا في موضعين، وكلاهما في سورة ص:
﴿وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [ص ٤٥]
﴿وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ﴾ [ص ٤٧]
﴿وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ﴾ [ص ٤٨]
والمصطفى هو الذي وُضِع في صفٍّ لوحده لاختياره في مهمّةٍ وعمل. والأخيار هم الذين ينفعون الناس.
وههنا الشروطُ الثلاثة في نظمٍ متتابع: "أولي الأيدي" قوّة، و"الأبصار" علم، و"الأخيار" خيريّة. والمعدودون فيها ملوك أنبياء، والمقامُ مقامُ داودَ وسليمان، أي مقامُ المُلك لا مقامُ الزهد.
ولا يُبالَغ في هذا الشرط حتّى يُحسَب أنّ المُلك يُعطى لأحسنَ صوفيٍّ متدروش. التقوى أعظمُ الشروط، لكنّها لا تعمل وحدها في مسألة المُلك؛ فمن لا علمَ له ولا قوّة لا تُقيمه تقواه على أمر البلاد والعباد.
معارضةُ مشيئة الله فيمن يؤتيه المُلك
والذي يأتي بعد الشروط أنّ الناس لا يرضَون بمن يُقيمه الله. والمعارضةُ قديمةٌ قِدَمَ الخليقة، ومسارُها واحدٌ في كلّ مرّة: يُنصَّب رجلٌ، فيقول المعارضُ: أنا أحقُّ منه.
وأوّلُ من قالها إبليس. أُعلِنت خلافةُ آدم في الأرض: ﴿إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ﴾ [البقرة ٣٠]، ثمّ أُمِر الملأ بالسجود: ﴿ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ﴾ [الأعراف ١١]. فاعترض:
﴿قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ﴾ [ص ٧٦]
واعتراضُه يشبه اعتراض اليهود على طالوت. هؤلاء قالوا ﴿وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ﴾ لنسبٍ أو وجاهةٍ في المجتمع، وهو قال ﴿أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ﴾ لمادّةٍ خُلِق منها. والدعوى واحدة: الأحقّيّةُ بغير الشروط.
والمعارضةُ الثانية كانت بين ابنَي آدم، وهي أوّلُ دمٍ سُفِك في الأرض:
﴿وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [المائدة ٢٧]
تفاضلٌ في القبول لا في القوّة ولا في العلم، وعُلِّل بحرفٍ واحد: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾. والمقبولُ منه كفَّ يدَه وهي مبسوطةٌ له: ﴿لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ﴾ [المائدة ٢٨]. فامتناعُه اختيارٌ لا عجز، وهذا أعظمُ دليلٍ على تقواه وصلاحه.
وهو الذي وقع لعثمان رضي الله عنه. رفض بسطَ يده وهي مبسوطةٌ له، فقُتِل صابراً؛ ثمّ خسِر الذين قتلوه، فتشرّدوا وقُتِلوا هم ومن أعانهم. ﴿فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [المائدة ٣٠].
سورةُ ص تدور حول المُلك
لقد درسنا سورَ القرآن لنعرف مفاتيحها وبؤرتها التي تجمعها، فوجدنا أنّ ص يجمعها المُلكُ والقبولُ بالملوك الذين وضعهم المولى، وأنّ معارضة قريشٍ لمُلك الرسول ﷺ، أي لإدارته البلادَ والعباد، هي كمعارضة إبليس لمُلك آدم.
ولفظُ "الملأ" لا يرد في السورة إلّا مرّتين: ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ﴾ [٦] في ملأ قريش، و﴿مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ [٦٩] في الملأ الأعلى. فالملأُ يفتتح السورةَ ويختمها، والخصومةُ واحدة.
وبين الطرفين تجري مفرداتُ الباب: المُلكُ والحكمةُ وفصلُ الخطاب [٢٠]، وبغيُ الخليطَين على بعضهم [٢٢ و٢٤]، والخلافةُ والحكمُ بالحقّ [٢٦]، وأولو الأيدي والأبصار [٤٥]، والأخيار [٤٧ و٤٨]، ودعوى الخيريّة [٧٦].
ولا تنتقل الإمامةُ إلى ظالم
﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [البقرة ١٢٤]
فالجوابُ استثناءٌ لا ردّ: الإمامةُ قد تكون موروثة، إلّا في ظالم. وهذا أصرحُ نصٍّ في القرآن على أنّ فسادَ الخُلُق يقطع الأحقّيّة في السلطة.
وفي هذا ردٌّ على من يعترض على النظام الملكيّ المستقرّ. فطالما هو مستقرٌّ فلا بأس به، إذا كان يضع في سدّة الحكم نسلاً صالحاً لا ظالماً.
هل يهب الله المُلك هكذا بلا شروط؟
﴿وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ﴾ خاتمةُ آية طالوت، ونظائرُها كثيرة: ﴿تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ﴾ [آل عمران ٢٦].
فهل معنى هذا أنّ الشروط لا أثرَ لها؟
الجوابُ في نظم الآية. فالنبيُّ ساق الشروطَ ثمّ ختم بالمشيئة، ولو كانت المشيئةُ تُلغي الشروط لَما ساقها. فالشروطُ هي الطريقُ الذي يجري به الإيتاء، والمشيئةُ أنّ الطريق ليس سُلَّماً يرقاه المستوفي فيَجِبَ له المُلك.
والمُلك ليس دليلاً على أبديّة الرضا. جعله القرآن امتحاناً منصوصاً، فقرن الوعدَ بالسلطة بالنظر في العمل بعدها:
﴿قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُهۡلِكَ عَدُوَّكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ﴾ [الأعراف ١٢٩]
﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ﴾ [يونس ١٤]
و"الخلائف" من مدخل الإمامة والخلافة؛ فالإمامُ القائدُ الحاكمُ للجماعة، والخلافةُ حكمُ منطقةٍ كبيرةٍ كمُلك داود(١٢٥). فالآيةُ في التعاقب البشريّ على السلطة والمُلك وليس غيرها.
ويشدُّهما ثالثٌ يجعل التفاضلَ في الدرجات نفسَه ابتلاءً: ﴿وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ﴾ [الأنعام ١٦٥].
فمن بلغ السلطة لم يبلغ مقامَ الرضا التامّ، إنّما دخل موضعَ الاختبار. والدرجةُ التي رُفِع بها هي نفسُها مادّةُ ابتلائه.
ولا يُسقِط الله مَلِكاً سيّئاً ومن حوله أسوأُ منه. فلا بدّ من ملوكٍ حوله أخيَرَ منه، تُدفَع بهم دولتُه: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ﴾ [البقرة ٢٥١].
من يسأل الوِلاية
ليس في القرآن ذمٌّ لمن سأل السلطة. ذاك من طبع البشر وطموحهم، وقد سألها الأنبياء. سليمان سألها صريحاً: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ﴾ [ص ٣٥]. وعبادُ الرحمن يسألون الإمامة دعاءً: ﴿وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤].
غير أنّ المُلك بهذه الشريعة لا يكون إلّا من النخبة. فالعامّيُّ لا يملك القوّة ولو كان عالماً خيّراً؛ فمن أين له القوّةُ العسكريّةُ الشرعيّة إن لم يكن من النخبة، في أيّ نظامٍ كان، جمهوريّاً أو ملكيّاً؟
وقد لا يكون الساعي من النخبة، ولكنّ مواهبه تدفعه أن ينال شيئاً من المُلك، أي من الإدارة والتصرّف، كما نرى الوزيرَ من خارج النخبة يبلغها بكفاءته(١٢٦).
وأمّا ﴿تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ﴾ [القصص ٨٣] فهي في علوّ الاستطالة، بقرينة عطف الفساد عليه؛ لا في وِلايةٍ يقوم بها صاحبُها على شروطها.
توجيه القرآن في التعامل مع الحاكم
فإذا استقرّت الشروطُ الثلاثة، جاء السؤالُ الذي لا ينفكّ عنها: فإن اختلّت في الحاكم، أيُخرَج عليه؟ والجوابُ في القرآن قاطع، وهو أهمُّ ما في هذا المقال.
عدمُ الطاعة فساد
كان الرسول ﷺ يُنظِّم القتال ويجمع الناس تحت راية واحدة، فرفضت جماعاتٌ منهم الالتزامَ بأوامره. كانوا قبل الإذن بالقتال يستعجلونه، فلمّا كُتِب عليهم تخلّفوا:
﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ﴾ [النساء ٧٧]
ففضحتهم الآيات، وقالت لهم:
﴿فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ﴾ [محمد ٢٢]
و"عسى" كما أشرنا في المعجم: أوشك الأمرُ على حدوثه يقيناً، لا احتمالاً(١٢٧). فهؤلاء لو استمرّوا في النفور وعدم الطاعة، فحتماً سيفسدون في الأرض ويقطّعون أرحامهم.
والقرآن يجعل التنازعَ نفسَه بابَ الهزيمة: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ﴾ [الأنفال ٤٦]. فالفشلُ وذهابُ الريح نتيجتان مرتّبتان على النزاع لا على الظلم.
الخروجُ على المُلك قد يكون كفراً
إذا كان الحاكمُ عادلاً فالخروجُ عليه كفرٌ بالنعمة وكفرٌ بأمر الله. فالطاعةُ منصوصةٌ في آيةٍ لا تحتمل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩]. فجعل مخرجَ الخلاف الردَّ إلى الله والرسول، لا رفعَ السلاح.
وإن كان الحاكمُ ظالماً فالخروجُ عليه انتحار. لأنّه سيزداد بطشاً بالرعيّة، وهذا نفسُه ما زعم الخارجُ أنّه جاء ليخفّفه أو يقطعه. والظالمُ مرعوبٌ ذو كبرياءٍ مزيّفة، فبدل مصالحة المجتمع يزداد بطشاً؛ وهي سنّةٌ مقرَّرة: ﴿وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا﴾ [الإسراء ٦٠].
وفي الغالب تفشل مثلُ هذه الحركات وتزداد البلادُ سوءاً. والخارجُ كان هدفه كما يزعم الإصلاحَ لا الإفساد، فإذا هو قد أفسد.
وقد جعل القرآن السعيَ في الأرض بالفساد محاربةً لله ورسوله، وجعل جزاءها أشدَّ ما في كتاب الحدود:
﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة ٣٣]
والخارجُ على دولةٍ قائمةٍ يقع في هذا بعينه؛ فهو يسعى في الأرض فساداً وإن سمّى صنيعَه إصلاحاً.
وقد ظلّ الرسول ﷺ ثلاثَ عشرةَ سنةً لم يرفع سكيناً على قريشٍ رغم ظلمهم، حتّى تهيّأت له القوّةُ والدولة التي كانت تنقصه. فهو عليمٌ لا يوجد من هو أعلمُ منه، وهو خيرٌ لا يوجد من هو أخيَرُ منه، ولكن كانت القوّةُ تنقصه. فلمّا مَلَكها صار مَلِكاً للبلاد والعباد، كما مَلَك سليمانُ وداودُ وبقيّةُ الأنبياء الأخيار.
فماذا يفعل المظلومون إذاً؟
ليس أمامهم إلّا الهجرة، إذا وصل الظلمُ أن يمسّهم في دينهم؛ فالدينُ أولى من الأموال والديار.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ﴾ [النساء ٩٧]
فالاحتجاجُ بالاستضعاف مردودٌ في وجه أصحابه، ولم يُقَل لهم: أفلا قاتلتم من ظلمكم. بل قيل: أفلا هاجرتم.
وليس الردُّ على كلِّ مستضعفٍ سواء. فمن لم يجد إلى الخروج حيلةً استُثنيَ: ﴿إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا﴾ [النساء ٩٨]، ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ﴾ [النساء ٩٩]. والاستثناءُ في الهجرة لا في السيف: رُفع عن العاجز أن يُطالَب بالخروج من الأرض ووُعِد بالعفو، ولم يُقَل له: فقاتِلْ إذاً. فالقدرةُ والعجزُ يُغيّران حكمَ الهجرة، ولا يفتحان باباً ثالثاً. ووُعِد المهاجرُ بالسعة: ﴿وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ﴾ [النساء ١٠٠]، وقيل لهم صراحةً: ﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ﴾ [العنكبوت ٥٦].
وموسى فعلها: دخل على أعتى دولةٍ في زمانه فما سأله عرشَه، سأله شيئاً واحداً: ﴿أَنۡ أَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ [الشعراء ١٧]. وبنو إسرائيل أهلُ تلك البلاد، توطّنوا فيها جيلاً بعد جيلٍ حتّى صاروا جزءاً من نسيجها الاجتماعيّ، وصارت لهم فيها مساهمةٌ صناعيّةٌ واضحة. ومع ذلك كان المطلوبُ الخروجَ بهم لا قلبَ الدولة عليه. والسلطانُ القوّةُ والقدرةُ التي تدفع بها عدوَّك عنك أو تتمكّن بها من رقاب الآخرين(١٢٨)، والذي أُعطيَه موسى سلطانُ حمايةٍ لا سلطانُ قهر: ﴿وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا﴾ [القصص ٣٥]. ثمّ خرج بقومه ليلاً.
كيف يتمّ القضاء على الظالم؟
لا يحقّ للفرد أن يغامر ضدّ الظالم؛ فهذا شأنُ الله وحده. وهو الذي يحرّك القوى التي تدمّر دولةَ هذا الظالم. وقد أرسل إلى فرعونَ رسولاً يُنذِره لا ثائراً يَقلِب دولته: ﴿ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ﴾ [طه ٢٤]. وله في ذلك ثلاث أدوات:
الأولى: عقابٌ كونيٌّ إعجازيّ يقضي عليه وعلى جماعته، كما فعل بعادٍ وثمود. عادٌ اغترّت بقوّتها: ﴿فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ﴾ [فصلت ١٥]، فجاءها ما لا تُقاتَل به الرياح: ﴿فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ﴾ [فصلت ١٦]. وثمودُ آثرت العمى: ﴿فَأَخَذَتۡهُمۡ صَٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ [فصلت ١٧]. وفرعونُ نفسُه: ﴿فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡأٓخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰٓ﴾ [النازعات ٢٥]. وسبأُ حين أعرضت: ﴿فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ﴾ [سبأ ١٦]. وهذا يقع حيث لا كُفءَ يدفع.
والثانية: أن يدفع عليه العالَمين من حوله، إن كانت هناك دولٌ بجواره أصلحُ منه فتقضي عليه. وهذه هي السنّة العامّة: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ﴾ [البقرة ٢٥١]. ووقعت في بني إسرائيل بأعيانها: ﴿بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ﴾ [الإسراء ٥]. ﴿بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ﴾، فالفاعلُ هو الله، والأداةُ قومٌ من خارج الدار.
والثالثة: أن يجعل الفتنة بين النخبة فيقضي بعضُهم على بعض. ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ [الأنعام ١٢٩]. فيُسلَّط الظالمُ على الظالم، ويأكل بعضُهم بعضاً، ويسلَم من ليس منهم. وهذه أخفُّ الثلاث على العامّة، لأنّ الحربَ فيها بين أهل القصور لا بين أهل البيوت.
وليس في القرآن أداةٌ رابعةٌ اسمُها سيفُ الخارج على دولته.
ويُعترَض ههنا بآية الحجرات، وهي عمدةُ باب البغاة عند الفقهاء، وبها احتجّ القائلون بالسيف:
﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾ [الحجرات ٩]
والخطابُ فيها للجماعة لا للخارج. أُمِرت أوّلاً بالإصلاح، فإن بغت طائفةٌ قوتِلت حتّى تفيء لا حتّى تُستأصَل، ثمّ أُمِر بالإصلاح بالعدل بعد الفيء. فهي أداةُ ردعٍ في يد القائم بالأمر، لا إذنٌ لطائفةٍ أن ترفع السيف على دولتها. ولو كانت إذناً للخارج لكان لكلّ طائفةٍ أن تُسمّي خصمَها باغياً فتقاتلَه، وهو عينُ الفوضى التي جاءت الآيةُ تُطفئها.
شرعيّةُ الفتوحات
وللدولة حقُّ التوسّع، بل يصبح لِزاماً عليها، إذا كانت هناك جماعاتٌ بجوارها مستضعفة، وإذا كانت الدولُ التي حولها ضارّةً لا نافعة، مفسدةً في الأرض.
وهذا ما وعد الله به المستضعَفين: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ﴾ [القصص ٥]. وهو الذي عاتب به القاعدين: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا﴾ [النساء ٧٥]. وهم يدعون ربَّهم، ولم يُخبِرنا القرآنُ أنّهم بعثوا إلى المسلمين يستغيثون.
وقد ظهرت تلك الشرعيّةُ بوضوح في الفتوحات الإسلاميّة. فهو جيشٌ عقيدتُه تحريرُ البلاد والعباد من الظلمة، وإنقاذُ المستضعفين، والقضاءُ على الدول الفاسدة المتعفّنة. والفرقُ بينه وبين الخارج على دولته أنّ هذا دولةٌ منظّمةٌ مسؤولةٌ يُحاسَب قائدُها، وذاك عصابةٌ داخل البلد تُشعِل ما لا تقدر على إطفائه.
حرّيّةُ الكلام صمّامُ الأمان
والذي يدعو إلى الخروج في الدولة العادلة، كلامُه سيذهب هباءً لا قيمة له، وسوف يتندّر الناسُ به. ولهذا تُترَك له حرّيّةُ الكلام، لأنّها قدسُ الأقداس الذي يحمي الدولة من التفتّت والدمار، وهي التي ذكرنا أنّها الصلاة أو جزءٌ منها، أي الصلاتُ بين البشر.
فإن تكلّم متكلّمٌ عن الخروج على الحاكم في دولة العدل فمصيره السخرية. وإن تكلّم في دولة الظلم فمصيره السجن في أحسن الأحوال. أمّا لو تكلّم في الدولة الرخوة فسبَّب الفتنةَ والفسادَ العظيم، فمصيره جهنّم وحسابه عند الله؛ لأنّه من المفسدين أعظمَ الإفساد. ولا نقصد من يتكلّم للإصلاح والتعاون ورأب الصدع، فهذا واجبٌ شرعيٌّ على المواطن الصالح؛ بل من يتكلّم للخروج على الدولة وتدميرها باسم الإصلاح.
وهؤلاء لا يخرجون باسم الفساد، إنّما يخرجون باسم الإصلاح:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ﴾ [البقرة ١١]
﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة ١٢]
ونهى القرآن عن الإفساد بعد استقرار الأمر: ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦]. و﴿بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ قيدٌ في محلّه: البلدُ الذي استقام أمرُه لا يُقلَب.
الأحاديثُ في قتل الخارج
ولا نرى صحّةَ ما جاء في قتل الخارج بالسيف نصّاً. فالخروجُ إن كان كلاماً نظريّاً لم يُطبَّق فهو كلام. وقد قيل بحضرة الرسول ﷺ: ﴿لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ﴾ [المنافقون ٨]، وهو صريحٌ في نيّة قلب الأمر، وأنشأ أصحابُه مسجدَ ضِرارٍ للتآمر على دولة الإسلام، فما قُتِل قائلُه. أمّا إن أفضى الخروجُ إلى قتل الناس فتنفيذُ القانون واجبٌ عليه كغيره، وحينئذٍ يُقتَل بفعله لا بكلامه.
وأمّا عبارةُ "إلّا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان" فقد حرَّروا ضابطَها تحريراً ضيّقاً. قال النووي: "وَمَعْنَاهُمَا كُفْرًا ظَاهِرًا، وَالْمُرَادُ بِالْكُفْرِ هُنَا الْمَعَاصِي، وَمَعْنَى عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ أَيْ تَعْلَمُونَهُ مِنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى"، ثمّ جعل الواجبَ الإنكارَ لا السيف: "فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَنْكِرُوهُ عَلَيْهِمْ وَقُولُوا بِالْحَقِّ حَيْثُ مَا كُنْتُمْ، وَأَمَّا الْخُرُوجُ عَلَيْهِمْ وَقِتَالُهُمْ فَحَرَامٌ"(٢٧). وقال ابنُ حجر: "أَيْ نَصُّ آيَةٍ أَوْ خَبَرٌ صَحِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِمْ مَا دَامَ فِعْلُهُمْ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ"(٢٤).
فالضابطُ محرَّرٌ، والخللُ في العمل به لا في تحريره. فما خرج خارجٌ في هذا التاريخ إلّا وهو يزعم أنّه رأى البرهان؛ والحَكَمُ فيه هو الخارجُ نفسُه، فيصير هو المفتيَ وهو المنفِّذ. وهذا الذي جرى، لا أنّ العبارة تُركت بلا حدّ.
وأخيراً
الشارعُ لا يقف ضدّ التنافس على المُلك، لكنّه يضع شروطاً صارمةً تمنع العبثَ والفوضى.
فلا يحقّ لك أن تسعى إلى المُلك وأنت أقلُّ علماً من غيرك، وقوّتُك دون قوّة الآخرين. وقبل هذين وبعدهما أن تكون خَيْراً؛ فلو أوصلك العلمُ والقوّةُ إليه وأنت فاقدُ الخيريّة أسقطك المولى، على أنّه لا يُسقِط سيّئاً ومن حوله أسوأُ منه.
وإذا اختلّت الشروطُ في الحاكم فلا يُخرَج عليه بأيّ حال. الخروجُ على العادل كفرٌ، وعلى الظالم انتحارٌ لأنّه يزداد بطشاً. والظالمُ يدمّره الله بأدواته الخاصّة: عقابٌ كونيّ، أو دولةٌ صالحةٌ بجواره، أو فتنةٌ بين النخبة. والمخرجُ للمظلوم الهجرة، وحرّيّةُ الكلام تبقى مصونةً في دولة العدل لأنّها التي تحميها من التفتّت.
وقد ذهب قومٌ إلى أنّ في العرب طبعاً يمنعهم الاجتماع، وليس ذلك بمستقيم. فالعربيُّ ليس لجيناتٍ فيه يفعل ذلك، ولكن لطبيعة حياته الصحراويّة الحرّة؛ فهو أقربُ الناس للحرّيّة المطلقة، يتحمّل شظفَ العيش على دلال الخضوع. ثمّ ساهم فهمُهم للدين الخاطئُ في مزيدٍ من هذا الكبرياء المزيَّف، فرفضوا أن يُحكَموا، ويريد كلُّ واحدٍ فيهم أن يكون الحاكم. والذي جمعهم أمرٌ فوقهم، والذي فرّقهم منافسةُ الرياسة.
وأمّا ضعفُ المسلمين وهوانُهم منذ القرن الأوّل، فسببُه أنّ الأمّة تركت ما قرّره القرآن وأخذت بما نظّرت له بنفسها. فصار تاريخُها ثوراتٍ في ثورات، حتّى ذهبت ريحُها وصار أمرُها إلى غيرها.
والقرآنُ لا يهدف إلى استبدال مَلِكٍ بمَلِكٍ آخر؛ فالنتيجةُ ستكون واحدة. إنّما يهدف الإسلامُ إلى تبديل الأفكار والتصوّرات التي تُكرِّس للظلم والطغيان. فإذا تبدّل التصوُّرُ سقط الطغيانُ من نفوس الناس قبل أن يسقط من القصر، وإذا بقي التصوُّرُ لم يُغنِ إسقاطُ الرجال شيئاً؛ يذهب طاغيةٌ ويجيء من هو أطغى منه، لأنّ الأرضَ التي أنبتته لم تتبدّل.
وهذا الذي جرى مع قريش. أمهلها ثلاثَ عشرةَ سنةً وهي تفعل ما تفعل، لم يُرفَع عليها سيف، حتّى تبدّلت أفكارُها وتصوُّراتُها. ثمّ جعلها الله قادةَ الإسلام وقادةَ الفتوحات. فالذين كانوا بالأمس يُعذِّبون الضعفاء في بطحاء مكّة صاروا هم الذين حملوا الدينَ إلى الأمصار. ولو أنّ الأمر كان إسقاطَ رؤوسٍ لَما بقيت قريشٌ ولا قامت بها دولة.
وفرعونُ عُرِض عليه الطريقُ نفسُه. جاءه موسى عليه السلام بالكلمة لا بالسيف، وسأله شيئاً واحداً: أن يُرسل معه بني إسرائيل. ولو استجاب في البداية لكان من ضمن قادة الدين اليهوديّ، ولَما ذهب مُلكُه ولا غرق جندُه. فما أهلكه أنّه مَلِكٌ، بل أنّه رفض أن يُبدِّل ما في نفسه.
هذا والله أعلم.
التعليقات (0)