ما الفرق بين العام والسنة والحجة والحول في القرآن؟



مقدمة

تستوقفنا الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 14]. جمعت السنة والعام في عبارة واحدة: أهما لفظان لشيء واحد، أم لكل منهما معنى يُفسر سبب اختياره؟

وقال شيخ مدين لموسى: ﴿قَالَ إِنِّيٓ أُرِيدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَيَّ هَٰتَيۡنِ عَلَىٰٓ أَن تَأۡجُرَنِي ثَمَٰنِيَ حِجَجٖۖ فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرٗا فَمِنۡ عِندِكَۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَيۡكَۚ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [القصص: 27]. وفي موضع آخر قيل له: ﴿فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ﴾ [طه: 40]. فإذا كانت الحجج تُقاس بالسنين، فلماذا اختيرت «حجج» في عقد الإجارة؟

وفي الرضاع جاء: ﴿وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ﴾ [البقرة: 233]، وللأرملة جاء المتاع «إلى الحول غير إخراج» [البقرة: 240]. لماذا اختير الحول هنا، ولم تُستعمل السنة أو العام؟

نبحر في شواهد اللغة والحديث والشعر والأدب، ثم نعرض أقوال المفسرين مستقلة، ونعود إلى نصوص القرآن لنفحص الفروق بين السنة والعام والحول والحِجّة.

أولًا: ما تقوله المعاجم وشواهد العربية

السنة في كلام أهل اللغة

يفتتح *لسان العرب* مادة «سنه» بقوله: «السَّنَةُ: واحدةُ السِّنين»، ثم ينقل عن ابن سيده أن السنة اسم منقوص، وأن الحرف المحذوف من آخره يجوز أن يكون هاء أو واوًا؛ ودليله من كلام العرب «سنهات» و«سنوات». ويعرض اللسان التصغير «سُنَيْهَة» و«سُنَيَّة»، والمعاملة «مسانهة» و«مساناة»، وقولهم «تسنّيت عنده» و«تسنّهت عنده» في الإقامة سنة. فاختلافهم في أصل الكلمة قائم على صيغ استعملتها العرب، وفيها يرجع الحرف الذي خفي في المفرد.(١)

ويتتبع اللسان جموعها: سنين وسنون وسنوات وسنهات، ويذكر اختلاف العرب في إعراب «سنين»، ومنه إبقاء النون عند الإضافة في قول الشاعر «فإن سنينه». وهذا بحث في صور لفظ المدة، يسبق البحث في إطلاقه على الجدب. ومن هنا يجتمع في المادة نفسها تفسير السنة بأنها واحدة السنين، وتفسير بعض استعمالاتها بالأزمة والقحط؛ ولكل تفسير شواهده وتركيبه.(١)

أما ابن فارس فيختار جهة الهاء، ويفتتح مادة «سنه» بقوله: «السين والنون والهاء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على زمانٍ». ثم يصل الاسم بالفعل: «ويقال سَنَهَتِ النخلةُ، إذا أتت عليها الأعوام»، ويفسر «لم يتسنّه» بقوله: «أى لم يصر كالشئ الذى تأتى عليه السنُون فتغيِّره». فتعريفه لا يقتصر على اسم المدة؛ يتتبعه إلى فعل يقع في الشيء مع مرورها، وإلى النخلة التي تقادمت عليها الأعوام.(٢)

ويفصل ابن فارس عن ذلك مادة «سن»، فيجعل أصلها «جريَان الشئ وإطرادُه فى سهولة»، ويبدأ بقوله: «سَنَنْتُ الماءَ على وجهى أَسُنُّه سَنًّا، إِذا أرسلتَه إرسالا». ثم يرد إليه السُّنّة بمعنى السيرة لأنها تجري جريًا، وقولهم «امض على سننك» أي على وجهك، والريح التي تأتي على طريقة واحدة، وسنّ الحديدة بإمرارها على المسن. هذا هو ترتيب ابن فارس: زمان في «سنه»، وسقي في «سنو»، وجريان وإمرار في «سن»؛ وهو ترتيب يُظهر المادة التي سيقع عليها بحثنا حين ننتقل إلى صلة هذه الجذور بعضها ببعض.(٢)(٣)

وفي استعمال السنة للجدب يقول *العين*: «والسَّنَةُ: العامُ القحط». ويزيد *لسان العرب* بيان وجه هذا الاستعمال: «والسَّنةُ مُطْلَقَةً: السنةُ المُجْدِبةُ، أَوْقَعُوا ذَلِكَ عَلَيْهَا إِكباراً لَهَا وَتَشْنِيعًا وَاسْتِطَالَةً». ثم يقول: «يُقَالُ: أَخذتهم السنةُ إِذَا أَجْدبوا وأُقحِطُوا، وَهِيَ مِنَ الأَسماء الْغَالِبَةِ نَحْوَ الدَّابَّةِ فِي الْفَرَسِ وَالْمَالِ فِي الإِبل». فصاحب اللسان يذكر غلبة الاسم في استعمال مخصوص، ويشرحها بتعاظم أمر السنة المجدبة واستطالتها على أهلها.(٤)(١)

ويورد لذلك «عام سنة» ويشرحه بعام جدب، والدعاء بسنين كسني يوسف، و«أسنتوا» إذا أجدبوا. ثم ينتقل إلى المسانهة فيقول: «وسانَهه مُسانَهةً وسِنَاهاً؛ الأَخيرة عَنِ اللِّحْيَانِيِّ: عامَلَه بالسَّنةِ أَو استأْجره لَهَا». ويذكر النخلة التي تحمل سنة وتترك أخرى، فيقال: عاومت وسانهت. تتابع هذه الشواهد يجمع في المادة مقدار المعاملة، وتعاقب حمل الشجر، والبلاء الذي غلب عليه اسم السنة؛ فلا يقرأ تعريف واحد منها مع إسقاط بقية الاستعمالات التي ساقها صاحب المعجم.(١)

العام في كلام أهل اللغة

تضع المعاجم العام في مادة «عوم». ويبدأ *العين* بالفعل المحسوس: «العَوْمُ: السِّباحة. والسَّفينةُ والإبِلُ والنُّجُوم تَعُومُ في سيرها»، ثم يذكر الفرس العوّام في جريه، ويصل إلى الاسم الزمني فيقول: «والعامُ: حَوْلٌ يأتي على شَتْوةٍ وصَيْفَةٍ، ألِفُها واو، ويُجمَع على الأعوام». ويعقبه بالرسم العامي، أي الأثر الذي أتى عليه عام، ثم بالعامة التي تتخذ من أغصان الشجر ويُعبر عليها النهر.(٥)

وفي هذا المدخل أشياء متمايزة: فعل العوم، والاسم الزمني، وما نسب إلى العام بعد مضيه. يجمعها المعجم في جذر واحد، لكنه لا يقول في هذا النص إن كل واحد منها مشتق من الآخر. وتعليل تسمية العام بعوم الشمس يرد عند الراغب بصيغة «وقيل»، ثم ينقله التاج؛ فهو تعليل مذكور في التراث، له نسبة وصيغة، وليس تمام عبارة العين.(٦)(٧)

ويعرّف الجوهري العام بالسنة، ويعرّفه ابن سيده بالحول، ثم يمضيان إلى الاستعمالات. أما من بحثوا الفرق بين العام والسنة فلم يسلكوا طريقًا واحدًا: فمنهم من نظر إلى بدء المدة وتعاقب الفصول، ومنهم من نظر إلى الحدث الذي تؤرخ به، ومنهم من لاحظ غلبة لفظ في الرخاء وآخر في الشدة.(٨)

ينقل الفيومي في *المصباح المنير* عن ابن الجواليقي، عن أحمد بن يحيى ثعلب: «السَّنَةُ مِنْ أَيِّ يَوْمٍ عَدَدْتَهُ إلَى مِثْلِهِ وَالْعَامُ لَا يَكُونُ إلَّا شِتَاءً وَصَيْفًا». ويشرح أن العد من يوم إلى مثله قد يقع فيه بعض الشتاء وبعض الصيف، وأن العام صيف وشتاء متواليان. وينقل *تاج العروس* هذا التفصيل، ومعه قولهم: كل عام سنة، وليس كل سنة عامًا. مدار هذا القول نقطة ابتداء العد واجتماع الموسمين؛ وله صلة ظاهرة بتعريف العين «شتوة وصيفة».(٩)

ثم يأتي أبو هلال العسكري من جهة أخرى. يستهل الفرق بقوله: «أَن الْعَام أَيَّام وَالسّنة جمع شهور»، ويستدل بتعبير العرب «عام الزنج» وبتأريخهم بعام الفيل، في مقابل قولهم في التاريخ سنة مائة وسنة خمسين. ويقترح أن العام يفيد كونه وقتًا لشيء. ثم يصرّح، بعد هذا التفريق، بأن العام هو السنة والسنة هي العام، مع اقتضاء كل واحد منهما ما لا يقتضيه الآخر. فالفرق الذي يذكره واقع في توجيه الكلام إلى الحدث أو إلى التاريخ العددي، مع إقراره باتحاد المدة المسماة؛ وهذا تمام قوله الذي ينبغي أن يقرأ مع أوله.(١٠)

ويقول الراغب في *المفردات*: «العَامُ كالسّنة، لكن كثيرا ما تستعمل السّنة في الحول الذي يكون فيه الشّدّة أو الجدب». ثم يقابل ذلك باستعمال العام فيما فيه الرخاء والخصب، ويستشهد بعام الغوث في يوسف، ويلفت إلى اختلاف اللفظين في خبر نوح. عبارته «كثيرًا ما» تصف شيوع استعمال، ولا تمنع ورود العام في الجدب. وقد حفظت المعاجم نفسها هذا الورود؛ ففي *المحكم*، ثم في اللسان والتاج: «عام أعوم»، ويقول ابن سيده في تفسيره: «وأراه في الجدب»، كأنه طال عليهم لجدبه وامتناع خصبه.(٦)(٨)(٧)

ويحفظ التاج أيضًا قولًا منقولًا عن السهيلي في أن السنة دورة شمسية، وأن العام يطلق على الشهور العربية. فهذا تفريق آخر يتعلق بالتقويم، ولا يطابق تفريق ثعلب من كل وجه. وبذلك تشتمل المادة المعجمية على تعريفات متفقة في تعيين المدة، وتفسيرات مختلفة لسبب التسمية أو جهة الاستعمال. وعند عرضها تبقى عبارة كل صاحب قول على نسبتها؛ فلا نجمع تلك التفسيرات في قول واحد لم يقله أحد منهم.(٧)

وأغنى فروع «عام» بعد تعريفه «المعاومة». ينقل الأزهري عن أبي عبيد: «أخذت فلَانا معاومة ومسانهة، وعاملته معاومة ومساناة أَيْضا». ويشرح بيع النخل معاومة بأنه بيع ثمره سنتين أو ثلاثًا فما فوق، ويذكر: «عاومت النخلةُ إِذا حَمَلت سنة، وَلم تحمل أُخْرَى، وَكَذَلِكَ سانهَتْ: حملت عَاما وعاماً لَا». ثم ينقل المعاومة في زيادة أجل الدين، وفي بيع الزرع بما يخرج من قابل. وفي التاج عن اللحياني: «وعَاوَمَه مُعَاومَةً وعِوامًا: اسْتَأْجَرَه للعَامِ». هذه استعمالات في المعاش والزراعة والعمل والأجل، وبعضها مروي بلفظ المسانهة أيضًا.(١١)(٧)

العام في الحديث والشعر والأدب

في الرواية «عام الفتح»، وفي حديث العسيف الذي أورده الخطابي في *أعلام الحديث*: «وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام». الأول يعيّن زمنًا بواقعة اشتهرت في الجماعة، والثاني يوقّت ما يقع في حياة فرد من تغريب؛ وهما شاهدان على استعمال اللفظ، ولكل منهما مقامه.(١٢)

ويعرض الصولي طريقة العرب في التأريخ، فيذكر عام الفيل، ثم يقول: «وأرخت العرب بعام الخنان لأنهم تماوتوا فيه، وعظم عندهم أمره». ويورد للنابغة الجعدي:

فمن يك سائلاً عني فإني … من الشبان أيام الخنان

مضت مائة لعام ولدت فيه … وعشر بعد ذاك وحجتان

جمع الشاعر التأريخ ببلاء أصاب القوم، وتعيين عام مولده، وعدّ ما مضى من عمره، ثم ختم بالحجتين. والصولي يسوق الشعر شاهدًا على التأريخ بالأحداث التي عظمت عند الناس؛ وتظهر فيه الألفاظ في كلام مستعمل، وراء التعريف المعجمي الموجز.(١٢)

وفي *أحسن ما سمعت* يورد الثعالبي قول علي بن الجهم في الورد:

زائر يهدي إلينا … نفسه في كل عام

فالعام حاضر أيضًا في عودة فصل ينتظره الناس، والورد موصوف بزائر يهدي نفسه إليهم. تتنوع هذه الشواهد بين الحدث العام والعقوبة الفردية والميلاد والزيارة الموسمية؛ وسنعود إلى وجه اجتماعها حين نعرض معنى العام في قراءتنا.(١٢)

الحول في كلام أهل اللغة

يفتتح *العين* المادة بالمدة: «والحَوْل: سَنةٌ بأَسْرِها»، ثم يقول: حال الحول يحول حولًا وحؤولًا، وأحال الشيء إذا أتى عليه حول كامل. ويذكر الدار المحيلة التي غاب عنها أهلها منذ حول، والصبي المُحْوِل الذي تم له حول. فالمدخل يثبت تمام المدة، ثم يري القارئ صورًا لما يُنسب إليها: دار غاب أهلها، وصبي بلغ قدرًا من العمر.(١٣)

ومن تمام هذه الصورة قول ابن فارس: «وأحْوَلْتُ أنا بالمكان وأحَلْتُ، أى أقمتُ به حَوْلاً». ويروي اللسان هذا الاستعمال أيضًا. فالحول يرد في الإقامة نفسها، كما ترد مادته في مفارقة المكان؛ وتعيين الفعل المصاحب هو الذي يبين ما وقع: أحال بالمكان فأقام، أو حال عنه فانتقل.(١٤)(١٥)

وفي الحركة المكانية ينقل اللسان عن اللحياني: «يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذا تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانٍ إِلى مَكَانٍ أَو تَحَوَّلَ عَلَى رَجُلٍ بِدَرَاهِمَ: حَالَ، وَهُوَ يَحُولُ حَوْلًا». ويأتي التحول في الحوالة أيضًا: إحالة الغريم إلى غريم آخر، وتحول الماء من نهر إلى نهر. هذا انتقال له مبدأ ووجهة، سواء تعلّق بموضع الشخص أو بمجرى الماء أو بالحق الذي يحال إلى غير صاحبه الأول.(١٦)(١٣)

ويجمع *العين* فرعين بقوله: «وحال الشيءُ يحول حؤولاً في معنيين، يكون تغييراً، ويكونُ تحويلاً». ثم يذكر الرماد والنبات إذا تغير لونهما، ويقول: «والحائلُ: كلّ شيء يتحركُ من مكانِه، أو يتحوّل من موضع إلى موضع، ومن حالٍ إلى حالٍ». وفي الفروع أيضًا الحائل بين شيئين، وحوالي الدار، والمحاولة في طلب الأمر. فالمعجم يعرض الانتقال والتغير والحيلولة وما يحيط بالمكان، ويعطي لكل تركيب استعماله.(١٣)

أما ابن فارس فيحاول جمع المادة تحت أصل واحد، فيقول: «الحاء والواو واللام أصلٌ واحد، وهو تحرُّكٌ فى دَوْرٍ». ومنه عنده تسمية العام حولًا لأنه يدور، وحركة الشخص ووثوبه إلى متن فرسه، والحيلة والمحاولة لأن صاحبها يدور حوالي الشيء ليدركه. هذه طريقة ابن فارس في رد الفروع إلى أصل؛ وهي أوسع من قصر المادة على السنة، وأوسع من قصر كل مشتقاتها على مغادرة مكان.(١٤)

ويتضح من الألفاظ أن «حال الإنسان» تجمع على أحوال، وأن الحول الزمني يجمع أيضًا على أحوال في مثل قولهم عن الأرض إنها تُترك حولًا أو أحوالًا عن الزراعة. فصورة الجمع وحدها لا تعيّن المراد؛ وتبقى الفروق بين الحال والحول والحِوَل محفوظة بسياقها وضبطها. وسيكون موضع نظرنا في القرآن صلة الحول المؤقّت بالمقام والتحول، بعد أن استوفينا وصف أهل اللغة للمادة.(١٦)(١٣)

الحِجّة في كلام أهل اللغة

لا يقف *العين* عند كلمة القصد وحدها، بل يقول: «والحَجُّ: كثرة القَصْد إلى من يُعَظَّم»، ويورد شاهد بني سعد الذين كانوا يحجون عمامة سيدهم، ثم يشرح ذلك بتعظيمه. وفي المادة نفسها «حج علينا فلان» أي قدم، والحجّاج للكثير الحج. فالتكرر والتوجه إلى معظّم حاضران في هذا التعريف، قبل تخصيص اللفظ بنسك البيت.(١٧)

ويجعل ابن فارس للحاء والجيم أربعة أصول. أولها القصد، ويقول: «ثم اختُصَّ بهذا الاسمِ القصدُ إلى البيت الحرام للنُّسُك». ويضم إليه المحجة، وهي جادة الطريق، ثم الحُجّة التي يقصد بها الحق المطلوب ويغلب بها الخصم. ويذكر حجّ الشجة إذا سبرها بالمِيل لمعرفة قدرها، أو صب على دمها السمن ليظهر فيؤخذ بقطنة. وفي العين تسمى الشجة التي عولجت «حجيجًا»، وتفسر الحُجّة بأنها وجه الظفر عند الخصومة. هذه أفعال فيها قصد ومسلك وعلاج ومراجعة للخصم؛ وقد ساقها أصحاب المعاجم في تفسير عائلة اللفظ.(١٨)(١٧)

ثم يفرد ابن فارس الحِجّة الزمنية في أصل آخر، ويقول: «والأصل الآخر: الحِجَّة وهى السّنَة. وقد يمكن أن يُجمع هذا إلى الأصل الأوّل؛ لأن الحجّ فى السنة لا يكون إلا مرَّةً واحدة، فكأنَّ العام سُمِّى بما فيه من الحَجّ حِجّة». فهذا تعليل معجمي معلن: تسمية المدة بالفعل الذي يتكرر فيها، وقد عرضه ابن فارس بصيغة الإمكان.(١٨)

ويصرح أبو هلال العسكري بالوجه نفسه: «أَن الْحجَّة تفِيد أَنَّهَا يحجّ فِيهَا»، ثم يفسر الانتقال من اسم المرة إلى اسم السنة بقوله: «ثمَّ سميت بهَا السّنة كَمَا يُسمى الشَّيْء باسم مَا يكون فِيهِ». يتصل هذا بما قرره في العام: قد يتفق المقدار الذي يدل عليه اسمان، ويبقى في أحدهما ما يستحضره من فعل يقع في المدة.(١٩)

ومما يكشف عناية المعجميين باختلاف الاستعمال بيت لبيد الذي ورد فيه «في كل حِجّة». فقد فسرها بعضهم بالسنة، وبعضهم بشحمة الأذن أو بالخرزة المعلقة فيها؛ وسجل ابن فارس الخلاف ولم يطمس أحد الوجهين. فلا يُفصل شاهد الشعر عن الشيء الموصوف في بيته. كما تُراعى الحركة في «حِجّة» المدة أو المرة، و«حُجّة» البرهان؛ إذ يلتقي رسم الكلمتين، ولا يغني الرسم عن قراءة معناهما في التركيب.(١٨)(١٧)

ثانيًا: قول المفسرين

السنة والعام في التفسير

فسّر القرطبي السنين في أخذ آل فرعون بالجدوب، ثم قال: «وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ، يُقَالُ: أَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ، أَيْ جَدْبٌ. وتقديره جدب سنة». فهو يرد التفسير إلى الاستعمال اللغوي الذي يجعل اسم المدة دالًا على البلاء الواقع فيها، ويقدّر ما يوضح المراد. ويشرح *أوضح التفاسير* اللفظة بالقحط، ويذكر *إعراب القرآن وبيانه* أن «أسنت القوم» تعني أقحطوا.(٢٠)(٢١)

وعند مائة عام في البقرة يقرر القرطبي أن العام السنة، ويسوق قولهم «سنون عُوَّم» وشاهد العجاج في مرور أعوام السنين. ثم ينقل عن النقاش: «الْعَامُ مَصْدَرٌ كَالْعَوْمِ، سُمِّيَ بِهِ هَذَا الْقَدْرُ مِنَ الزَّمَانِ لِأَنَّهَا عَوْمَةٌ مِنَ الشَّمْسِ فِي الْفَلَكِ». فجمع في هذا الموضع بين شرح المقدار وتعليل الاسم بحركة الشمس؛ ولم يجعل الفرق هنا متعلقًا بحال صاحب القرية.(٢٢)

وفي آيات يوسف يشرح ابن عاشور خطة الادخار في سنوات الخصب، ثم يقول: «وَالشِّدَادُ: وَصْفٌ لِسِنِي الْجَدْبِ، لِأَنَّ الْجَدْبَ حَاصِلٌ فِيهَا». ويبين أن إسناد الأكل إلى السنين في «يأكلن» معناه فناء المدخر خلالها، فالسنون زمن وقوع الفناء. أما خبر العام الذي يغاث فيه الناس فيجعله بشارة وإدخالًا للمسرة والأمل بعد الكلام عن الشدة، ويفسر الإغاثة بإعطاء الغيث. هذا الشرح يوزع الوقائع على مددها: خصب وادخار، ثم جدب واستهلاك، ثم غوث وعصر.(٢٣)

وأما خبر نوح فيقرأ ابن عاشور العدد مدة لرسالته إلى قومه، ويجعل ذكرها بيانًا لطول مصابرته على أذاهم. ثم يعلل اختلاف اللفظين بقوله: «وَأُوثِرَ تَمْيِيزُ أَلْفَ بِ سَنَةٍ لِطَلَبِ الْخِفَّةِ بِلَفْظِ سَنَةٍ، وَمُيِّزَ خَمْسِينَ بِلَفْظِ عَامًا لِئَلَّا يُكَرَّرَ لَفْظُ سَنَةٍ». فهذا تعليل لاختيار اللفظ بالخفة وتجنب التكرار، يختلف عن تعليل الراغب بغلبة الشدة والرخاء.(٢٤)

الحولان: انقلاب الوقت ودوران المدة

يشرح القرطبي الحولين بأنهما سنتان، من حال الشيء إذا انقلب، ثم يقول: «فَالْحَوْلُ مُنْقَلِبٌ مِنَ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ إِلَى الثَّانِي». ويذكر قولًا آخر: سمي العام حولًا لاستحالة الأمور فيه في الأغلب. ثم يشرح قيد «كاملين» بمثال من كلام الناس؛ فقد يقول القائل أقمت عند فلان حولين، وهو يريد حولًا وبعض حول آخر، فجاء قيد الكمال لرفع هذا التسامح.(٢٥)

ويرد ابن عاشور تسمية الحول إلى تحول دورة القمر أو الشمس من مبدأ مصطلح عليه حتى الرجوع إلى السمت الذي ابتدأت منه، ثم يقول إن حول العرب قمري. ويجعل قيد الكمال رافعًا لتوهم سنة وبعض الثانية؛ فيتقارب مع القرطبي في تفسير «كاملين»، وإن فصّل جهة الدوران الفلكي في أصل التسمية.(٢٦)

ويختار ابن عاشور أن آية الرضاعة في المطلقات؛ لأنها جاءت في سياق أحكام الطلاق، ولأنها أثبتت رزق المرضع وكسوتها على المولود له، والمرأة التي في العصمة لها النفقة والكسوة بأصل الزوجية. ويذكر في المقابل من حمل الوالدات على العموم. فبحثه هنا يجمع معنى الحول، ومن تتوجه إليهن الآية، وتدبير النفقة والفصال؛ أما تعيين بيت تقيم فيه المطلقة أو بيت ينتقل عنه الطفل فليس مما عيّنه في هذا الشرح.(٢٦)

عامَا الفصال: التذكير بحق الوالدين

يقف ابن عاشور في لقمان عند تعليل الوصية بذكر حمل الأم وما تتحمله، ويجعل ذلك باعثًا في نفس الولد على برها، ومنبهًا إلى ما يبذله الأب أيضًا في رعاية الأم والطفل. ثم يقول: «وَالْفِصَالُ: اسْمٌ لِلْفِطَامِ، فَهُوَ فَصْلٌ عَنِ الرَّضَاعَةِ». ويبين أن ذكر الفصال يستلزم الإرضاع الذي سبقه، ويستحضر شفقة الأم وما تشاهده من ألم الرضيع في مبدأ فطامه.(٢٧)

ويلفت إلى حرف «في» في قوله «في عامين»؛ فالمدة غاية للفصال، ويمكن أن يقع قبل استيفائها. ويفسر ذكر أقصاها بمناسبته للتذكير بحق الأم والترقيق عليها. هذا شرح لما يتوجه إليه خطاب لقمان، وهو الذي نقابله لاحقًا بخطاب البقرة في تنظيم الرضاع بين الأبوين.(٢٧)

الحِجج في عقد موسى

يفسر ابن عاشور الحِجج بأنها جمع حِجّة بالكسر، وهي السنة، ويقول إنها مشتقة من اسم الحج لأن الحج يقع كل سنة. ثم يقرأ الكلام عرضًا على موسى للزواج مع التزام الإجارة؛ فقبول موسى هو الذي يتم به التراضي على المعروض. بهذا يجمع تفسيره أصل التسمية بالموسم ومقام الاستعمال في عقد الخدمة.(٢٨)

ويبحث القرطبي في الخدمة المعقود عليها: أذكرت مطلقة اعتمادًا على العرف، أم يجب تعيين العمل؟ وينقل عن المهلب أن العمل كان معلومًا عندهم من سقي وحرث ورعي وأعمال البادية، ولو لم تعين مقادير كل عمل. ثم ينقل عن ابن العربي تخصيصها برعاية الغنم مع قوله: «وَلَمْ يُرْوَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ». فالمتيقن في هذا العرض التفسيري وجود الإجارة وأجلها، وأما تفصيل الخدمة فمداره عندهم على المنقول والعرف. وهذه العناية بالعمل وحدوده جزء من شرح الآية، وراء مجرد تفسير الحجج بالسنين.(٢٩)

ثالثًا: قراءتنا في الكتل ومواضع القرآن

الكتل في علم آدم قبل تفسير الآيات

تبدأ قراءتنا من هذه المادة المحسوسة: ماء يُسنّ، وحديد يُمرّ على المسن، وعائم يشق الماء، وعامل يكرر ما التزمه، ومقيم يتحول عن مقامه. وفي علم آدم نقرأ الصلات بين هذه الأفعال من خلال الكتل الثنائية وتقاليبها، ثم نعود إلى الآيات لنبين ما يقدمه كل لفظ من معنى المدة. المعاجم حفظت لنا الشواهد، وأما هذا البناء بين الكتل فهو تحليلنا الذي نشرحه هنا.

سن ونس: الجريان والاستنفاد

في قراءتنا لكتلة «سن» إمرار مطرد على وجه الشيء في سمت واحد؛ يُسنّ الحديد بالمِسَنّ، ويُسنّ الماء إذا صُب، وتسقي السانية الأرض مرة بعد مرة. وفي «سنن» يذكر ابن فارس جريان الشيء واطراده. وعند «سنه» يمر الزمن على الطعام فيُنتظر تغيره، ولذلك كان «لم يتسنّه» خبرًا عما لم يفعله مرور السنين به.(٣٠)(٣) الجريان يفسر تعاقب وحدات المدة، والحساب يمسك مقدارها؛ أما الطقس وما يحدث للناس فلهما أوصافهما في الخبر.

أما «نس» المعكوسة فحدّها عندنا دفعٌ من وراء الشيء يُخرجه من موضعه ويستنفد ما فيه. من شواهدها «نسّ» في حثّ السير، و«نسف» في اقتلاع الشيء، و«كنس» في كسحه؛ وورد «الناسّ» لما ذهب طعمه وبلله من شدة الطبخ، و«النسيس» للبقية من الشيء وبقية الروح.(٣١) تقابل الصورتان فعل الإمرار وفعل الاستنفاد: يُسنّ الماء فيجري، ويُنسّ ما في الشيء فيذهب.

عوم، وعم ومع: ما يغمر المدة وما يصل إلى أهلها

المعاجم تضع «عام» في مادة «عوم»، وتذكر حركة العائم وما يأتي على شتوة وصيفة. ونقرأ في «عم» استيعابًا يبلغ محلّه؛ ويشهد له «عمّ الناس» و«العِمامة» التي تحيط بالرأس، و«الفَعْم» للملآن. وفي معكوسها «مع» تظهر المقارنة والضم، ثم ينفتح في «ميع» وجه الجريان والانبساط. نستعين بهذه الصور في قراءة عوم الإنسان داخل المدة وما يحيط به خلالها، ثم نسأل الآيات: هل أبرزت عدّ الأيام وحده، أم ما غمر الإنسان والجماعة من وقائع وما بقي أثره فيهم؟(٥)(٣٢)

حج وجح: إحاطة العمل وجهده

في شرح الكتل تقوم «حج» على إحاطة تستقبل ما يدخلها ويحتك بحدودها؛ ويؤيدها «حجر» و«حجز» في المنع والحد، و«حجّ الشجة» في سبرها، و«حجّ» في التردد إلى مقصد، و«الحُجّة» في دفع الخصم بالبرهان. ومعكوسها «جح» يصور مجموعًا ينحشر في ضيق؛ من شواهده «الجُحر» و«الجَحْفَل» الذي يضم جماعة.(٣٣)(٣٢) لا نزعم أن «جح» أصل «حِجج»؛ المعكوس يعين على اختبار اتجاه الحركة، والجذر المستعمل في الآية هو «حجج».

في دراسة «ثلاثية حج حجج» فُسّر التضعيف بأنه تتابع العمل داخل إحاطته، ونُبّه إلى أن المشقة أثر هذه الحركة لا تعريف الكتلة ذاتها.(٣٣) وهذا يفيدنا في موضع الإجارة: عقد يحصر واجب موسى، وأجل يتكرر فيه البذل حتى الوفاء. المشقة هنا جهد عمل معقول، لا عذابًا يناقض قول شيخ مدين «وما أريد أن أشق عليك». وسنرى أن تسمية المدة «حججًا» تبرز ما احتمله العامل فيها، بخلاف ذكر لبثه «سنين» في خبر آخر.

حل ولح: مقام يطول ثم ينفتح التحول

في شرح «حل» من علم آدم صورة الحصر ولزوم الموضع؛ من شواهدها حلول الشيء في مكانه، والحَلِف الذي يلزم صاحبه بما قال. وفي «لح» المعكوسة صورة الملاصقة والمطابقة؛ يشهد لها اللِّحاف الملازم للجسم، واللِّحاء على الشجر، واللَّحاق الذي يصل اللاحق بغيره.(٣٢) هذه شواهد على المقام والاتصال، ولا نجعل كل جذر فيه الحاء واللام دليلًا واحدًا على معنى الحول.

فالحاء واللام في «حَوْل» تفصل بينهما واو، وليستا كتلة متجاورة كما في «حَلّ». نقرأ في هذا البناء امتداد المقام إلى أجل؛ وتؤيد جهة التحول مادة «حول» نفسها في المعاجم، ولا سيما الانتقال من مكان إلى مكان. في متاع الأرملة يُذكر البقاء والخروج بلفظهما، وفي الحولين قد تنتهي إقامة الأم أو إقامة الطفل على إحدى الصورتين اللتين سنعرضهما. ولا تفرض الكتلة على الآية أمرًا بإخراج المرأة أو الطفل؛ إنها تضيء وجه التسمية بعد أن يحدده السياق.

بعد هذا التحليل للكتل نختبره في الآيات نفسها؛ فالمفاضلة بين الألفاظ لا يقررها جذر واحد بمعزل عن سياق الكلام.

الألفاظ في مواضعها

وردت السنة الزمنية وصيغ جمعها في القرآن تسع عشرة مرة: سبعًا بالمفرد واثنتي عشرة بالجمع. وجاء العام بصيغه تسع مرات موزعة على سبع آيات، والحول الزمني في آيتين، والحِجج الزمنية في آية واحدة.(٣٤) هذه ألفاظ المدة؛ أما سُنّة الطريقة وسِنة النعاس، وحول المكان والحِوَل عن الشيء، فلها وظائف أخرى، وتُستدعى للمقارنة حيث تكشف صلة المعنى.

كثرة ورود السنة تتيح رؤية وظيفتها في حساب الأعمار واللبث والتدبير. وندرة الحول الزمني تجمعه في أمرين متصلين بالأسرة: مقام المرأة والرضاع. أما الحِجج فجاءت في عقد عمل. هذا التوزيع هو أول ما يجب تفسيره؛ فإعادة لفظ سنة مكان كل واحد منها تخبرنا بالمدة، لكنها تمحو ما خصصه الكلام بالذكر.

وقد يجتمع العدد والمقام والعمل في حياة واحدة. أجير أقام ثماني سنوات في بلد يكون قد عاش أحواله وأدى عمله واستوفى عدد أيامه. فلا يفسد الفرق لأن الواقعة تحمل الجهات كلها؛ الأسماء تميز هذه الجهات ولا تقسم العالم إلى وقائع منفصلة. لهذا كانت المقارنة بين سنين مقام موسى وحجج إجارته من أقوى شواهد الباب.

السنة الفلكية

يعرف أهل الأرض سنتهم بعودة الشمس الظاهرة إلى موضعها الموسمي بعد نحو 365 يومًا وربع اليوم. أما المريخ فيستكمل دورته حول الشمس في نحو 1.88 سنة أرضية، والمشتري في نحو 11.86 سنة أرضية.(٣٥) تختلف مدة الدورة باختلاف الكوكب؛ وحين نقول إن السنة الأرضية نحو 365 يومًا فنحن نحدد مقدارها لأهل الأرض، لا مناخها ولا ما أصاب الناس فيها.

السنة: عدّ الأيام في دورة

أصرح ما يصل السنة بالحساب قوله في الشمس والقمر:

﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ [يونس: 5]

وقوله في آيتي الليل والنهار:

﴿لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ﴾ [الإسراء: 12]

تُعرَف السنة الكاملة بالشمس وتعاقب الفصول؛ ويظهر القمر بمنازله حسابًا قريبًا لأيام الشهر وشهوره، يستطيع الناظر أن يتابع به ما مضى من الأيام. فـ«عدد السنين» غير «الحساب» الذي يعين الأجزاء القريبة من اليوم إلى الشهر. السنين وحدات مدة تُعد؛ والعودة من فصل إلى مثله مثال محسوس لاكتمالها. لا يتغير هذا العمل الحسابي إذا تبدلت أحوال الناس في أثناء المدة.

ويظهر المعنى أوضح عندما يجتمع المقدار والعد في عبارة واحدة:

﴿فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: 5]

﴿وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47]

الذي تستحضره السنة هنا مقدار من حساب المخاطَبين. لم تُطلب معرفة أحوال ألف سنة، ولا الأعمال التي ستقع فيها، وإنما قُرّب مقدار إلى مقدار يعرفون عده. وهذه شهادة للعدد أقوى من مجرد وقوع رقم قبل كلمة سنة؛ فالعدد منصوص على وظيفته في تركيب الكلام نفسه.

ويتكرر ذلك في اللبث:

﴿فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا﴾ [الكهف: 11]

﴿قَٰلَ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: 112]

فالسنين في الأول كثيرة معدودة، وفي الثاني وحدات يُسأل بها عن مقدار اللبث. وكذلك بضع سنين في سجن يوسف [يوسف: 42]، وبضع سنين في خبر الروم [الروم: 4]، وسنين الإقامة في أهل مدين [طه: 40]. يتنوع ما يقع في المدة بين سجن وإقامة وخبر انتظار، وتثبت جهة الامتداد المحسوب التي يحملها اللفظ.

وتأتي «سنة» مع الأعداد في العمر: ألف سنة يتمنى أحدهم أن يعمّرها [البقرة: 96]، وأربعون سنة يبلغها الإنسان [الأحقاف: 15]، وسنون يذكّر فرعون موسى بأنها مضت من عمره عندهم [الشعراء: 18]. المتمني والمربَّى والبالغ يتباينون في حالهم، واللفظ في الثلاثة يحسب مقدار ما مضى أو ما يُشتهى أن يمضي. وكذلك خمسون ألف سنة في مقدار اليوم [المعارج: 4]؛ فقد امتد العدد إلى مقدار لا يتعلق بعمر شخص بعينه، وبقيت السنة أداة الحساب.

وفي التيه جاءت أربعون سنة [المائدة: 26] لتوقيت المدة المحرمة على الجماعة. وليس لازمًا أن يستوفي كل فرد منها الأربعين؛ فقد يدرك بعض الناس أول المدة وبعضهم آخرها. العدد يحيط بزمن الحكم على الجماعة، وأحوال الأفراد تقع داخله. وفي الكهف جاء أولًا «سنين عددًا» [الكهف: 11]، ثم العدد المفصل بالسنين [الكهف: 25]؛ ومهما يكن البحث في مصدر ذلك العدد، تبقى «سنين» هي اللفظة التي صيغ بها حساب المدة. وكذلك ألف سنة في خبر نوح، وسيأتي بحث الاستثناء منها في آخر المقال.

ومن تمام هذا المعنى أن السنة تستوعب الرخاء والعمل كما تستوعب الضيق. قال يوسف:

﴿قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ﴾ [يوسف: 47]

هنا زرع وحصاد واستهلاك وادخار، والسنين تحدد مقدار المدة التي توزع عليها الخطة. ويقول في المتاع:

﴿أَفَرَءَيۡتَ إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِينَ﴾ [الشعراء: 205]

فالمتاع قد يملأ السنين، كما يملؤها التيه في المائدة أو مقام التربية في الشعراء. هذا لا يجعل أحوال تلك المدد متساوية، وإنما يبين أن لفظ السنة يحمل وظيفة ثابتة مع اختلافها: تُجمع بها وحدات الزمن، ثم يبيّن الكلام ما وقع فيها.

ويبقى أخذ آل فرعون بالسنين استعمالًا يجب فهمه على ضوء مجموع الشواهد:

﴿وَلَقَدۡ أَخَذۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 130]

«بالسنين» اسم للقحط في العرف الذي يخاطبه النص. وفي قراءتنا اعتاد القوم جفافًا يمتد سنوات متتابعة؛ فإذا جاء القحط عرفوا أنه بلاء يستمر سنين، كما امتدت الشدة في خبر يوسف سبع سنوات. فغلب اسم «السنين» على هذا البلاء الطويل، وصار ذكره يستحضر الجفاف وقلة المحصول. وقد حفظ *لسان العرب* هذا العرف في قوله «أخذتهم السنة» إذا أجدبوا، ووصفه بأنه من الأسماء الغالبة. فامتداد الجفاف في السنين يفسر وجه تسميته بها؛ وتظل السنة في أصلها مقدارًا زمنيًا تُعد به مدة الجفاف وغيره.(١)

وعند العودة إلى سبع سنين الزرع في يوسف يبقى لفظ السنين صالحًا لعد المدة؛ فقد قيل فيه زرع وحصاد وادخار، ثم نُعتت المدة التالية بالشدة. فلا يُنقل معنى الجدب من عبارة «أخذتهم السنين» إلى كل موضع وردت فيه السنة. الأمر شبيه بما حفظه أهل اللغة من «عام سنة»: العام اسم المدة في ذلك التركيب، والسنة اسم الجدب الذي أصاب أهلها. بهذا يُقرأ العرف اللفظي في موضعه، ويبقى حساب السنين على وظيفته.

العام: أثر المدة في الإنسان والجماعة

العام مدة يُستحضر ما صنعته في إنسان أو جماعة، أو ما صنعوه هم خلالها. يبقى مقدارها معلومًا، ويتقدم في الخبر ما مسّ أهلها: غوث يغيّر معاش الناس، أو رعاية يبقى أثرها في الطفل، أو فعل يبدل موقف جماعة. فالحساب يمسك مقدار الزمن، ولفظ العام يفتح السؤال عمن عايشه وما لحقه منه أو فعله فيه. ولهذا تُعرف الأعوام بخصبها وجدبها حين يقع أثرهما في العيش، وبغيرهما مما غير الناس، وإن تساوت في العدد.

وهنا تظهر قيمة مثال أبي هلال: «عام الفيل» ليس اسم يوم الوقعة وحده. الاستعداد لها والمسير إليها وما لحق الجماعة من خبرها يشغل من السنة أكثر من ساعة الحادثة؛ فمن يؤرخ «بعام الفيل» يعين مدة كاملة بما أثر في الناس وأصبح علامة في ذاكرتهم. و«عام الفتح» كذلك لا ينحصر في لحظة الفتح؛ سبقه عمل واتبعه تغير في حياة الجماعة. حين نسأل كم فصلًا وأسبوعًا مرّ، نستعمل عدد السنين؛ وحين نسأل بماذا عُرف ذلك الزمن عند أهله، نتكلم عن العام.(١٠)(١٢)

ويتفاوت الشاهد خارج القرآن في قوته: «عام الخنان لأنهم تماوتوا فيه» يسمي أثرًا وقع على جماعة، و«العام الذي ولدت فيه» يحدد أثرًا في حياة إنسان بعينه. أما «تغريب عام» فيحدد أجل عقوبة تمس إقامة صاحبها، وعودة الورد «في كل عام» تصف زيارة متكررة؛ وهذان لا يلزمان وحدهما بتفسير معنى العام. لهذا لا نقيم الفرق على شاهد أدبي منفرد، بل نختبره في الغوث والرضاع والموت وأحكام التوبة، حيث يظهر أثر المدة في أصحابها على وجوه متباينة.(١٢)

في خبر يوسف يُعد الزرع والادخار بسبع سنين، ثم تأتي السبع الشداد التي تستهلك المدخر. وحين يصل الكلام إلى الغوث يختار لفظ العام:

﴿ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ﴾ [يوسف: 49]

حدّد يوسف سبع سنين للزرع والادخار، ثم سبعًا شدادًا لما يستهلك الناس فيها ما خزنوه؛ أراد بيان مدة الخطة ومدة الجفاف، ولذلك جاءت السنين. ثم أخبر عن عام يُغاث فيه الناس ويعصرون: هنا تقدم ما يصل إليهم من الغوث وما يصنعونه بعده، لا مجرد عدد أيام المدة. فالأولى مدد تُحسب، والأخير عام يُعرف بأثره في أهلها.

ولا يشترط ذلك أن يكون كل يوم مطرًا أو عصرًا، كما أن نعت مدة بالخصب لا يقتضي خلوها من كل ضيق. الذي أظهر العام هنا ليس طقسًا منعوتًا لذاته، بل غوث وصل إلى الناس وأعاد إليهم العمل والثمرة. وإذا أصابهم الجدب عُرف عامهم بأثره فيهم كذلك؛ فلا الخير وحده معنى اللفظ ولا الشر، وإنما الإنسان الذي تلقى ما جرى خلال المدة.

والسبع الشداد سنوات مثل سبع الزرع والادخار؛ العدد يحدد امتداد المدتين، و«شداد» تنعت ما وقع في إحداهما. ثم جاء العام حين تصدر خبر الغوث وأثره في الناس. ليست المقابلة بين لفظ للشر ولفظ للخير؛ إنها بين مدة تُعد وخبر يلتفت إلى ما أصاب أهل تلك المدة. فالخصب والجدب يفسرهما السياق، والسنوات في أصلها محايدة لا تحمل مطرًا ولا قحطًا.

العامان في حياة الطفل

﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14]

المخاطَب هو الإنسان الذي يُذكَّر بما تلقاه من والديه. في العامين ينتفع الطفل بالغذاء والرعاية، وتتحمل الأم الحمل والإرضاع وتلقى في رعاية طفلها أيضًا محبة وحنانًا. فالمدة تؤثر في الاثنين، وإن اختلف وجه أثرها: ينمو الابن بما وصله، وتبذل الأم جهدها له. لذلك جاء العامان في مقام تذكير الإنسان بحق والديه، لا في بيان عدد أيام الرضاع وحده.

وتبقى هذه النعمة للطفل سواء استمر زواج أبويه أم انفصلا. لقمان تخاطب الابن بحق ما تلقّاه، والبقرة تنظم الرضاع وما يلزم أبويه. موطن الفرق جهة الخطاب، لا اختراع أسرة سعيدة للعامين وأخرى شقية للحولين. الرضاعة منفعة للطفل وصلة بدنية بأمه في الوقت نفسه؛ ولكل لفظ من هذين اللفظين الجهة التي يبرزها.

مائة عام في موت الإنسان وبعثه

وفي صاحب القرية وردت مائة عام مرتين: عند الإماتة، وعند تصحيح تقدير اللبث. والنص عند تصحيح التقدير يقول:

﴿قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ﴾ [البقرة: 259]

مات الرجل مائة عام ثم بعثه الله؛ والمائة هنا ليست عمرًا عاشه وهو يحسب السنين. وفي قراءتنا كانت مدةً في رعاية الله له، حفظه فيها من السباع ومن التحلل الذي يصيب البدن، ثم أعاده إلى الحياة وأراه الطعام الذي لم يتسنّه والحمار والعظام. جاء «عام» لأن الخبر عن أثر المدة في هذا الإنسان وما صنع الله به، لا عن جمع أيامها وحده.

الأعوام في التوبة

في منع المشركين من قرب المسجد الحرام جاء:

﴿فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ﴾ [التوبة: 28]

أضيف العام إلى المشركين أنفسهم: «عامهم هذا». كانوا ينتفعون بما أُتيح لهم من قرب المسجد والحضور فيه، وما يرتبط به من حركة الناس والتجارة؛ ثم ينتهي ذلك الحق بعد عامهم. ولهذا أعقب النص المنعَ بذكر خشية المؤمنين العَيْلةَ والوعد بالغنى. فالعام يُعرف هنا بما أُتيح لتلك الجماعة وما انقطع عنها، لا بمطر وقع فيه.

وفي النسيء:

﴿يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ﴾ [التوبة: 37]

جاء العام مرتين لأنهم يتصرفون فيما نفعهم: يُحِلّون ما حرّم الله في عام، ثم يحرّمونه في آخر ليوافقوا العدد ويحصلوا على ما أرادوه من الإحلال. كل عام تتحدد فيه أفعالهم وما يعود عليهم منها؛ لا يريد الخبر أن أحد العامين كله حلال والآخر كله حرام. ولتفصيل النسيء والأشهر الحرم يُرجع إلى بحثنا «السيف البتار لمن عبث بالشهر الحرام».

ثم يقول في الفتنة:

﴿أَوَلَا يَرَوۡنَ أَنَّهُمۡ يُفۡتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً أَوۡ مَرَّتَيۡنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمۡ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: 126]

في كل عام فتنة تسبقها أسباب وقد يمتد أثرها بعد وقوعها، ثم يظهر موقف الناس منها: لا يتوبون ولا يذّكرون. فالخبر لا يعد المرات وحدها، بل يبين ما وقع للجماعة وما فعلته بعده؛ ومن هنا جاء «كل عام».

وتكشف آيات التوبة الفرق بين معنى اللفظ وما يصرح به كل خبر. لا يجمعها طقس واحد ولا «حال سنة» مجردة؛ يجمعها أن المدة مرتبطة بمن عاشها: مشركون تغيّر حقهم في القرب، وجماعة تغيّر حكمها في الأشهر، وناس تتكرر فتنتهم فلا يتوبون. هذا هو وجه الاختيار الذي لا يؤديه عدد الأيام وحده. وقد يُنعت العام بالمطر أو الجدب، لكن أثره في الإنسان أوسع من الطقس.

الحول: أجل يعقبه تحول

أظهر ما يتصل بمادة الحول التحول عن المكان. تشهد له اللغة، وله شاهد قرآني مباشر:

﴿خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلٗا﴾ [الكهف: 108]

الإقامة في الجنة تقابلها هنا مفارقتها: هم خالدون فيها، لا يطلبون انتقالًا عنها. فالتحول علاقة بالمكان الذي يقيمون فيه، والحِوَل مصدر الانتقال عنه. وحين يرد الحول لفظًا للمدة تُقرأ صلته بهذا الأصل في الأمر الذي تضبطه تلك المدة: أهو مقام محفوظ، أم اتصال يستوفى ثم يفصل؟

وتحيط بالمادة دلالة المكان: حول الشيء تعيّن جهاته، والحِوَل عنه مفارقته، وحال من مكان إلى مكان انتقال منه إلى غيره. لا تحتاج هذه الصلة إلى تخمين بعيد؛ المعجم يصرح بها، والآية تظهرها في فعل الإقامة وطلب مفارقتها. ثم يأتي استعمال الحول الزمني في مقام المرأة وفي الرضاع، فتجتمع القرينة اللفظية مع طبيعة الأمر المؤقت.

الإقامة إلى الحول

أوضح موضعي الحول الزمني اتصالًا بالمكان قوله:

﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [البقرة: 240]

قرائن المكان صريحة: غير إخراج، فإن خرجن. والمتاع إلى الحول يحفظ للأرملة مقامها، ويذكر خروجها منه. فالحول هنا مدة مقام يصل الكلام نهايتها بإمكان التحول عنه. لم نأت بالمكان من خارج القضية؛ الخروج والإخراج في صلبها، وهما اللذان يفسران وجه اختيار اللفظ.

أما الاكتفاء بأن شؤون المرأة تتغير بعد سنة فيبدد الدلالة؛ فقد تغيرت بموت زوجها قبل انقضاء الحول. الزمن كله ميدان تغير، لكن الآية عيّنت الأمر: بقاء وخروج. ومن ثم يكون حمل الحول على صلته بالمقام والتحول عنه أدق من عبارة تغير الأحوال التي تصلح لكل أجل ولا تميز لفظًا من لفظ.

والتحول عن المقام لا يعني إخراج المرأة قسرًا؛ الآية تنفي الإخراج وتذكر خروجها هي. يحفظ اللفظ جهة المكان، وتحفظ الأفعال ما للمرأة في هذا المقام. فمن جعل معنى التحول أمرًا بطردها فقد نسب إلى اللفظ ما نفاه النص المحيط به.

الحولان في الرضاعة والفصال

﴿وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ﴾ [البقرة: 233]

إذا قرأنا الآية في شأن المطلقة، كما قرأها ابن عاشور، أمكن تصور الحولين على صورتين مكانيّتين. الأولى أن تمكث الأم في بيت الزوج السابق لترضع الغلام حتى يتم الحولين، ثم تتحول هي عن ذلك البيت. والثانية أن تكون في بيت أهلها، فيمكث الغلام عندها طوال مدة الرضاع، ثم يتحول هو عنها بعد الحولين. في الصورة الأولى تنتقل الأم، وفي الثانية ينتقل الطفل؛ وفي كلتيهما مدة مقام يعقبها تحول.

في الصورة الأولى لا تكون مشقة الإرضاع وحدها هي المقصود بتسمية المدة؛ فلو عبّر عن السنتين بـ«حجتين» لأبرز عبء الأم، ولم يُفهم منه انتهاء مقامها في بيت مطلقها. أما «حولين» فيجمع في قراءتنا حدّ المدة مع جهة التحول عند تمامها. وبقاؤها خلال الإرضاع قد يترك مجالًا للمراجعة بين الزوجين إن تغير موقفهما؛ وهذه إمكانية في واقع الأسرة، لا حكم أوجبه اللفظ. وفي الصورة الثانية تقيم هي في بيت أهلها ويبقى الطفل معها حتى يتم الرضاع، ثم يمكن نقله بعد ذلك. فالمتحول يتبدل باختلاف موضع الإقامة، ويظل اللفظ متعلقًا بنهاية مقام مؤقت.

لا يعين لفظ الآية بيت الإرضاع ولا يوجب إحدى الصورتين، لكنه يحدد الحولين الكاملين لمن أراد إتمام الرضاعة، ويذكر رزق الأم وكسوتها ومنع الإضرار بالولد. ويتعلق ترتيب الإقامة بما يختاره الأبوان في واقع انفصالهما. ثم تأتي تتمة الآية:

﴿فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ﴾ [البقرة: 233]

فتدبير الفصال موكول إلى تراضيهما وتشاورِهما؛ ولا يصح أن نجعله قطعًا مباغتًا لغذاء الطفل. ويدخل في تدبير الأبوين عندنا انتهاء ترتيب الإقامة الذي اقتضاه الإرضاع: قد تتحول الأم عن بيت طليقها، أو ينتقل الغلام من بيت أهلها وفق الصورة التي عاشاها. هذا وجه نقرؤه في انتظام الآية، لا نقلًا عن ابن عاشور ولا نصًا يحدد مكان المرأة. أما «عامين» في لقمان فالمقام مقام ما ناله الطفل وما بذلته أمه خلال المدة؛ والواقعة واحدة، لكن اللفظ يبرز جهة غير جهة الحول.

الحِجّة: جهد يُحتمل حتى يُقضى الأجل

﴿قَالَ إِنِّيٓ أُرِيدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَيَّ هَٰتَيۡنِ عَلَىٰٓ أَن تَأۡجُرَنِي ثَمَٰنِيَ حِجَجٖۖ فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرٗا فَمِنۡ عِندِكَۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَيۡكَۚ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ [القصص: 27]

الحِجج مدد يؤدي فيها موسى الخدمة بجهد ومشقة حتى يوفّي بالشرط. ويقوّي هذه الجهة قوله «وما أريد أن أشق عليك»؛ فقد جاء ذكر المشقة في عقد يقتضي بذل العمل، ونفى الشيخ إرادته تحميل موسى ما يرهقه.

ثم يأتي جوابه:

﴿قَالَ ذَٰلِكَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَۖ أَيَّمَا ٱلۡأَجَلَيۡنِ قَضَيۡتُ فَلَا عُدۡوَٰنَ عَلَيَّۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ﴾ [القصص: 28]

قضاء الأجل وفاء بالخدمة التي تضمنها العقد. فالحِجج تعدّ مدد الجهد المبذول، والأجل يحدد نهايتها.

وفي سورة طه تذكر إقامته هكذا:

﴿فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ﴾ [طه: 40]

في طه جاء ذكر مقدار اللبث بالسنين، وفي القصص جاء ذكر مدد الخدمة بالحِجج؛ فتبرز السنة مقدار الزمن، وتبرز الحِجّة الجهد والمشقة فيه.

وقد عرضنا قول المعاجم في اشتقاق الحِجّة الزمنية من موسم الحج. أما في قراءتنا فالحِجّة تدل على الجهد والمشقة، ومن هذا المعنى أخذ الحج اسمه؛ ففيه تعب المسير وبذل الجهد في أداء المناسك. وعلى هذا الأصل نقرأ حجج إجارة موسى: مدد يبذل فيها جهده حتى يقضي الأجل.(٣٣)

السنة والعام في خبر نوح

﴿فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا﴾ [العنكبوت: 14]

جاء مقدار اللبث بالسنين، وجاء المقدار المستثنى بالأعوام. ويجمع الاستثناء اللفظين في حساب واحد؛ فاختلافهما يتوجه إلى معنى المدة وما يتصل بصاحبها، مع اتفاق المقدار الذي يجري عليه الحساب.

خاتمة

السنة مقدار زمني تُعدّ به الأيام، ويبلغ مقدار السنة الأرضية نحو 365 يومًا.

والعام المدة من جهة أثرها في الإنسان أو الجماعة وما عاشوه خلالها.

والحِجّة المدة من جهة الجهد والمشقة المبذولين فيها، ومن هذا المعنى نقرأ تسمية الحج.

والحول مدة يعقب تمامها تحول، وأظهره الانتقال عن المكان.

وللتوسع في صلة «سنة» بمادة سنن وفي جهد «الحِجّة» يُرجع إلى بحثينا «سن وسنن في القرآن المكرم» و«الحجة في القرآن المكرم»، وإلى سائر الدراسات في مدونة تأملات قرآنية تاريخية.

هذا والله أعلم.

(١)ابن منظور، *لسان العرب*، دار صادر، ط3، 1414هـ، ج13، ص501–503، مادة سنه. ↩أ ↩ب ↩ج ↩د ↩ه
(٢)ابن فارس، *معجم مقاييس اللغة*، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، ج3، ص103، مادة سنه. ↩أ ↩ب
(٣)ابن فارس، *معجم مقاييس اللغة*، ج3، ص60–61، مادة سن. ↩أ ↩ب
(٤)كتاب العين، تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، ج7، ص198، مادة سن. ↩
(٥)*كتاب العين*، ج2، ص268، مادة عوم. ↩أ ↩ب
(٦)الراغب الأصفهاني، *المفردات في غريب القرآن*، تحقيق صفوان عدنان الداودي، دار القلم والدار الشامية، ط1، 1412هـ، ص598، مادة عوم. ↩أ ↩ب
(٧)الزبيدي، *تاج العروس من جواهر القاموس*، تحقيق جماعة من المختصين، طبعة الكويت، ج33، ص156–159، مادة عوم، وفيه النقل عن السهيلي. ↩أ ↩ب ↩ج ↩د
(٨)الجوهري، *الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية*، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، ط4، 1407هـ/1987م، ج5، ص1993–1994، مادة عوم؛ وابن سيده، *المحكم والمحيط الأعظم*، تحقيق عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، ط1، 1421هـ/2000م، ج2، ص380–381، مادة عوم. ↩أ ↩ب
(٩)الفيومي، *المصباح المنير في غريب الشرح الكبير*، المكتبة العلمية، بيروت، ج2، ص438، مادة عوم؛ والزبيدي، *تاج العروس*، ج33، ص156، نقلًا عن ابن الجواليقي عن أحمد بن يحيى ثعلب. ↩
(١٠)أبو هلال العسكري، *الفروق اللغوية*، تحقيق محمد إبراهيم سليم، دار العلم والثقافة، ص271. ↩أ ↩ب
(١١)الأزهري، *تهذيب اللغة*، تحقيق محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي، ط1، 2001م، ج3، ص160–161، مادة عوم. ↩
(١٢)يزيد بن أبي حبيب المصري، *أحاديث يزيد بن أبي حبيب المصري*، تحقيق حمزة أحمد الزين، دار الحديث، 1424هـ/2004م، ص6؛ الخطابي، *أعلام الحديث*، تحقيق محمد بن سعد آل سعود، جامعة أم القرى، ط1، 1409هـ/1988م، ج2، ص1316؛ الصولي، *أدب الكتاب*، تحقيق محمد بهجة الأثري، المطبعة السلفية، 1341هـ، ص179؛ الثعالبي، *أحسن ما سمعت*، حواشي خليل عمران المنصور، دار الكتب العلمية، ط1، 1421هـ/2000م، ص41. ↩أ ↩ب ↩ج ↩د ↩ه
(١٣)الخليل بن أحمد، *كتاب العين*، ج3، ص297–299، مادة حول. ↩أ ↩ب ↩ج ↩د
(١٤)*معجم مقاييس اللغة*، ج2، ص121، مادة حول. ↩أ ↩ب
(١٥)*لسان العرب*، ج11، ص184، مادة حول؛ وابن سيده، *المحكم والمحيط الأعظم*، تحقيق عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، ط1، 1421هـ/2000م، ج4، ص5، مادة حول. ↩
(١٦)*لسان العرب*، ج11، ص190، مادة حول. ↩أ ↩ب
(١٧)*كتاب العين*، ج3، ص9–10، مادة حج. ↩أ ↩ب ↩ج
(١٨)ابن فارس، *معجم مقاييس اللغة*، ج2، ص29–31، مادة حج. ↩أ ↩ب ↩ج
(١٩)أبو هلال العسكري، *الفروق اللغوية*، ص271، باب الفرق بين السنة والحجّة. ↩
(٢٠)القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، ط2، 1384هـ/1964م، ج7، ص263، تفسير الأعراف: 130. ↩
(٢١)محمد عبد اللطيف الخطيب، *أوضح التفاسير*، المطبعة المصرية ومكتبتها، ط6، 1383هـ/1964م، ص196؛ ومحيي الدين الدرويش، *إعراب القرآن وبيانه*، دار ابن كثير، ط4، 1415هـ، ج3، ص433. ↩
(٢٢)القرطبي، *الجامع لأحكام القرآن*، ج3، ص291، تفسير البقرة: 259. ↩
(٢٣)محمد الطاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، 1984م، ج12، ص287، تفسير يوسف: 47–49. ↩
(٢٤)ابن عاشور، *التحرير والتنوير*، ج20، ص222، تفسير العنكبوت: 14. ↩
(٢٥)القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج3، ص161، تفسير البقرة: 233، المسألة الرابعة. ↩
(٢٦)ابن عاشور، *التحرير والتنوير*، ج2، ص430–431، تفسير البقرة: 233. ↩أ ↩ب
(٢٧)ابن عاشور، *التحرير والتنوير*، ج21، ص158–159، تفسير لقمان: 14. ↩أ ↩ب
(٢٨)ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج20، ص106–107، تفسير القصص: 27؛ تعريف الحِجّة وتفسير اشتقاقها في ص107. ↩
(٢٩)القرطبي، *الجامع لأحكام القرآن*، ج13، ص275، تفسير القصص: 27. ↩
(٣٠)«سن وسنن في القرآن المكرم»، مقال في مدونة *تأملات قرآنية تاريخية*. ↩
(٣١)الخليل بن أحمد، *كتاب العين*، تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، ج7، ص199–200، مادة نس. ↩
(٣٢)«معاني الكتل العربية»، مقال في مدونة *تأملات قرآنية تاريخية*. ↩أ ↩ب ↩ج
(٣٣)«الحجة في القرآن المكرم» و«ثلاثية ح ج ج»، مقالتان في مدونة *تأملات قرآنية تاريخية*. ↩أ ↩ب ↩ج
(٣٤)مواضع العام: البقرة 259 مرتان، التوبة 28 و37 مرتان و126، يوسف 49، العنكبوت 14، لقمان 14. الحول الزمني: البقرة 233 و240. الحِجج الزمنية: القصص 27. ↩
(٣٥)سعد شعبان، *الطريق إلى المريخ*، سلسلة عالم المعرفة، ع228، ص29؛ يعقوب صرّوف، *بسائط علم الفلك وصور السماء*، فصل «مظاهر الفلك»؛ ديفيد إيه روذري، *الكواكب: مقدمة قصيرة جدًّا*، الفصل الثالث، الجدول 1-2. ↩

التعليقات (0)