نظرية المؤامرة كيف حاربها القرآن
علي موسى الزهراني
هذا المقال جزء من كتابنا «خرافات حاربها القرآن».
نظرية المؤامرة داء يصيب الأمم، ويشتد خطره حين تضعف ثقتها بنفسها، وتتفسخ الصلات بين أهلها. فإذا عجز الناس عن فهم ما أصابهم، أو ضاقوا بمواجهة أخطائهم، وجدوا في القوى الخفية تفسيرا يريحهم من السؤال الصعب: ماذا صنعنا نحن بأنفسنا؟
يريحهم هذا التفسير من محاسبة أنفسهم، لكنه يفتح بينهم طريقا إلى العداوة. فيصير الناصح مشبوها، والمخالف متهما بالتآمر، ومن يطلب الدليل متواطئا. ثم يغلق أصحاب الخرافة على أنفسهم طريق الرجوع؛ لأن من يكشف خطأهم يصبح جزءا من المؤامرة التي يتخيلونها.
والأمة التي تستسلم لهذا الداء قد تحارب أبناءها وأصدقاءها وهي تتصور أنها تحمي نفسها. تتهم من يدعوها إلى الإصلاح، وتخيف الناس من بعضهم، وتعطل القدرة على تصحيح الخطأ. فلا يحتاج عدوها إلى أن يصنع كل هذا الخراب؛ يجد من يصنعه له باسم مقاومته!
ولهذا يجب على الدولة أن تواجه هذا الداء بإظهار الحقائق وتصحيح الأخبار، وأن تطلب البينة ممن يتهم الناس، وتحميهم من التشهير والتحريض. وتقوي مؤسساتها بالعدل وإتاحة مساءلة الخطأ؛ فإصلاح الخلل يقوي المجتمع، أما دفنه تحت تهمة المؤامرة فيتركه يتسع حتى يفتك به.
ونظرية المؤامرة تفسد رؤية المجتمع حتى يرى الصديق عدوا، وقد يرى العدو صديقا. يطرد من ينصحه، ويستجيب لمن يستغل خوفه، ويقطع الصلات التي يحتاج إليها؛ ثم يحسب عزلته دليلا على أن الجميع يتآمرون عليه! وكلما خسر صديقا اشتد ارتيابه، فصنع من خسارته سببا لخسارة أخرى. فكيف يقاوم عدوه وهو يهدم ما بينه وبين أصدقائه؟
يضعف قدرته على المقاومة حين يستنزفها في خصومات اخترعها. فمرض الرؤية لا يقف عند اتهام أبناء المجتمع؛ قد يمتد إلى كل من حوله، فيفسر العون فخا، والنصيحة خداعا، والمخالفة عدوانا. ثم يطالب الناس بأن يسموا هذا الاختلال يقظة وحصانة!
وأخطر ما تصنعه هذه الخرافة أنها تضلل المجتمع عن عدوه الحقيقي. فالعدو ينهب أو يعتدي، والخلل ينخر مؤسسات الأمة، لكنها تستنزف قوتها في مطاردة أشخاص تتخيل أنهم وراء كل مصيبة. وقد يبلغ بها الأمر أن تحارب من تحتاج إليهم في مواجهة الخطر. فأي خدمة تقدمها لعدوها حين تنصرف عنه إلى أبنائها؟
تقدم له قوتها مبددة، وصفوفها متنازعة، وعقلها مشغولا بخصوم اخترعهم. وهذا قريب من مشهد دون كيشوط الذي يهجم على الطواحين متوهما أنها أعداؤه. والمشهد هنا تشبيه أدبي: فالشجاعة التي يفسدها الوهم قد تنتهي بصاحبها إلى معركة لا عدو فيها؛ يجرح نفسه، ويحسب أنه يدافع عن الناس!
وقد وقع في أثينا ما يبين كيف ينقلب الاتهام غير المسند ضررا على القدرة العسكرية. يروي ول ديورانت أن ألقبيادس، أحد قادة الحملة الأثينية على صقلية، اتهم بالمشاركة في تشويه تماثيل هرمس، وأن الشهادة المقدمة عليه لم يكن لها سند. طلب المحاكمة قبل خروج الحملة، لكن القضية أخرت، ثم استدعي بعد خروجه لمحاكمته، ففر وانتهى إلى إسبارطة، خصم أثينا، وعرض مساعدتها على هزيمة بلاده. ونصح الإسبارطيين بمساعدة سرقوصة واحتلال ديسيليا، وعملوا بنصيحته.(١)
فهذه واقعة اتهام غير مسند تبين خطورة تحويل الشبهة إلى حرب داخلية في أثناء الحرب الخارجية. وكانت للحملة أخطاء أخرى، وكان للقائد نفسه طموح وخيانة يتحمل مسؤوليتهما؛ غير أن استدعاءه بهذه التهم فتح طريقا انتهى بانتقال خبرته إلى الخصم. فلم تعالج أثينا خطر الحرب بإقامة البينة، بل زاد انقسامها وهي أحوج ما تكون إلى ضبط الاتهام. وناهيك عن أمة تواجه عدوا ثم تتيح لتنازعها أن يزيده قوة!
أما اتهام اليهود بتسميم الآبار في زمن الموت الأسود، فهو شاهد صريح على خرافة المؤامرة. فقد اجتاح الطاعون أوروبا، فزعم قوم أن اليهود يدبرون استئصال المسيحيين، ونسجوا حكايات عن سموم ترسل إلى الجماعات اليهودية لتلقى في الآبار. ويروي ديورانت أن اليهود عذبوا حتى اعترفوا بتوزيع السم، وأن المذابح انتشرت في فرنسا وإسبانيا وألمانيا. وكان اليهود أنفسهم يصابون بالطاعون، وكان الوباء يفتك بأماكن لا يهود فيها؛ وقد احتج البابا كليمنت السادس بهذا على بطلان التهمة، واستنكر قتلهم.(٢)
فالخطر الحقيقي كان وباء يقتل الناس، لكن الخرافة قدمت لهم جماعة بشرية يقتلونها. لم يقتلوا الطاعون، بل قتلوا أناسا كان الطاعون يقتلهم معهم! وأي بؤس أشد من أن تجتمع على الإنسان مصيبة المرض ومصيبة قوم يجعلون مرضهم تهمة عليه؟ لقد أضافت خرافة المؤامرة إلى كارثة الوباء كارثة الاضطهاد، وصرفت الغضب إلى ضحايا آخرين، وأعطت الجريمة اسم الدفاع عن المجتمع.
وهنا يتبين خطر الداء: قد تكون للأمة عداوة حقيقية، ثم يعميها الخوف عن تعيين عدوها بالدليل؛ فتمنح البريء اسم العدو، وتمنح العدوان على أبنائها اسم الحماية. وقد عانى الأنبياء من هذا القلب للحقائق؛ جاءوا لإصلاح أقوامهم، فجعلهم أقوامهم خطرا يجب دفعه.
نوح ﷺ: يتهمونه بطلب التفوق
﴿فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: 24]
فقد قالوا إنه يريد أن يتفضل عليهم. وهذه تهمة بمصلحة خفية، وإن لم يسموا جماعة تتآمر معه. وموضع الاعتراض أنهم تركوا مناقشة الدعوة، وحكموا على صاحبها بقصد ينسبونه إليه. وما أيسر أن يقول المستكبر عن مصلح إنه يطلب التفوق، ثم يواصل المستكبر نفسه فرض سلطانه على الناس!
هود ﷺ: يتهمونه بصرفهم عن آلهتهم
وقد قال قوم هود ﷺ:
﴿قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَأۡفِكَنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [الأحقاف: 22]
فجعلوا مجيئه محاولة لصرفهم عن آلهتهم. وهذه تهمة بغاية يحملون عليها دعوته، لا تصريح باتفاق سري؛ لكنها تبين كيف يجعلون الرسول خصما لموروثهم قبل النظر في حجته.
وحكى القرآن عن أقوام الرسل اتهامهم بأنهم يريدون صدهم عن عبادة آبائهم:
﴿۞ قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ﴾ [إبراهيم: 10]
وقد قالوا إن الرسل يريدون صدهم عما كان يعبد آباؤهم. فالدعوة في أعينهم اعتداء على الموروث، والرسول صاحب غاية يخافونها. وهذه صيغة مشتركة يحكيها النص عن أقوام الرسل، فلا نحصر مرض الارتياب في قوم واحد.
صالح ﷺ: يرتابون في دعوته
وقال قوم صالح ﷺ:
﴿قَالُواْ يَٰصَٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِينَا مَرۡجُوّٗا قَبۡلَ هَٰذَآۖ أَتَنۡهَىٰنَآ أَن نَّعۡبُدَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ﴾ [هود: 62]
فكان صالح ﷺ مرجوا عندهم قبل أن ينهاهم عن عبادة ما يعبد آباؤهم؛ ثم صار ما يدعوهم إليه موضع شك مريب. وكأن قبول الإنسان بينهم مشروط بألا يمس ما اعتادوه، ولو جاءهم بما يصلحهم.
وهذه إشارة إلى الارتياب في دعوة الإصلاح، وليست اتهاما صريحا باتفاق سري. صار من كانوا يرجونه مصدر ريبة حين خالف ما اعتادوه.
موسى ﷺ: يتهمونه بالتآمر على الأرض والسلطان
بدأ فرعون باتهام موسى ﷺ بأنه يريد إخراجهم من أرضهم:
﴿قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ يَٰمُوسَىٰ﴾ [طه: 57]
ثم اتسعت لتشمل موسى ﷺ وهارون:
﴿قَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَيَذۡهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ﴾ [طه: 63]
لم يناقشوا ما يدعوان إليه، بل صوروهما خطرا على الأرض وطريقة الحياة. ومن السهل على المتسلط أن يستثير خوف الناس من فقدان بيوتهم وأرضهم، ثم يجعل الدفاع عن سلطانه دفاعا عنهم. فكيف تتحول دعوة إلى المولى إلى حملة إخراج من الأرض؟
تتحول في خطاب خصومها؛ ينسبون إليها غاية لم يثبتوها، ثم يحاكمونها بتلك الغاية. فالناس لا يواجهون ما يقوله الرسول، وإنما يواجهون الصورة المرعبة التي صنعها لهم الملأ عنه. وكلما اشتد خوفهم، صاروا أسرع إلى قبول التهمة وأبعد عن سماع الحجة.
واتهموا موسى ﷺ وهارون بأن الدعوة حيلة لطلب العلو عليهم:
﴿قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَلۡفِتَنَا عَمَّا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا نَحۡنُ لَكُمَا بِمُؤۡمِنِينَ﴾ [يونس: 78]
وقد ربطوا صرفهم عن الموروث بأن تكون الكبرياء لموسى وهارون. فلم يبق عندهم احتمال أن يكون ما وجدوا عليه آباءهم خطأ، وأن الرسول يريد إصلاحه؛ صار الاعتراض على الموروث طمعا في السلطان.
وبلغ قلب الحقائق بفرعون أن جعل قتل موسى ﷺ حماية للقوم:
﴿وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ﴾ [غافر: 26]
فهو يريد القتل، لكنه يتحدث باسم الخوف على الدين ومنع الفساد. لم يقل إنه يخشى على سلطانه، بل قال إنه يخشى على دينهم. وهنا تظهر خطورة الخرافة حين يتبناها من يملك البطش: يسمي دعوة الإصلاح فسادا، ثم يسمي قتل صاحبها حماية للمجتمع.
والمجتمع الذي يقبل هذا القلب يشارك في هدم نفسه. إنه يسلم مصيره لمن يخيفه، ويتيح له أن يعين أعداءه بلا بينة، ثم يطالب الجميع بالوقوف معه. ومن يطلب التثبت يصبح موضع ريبة؛ كأن العقل تهمة، وكأن النجاة في التسليم للخوف!
ثم بلغ الاتهام أوضح صوره حين آمن السحرة، فقال فرعون:
﴿قَالَ فِرۡعَوۡنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكۡرٞ مَّكَرۡتُمُوهُ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لِتُخۡرِجُواْ مِنۡهَآ أَهۡلَهَاۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ﴾ [الأعراف: 123]
فلم يسألهم عما حملهم على الإيمان، بل سألهم كيف آمنوا قبل إذنه. كأنه يملك عقولهم، فلا يجوز لها أن تقبل حجة حتى يأذن! ثم نقل الأمر من إيمان أمامه إلى اتفاق في المدينة، وأعطى هذا الاتفاق غاية: إخراج أهلها منها. فمن أين جاء بالاتفاق الذي ادعاه؟
إن الآية تسوقه اتهاما من فرعون. وقد واجهته واقعة لا يريد قبول معناها، فاختار لها معنى يحفظ سلطانه: هؤلاء لم يقتنعوا، بل تآمروا. وأي حجة يستطيع أن يراها من جعل اقتناع الناس نفسه خيانة؟!
وفي صيغة أخرى جعل موسى ﷺ كبير السحرة ومعلمهم:
﴿قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ﴾ [طه: 71]
فالحجة التي آمنوا بها صارت عنده تدبيرا وتخطيطا سابقين، والمخالفة صارت اتفاقا. ثم جاءت تهمة المؤامرة تمهيدا لقطع الأيدي والأرجل والصلب. فانظر إلى أين انتهى بهم القول: لم تعد الخرافة حديثا يتناقلونه، بل صارت ذريعة لتعذيب الناس!
محمد ﷺ: يتهمونه بالاستعانة بقوم آخرين
ولم يسلم الرسول ﷺ من دعوى الجماعة التي تعمل وراء دعوته:
﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا﴾ [الفرقان: 4]
فالتهمة تجاوزت شخص الرسول إلى قوم آخرين يعينونه. لم يأتوا بدليل على الافتراء ولا على هذا التعاون المزعوم، ورد النص قولهم إلى الظلم والزور. فماذا صنعوا بما سمعوا من القرآن؟
صنعوا له مصدرا يوافق رفضهم. فما داموا لا يريدون قبوله، فلا بد عندهم من بشر يصنعونه مع الرسول. وجاء الرد يرجع تنزيله إلى من يعلم السر:
﴿قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [الفرقان: 6]
وفي تهمة أخرى ادعوا أن بشرا يعلمه:
﴿وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 103]
فلم يكتف النص بإنكار التهمة، بل واجههم بلسان من ينسبون إليه التعليم ولسان ما بين أيديهم. وهذه دعوى مصدر بشري، وليست وحدها تصريحا بمؤامرة سياسية؛ لكنها تبين كيف يختلق الخصم ما وراء الدعوة بدلا من مواجهة حجتها.
وحين استنكروا توحيد الإله قالوا:
﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ﴾ [ص: 5]
ثم مضى الملأ يحث بعضهم بعضا على الثبات على آلهتهم:
﴿وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ﴾ [ص: 6]
ويبدو أن عبارة "لشيء يراد" تحمل الارتياب في مقصد وراء الدعوة. لم يسموا في هذه الآية شبكة أو اتفاقا، فلا نسميه نيابة عنهم؛ لكنهم نقلوا الناس من السؤال عن صحة عبادة آلهتهم إلى الخوف مما يراد بهم. ومن هذا المدخل يعيش صاحب الخرافة: يترك الشيء الذي يستطيع فحصه، ويتعلق بمقصد خفي لا يقدم دليلا عليه.
واتهموا الرسول ﷺ بمحاولة إضلالهم عن آلهتهم:
﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 42]
فقد جعلوا بقاءهم على آلهتهم نجاة من محاولة إضلال. صار الخطأ في أعينهم حصانة، وصار من يدعوهم إلى تركه عدوا لتلك الحصانة. ولست أدري كيف يصلح قوم أنفسهم إذا جعلوا ترك الخطأ هو الخطر الذي يجب أن يتصدوا له!
كيف واجه القرآن نظرية المؤامرة
ويجمع الإسلام في مواجهة هذا الداء بين مسؤولية العقل وطمأنينة الإيمان. فلا يقبل المؤمن تهمة بلا بينة، ولا يمنح قوة خفية سلطانا يتجاوز هيمنة المولى على الوجود. ومن هنا يبدأ علاج الخرافة: أن يعرف الإنسان ما يحق له أن يقول، وأن يعرف ربه الذي لا يخفى عليه ما يجهله الناس.
ولم يترك القرآن الإنسان يردد ما سمع ثم يعتذر بأنه وجده شائعا. فقد نهاه عن اتباع ما لا علم له به:
﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا﴾ [الإسراء: 36]
ونلاحظ أنه لم يقل اتبع ما يكثر قائلوه، بل جعل العلم شرطا، وجعل السمع والبصر والفؤاد موضع مسؤولية. فالخبر لا يصير حقيقة بكثرة تداوله، والخوف الذي يثيره لا يعفي صاحبه من السؤال عن صحته. فما الذي يجب حين يأتي الخبر؟
يجب التبين قبل أن يتحول الخبر إلى فعل يصيب الناس:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]
فلم يقف التوجيه عند سماع النبأ، بل بين العاقبة: إصابة قوم بجهالة، ثم الندم على ما وقع. وهذه هي الجريمة التي قد تصنعها خرافة المؤامرة؛ خبر يثير الخوف، ثم اتهام، ثم عقوبة يتولاها من لم يتبين.
وفي سياق آخر جاء النهي عن إسقاط إيمان من ألقى السلام:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا﴾ [النساء: 94]
فليس لنا أن نلغي ما يظهره الإنسان، ثم نجعل اتهام باطنه طريقا إلى استباحته. ومن الخطير أن يتصور صاحب التهمة أنه يستطيع الوصول إلى ما في الصدور من غير بينة، ثم يمنح نفسه حق الحكم على الناس بما توهم.
وحذر النص من نقل الكلام بلا علم في سياق الإفك:
﴿إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ﴾ [النور: 15]
فهم يتلقونه بألسنتهم، ثم يقولون ما لا علم لهم به، ويحسبونه هينا. وما أشد هذه الآية على من يروج تهمة، ثم يقول إنها مجرد كلام! فالكلمة قد تهدم عرض إنسان، وقد تفسد الثقة بين جماعات، وقد تحرض على دم.
وبين ما كان ينبغي أن يقال عند سماع ذلك البهتان:
﴿وَلَوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ قُلۡتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبۡحَٰنَكَ هَٰذَا بُهۡتَٰنٌ عَظِيمٞ﴾ [النور: 16]
فالامتناع عن ترويج ما لا يجوز قوله موقف من البهتان، وليس نقصا في معرفة الأخبار. ومن عرف مسؤولية لسانه لم يجعل مجالسه طريقا لتوزيع تهم لا يستطيع إقامة الدليل عليها.
والمجتمع المؤمن بربه لا يسلم قلبه لقوة يتصور أنها تملك الوجود في الخفاء. فالمولى هو المهيمن:
﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾ [الحشر: 23]
ويعلم ما يخفى في نفوس الناس:
﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]
وقد خاطب الناس برقابته عليهم:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾ [النساء: 1]
وجاء حفظه صريحا:
﴿وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ﴾ [سبأ: 21]
فكيف يجعل المؤمن ما لا يعلمه من تدبير الناس قوة تتجاوز علم المولى وهيمنته؟ إن خفاء الشيء عن الإنسان لا يجعله خافيا عن ربه، وعجزه عن معرفة كل الأسباب لا يعطيه حق اختراع سبب يعلق عليه كل ما يكره.
وفي النجوى جاء ما يرد المؤمن من الحزن إلى التوكل:
﴿إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [المجادلة: 10]
لم ينف النص وجود النجوى، بل نفى أن يكون ضررها خارج إذن المولى. فالتوكل يحرر الإنسان من استبداد الخوف، ويتيح له أن ينظر ويتثبت ويعمل. ولا يصح أن نحول الثقة بالمولى إلى ترك للحذر، كما لا يصح أن نحول الحذر إلى عبادة للخوف.
فهذه نعوت المولى العظمى ترد الإنسان من الرعب إلى الثقة بربه: مهيمن ورقيب وحفيظ وعليم بما تخفي الصدور. ليست أسرار البشر خارج علمه، ولا تدابيرهم خارج سلطانه. ومن آمن بذلك لم يجعل عجزه عن معرفة كل الأسباب حجة لاختراع مؤامرة يفسر بها كل ما يكره.
كيف جمع الرسول ﷺ بين الحذر والعفو
وفي سيرة الرسول ﷺ شواهد تبين أن حماية المجتمع تبدأ بمعرفة ما يجري، وأن القوة تستطيع دفع الخطر ثم إتاحة العفو. ففي ليلة الأحزاب أرسل حذيفة بن اليمان ليأتيه بخبر القوم، وأمره أن يجمع الخبر وألا يثيرهم عليه. ولما رأى حذيفة أبا سفيان أراد أن يرميه، ثم تذكر أمر الرسول ﷺ فكف، ورجع بالخبر.(٣)
فكانت المهمة معرفة حال العدو، وقد ضبطها الرسول ﷺ حتى لا تتحول إلى عمل يفسد الغاية منها. وهذا هو الحذر الذي تحتاج إليه الأمة: خبر يتحقق منه، وتكليف معلوم، وقدرة على ضبط الاندفاع. فما أقرب أن يضيع المتهور فرصة المعرفة وهو يتصور أنه يحسن الدفاع!
وقد بقي الوفاء بالعهد حاضرا في مواجهة العدو. يروي حذيفة أن قريشا أخذت عليه وعلى أبيه عهدا ألا يقاتلا مع الرسول ﷺ، فلما أخبراه منعهما من المشاركة في بدر وفاء بذلك العهد، مع طلب العون من المولى على قريش.(٤)
فالخصومة لم تجعل العهد بلا قيمة. وجاء توجيه القرآن عند خشية الخيانة:
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ﴾ [الأنفال: 58]
ونلاحظ أن النص أمر بالنبذ على سواء، ثم بين أن المولى لا يحب الخائنين. فالخوف من خيانة الطرف الآخر لا يبيح أن نبقيه على اعتقاد بقاء العهد ثم نفاجئه بالغدر. إنها صراحة في إعلان الموقف، وحذر يحفظ العدل في التعامل مع الخصم.
حاطب بن أبي بلتعة: استرد الكتاب وسمع تفسير صاحبه
والرجل الذي كتب إلى أهل مكة يخبرهم ببعض أمر الرسول ﷺ هو حاطب بن أبي بلتعة. ففي خبره أن الرسول ﷺ أرسل عليا والزبير والمقداد إلى المرأة التي حملت الكتاب، فاستردوه منها. ثم سأل حاطبا عن فعله، فبين أنه أراد أن تكون له عند قريش يد يحمون بها أهله، وأنه لم يفعل ذلك ارتدادا عن دينه. وقبل الرسول ﷺ صدقه، ورفض طلب عمر قتله، وذكر شهوده بدرا.(٥)
فلم يكتف الرسول ﷺ باتهام يتناقله الناس؛ استرد الكتاب نفسه، ثم سمع صاحبه. وهنا تظهر قوة تجمع بين حماية الجماعة وإنصاف الإنسان: يوقف تسرب الخبر، ويسأل عن سبب الفعل، ويتيح لصاحبه أن يكشف ما حمله عليه. فكيف نجعل الحذر ذريعة لإغلاق باب الكلام، وقد فتح الرسول ﷺ الباب لمن وجد كتابه في يد من تحمله إلى خصومه؟!
عبد الله بن أبي: رد التحريض ومنع القتل
وفي خبر عبد الله بن أبي، الذي يعرف بابن سلول، أنه استغل خصومة بين رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، وتوعد بإخراج من سماهم الأذلين من المدينة. فطلب عمر قتله، لكن الرسول ﷺ منعه، ورفض أن يصير قتله سببا لأن يتحدث الناس بأن الرسول ﷺ يقتل أصحابه.(٦)
فهذه فتنة داخل الجماعة، قابلها الرسول ﷺ بمنع دعوى الجاهلية ومنع القتل. والقيادة التي ترى أثر فعلها في المجتمع تستطيع أن تكبح الغضب؛ فلا تحول كلمة تحريض إلى باب تسيل منه الدماء، ولا تترك الخصومة الصغيرة تستدعي خصومات أكبر منها. وقد كان منع اتساع الفتنة دفاعا عن الجماعة وعن الثقة التي تجمعها.
ثمانون مسلحا: دفع الخطر وأبقى عليهم
ويروي أنس بن مالك أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا من جبل التنعيم متسلحين، يريدون أن يغتنموا غفلة الرسول ﷺ وأصحابه. فأخذهم الرسول ﷺ وأبقى عليهم أحياء. وربطت الرواية هذا الخبر بقوله تعالى:(٧)
﴿وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ عَنۡهُم بِبَطۡنِ مَكَّةَ مِنۢ بَعۡدِ أَنۡ أَظۡفَرَكُمۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الفتح: 24]
فكان الخطر هنا رجالا مسلحين، وانتهى أخذهم باستبقاء حياتهم. وكفى بهذا شاهدا على أن القدرة على دفع العدوان لا تلزم صاحبها بإدامة الانتقام. يزول الخطر، ثم يجد الإنسان الذي جاء مهاجما بابا للحياة. ومن مثل هذا العفو يفتح طريق يخفف العداوة بدلا من توريثها للناس جيلا بعد جيل.
صفوان بن أمية: تحول البغض إلى محبة
وفي خبر صفوان بن أمية أثر مباشر للإحسان في تغيير العلاقة. فقد أعطاه الرسول ﷺ بعد حنين، وروى صفوان أنه كان أبغض الناس إليه، ثم استمر عطاؤه حتى صار أحب الناس إليه.(٨)
فهذا رجل يخبر عن انتقاله من البغض إلى المحبة. لم يحفظ الرسول ﷺ خصومته في سجل يغلق عليه طريق الرجوع، بل كسب قلبه بالإحسان. وهنا يقف الإنسان حائرا أمام من يجعل كل لين ضعفا، وكل عفو تفريطا؛ فكم تحتاج الأمة إلى من يكسب لها قلوبا كانت تنفر منها، وكم تخسر حين تجعل الغضب سياستها الدائمة!
وتجتمع هذه الأخبار على معنى يقوي المجتمع: تقصي خبر العدو، والوفاء بالعهد، وسماع تفسير الفعل، ومنع الفتنة من الاتساع، وإتاحة العفو والإحسان. فالقوة تحرس الجماعة، والعدل يحفظ ثقتها، والتسامح يفتح لها باب أصدقاء وأعوان جدد.
الخاتمة
القرآن الذي حارب الخرافة أمر المؤمنين بالحذر:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا﴾ [النساء: 71]
فالحذر يقتضي النظر في تحركات العدو والاستعداد للرد عليها. والمجتمع الذي يحفظ أمنه يحتاج إلى معرفة ما يجري حوله، وإلى من يحسن قراءة الأخبار واستنباط ما تدل عليه. ولهذا أنكر القرآن إذاعة أخبار الأمن والخوف قبل ردها إلى من يستطيع النظر فيها:
﴿وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [النساء: 83]
ونلاحظ أن النص رد الأمر إلى الاستنباط، ولم يجعل إذاعة الخوف علما. فتحركات الأعداء تفحص، وأخبارهم تعرض على من يحسن النظر فيها؛ حتى يكون الاستعداد قائما على معرفة، لا على فزع يتناقله الناس. وقد يكون التدبير العدائي محدودا بواقعة أو وقت، فيواجه بقدر ما يكشف النظر فيه. أما خرافة المؤامرة فتختلق العدو، وتتهم البريء، وقد تجعل الصديق عدوا والعدو صديقا. فما قيمة استعداد عسكري توجهه رؤية مختلة إلى الطرف الخطأ؟!
إنه يستنزف قوة المجتمع، ويزيد أعداءه، ويحرمه ممن يستطيعون مساعدته. ومن أشد ما تفعله الخرافة أنها تحمل الناس على قطع الصلات التي تحميهم من العزلة؛ ثم تجعل عزلتهم دليلا جديدا على أن العالم كله يعاديهم. وهنا تكون الأمة قد شاركت في إحكام الحصار على نفسها!
وقد وجه القرآن إلى سياسة تقلل العداوة وتفتح طريق المودة:
﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ﴾ [فصلت: 34]
﴿وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ﴾ [فصلت: 35]
فانظر إلى الغاية التي يفتحها النص: صاحب العداوة يصير كالولي الحميم. إنها سياسة تحتاج إلى صبر؛ لأن الغضب يدفع إلى الانتقام، والخوف يدفع إلى الارتياب، أما دفع الإساءة بالإحسان فيفتح بين الناس طريقا كان مغلقا. وقد جمع توجيه الرسول ﷺ بين اللين والعفو والمشاورة:
﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]
فالفظاظة تفرق الناس، واللين يجمعهم، والعفو يتيح إصلاح ما أفسدته الخصومة. والمكاشفة والصراحة والمشاورة تقوي الثقة؛ فلا يبقى المجتمع أسير أخبار خفية يفسر بها كل فعل وكل كلمة. وبهذا يحفظ أصدقاءه، ويستميل من خاصموه، ويفتح باب الأخوة والتعاون لمن كانت الخصومة تحجبه عنهم. فأي سياسة أقوى من سياسة تكسب الأمة أعوانا وتقلل من خصومها؟
هي السياسة التي تدفع العدوان وتتيح الصلح، وتحفظ للمجتمع قدرته على التمييز بينهما. نراقب عدونا حتى نرد عدوانه، ونحفظ صديقنا حتى لا نخسره، وندفع الإساءة بما يتيح المودة. أما أن نتهم الأبرياء، ونطرد الناصحين، ونزيد عدد خصومنا بأيدينا، ثم نسمي ذلك دفاعا عن الأمة، فكفى بهذا خدمة لأعدائها!
والأمة القوية تواجه الخطر الذي تثبته المعرفة، وتغلق أبواب العداوة التي يفتحها الوهم. تؤمن بالمولى المهيمن على الوجود، وتأخذ حذرها، وتعدل في حكمها على الناس. فلا تجعل الخوف قائدا لعقلها، ولا تسمح لخرافة أن تسلبها صديقا، أو تمنحها عدوا لم يكن لها!
هذا والله أعلم

التعليقات (0)