ما الفرق بين الفسق والفساد في القرآن؟
رطبةٌ تخرج من قشرها، ولبنٌ يتفكّك في إنائه
في القرآن سبعةٌ وثلاثون موضعاً يُنعت فيها الرجل أو القوم بأنّهم من «الفاسقين»، وواحدٌ وعشرون موضعاً يُنعتون فيها بأنّهم من «المفسدين». ولم ترد فيه لفظة «فاسد» مرّةً واحدة، ولا لفظة «مُفسِق» مرّةً واحدة. والجذران متجاوران في الحروف، والفرق بينهما حرفٌ في آخر الكلمة، فلماذا جاء الأوّل على «فاعل» وجاء الثاني على «مُفعِل»؟
وهناك سؤالٌ أهمّ. الفساد في القرآن أحد عشر موضعاً، وكلّها واقعةٌ في شيءٍ خارج صاحبه: في الأرض، أو في البرّ والبحر، أو في البلاد. والفسق أربعةٌ وخمسون موضعاً، ولم يتعلّق بشيءٍ خارج صاحبه إلا في ثلاثة: ﴿فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ﴾، و﴿فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾، و﴿فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ﴾، فما الذي يُبقي أحد اللفظين في صاحبه، ويُخرج الآخر منه إلى ما حوله؟
حرفان يعقدان، وحرفٌ يوجّه
الجواب في الكتلة التي يشترك فيها اللفظان، وهي (فس). جمعنا أخواتها من المعاجم فوجدناها تقول شيئاً واحداً، وهذا حدّها:
(فس): شيءٌ كان ممسوكاً، فانفكّ ما يمسكه فخرج.
المفصل يزول من موضعه، والعمامة تُحلّ، وهذا «فسخ»: «الفَسْخُ: زوال المفصل عن موضعه»، و«والفَسْخُ: حل العمامة، تقول: أفْسَخْ عمامتك، أي: حلها»(١).
والثوب نسيجٌ يمسك بعضه بعضاً، فإذا شُقّ ذهب ذلك الإمساك: «فَسَأَ الثوبَ يَفْسَؤُه فَسْأً وفَسَّأَه فَتَفَسَّأ شَقَّه فَتَشَقَّق»(٢).
والحديد إذا طُرق تطاير منه ما كان ملتحماً به: «وفُسالة الحديد: ما تَناثَر منه عند الضرب إذا طُبعَ»(٣).
والبصر يردّه ما يحجبه، فإذا لم يحجبه شيءٌ امتدّ: «وانفَسَحَ طرْفه إذا لم يَردُدْه شيءٌ عن بُعْد النَّظَر»(٤).
والغطاء يمسك ما تحته، فإذا رُفع ظهر المستور، وهذا الفسر عند ابن الأعرابي فيما نقله الأزهري: «الفَسْرُ: كشفُ مَا غُطِّيَ»(٥).
والجوف يحتوي الهواء والجنين، فإذا خرج الهواء كان النفَس، وإذا خرج الجنين كان النفاس: «والنَّفَسُ: التَّنَفُّسُ، أي: خروج النَّسيم من الجَوْف»، و«والنِّفاسُ: وِلادةُ المرأة»(٦).
ستّ صورٍ متباعدة في ظاهرها، والصريح تحت الرغوة، فهي في حقيقتها صورةٌ واحدة: كان هناك ما يمسك الشيء ثمّ انفكّ. وتبقى المسألة التي بدأنا بها قائمة: إلى أين يذهب ما خرج؟
الحرف الثالث هو الذي يجيب. دخلت القاف على (فس) فأمسكت الشيء عن الخروج الكلّي، لأنّ القاف في علم آدم التقييد (وانظر جدول معاني الحروف في المدونة)، فيبقى الخارج عند صاحبه ثابتاً فيه لا يفارقه. ومع الدال لا يقف الخارج، بل يتحرّك وينتشر فيما حوله. ولهذا قال «فاسق»، لأنّ الفسق قائمٌ بصاحبه لازمٌ له، وقال «مفسد»، لأنّ الفساد يخرج من صاحبه فيصيب غيره. ولو كان الفساد يقف عند صاحبه لقال «فاسد» كما قال «فاسق»، فتعيّن أنّ الحرف الثالث هو الذي يوجّه الكتلة. والآدمي لا يُفسد نفسه، فهو أحرص الناس عليها، وإنّما يُفسد ما حوله.
الفسق خروجٌ يبقى في صاحبه، والفساد خروجٌ يمتدّ إلى ما حوله؛ ولهذا قال القرآن «فاسق» و«مفسد»، ولم يقل «فاسد» ولا «مُفسِق».
الفسق: خروجٌ قبل الانفصال
أقدم ما حفظته العرب من هذا اللفظ صورة الرطبة. قال الفراء: «والعربُ تقول: فَسقت الرُّطَبة من جلدها وقشرها لخروجها منه، وكأن الفأرة … سميت فويسقة لخروجها من جحرها على الناس»(٧). وجعل ابن دريد الرطبة أصل المادّة لا مثالاً فيها: «والفِسْق أَصله من قَوْلهم: انفسقتِ الرُّطَبَة، إِذا خرجت من قشرها، وَمِنْه اشتقاق الْفَاسِق لانفساقه من الْخَيْر، أَي انسلاخه مِنْهُ»(٨).
والرطبة إذا فسقت لم تسقط من عذقها. خرجت من القشر الذي كان يمسكها بدفعٍ قويٍّ من داخلها، وبقيت معلّقةً بأصلها، ومن رآها من بعيد حسبها في مكانها لم تتغيّر. ظاهرها كما هو، وحقيقتها أنّها خرجت، وعمّا قليلٍ تنفصل كلّها وتسقط، فالفسق انفصالٌ أو بداية انفصالٍ بين شيئين، وهو مرحلةٌ قبل الانفصال الكلّي.
والفويسقة تُريك المرحلتين في مشهدٍ واحد. تُخرج رأسها أوّلاً وجسدها في الجحر، فمن رآها حسبها في جحرها وقد خرجت، ثمّ تخرج كلّها فتنقطع عنه، ثمّ تمضي على الناس. وههنا لطيفة: الفراء علّل الاسم بخروجها من جحرها، فالفسق اسم الخروج نفسه، وأمّا ما تصنعه بطعام الناس بعد أن تمضي عليهم فذلك فساد، فالرأس الخارج فسق، والخروج الكامل انفصال، والعبث بما حولها فساد.
وعلى هذه الصورة فسق إبليس. أُمر بالسجود مع الملائكة فلم يسجد:
﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا﴾ [الكهف: 50]
لم يقل «ففسق أمر ربّه»، بل قال ﴿فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ﴾. والأمر يُرسل إلى من ينفّذه، فهو رابطةٌ بين الآمر والمأمور، و«عن» تحمل المفارقة. خرج إبليس من الرابطة التي كانت تمسكه، ولم يبرح مكانه، فظاهره أنّه ما زال في الجماعة التي أُمرت، وحقيقته أنّه خرج منها.
ومن هذا الباب اللحم الذي لم يُذكر اسم الله عليه. هو في ظاهره لحمٌ كسائر اللحم، لم يتغيّر لونه ولا طعمه ولا رائحته، وحقيقته أنّه خرج من الأمر الذي كان يحوطه:
﴿وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121]
لم يقل «وإنّه لفاسد»، فاللحم لم يتعفّن، بل قال ﴿وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ﴾، وههنا موضعٌ يخطئ فيه كثيرون: الخلل ليس في اللحم، وإنّما في خروجه عن أمر الله وهو باقٍ على صورته.
وما الانفصال الكلّي الذي ينتهي إليه الفسق؟ الجواب في آيةٍ نزلت في الآيات البيّنات، ولم يكفر بها إلا صنفٌ واحد:
﴿وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ وَمَا يَكۡفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [البقرة: 99]
لم يقل «وما يكفر بها إلا الكافرون»، بل قال ﴿إِلَّا ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾، فالله يحذّرنا أنّ الخروج القليل عن أمره يؤدّي إلى الكفر الكامل، فالفاسق سيكفر بعد حين. وهذه خطوات الشيطان التي نُهينا عن اتّباعها، تدريجيّةٌ لا قفزةٌ واحدة: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ﴾ [النور: 21].
فإن قيل: ففي سورة النور ﴿وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [النور: 55]، فجاء الفسق بعد الكفر، قلنا: لم تقل الآية إنّهم فسقوا بعد أن كفروا، بل قالت إنّ من كفر فهو من الفاسقين، فالكفر يكشف الفسق الذي سبقه، كما يكشف خروجُ الفويسقة كلّها أنّ رأسها خرج قبلها، فكلّ كافرٍ فاسق، وليس كلّ فاسقٍ كافراً.
والفاسق في هذه المرحلة لا يشعر بخروجه، ويحسب أنّه على حقّ. وعلّة ذلك في النصّ نفسه، فقد أخّر القوم ربّهم فأخّر الله أنفسهم عندهم:
﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [الحشر: 19]
والذي يُغفَل عنه أنّ النسيان في القرآن ليس خلوّ الذهن من الشيء، بل سقوطه من رتبة الأوّل، فالناسي هو المؤخِّر الذي لا يقدّم. ومن صارت نفسه مؤخَّرةً عنده لا يلتفت إليها، ومن لا يلتفت إلى نفسه لا يرى ما خرج منها. ولو شعر الفاسق بفسقه لما بقي فاسقاً.
وأوضح أهل هذه المرحلة المنافقون. يعيشون بين المؤمنين ويخالطونهم، وهم في الحقيقة قد خرجوا:
﴿ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [التوبة: 67]
وختم الآية بالفسق، لأنّه نعت حالهم وهم بين المؤمنين: ظاهرٌ باقٍ وحقيقةٌ خرجت. والفاسق يتظاهر بالهدوء، ثمّ يخرج منه الشرّ فجأةً على غفلةٍ من الآخرين، كما تخرج الفويسقة على الناس.
وفي السورة نفسها حكمٌ في المنافقين أنفسهم: ﴿إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ﴾ [التوبة: 84]. كفروا ولم يزل عنهم الفسق، بل ماتوا عليه، لأنّ الكفر لا يأتي إلا من فسقٍ سبقه، والفسق الذي خرجوا به يبقى فيهم إذا تمّ انفصالهم.
الفسق انفصالٌ بين شيئين لم يتمّ بعد: ظاهره باقٍ وحقيقته خارجة، وصاحبه لا يشعر به، والكفر هو الانفصال الكلّي الذي يعقبه.
الفسوق: الفسق في الكلام
زيدت الواو في «الفسوق»، والواو امتداد، فالفسوق فسقٌ يمتدّ، وموضعه الكلام: يخرج القول عن حقيقته قليلاً، ثمّ ينتقل من لسانٍ إلى لسان. وجاء في القرآن أربع مرّات، وكلّها في كلامٍ يجري بين الناس.
وفي الحجّ نهيٌ عن ثلاثة أمور، والثلاثة كلام:
﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [البقرة: 197]
الرفث الغزل والكلام الجنسي السابق للمباشرة، والجدال دفع حجّة الخصم بحجّةٍ تنقضها، والفسوق بينهما من جنسهما: كلامٌ يخرج عن الحقيقة ويتناقله الحجيج.
وقد يُعترض علينا بآية الدَّين، لأنّ المضارّة فيها فعلٌ لا قول:
﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ﴾ [البقرة: 282]
والجواب في الآية نفسها، فهي من أوّلها إلى آخرها في الكلام المكتوب والمشهود به: كاتبٌ يكتب بالعدل، ولا يأبى أن يكتب كما علّمه الله، ومُملٍ لا يبخس منه شيئاً، وشهداء لا يأبون إذا دُعوا، وغاية ذلك كلّه أن يكون ﴿وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ﴾. والضغط على الكاتب أو الشهيد إنّما يُراد به تغيير ما يُكتب وما يُشهد به. وتغيير الكلام في الورقة أو الشهادة لا يغيّر كلّ شيء، بل يغيّر بعضه: رقماً أو أجلاً أو شرطاً، فتبقى الورقة ورقة، والشهادة شهادة، وقد خرجت عن الحقيقة الأصلية قليلاً في مصلحة من تلاعب بها. وهذا هو الفسوق بعينه، ولهذا قال ﴿فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ﴾، أي فيما بينكم، ولم يقل «في الأرض»، فسقط الاعتراض.
وفي سورة الحجرات جاء الفاسق بكلامه أوّلاً، والنبأ كلام:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]
ثمّ ذكر بعده بآيةٍ ما حبّبه إلى المؤمنين وما كرّهه إليهم، فجعل الفسوق بين الكفر والعصيان:
﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7]
ثمّ نهى عن السخرية واللمز والتنابز بالألقاب، وكلّها ممّا يجري على اللسان:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الحجرات: 11]
لم يقل «بئس الفسوق»، بل قال ﴿بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ﴾. والاسم في القرآن النعت البارز لصاحبه، والنبز رميُ الآخرين بالنعوت والألقاب القبيحة، فإذا نُبز الرجل بلقبٍ لم يتغيّر هو في نفسه، وإنّما خرج نعته عن حقيقته قليلاً، ثمّ امتدّ ذلك اللقب يتناقله الناس حتى يلزمه. وليس هذا فحسب، فاللقب إذا طال صار هو الاسم الذي يُعرف به، وخرج الرجل من نعته إلى نعتٍ ليس له.
الفسوق كلامٌ في كلام: تغييرٌ لبعض الحقيقة لا لكلّها، يمتدّ بين الناس، ولا علاقة له بالسلوك.
الفساد: تفكّكٌ يمتدّ
أمّا الدال فتدفع الشيء إلى الأمام، ولهذا كانت (فس) مع الدال دفعاً للشيء إلى أبعادٍ واسعة، وهذا هو الفساد. والفساد انفصال مجموعةٍ مترابطة بعضها عن بعض، يبدأ في موضع ثمّ يمتدّ حتى يعمّها. وأصرح ما في المعاجم قول ابن سيده: «وتفاسَد القومُ تَدابَرُوا وقَطَعُوا الأرْحامَ»، وأنشد عليه: «يَمْدُدْنَ بالثُّدِيِّ في المَجاسِدِ … إلى الرّجالِ خَشْيَةَ التّفاسُدِ»، ثمّ قال في معناه: «يقول يُخْرِجْنَ ثُدِيَّهُنَّ يقُلْنَ نَنْشُدُكُمُ اللهَ إلا حَمَيْتُمونَا يُحَرِّضْنَ بذلك الرِّجالَ»(٩).
والنساء في هذا البيت من الشعر لا يخشين أن يتعفّن شيء، وإنّما يخشين أن تتفكّك القبيلة فيتفرّق رجالها عنهن ويغلبهنّ العدوّ، فالتفاسد تفكّك الجماعة بعد أن كانت جسماً واحداً.
وأمّا تغيّر اللبن إذا فسد فنتيجةٌ لا أصل. اللبن إذا فسد تفكّكت روابطه وانفصل بعضه عن بعض، فتغيّر لونه وطعمه. ومن وقف عند ما يُرى ويُذاق حسب الفساد هو التعفّن، ومن هنا وقع الوهم، فالفساد تفكّكٌ قبل أن يكون عفناً. ولا يفسد طرفٌ من اللبن ويسلم طرف، بل يسري ذلك في الإناء كلّه، وهذا عمل الدال.
وفي فرعون صورة الفساد كاملة. لم يُذكر بعلوّه وحده، بل بأنّه فكّك أهل البلد بعضهم عن بعض:
﴿إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ [القصص: 4]
قال ﴿وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا﴾، ثمّ قال ﴿إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾. والشيع جماعاتٌ انفصلت عن جسمٍ واحد، وحسبك بهذا تفكّكاً، ثمّ امتدّ إلى الأبناء يُذبَّحون والنساء يُستحيين.
ولم يفكّك فرعون وحده، فقد وجد من يطيعه في ذلك:
﴿فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ﴾ [الزخرف: 54]
هو المفسد، وقومه الذين أطاعوه فاسقون. الحاكم يفكّك الجماعة، والرعيّة التي خرجت عن أمر ربّها تطيعه وهي لا تشعر، ولولا فسق القوم ما وجد فساد فرعون من ينفّذه.
ولا يقف الفساد عند الدولة ونظامها، بل يصيب الأرض نفسها، فلا دولة بلا جغرافيا:
﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ [الروم: 41]
وقد شرحنا في مقال «الأرض في القرآن المكرم» أنّ البرّ والبحر هنا طرق التجارة والسفر بين المدن والقرى، فإذا انقطعت تفكّكت الروابط التي تشدّ البلاد بعضها إلى بعض، ثمّ ضعفت الدولة على المدى البعيد. وقد قالوا إنّ الفساد هنا الجدب في البرّ والقحط في البحر، والجدب والقحط نتيجتان أخريان من نتائج التفكّك، لا الفساد نفسه. والأرض في هذا السياق مساحة القرية الجغرافية، أي الدولة بأرضها وناسها وعمرانها وطرقها، والفساد يصيب ذلك كلّه.
وأوسع من ذلك كلّه السماوات والأرض. هي جماعةٌ مترابطة يشدّ بعضها بعضاً، ولو تعدّد من يدبّرها لتفكّكت:
﴿لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22]
لم يقل «لهلكتا» ولا «لبطلتا»، بل قال ﴿لَفَسَدَتَاۚ﴾، فكلّ إلهٍ يجذب ما عنده إليه، فينفصل بعضها عن بعض، ثمّ يمتدّ الانفصال حتى يعمّهما. ولهذا ختم الآية بقوله ﴿فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، فالعرش هو الذي يربط أجزاء السماوات بالأرض، كما يربط عرش الملك أجزاء الدولة، فالملك هو الذي يجمع مكوّناتها، ولو تعدّد الآلهة لانفكّت هذه الرابطة. وهذا ما صرّح به في موضعٍ آخر: ﴿إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: 91].
ولا يقدر على هذا التفكيك إلا من بيده قوّة. والمفسد في الأرض تولّى أوّلاً، أي نفر عن سماع الحقّ والنصيحة، فلمّا نفر استحوذ عليه شيطان الطغيان فدلّه على طريقه، فسعى في الأرض ليفسد فيها:
﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]
ثمّ كشف نفوره من النصيحة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ﴾ [البقرة: 206]، فالعزّة تأخذه عن الحقّ كلّما دُعي إليه.
والفسق لا يحتاج إلى قوّة، أمّا الفساد فلا يقدر عليه إلا صاحب سلطانٍ أو قدرة، حاكماً كان أو تاجراً يعاونه الحاكم أو معارضةً قادرة.
الفساد تفكّك جماعةٍ مترابطة يمتدّ حتى يعمّها، في الدولة وجغرافيتها معاً، ولا يقع إلا ممّن بيده قوّة.
الإصلاح: إعادة ما انفكّ
وإذا كان الفساد تفكيك الروابط، فالإصلاح إعادتها بعد تمزّقها. وأوضح ما يُري ذلك اليتيم، فقد انقطعت رابطته بموت أبيه:
﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ [البقرة: 220]
أعاد القرآن رابطة اليتيم بالمخالطة، ثمّ سمّاهم إخواناً: ﴿فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ﴾، فالمصلح من يعيد وصل اليتيم بالجماعة، والمفسد من يقطع ما بقي له. والمفسد هنا ليس من يدير مال اليتيم وحده، بل هو من يفصل المال عن صاحبه، ومن يشرعن ذلك أو يدعمه أو يتغاضى عنه، فيصير عُرفاً يتفشّى في الدولة والبلد. ولهذا جاء الجواب عن سؤالٍ سألته الجماعة كلّها: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ﴾.
وأخطر المفسدين من يفكّك الروابط وهو يحسب أنّه يعيدها:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ﴾ [البقرة: 11]
وجاء الحكم فيهم في الآية التي تليها:
﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ﴾ [البقرة: 12]
والمفسد لا يشعر بفساده، كما لا يشعر الفاسق بفسقه، فهي غفلةٌ واحدة تبدأ في الذات ثمّ تخرج إلى الأرض. وللإصلاح والصلاح والصالحات تفصيلٌ يطول، وسيأتي في مقالٍ مستقلّ.
من الفسق إلى الفساد
بقي السؤال الأخير: ما الصلة بين اللفظين، وهما من كتلةٍ واحدة؟ الفسق أصلٌ والفساد ثمرته، بشرط أن يكون المفسد صاحب سلطةٍ، كبيرةً كانت أو صغيرة، وقد رأينا ذلك في فرعون وقومه.
وأمّا الموضع الذي تعلّق فيه الفسق بمكان فبيانه في مقابلة آيتين. ملكة سبأ تعرف ما يصنع الملوك إذا دخلوا قرية:
﴿قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ﴾ [النمل: 34]
والقرية الأخرى أُهلكت بفسق مترفيها، والمترفون من يتشبّع باللذائذ، وغالبهم من الأغنياء:
﴿وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا﴾ [الإسراء: 16]
لم يقل «أمرنا مترفيها فأفسدوها» كما قال في الملوك، بل قال ﴿فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾، فالملوك أصحاب القوّة دخلوا القرية ففكّكوها، والمترفون فسقوا وهم فيها، وفسق المترف يؤدّي إلى تفكّك الروابط، لأنّه لا يستطيع الترف في مجتمعٍ مترابطٍ سليم، فهو بحاجةٍ إلى سياسة فرّق تسد وتشييع الجماعات كي يتمكّن، كما جعل فرعون أهلها شيعاً.
وجمع القرآن الطرفين في نعتٍ واحد، فعرّف الفاسقين في أوّل البقرة بأفعالٍ ثلاثة، بعد أن قال ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ [البقرة: 26]:
﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ [البقرة: 27]
نقضٌ، ثمّ قطعٌ، ثمّ إفساد، وبهذا ينكشف ما بين اللفظين. نقض العهد وقطع ما أمر الله به أن يوصل انفكاكٌ في الذات، وهو الفسق، والإفساد في الأرض خروج ذلك الانفكاك إلى ما حولهم، فالرابطة التي انفكّت في الصدر هي التي تنفكّ بعدها في الأرض، وبعد اللتيا والتي يتبيّن أنّ القرآن جعل الفاسق والمفسد درجتين في طريقٍ واحد.
نتائج البحث
- الكتلة (فس): شيءٌ كان ممسوكاً فانفكّ ما يمسكه فخرج، وشواهدها فسخ وفسأ وفسل وفسح وفسر ونفس.
- الفسق خروجٌ بدفعٍ من الداخل والخارج ما زال معلّقاً بأصله، كالرطبة في عذقها والفويسقة برأسها: ظاهره باقٍ وحقيقته خارجة، والقاف تُبقي الخروج في صاحبه.
- الفسق مرحلةٌ قبل الانفصال الكلّي، ولا يكفر بالآيات إلا الفاسقون، والفاسق لا يشعر بفسقه لأنّه أخّر نفسه فلم يلتفت إليها.
- الفسوق فسقٌ في الكلام يمتدّ بين الناس، والواو امتداد. وتغيير الكاتب أو الشهيد لبعض ما يُكتب ويُشهد به فسوقٌ «بكم» لا «في الأرض».
- الفساد تفكّك جماعةٍ مترابطة يمتدّ حتى يعمّها، والدال تدفع الانفكاك إلى ما حول صاحبه، وما يظهر من تغيّر اللون والطعم نتيجةٌ لا أصل.
- الفساد يقع في الدولة وجغرافيتها معاً، ولا يقدر عليه إلا من بيده قوّة، ومن يشرعنه أو يتغاضى عنه شريكٌ فيه.
- الإصلاح إعادة الروابط بعد تمزّقها.
- ولهذا قال القرآن «فاسق» سبعاً وثلاثين مرّة و«مفسد» إحدى وعشرين مرّة، ولم يقل «فاسد» ولا «مُفسِق» قطّ: الفسق يقوم بصاحبه، والفساد يخرج منه إلى غيره.
هذا والله أعلم

التعليقات (0)