قم وقوم وقيّوم في القرآن المكرم
ما الذي يجمع قيام الرجل وقيام الماء وقيام الدابّة، والجدار الذي أُقيم، والقيّوم، والقوم؟ أهو الانتصاب كما تقول المعاجم، فكيف ينتصب الماء؟ أم العلوّ، فكيف «قاموا» قومٌ كانوا يمشون منتصبين قبل أن يقوموا؟ وكيف يمتدّ لفظٌ واحد إلى هذا كلّه ولا يتبدّل معناه؟
الكتلة (قم)
قبضةٌ تضمّ الشيء ثمّ تمسكه
جذر القيام (ق و م)، والواو سيّالةٌ تسقط، فتبقى الكتلة (قم). والقاف في علم آدم التقييد، تمسك الشيء عن الخروج الكلّيّ، والميم قوّةٌ جاذبةٌ صامتة تصهر العناصر في وحدةٍ متماسكة، وهي في منتهى الجذر جدار السكون يحفظ النتيجة؛ فإذا اجتمع الحرفان كان المشهد قبضةً تضمّ الشيء ثمّ تمسكه متماسكاً، فلا ينفلت منها شيء.
الماء يجمد والدابّة تقف
ومن هنا نقرأ ما نقلته العرب في الماء والدابّة، قال الجوهري: «وقامَ الماءُ: جَمَدَ. وقامَتِ الدابة: وقَفَت»(١)؛ فالماء الجاري ينساب، فإذا قام تجمّع وتماسك فلم يَسِل، والدابّة الماشية تمضي، فإذا قامت أمسكت نفسها في موضعها. ولا علوّ في الشاهدين، فالماء الجامد لا يرتفع، والدابّة كانت قائمةً على قوائمها وهي تمشي.
وجعل محمد حسن جبل المعنى المحوريّ للجذر «انتصاب الشيء إلى أعلى ثابتًا»(٢)، فجمع الانتصاب والثبات. والثبات صحيح، لكنّه نتيجة الإمساك، والانتصاب هيئة البدن إذا أمسك نفسه، والماء لا ينتصب. ولذلك لا يُبنى الحدّ على الانتصاب، والحكم للعيال.
عيال الكتلة (قم)
تسعة جذورٍ تضمّ وتجمع
عيال الكتلة الجذور التي تحمل القاف والميم متجاورتين مع حرفٍ ثالث. وفي أبواب «مقاييس اللغة» منها ثلاثة وعشرون جذراً، نخرج منها قبل العدّ ستّة: (قمن) و(نقم) لأنّهما معنويّان، الجدارة والإنكار؛ و(قمه) لأنّ ابن فارس نفسه جعلها إبدالاً من (قمس) و(قمح)؛ و(حقم) لأنّه قال فيها: «لا أصل ولا فرع»(٣)؛ و(وقم) و(قمو) لأنّهما من تقاليب (قوم) نفسه، والجذر لا يشهد لنفسه. وبقي سبعة عشر جذراً، يجتمع تسعةٌ منها على معنىً واحدٍ صريح: ضمّ الشيء وجمعه حتى يتماسك.
أبينها (قمط)، قال الخليل: «القمط: شد كشد الصبي في المهد وغيره إذا ضمت أعضاؤه إلى جسده»(٤)، فهو ضمّ الأطراف إلى البدن وشدّها. وفي (قمش) قال: «القمش: جمع القماش، وهو ما كان على وجه الارض من فتات الاشياء»(٥)، فهو جمع المتفرّق من هنا وهناك.
وجعل جبل المعنى المحوريّ في (قمع) «ضَبْطٌ في حيز ومنعٌ عن الانتشار منه»(٦)، كما يضبط القِمع السائل فلا ينتشر. والمقامع من هذا الباب، قال الجوهري: «المِقْمَعَةُ: واحدة المَقامِعِ من حديدٍ كالمحجن يُضرَب بها على رأس الفيل»(٧)، فهي آلةٌ تردّ ما يخرج وتمسكه في حيّزه.
ونقل جبل في (عقم): «رَحِمٌ معقومة: مسدودة لا تَلِد»(٨)، فالرحم أُمسكت فلا يخرج منها شيء.
والمعنى المحوريّ في (قمح) عند جبل «اكتناز الشيء بما يضم في باطنه حتى يرتفع امتلاء»(٩)، ومنه البعير القامح، قال الجوهري: «وقمح البعيرُ قَموحاً، إذا رفع رأسَه عند الحوض وامتنع عن الشرب»(١٠)، فقد أمسك نفسه عن الماء وهو بين يديه.
أمّا (لقم) فمعناه المحوريّ «ضمُّ الفم ما يُلقَي إليه لَقْفًا بمَرَّة»(١١)، وفي (زقم) «بَلْع (إلى الباطن) بغلظ وقوة»(١٢)، وفي (هقم) قال الخليل: «وهو يتهقم الطعام، أي: يتلقمه لقما عظاما متتابعة»(١٣)؛ فهذه الثلاثة ضمٌّ إلى الباطن وإمساكٌ فيه.
وقال الخليل في (قمد): «القمد: القوي الشديد... والقمود شبه العسو من شدة الاباء»(١٤)، فهو المتماسك الذي يمسك نفسه فلا يلين ولا ينقاد.
الاحتواء، وما خرج من العيال
ويلحق بالتسعة جذران فيهما الاحتواء، وهو ضمٌّ من الخارج: (قمس)، وهو عند ابن فارس «غمس شيء في الماء»(١٥)، و(قمص)، وهو الدخول في القميص يضمّ لابسه. وفي (قمص) معنىً آخر هو القِماص، أي ألّا يستقرّ الشيء في موضعه، فموافقته غير خالصة.
وبقيت ستّةٌ لا تدخل في هذا المعنى: (قمر) البياض، و(قمل) الحقارة والصغر، و(دقم) الكسر، و(رقم) الخطّ، و(فقم) الاعوجاج، و(سقم) المرض؛ فالموافق الصريح تسعةٌ من سبعة عشر، أي أكثر من النصف، ويبلغ بالاحتواء أحد عشر، أي قريباً من الثلثين.
أين العلوّ؟
لا يظهر العلوّ في العيال إلا في رفع البعير القامح رأسه، وفي القمعة، قال الجوهري: «والقمعة أيضا: رأس السنام»(١٦)، وفي طول (قمد) عند ابن فارس. وفي العيال ما يناقضه صراحةً، قال الخليل: «وامرأة قملة أي قصيرة جدا»(١٧)، ثمّ الغمس في الماء، والابتلاع إلى الباطن. والعلوّ في العيال شاهدٌ نادر، والقبضة هي الجامعة.
المضاعف (قمم)
القامة والجماعة وقبض العصب
قال ابن فارس: «القاف والميم أصل واحد يدل على جمع الشيء. من ذلك: قمقم الله عصبه، أي جمعه، والقمقام: البحر، لأنه مجتمع للماء»(١٨). ونقل الجوهري: «القِمَّةُ بالكسر: قامَةُ الرجل. يقال: ألقى عليه قمَّتَهُ، أي بدنَه. وفلان حسن القِمَّةِ، والقامَةِ والقُومِيَّةِ، بمعنًى. والقِمَّةُ والقُمامَةُ أيضاً: جَماعة الناس. والقِمَّةُ: أعلى الرأس، وأعلى كل شئ»(١٩)، ثمّ في المادّة نفسها: «وقمقم الله عصبه، أي جمعه وقَبَضه»(٢٠) ومن المضاعف القُمقُم، وهو عند جبل «الجَرة/ ما يسخّن فيه الماء من نحاس وغيره، ويكونُ ضيقَ (فتحةِ) الرأس»(٢١)، فهو إناءٌ يمسك الماء من الانسياب.
فاجتمع في المضاعف: القامة، وهي البدن مجموعاً متماسكاً، ولذلك سُمّي البدن نفسه قِمّة؛ وجماعة الناس؛ والقمقام مجتمع الماء؛ والقمقم يمسكه؛ وقبض العصب. وجمع الجوهري القِمّة والقامة والقوميّة على معنىً واحد، وهو شاهدٌ من كلام العرب على أنّ (قمم) و(قوم) من كتلةٍ واحدة، وعلى أنّ القوم جماعةٌ مجموعة.
القِمّة ثمرة الجمع
ويحمل المضاعف أيضاً أعلى الرأس وأعلى كلّ شيء، وقد كشف جبل وجهه حين قال في الفصل كلّه إنّه «يعبر عن جَمْعٍ منتشرٍ على الظاهر جمعًا مستقصيًا يكوّن تراكمه تسنُّمًا»(٢٢)؛ فالمجموع إذا تراكم ارتفع أعلاه، والقِمّة ثمرة الجمع لا أصله.
المعكوس (مق)
طولٌ يتجاوز الحدّ
إذا عُكست الكتلة صارت (مق). ومضاعفها عند ابن فارس «أصل يدل على طول وتجاوز حد»(٢٣)، وقال الجوهري: «وفرس أمق بين المقق، أي طويل»(٢٤). أمّا عيالها فلا تنتظم على معنى، فالمقت والمقر والمقل والمقه والحمق والرمق والعمق والنمق كلماتٌ متباعدة، ولذلك لا نبني على المعكوس حدّاً، ويكفينا من مضاعفه أنّه في الجهة المقابلة للكتلة: (قم) قبضةٌ تمسك الشيء داخل حدّه، و(مق) امتدادٌ يتجاوز الحدّ.
السداسية (ق و م)
جذب العنان وجلاء السيف
سداسيّة الجذر تقليب حروفه الثلاثة على وجوهها الستّة: (قوم) و(قمو) و(وقم) تحمل الكتلة، و(موق) و(ومق) و(مقو) تحمل المعكوس.
ففي جهة الكتلة (وقم)، قال الجوهري: «والوَقْمُ: جذْبك العِنان. ووَقَمْتُ الرجل عن حاجته: رددته أقبح الرد»(٢٥)، فجذب العنان قبضٌ على الدابّة يمسكها عن المضيّ، والردّ عن الحاجة إمساكٌ للطالب دونها. و(قمو) عند ابن فارس «كلمة تدل على حقارة وذل... وأقميته أنا: أذللته»(٢٦)، والإذلال قهرٌ يمسك المقهور.
أمّا جهة المعكوس، ففي (مقو) قال الجوهري: «مقوت السيف: جلوته، حكاه يونس عن أبى الخطاب. وكذلك المرآة والطَست»(٢٧)، والجلاء فكُّ ما استمسك بصفحة السيف والمرآة من صدأ، فهو عكس القبضة. وأمّا (موق)، وهو «حُمْقٌ في غباوة»(٢٨)، و(ومق)، وهو «المقة: المحبة»(٢٩)، فمعنويّان لا نحمّلهما شيئاً.
الجذر (قوم) في القرآن
العيال في المصحف
المقامع لأهل النار، وعملها في الآية التالية:
﴿وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنۡ حَدِيدٖ﴾ [الحج: 21]
﴿كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ﴾ [الحج: 22]
فالمقمعة تمسك المعذَّب في حيّزه، كلّما أراد الخروج أُعيد. والمُقمَحون قبضت الأغلال على أعناقهم، وأمسكهم السدّ من بين أيديهم ومن خلفهم:
﴿إِنَّا جَعَلۡنَا فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ أَغۡلَٰلٗا فَهِيَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ﴾ [يس: 8]
﴿وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدّٗا فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ﴾ [يس: 9]
والحوت ضمّ يونس إلى باطنه:
﴿فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٞ﴾ [الصافات: 142]
وشجر الزقّوم تمتلئ منه البطون:
﴿لَأٓكِلُونَ مِن شَجَرٖ مِّن زَقُّومٖ﴾ [الواقعة: 52]
﴿فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ﴾ [الواقعة: 53]
قاموا: أمسكوا أنفسهم
ثمّ مواضع الجذر، ونبدأ بالموضع الذي قابل فيه المصحف بين القيام والمشي صريحاً:
﴿يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ﴾ [البقرة: 20]
كانوا منتصبين وهم يمشون، فلم يزدهم القيام علوّاً، وإنّما جمعوا أنفسهم في مواضعهم وأمسكوها عن المضيّ في الظلمة؛ فالقيام هنا قبضةٌ على البدن، ويقابلها المشي.
وآكلو الربا لا يقومون إلا كما يقوم المتخبّط:
﴿ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ﴾ [البقرة: 275]
والمتخبّط تضطرب أعضاؤه وتتفلّت فلا يقدر على جمعها، فقيامه قيامٌ لا يتماسك.
وثمود لمّا أخذتهم الصاعقة لم يقدروا أن يجمعوا أنفسهم ويمسكوها:
﴿فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مِن قِيَامٖ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ﴾ [الذاريات: 45]
القيامة يوم الجمع
ثمّ القيام بعد الصعق:
﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68]
فالصعق تفلّت الأبدان وسقوطها، والقيام بعده أن تُجمع وتُمسَك قائمةً تنظر. والقيامة لحظة قيام الناس من قبورهم، وتمتدّ حتى يدخلوا الجنّة أو النار، وفيها يقومون لربّهم مجموعين:
﴿يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [المطففين: 6]
ولهذا سمّى المصحف ذلك اليوم يوم الجمع:
﴿وَتُنذِرَ يَوۡمَ ٱلۡجَمۡعِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ﴾ [الشورى: 7]
وعلى هذا يأتي أمر الرسول بالقيام في أوّل البعثة، وهو مدّثّرٌ ملتفٌّ ساكن:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: 1]
﴿قُمۡ فَأَنذِرۡ﴾ [المدثر: 2]
فالقيام هنا أن يجمع نفسه على الأمر ويمسكه، فلا يكون إنذاره كلمةً عابرة، وكذلك قيام الليل.
القائم والمحصود
النخلة القائمة على أصولها ممسوكةٌ بها لم تُقطع:
﴿مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّينَةٍ أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾ [الحشر: 5]
والقرى منها قائمٌ متماسكٌ ببنيانه، ومنها حصيدٌ انفرط فسُوّي بالأرض:
﴿ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيۡكَۖ مِنۡهَا قَآئِمٞ وَحَصِيدٞ﴾ [هود: 100]
القائم على الشيء، والقيّوم
القيام على الشيء الإمساك به وملازمته؛ فالذي لا يؤدّي الدينار لا يؤدّيه إلا ما دمت عليه قائماً، أي ممسكاً به لا ترخي قبضتك عنه، فإذا أرخيتها أفلت بالدينار:
﴿وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ﴾ [آل عمران: 75]
والله قائمٌ على كلّ نفسٍ بما كسبت، ممسكٌ بها وبكسبها فلا يفلت منه شيء:
﴿أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ﴾ [الرعد: 33]
ومن هذا الباب القيّوم، وهو القائم على شؤون الكون، وقد شرحته الآية نفسها بنفي ما يرخي القبضة:
﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ﴾ [البقرة: 255]
فالسِّنة والنوم إرخاءٌ للإمساك، فنفاهما عقب القيّوم. وقد صرّح المصحف بهذا الإمساك في موضعٍ آخر:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُمۡسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ أَن تَزُولَاۚ﴾ [فاطر: 41]
الإقامة: إمساكٌ لا ينفرط
أبين مواضع الإقامة جدارٌ يريد السقوط، وإقامة الشيء جعله قائماً، أي إمساكه مجموعاً لا ينفرط:
﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ﴾ [الكهف: 77]
فالجدار لم يسقط بعد، وإقامته إمساكه وشدّ أجزائه بعضها إلى بعض فلا تنفرط. وقد وضع المصحف الإقامة في مقابل الظعن، وهو الرحيل:
﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ﴾ [النحل: 80]
فالظعن مضيٌّ وانفلاتٌ من الموضع، والإقامة إمساكٌ فيه، ومن هنا كان المقام الموضع الذي يستقرّ فيه صاحبه ولا يبرحه، على ما بيّنّاه في «المقام المحمود». وعليه إقامة الصلاة:
﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ [البقرة: 43]
والصلاة صلةٌ وتواصل، وإقامتها إمساكها فلا تنقطع ولا تنفرط.
القيام والقوام والقيّم
المال قيامٌ للناس، أي ما تُمسَك به معيشتهم فلا تنهار:
﴿وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا﴾ [النساء: 5]
والإنفاق بين الإسراف والتقتير قوامٌ، أي قبضةٌ تمسكه فلا ينفلت إلى الإسراف ولا ينحبس في التقتير:
﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا﴾ [الفرقان: 67]
والدين القيّم هو النظام الذي يمسك البلد من الانهيار، وقد قرنته الآية بالحكم:
﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ﴾ [يوسف: 40]
والقيّم الذي يراقب ويدير بجدٍّ لا هزل، وكذلك جعل المصحف الكتاب قيّماً بعد أن نفى عنه العوج:
﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ﴾ [الكهف: 1]
﴿قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا﴾ [الكهف: 2]
وكذلك تقوم الساعة، والساعة أيّام الكوارث التي يهرب فيها الناس إلى المحشر ثمّ تستقرّ الأرض، فقيامها أن تقع فتقبض على الناس فلا يفلت منها أحد. ويقوم الحساب فيُمسَك الخلق عليه، وعلى ذلك جاء دعاء إبراهيم:
﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ﴾ [إبراهيم: 41]
القوم: جماعةٌ تمسك أمر البلد
بقي اسم الجماعة، وهو أكثر ما جاء من الجذر في المصحف. والقوم جماعةٌ مجموعةٌ متماسكة، وهم القائمون بأمر البلد، يمسكونه فلا ينهار، كما يقوم البنيان على أركانه. وهم أهله جميعاً، لا رجالٌ مخصوصون منهم. وأبين شاهدٍ على ذلك أنّ المصحف يجعل الملأ المستكبرين بعضَ القوم، والمستضعفين المؤمنين بعضاً آخر منه، في خبر صالح وقومه:
﴿قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِمَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُمۡ أَتَعۡلَمُونَ أَنَّ صَٰلِحٗا مُّرۡسَلٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ﴾ [الأعراف: 75]
فالملأ «من قومه»، والمستضعفون «منهم»، فالقوم يجمع الطرفين: من بيده الأمر والنهي ومن لا أمر له. وإنّما يخاطب الأنبياء علية القوم ويجادلهم الملأ، لأنّ العلية يمثّلون الجميع ويتولّون أمرهم، فالخطاب لهم خطابٌ للقوم كلّه. وعلى هذا نادى موسى قومه كلّهم حين اتّخذوا العجل، فالذنب ذنب القوم، والخطاب للقوم:
﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ﴾ [البقرة: 54]
أمّا آية الحجرات، وهي التي حُمل منها القوم على الرجال، فتشهد للمعنى نفسه ولا تنقضه، وفيها ينهى ربّنا المؤمنين عن السخرية:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ﴾ [الحجرات: 11]
فالنهي أوّلاً لجماعةٍ قائمةٍ بأمرها أن تسخر من جماعةٍ مثلها، ثمّ خُصّت النساء بالذكر، والنساء المتزوّجات، لأنّ سخرية بعضهنّ من بعضٍ بابٌ يقع بينهنّ، فذكرُهنّ بعد القوم تخصيصٌ من الجملة لا إخراجٌ منها.
والقوم اسمٌ للقائمين بأمر البلد جميعاً، ومعناه معنى القيام نفسه: جماعةٌ تمسك أمر البلد، والبلد يقوم بقومه كما تقوم النخلة على أصولها.
الحدّ
القبضة الممسكة
الكتلة (قم) القبضة الممسكة: ضمُّ الشيء وجمعه حتى يتماسك فلا ينساب ولا ينهار. والقيام أن يُجمع الشيء على نفسه ويُمسَك، والإقامة إمساكه.
ومثاله الإناء يمسك الماء من الانسياب والتلاشي.
وهو معنىً واحدٌ في كلّ موضع: فالماء إذا قام جمد فتماسك، والدابّة إذا قامت أمسكت نفسها عن المسير، والماشي إذا قام جمع نفسه في موضعه، والقاعد والراقد إذا قاما جمعا أبدانهما وأمسكاها قائمة، والجدار المُقام أُمسك فلم ينقضّ، والنخلة القائمة ممسوكةٌ على أصولها، والقائم على الشيء ممسكٌ به لا يرخيه، والقيّوم القائم على شؤون الكون لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم، والدين القيّم يمسك البلد من الانهيار، والقوم جماعةٌ متماسكة تمسك أمره.
ونقيض القيام الانفلات: انسياب الماء، ومضيّ الماشي، وتخبّط المصروع، وانقضاض الجدار، وحصد الزرع.
أمّا العلوّ فصورة المجموع إذا تراكم، كالقِمّة ورأس السنام، والانتصاب هيئة البدن إذا أمسك نفسه، والثبات نتيجة الإمساك؛ فهذه كلّها نتائج للقبضة، وليست الأصل.

التعليقات (0)