عبر وعرب ورعب في القرآن المكرم
ما الذي يجمع النهرَ الذي يُعبَر، والدمعَ الذي يسيل، والقلبَ الذي يمتلئ رعباً، واللسانَ العربيّ؟ ولماذا نزل القرآن عربيّاً، وكان الأعراب أشدّ كفراً ونفاقاً؟
كتبنا من قبلُ ثلاثة مقالاتٍ في جذورٍ متقاربة: «العبرة والعبور في القرآن المكرم»، و«الرعب في القرآن المكرم»، و«معنى عربي وأعراب وعُرباً في القرآن المكرم». وكان كلّ مقالٍ منها يقف عند جذره، ونحن هنا نجمعها على كتلتها، فنرى أنّ العبور والرعب والعربيّ حركةٌ واحدة.
علم آدم: كتلة (عب)
الحرفان
في جذور (عبر) و(عرب) و(رعب) ثلاثة أحرف: العين والباء والراء. والراء لا تصلح أن تكون كتلةً مع حرفٍ صلبٍ أقوى منها، فإذا وقعت معه في جذرٍ سقطت من الكتلة، وكانت الكتلة الحرفين الصلبين(١)؛ فكتلة الجذور الثلاثة العين والباء.
والعين في علم آدم ظهور، والباء تراكم؛ فإذا اجتمعا كان المعنى: ما تراكم حتى امتلأ فظهر خارج حدّه.
المضاعف: العَبّ واليعبوب
أقرب ألفاظ الكتلة إليها مضاعفها، ففي «العين»: "العب: شرب الماء من غير مص"، وهو الماء يُصبّ في الحلق جملةً فيملؤه، و"اليعبوب: الفرس الكثير العدو والعرق، وكذلك الجدول الكثير الماء الشديد الجرية"(٢)؛ فالجدول اليعبوب ماءٌ ملأ مجراه فاندفع.
عيال الكتلة: ما جاوز حدّه
وأقوى الشواهد عيال الكتلة، وأوّلها (عبر): "وعبرت النهر عبورا"، "وعبر النهر شطه"(٣)، فالعِبر هو الحدّ الذي يجاوزه الماء إذا فاض، ويجاوزه العابر إذا قطع. وفيه: "ورجل عابر سبيل، أي مار طريق"، و"والمعبرة: سفينة يعبر عليها النهر"(٤). ثمّ يأتي ما هو أصرح، "وعبرة الدمع: جريه"(٥): تمتلئ العين حتى يجاوز ماؤها جفنها فيعبر. وهذه صورة الكتلة كاملةً في بدن البشريّ. ومن هذا الباب "والعبرة: الاعتبار لما مضى"(٦)، فالعقل يجاوز ما مضى إلى ما يُستفاد منه. وجعل محمد حسن جبل معناه المحوريّ "انتقال أو انتشار من حيز إلى آخر (مقابله) بقوة ولطف"(٧).
ومنها (عيب)، قال «الخليل»: "وعاب الماء: إذا ثقب الشط فخرج منه"(٨)؛ فالماء يخرق حدّه ويخرج منه؛ والعيب في الشيء ثُقبٌ في حدّه يعبر منه ما وراءه.
ومنها (وعب): "الوعب: إيعابك الشي ء في الشئ. واستوعب الجراب الدقيق"(٩)، فالجراب امتلأ بالدقيق حتى لم يبقَ فيه موضع.
ومنها (ثعب): "ثعبت الماء أثعبه ثعبا، أي فجرته فانثعب، ومنه اشتق المثعب وهو المرزاب"(١٠)، والمرزاب ممرٌّ يجاوز منه الماءُ السطحَ الذي امتلأ به. وعند جبل: "خروج المائع أو شبهه متصلا أو ممتدا متماسكا من ثقب أو شبهه"(١١).
ومنها (رعب)، ففي «العين»: "وسيل راعب، إذا امتلا (منه) الوادي"(١٢). وجعل جبل معناه المحوريّ "امتلاء جوف الشيء بغض طري يرتج فيه"(١٣).
عيال الكتلة: ما امتلأ
وفي العيال طائفةٌ ثانية تقف عند الشطر الأوّل من الكتلة، وهو الامتلاء؛ فمنها (عبأ): "العب ء: كل حمل من غرم أو حمالة"(١٤)، وهو الحِمل الذي يملأ الظهر حتى يثقل عليه، وجعل جبل معناه "ملء أو جمع في حيز بتقدير وقوة"، ثمّ قال: "ويلزمه ثقل الحيز لامتلائه"(١٥). ومنها (عبل): "العبل: الضخم"(١٦)، و(عبن): "ورجل عبن الخلق: أي ضخمه وجسيمه"(١٧)، و(عبم): "العبام: الرجل الغليظ الخلق"(١٨)؛ فهي أبدانٌ امتلأت حتى بلغت حدودها. ومنها (عشب): "وأرض عشبة معشبة قد أعشبت واعشوشبت، أي: كثر عشبها وطال والتف"(١٩)، فهي أرضٌ امتلأت بنبتها.
فهذه أحد عشر جذراً توافق الكتلة، خمسةٌ تصل إلى المجاوزة، وستّةٌ تقف عند الامتلاء. وخالفها نحو ستّة عشر جذراً متفرّقة، لا يجتمع اثنان منها على معنى واحد، فلا تنازع الكتلة معناها.
المقلوب: (بع)
وإذا عُكست الكتلة صارت (بع)، فانعكس معها الفعل: (عب) امتلاءٌ يدخل فيه الشيء حتى يملأ حيّزه، و(بع) تفريغٌ يُخرج ما في الجوف؛ ففي «العين»: "نبع الماء نبعا ونبوعا: خرج من العين"(٢٠)، وعند جبل: "انبثاق رقيق الجرم أو خالصه من باطن"(٢١). و"الصبع: أن تأخذ إناء فتقابل بين إبهاميك وسبابتيك، ثم تسيل ما فيه"(٢٢)، وهذا تفريغ الإناء بعينه. و"بعج فلان بطن فلان بالسكين، أي: شقه"(٢٣). و"البعر للابل ولكل ذي ظلف إلا للبقر الاهلي فإنه يخثي"(٢٤)، وجعله جبل "مفارقة للجوف أو الحيز"(٢٥). و"الانبعاق: أن ينبعق الشئ عليك مفاجأة"(٢٦)؛ فالماء في (عب) يدخل حتى يملأ، وفي (بع) يخرج حتى يُفرغ.
سداسيّة (ع ر ب)
تتقلّب حروف (ع ر ب) في ستّة جذور: (عرب) و(عبر) و(رعب)، وهي على (عب) الامتلاء، و(بعر) و(برع) و(ربع)، وهي على المقلوب (بع) التفريغ؛ فالبعر ما تُفرغه الدوابّ من جوفها، و(برع): "وهو يتبرع من قبل نفسه بالعطاء، إذا لم يطلب عوضا"(٢٧)؛ يُفرغ ما عنده إلى غيره ولا يسترجع شيئاً. وأمّا (ربع) فبابه العدد والارتفاع، فنتركه لمقاله.
(عرب) في كلام العرب
والراء وإن لم تدخل في الكتلة فهي حرفٌ في الجذر يوجّهه. وهي في الجدول "قوة تكرر حركتها للحفاظ على استقرار النظام بعد دفعه"، فإذا دخلت على (عب) صار المعنى عبوراً يتكرّر: لا عبوراً واحداً، بل حياةً قائمة على العبور. ومعنى العربيّ في جدولنا: "من يعيش بالعبور والتنقل"، والأعرابيّ: "الأكثر عروبة أي الأكثر تنقلاً وعبوراً". وفي (عبر) نفسه بقيّةٌ من هذا التكرار: "وناقة عبر أسفار. أي: لا تزال يسافر عليها"(٢٨).
وهذا ما بلغناه من قبلُ بطريقٍ آخر؛ ففي مقال «معنى عربي وأعراب وعُرباً» نظرنا في الشواهد التاريخيّة، فرأينا الأمم المحيطة بالجزيرة تسمّي عرباً القبائلَ الرحّل المتنقّلة، فقلنا إنّ (عرب) مقاربٌ لـ(عبر)، وإنّ العرب سُمّوا بذلك لعبورهم البرّ أبداً، كما سُمّي العبرانيّون لعبورهم. وفي «العين»: "والعبرانية لغة اليهود"(٢٩). وما قلناه هناك بالشاهد التاريخيّ تقوله الكتلة اليوم بالحرف: (عبر) و(عرب) على (عب) معاً، وليسا رديفين، فالعبر عبورٌ، والعرب عبورٌ تكرّره الراء حتى يصير عيشاً. ولهذا سمّوا يوم الجمعة يوم العروبة، ففي «العين»: "والعروبة: يوم الجمعة"(٣٠)؛ يومٌ يعبر فيه الناس من كلّ صوبٍ إلى السوق، ثمّ يرجعون، ثمّ يعودون إليه في الأسبوع الذي يليه.
وفي مادّة (عرب) نفسها نجد الكتلة في كلّ ركنٍ منها؛ فيها الفيض: "والعرب: النشاط والارن"(٣١)، والنشاط قوّةٌ تجاوز حاجة صاحبها. وفيها الامتلاء الذي جاوز حدّه بلفظه: "وعرب الرجل يعرب عربا فهو عرب، أي: متخم"، "وعربت معدته وهو أن يدوي جوفه من العلف"(٣٢). وفيها البيان: "وأعرب الرجل: أفصح القول والكلام"(٣٣). وجعل جبل معناه المحوريّ "نشاط وانطلاق بحدة ذاتية للخلوص مما يحبس"، ثمّ مثّل له: "كانطلاق ماء البئر، وكذلك ماء النهر الشديد الجري"(٣٤).
والخليل يقول في الجذرين عبارتين متقاربتين؛ ففي (عرب): "وعربت عن فلان، أي تكلمت عنه بحجة"(٣٥)، وفي (عبر): "وعبرت عنه تعبيرا إذا عي من حجته فتكلمت بها عنه"(٣٦)؛ فالفعلان يلتقيان عنده في استعمالٍ واحد، هو الكلام بحجّةٍ عن غيرك. ومنه المرأة العَروب: "والمرأة العروب: الضحاكة الطيبة النفس، وهن العرب"(٣٧).
الكتلة في القرآن
العبور
يُنهى الجُنُب عن قرب الصلاة حتى يغتسل، ويُستثنى من يمرّ بموضعها: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ﴾ [النساء: ٤٣]، فالعابر يجاوز المكان ولا يقيم فيه. والملك يرى سبع بقراتٍ سمانٍ تأكلهنّ سبعٌ عجاف، فيستفتي ملأه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]، فعبور الرؤيا مجاوزةُ رمزها إلى حقيقتها وما تؤول إليه.
العبرة
وأعلى العبور في القرآن العبرة. وقد قرّرنا في مقال «العبرة والعبور» أنّها العبور العقليّ من الظاهرة المشاهدة إلى حقيقة قدرة الخالق وعظمته؛ فالأنعام تُرى كلّ يوم، ثمّ يقف القرآن بالناظر عند ما يخرج من بطونها: ﴿وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]، فالعقل يبدأ من اللبن الذي في الإناء، ثمّ يجاوزه إلى الفرث والدم اللذين خرج من بينهما، ثمّ يجاوزهما إلى من أخرجه خالصاً. وهذه حركة الكتلة نفسها: ما امتلأ به النظر جاوز حدّ المشهود إلى ما وراءه.
ويلتقي الجمعان، فئةٌ تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ترى المؤمنين مثليها رأي العين، فيُختم المشهد: ﴿وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [آل عمران: ١٣]؛ فالعبرة لأولي الأبصار، لأنّ البصر هو الشطّ الذي يبدأ منه العبور، والعقل هو الذي يجاوزه. ولا تكون لمن وقف عند ما رأى، فبعد أن نادى فرعون في قومه بأنّه ربّهم الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، قال: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰٓ﴾ [النازعات: ٢٦]، فمن لم يخشَ وقف عند القصّة ولم يعبرها؛ فالجذر في القرآن مجاوزةُ حدٍّ إلى ما وراءه، في المكان وفي الرؤيا وفي العقل.
الرعب
الرعب في جدولنا أعلى درجات الخيفة، وقد بيّنّا في مقال «الرعب» أنّه يدخل القلب فيملؤه، وأنّ المرعوب ينهار ويعجز ويستسلم، على عكس الخائف الذي يقاوم أشدّ المقاومة ويقاتل. ووجه ذلك في الكتلة أنّ الخيفة تبقى في القلب فيدبّر صاحبها أمره معها، والرعب يملأ القلب حتى يجاوزه، فتخرج الجوارح عن سلطان صاحبها.
وقد ورد الرعب في خمسة مواضع، أربعةٌ منها في القتال، وهو فيها يُلقى في القلوب أو يُقذف فيها. والإلقاء يكون بهدوءٍ وروية، والقذف بعجلةٍ وسرعة؛ فما بثّته الملائكة المرسَلون بالسكينة للمؤمنين أُلقي رعباً في قلوب الكفّار، وما جاء من الله فجأةً بلا جندٍ قُذف، والنتيجة واحدة: قلوبٌ امتلأت؛ ففي القتال الذي أمدّ الله فيه المؤمنين بالملائكة، يوحي إليهم أن يثبّتوا الذين آمنوا، ثمّ يقول: ﴿سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ﴾ [الأنفال: ١٢]، فلمّا امتلأت قلوبهم انهارت قواهم، فسهل ضربهم. وبعد أحدٍ وعد الله المؤمنين بمثله:
﴿سَنُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ بِمَآ أَشۡرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٥١]
وأمّا بنو النضير فحسبوا أنّ حصونهم مانعتهم من الله، فأتاهم من حيث لم يحتسبوا: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [الحشر: ٢]، فما امتلأت به القلوب جاوزها إلى الأيدي، فصارت تخرّب ما بنته، وهذا التصرّف الطائش من ثمار الرعب. ثمّ خُتمت الآية بالاعتبار من (عبر) أخي الجذر، فاجتمع أخوان من الكتلة في آيةٍ واحدة: رعبٌ يجاوز القلب، واعتبارٌ يجاوز المشهود. وكذلك أهل الكتاب الذين ظاهروا الأحزاب، أُنزلوا من صياصيهم حين قُذف الرعب في قلوبهم:
﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا﴾ [الأحزاب: ٢٦]
وفي أصحاب الكهف، وهم رقودٌ يُقلَّبون وكلبهم باسطٌ ذراعيه بالوصيد، يقول الله لمن يطّلع عليهم: ﴿لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا﴾ [الكهف: ١٨]، فللمطّلع في الآية أمران: فرارٌ يُخرجه من موضعه، وامتلاءٌ يجعل الرعب ما يملؤه؛ فالرعب فيها مُسنَدٌ إليه بلفظ الامتلاء صريحاً، وهو شطر الكتلة الأوّل، والفرار مجاوزةٌ للموضع، وهو شطرها الثاني. وبهذا يفارق الرعبُ الخيفة: الخيفة تبقى في صاحبها، والرعب يملؤه.
العيب
ولم يرد العيب في القرآن إلا في سفينة المساكين، حين خرقها صاحب موسى:
﴿أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا﴾ [الكهف: ٧٩]
فالعيب الذي أراده خرقٌ في حدّ السفينة، على ما مرّ في العيب ثُقباً يعبر منه ما وراءه؛ فلمّا صار في جدارها ثُقب، زهد فيها الملك الغاصب، فبقيت لأهلها.
اللسان العربيّ
يردّ القرآن على المشركين حين قالوا إنّ بشراً يعلّم النبيّ، فيقابل بين لسانين: ﴿لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، فاللسان العربيّ على حدّ (عب) لسانٌ يجاوز معناه صاحبَه فيعبر إلى سامعه. والأعجميّ في الآية لسانُ رجلٍ بعينه لا يعبر كلامه إليهم، فكيف يعلّم من لا يبلغه قوله؟ ولهذا قرن الله العربيّ بالمبين، فالبيان ثمرة العبور.
وهذا العبور غايته العقل، فقد قال الله في مطلع سورة يوسف: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، فالقرآن العربيّ معناه يعبر حتى يبلغ العقل فيُعقل. ومداه لا يقف عند موضع نزوله، فقد أوحاه الله إلى نبيّه لينذر به: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَا﴾ [الشورى: ٧]، فهو لسانٌ يعبر من أمّ القرى إلى من حولها.
ثمّ يفترض القرآن الوجه الآخر ليُبطل حجّتهم قبل أن يقولوها: ﴿وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا أَعۡجَمِيّٗا لَّقَالُواْ لَوۡلَا فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥٓۖ ءَا۬عۡجَمِيّٞ وَعَرَبِيّٞۗ﴾ [فصلت: ٤٤]، فهم يعرفون أنّ العربيّ ما فُصّل فعبر معناه إليهم، ويعيبون الأعجميّ بأنّه لا يعبر. ثمّ يكشف القرآن في الآية نفسها مانعاً من جهةٍ أخرى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٞ وَهُوَ عَلَيۡهِمۡ عَمًىۚ﴾ [فصلت: ٤٤]. فللعبور طرفان: لسانٌ يحمل المعنى، وسامعٌ يتلقّاه. وقد أتمّ الله الطرف الأوّل حين جعله عربيّاً، فلم يبقَ لهم عذرٌ من جهة اللسان، وما انحبس بعد ذلك فإنّما انحبس في آذانهم الموقورة.
الأعراب
الأعراب أهل العبور المتكرّر، والقرآن يضعهم حول المدينة لا فيها، فيذكرهم قسيماً لأهلها حين يكشف المنافقين: ﴿وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]، فهم حول المدينة، وليسوا من أهلها.
وحكم الله فيهم قبلها بآيات: ﴿ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ [التوبة: ٩٧]. والعابر لا ينتمي إلى أرضٍ يقيم عليها، فيشقّ عليه أن يقاتل عن مدينةٍ ليست له، ولا يعرف الانتماء إلا إلى القبيلة التي تحميه، ولهذا كان أشدّ كفراً ونفاقاً، وكثر فيهم التخلّف عن القتال:
﴿سَيَقُولُ لَكَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ شَغَلَتۡنَآ أَمۡوَٰلُنَا وَأَهۡلُونَا فَٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَاۚ يَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ ضَرًّا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ نَفۡعَۢاۚ بَلۡ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرَۢا﴾ [الفتح: ١١]
وحدود ما أنزل الله في جدولنا "التشريعات المتسامحة التي لم يُخبر بها الأعراب ليرتعبوا من قوة التشريع"؛ فلم يكن تركُ علمهم بها اتّفاقاً، بل قصداً: يُخاطَبون بقوّة التشريع، ويُطوى عنهم ما فيه من سماحة، حتى يرتعبوا منه. ولذلك كانوا أجدر ألّا يعلموها. وهذا خطابٌ يوافق حال العابر، فهو لا يقيم حتى يأخذ الأمر بتفصيله، فيُلقى إليه جملةً قويّةً تمسكه.
وعلى هذا تُفهم أمنيّة المنافقين يوم الأحزاب، فقد أرادوا الفرار من المدينة إلى حياة العبور: ﴿يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ يَسۡـَٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآئِكُمۡۖ﴾ [الأحزاب: ٢٠]. يريد أحدهم أن يكون عابراً يسأل عن الخبر من بعيد ولا يشهده.
وحين ادّعى الأعراب الإيمان جاءهم الردّ: ﴿قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ﴾ [الحجرات: ١٤]، فالآية تنفي أن يكون الإيمان قد دخل قلوبهم إلى ساعة الخطاب، وتُبقي لهم قول «أسلمنا». وهو شأن العابر الذي يبلغه ظاهر الأمر، ولا يقيم حتى يبلغ داخله.
وليس العبور حكماً على أهله، فمن الأعراب من نال القربى: ﴿وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ﴾ [التوبة: ٩٩]، فالعبور حالُ عيشٍ، يكون الكفر فيه أشدّ، ويكون الإيمان فيه قُربة.
عُرُبًا أترابًا
ويذكر القرآن نساء الجنّة اللاتي أنشأهنّ الله إنشاءً فجعلهنّ أبكاراً: ﴿عُرُبًا أَتۡرَابٗا﴾ [الواقعة: ٣٧]. والعَروب على ما مرّ الضحّاكة الطيّبة النفس، فهي نفسٌ ممتلئة بالودّ يفيض منها فيعبر إلى زوجها، لا تحبسه في صدرها. وكنّا قد فسّرناها باشتياق المرأة إلى زوجٍ يغيب عنها، وليس في الجنّة غياب، فالمعنى الجديد هو الذي يستقيم في موضعه.
الحدّ
(عب): امتلاءٌ يبلغ حدّ الشيء فيجاوزه، فيعبر إلى ما وراءه. والمعنى الحسّيّ الأوّل الماء يملأ مجراه فيجاوز شطّه. ومقلوبها (بع) تفريغُ ما في الجوف، فهما فعلان متعاكسان: يدخل الماء في (عب) فيملأ، ويخرج في (بع) فيُفرغ.
وحرفا الكتلة يشهدان له: الباء تراكمٌ يملأ، والعين ظهورٌ خارج الحدّ. والعيال تصدّق شطريه: العبء والعبل والوعب تشهد للامتلاء، وعبور النهر وعيب الماء والمثعب تشهد للمجاوزة، و«اليعبوب» و«سيل راعب» يجمعان الشطرين؛ فالعبرة عبور العقل من المشهود إلى خالقه، والرعب امتلاءٌ يجاوز القلب إلى الجوارح، والعيب ثُقبٌ في الحدّ، والعربيّ من عاش بالعبور، واللسان العربيّ لسانٌ يعبر بالمعنى حتى يبلغ العقل، والعَروب نفسٌ يفيض ودّها فيعبر.
هذا والله أعلم

التعليقات (0)