موقف الخلفاء من المرويات


موقف الخلفاء من المرويات

من «حسبنا كتاب الله» إلى دفاتر السلطان وحكّام الفرق

لماذا نهى الرسول ﷺ عن كتابة شيءٍ غير القرآن وأمر بمحو ما كُتب؟ ولماذا أحرق أبو بكرٍ ما جمعه، وحبس عمرُ كبارَ الصحابة في المدينة لأنّهم أكثروا الحديث، وتوعّد المكثرين بالنفي؟ وإذا كان الخلفاء قد أغلقوا هذا الباب، فمن الذي فتحه بعدهم على مصراعيه: الأحزابُ المتقاتلة أم الدولة؟

حكمُنا أنّ الرسول ﷺ والخلفاء الأربعة أغلقوا باب الكتابة، وضيّقوا باب الرواية حتى كادوا يغلقونه، ورأوا في القرآن كفايةً عن كلّ حديث؛ وأنّ الفتنة هي التي فتحته، فاتّخذ شيعةُ عليٍّ والخوارجُ الأحاديثَ والقصصَ سلاحاً، ثمّ نافستهم الدولة، فأقامت قصّاصها بأجرٍ معلوم، وأكرهت فقهاءها على التدوين، وردّت القصّةَ بالقصّة والحديثَ بالحديث، ثمّ أقامت كلّ فرقةٍ إلى جانب القرآن حاكماً ثانياً، من راوٍ أو عقلٍ أو إمام، حتى طغى عليه.

ونحن نسوق الأخبار في هذا المقال كلّها من كتب القوم أنفسهم، نحاكمهم بها ونُلزمهم ما فيها، ولا ندّعي لبعضها ثبوتاً ليس لغيره؛ فهي أقوالٌ قيلت، لا ندري قائلها على اليقين.

الحديث في لسان القرآن

نبدأ من القرآن، لأنّ الخلفاء بدؤوا منه؛ فالحديث في لسانه إحياءُ الذكريات والقصص والعقائد المنسية، وقد سمّى الله كتابه أحسنَ ذلك كلّه، فقال: ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣]

ثمّ سأل سؤالاً يقطع الطريق على كلّ حديثٍ يُطلب من خارج آياته: ﴿تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ يُؤۡمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦]

وجعل الكتابَ كافياً للمؤمنين، فلا يحتاجون معه إلى آيةٍ أخرى ولا إلى خبرٍ يُساق إليهم من غيره: ﴿أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]

وفي مقابل أحسن الحديث يقف «لهو الحديث»، وهو الأخبار الخرافية القديمة أو التي لا أهمّية لها، يشتريها قومٌ ليصرفوا بها الناس عن سبيل الله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾ [لقمان: ٦]

وحين ذكر أهل الكتاب الذين ضيّعوا كتابهم، لم يجعل علّتهم أنّهم لا يقرؤون، بل أنّ علمهم صار أمانيّ: ﴿وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]

ثمّ ذكر الذين يكتبون بأيديهم ثمّ ينسبون ما كتبوا إلى الله: ﴿فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]

وهذه الكلمة، «الأمانيّ»، سنسمعها بعد قليلٍ من فم عمر وهو يُحرق كتب الحديث، ومن فم معاوية وهو يخطب في الناس، فقد فهم القوم أنّ الأمّة التي تكتب مع كتاب الله كتاباً آخر تسير في الطريق الذي سار فيه أهل الكتاب من قبلها.

الرسول ﷺ: أكتابٌ مع كتاب الله؟

روى أبو سعيد الخدري عن الرسول ﷺ: "لا تكتبوا عني. ومن كتب عني غير القرآن فليمحه"(١)، وفي تمامه: "وحدثوا عني، ولا حرج"(٢). وفي المرويات المنسوبة إلى أبي هريرة(٣) أنّ الرسول ﷺ خرج عليهم وهم يكتبون ما يسمعون منه، فقال: "أكتاب مع كتاب الله"(٤)، فكان جوابهم العملي: "فجمعنا ما كتبنا في صعيد واحد ثم أحرقناه بالنار"(٥).

وفي آخر هذا الخبر زيادةٌ تستحقّ الوقوف، وهي نفسها التي في تمام خبر أبي سعيد؛ فقد زعموا أنّهم سألوه بعد الإحراق أيتحدّثون عنه، فقال: "تحدثوا عني ولا حرج"، ثمّ سألوه عن بني إسرائيل فقال: "تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"(٥). وهذا متنٌ يهدم أوّله آخرُه؛ فالرسول ﷺ الذي أنكر صحيفةً تُكتب إلى جوار القرآن لا يفتح في المجلس ذاته باب أخبار بني إسرائيل بلا حرج، وعمر الذي سيأتي ذكره توعّد كعباً بالنفي لأنّه يحدّث بها؛ فهذه الزيادة في الخبرين كليهما رخصةُ القصّاص، أُلصقت بخبر المنع لتنقضه من داخله.

ولمّا سأل معاويةُ زيدَ بن ثابت عن حديثٍ وأمر رجلاً بكتابته، قال له زيد: "إن رسول الله ﷺ أمرنا أن لا نكتب شيئا من حديثه، فمحاه"(٦). وفي الصفحة نفسها خبرٌ معارِضٌ يأذن فيه الرسول ﷺ لعبد الله بن عمرو أن يكتب كلّ ما يسمع: "اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما يخرج منه إلا حق"(٦). ونحن نحكم بين الخبرين بعمل الخلفاء؛ فلو أذن الرسول ﷺ في الكتابة إذناً عامّاً لما أحرق أبو بكرٍ صحيفته، ولا أحرق عمر ما جمعه الناس، ولا محا عليٌّ وابن مسعودٍ وأبو موسى ما وجدوه مكتوباً، كما سنرى.

وحين اشتدّ المرض بالرسول ﷺ وطلب ما يكتب لهم، قال عمر كلمته التي صارت شعار هذا العهد كلّه: "إن النبي ﷺ غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا"(٧).

أبو بكر: بيننا وبينكم كتاب الله

جمع أبو بكرٍ الناس بعد وفاة الرسول ﷺ فقال لهم: "فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه"(٨).

ثمّ لم يكتفِ بالنهي حتى بدأ بنفسه؛ فقد روت عائشة(٩) أنّه "جمع أبي الحديث عن رسول الله ﷺ وكانت خمسمائة حديث فبات ليلته يتقلب كثيرا"(١٠)، فلمّا أصبح طلبها منها: "أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها"(١١)، فأحرقها، وعلّل ذلك بقوله: "خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت ولم يكن كما حدثني"(١١).

وهذا الخليفة الأوّل يخشى أن يلقى الله وفي بيته خمسمائة حديثٍ جمعها بنفسه، ولم يمضِ على وفاة الرسول ﷺ إلا قليل؛ فكيف بمن جاء بعده بقرنين يجمع مئات الآلاف؟

عمر: التهديد والحبس والإحراق

كان عمر أشدّ الخلفاء في هذا الباب، وأخباره فيه أكثر من أن تُحصى؛ فقد قال لأبي هريرة: "لتتركن الحديث عن رسول الله ﷺ أو لألحقنك بأرض دوس"(١٢)، وقال لكعب الأحبار: "لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة"(١٣).

وفي المرويات المنسوبة إلى أبي هريرة إقرارٌ بما كان يلقاه لو حدّث في زمنه، ففيها: "إني لأحدث أحاديث، لو تكلمت بها في زمن عمر، لشج رأسي"(١٣)، و"لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته"(١٤)، و"كنا نخاف السياط"(١٥).

ونحن لم نقف على خبرٍ يسمّي راوياً بعينه ضربه عمر بسبب حديث؛ وإنّما الذي بين أيدينا تهديدٌ بالمخفقة والسياط، ونفيٌ يُتوعّد به، وحبسٌ يروونه، وإحراقٌ للكتب. وهذا وحده كافٍ ليُعلم كيف كانت الرواية في عهده.

وقد بعث عمر وفداً من الصحابة إلى العراق، وشيّعهم وأوصاهم: "جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ، امضوا وأنا شريككم"(١٦)، فلمّا بلغ قرظة بن كعب الكوفة "قالوا: حدثنا فقال: نهانا عمر"(١٤).

ولم يقف عند النهي؛ فقد جمع ثلاثةً من كبار الصحابة هم ابن مسعود وأبو الدرداء وأبو مسعود الأنصاري، فقال لهم: "ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله ﷺ"(١٧)، قال الراوي: "فحبسهم بالمدينة حتى استشهد"(١٧). وفي رواية ابن سعد أنّه قالها لابن مسعود وأبي الدرداء وأبي ذرّ، وفيها تردّدٌ من الراوي: "ما هذا الحديث عن رسول الله؟ قال: أحسبه! قال: ولم يدعهم يخرجون من المدينة حتى مات"(١٨).

وحين همّ عمر أن يكتب السنن استشار الصحابة "فأشاروا عليه أن يكتبها"(١٩)، فاستخار الله شهراً، ثمّ أصبح فخالفهم وقال: "إني كنت أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا، فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبدا"(١٩).

ثمّ انتقل من الامتناع عن الكتابة إلى محو ما كتبه غيره؛ فقد روى القاسم بن محمد: "إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها فلما أتوه بها أمر بتحريقها ثم قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب"(٢٠). وفي لفظ الخطيب البغدادي: "أمنية كأمنية أهل الكتاب؟"(٢١)، وهي الكلمة القرآنية نفسها التي عيّر الله بها أهل الكتاب في آية البقرة: "أمانيّ".

ولم يكن عمر يقبل الخبر من الصحابيّ الكبير وحده؛ فحين روى له أبو موسى الأشعري حديث الاستئذان ثلاثاً قال له: "فوالله! لأوجعن ظهرك وبطنك. أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا"(٢٢)، حتى قال أبيّ بن كعب لعمر: "فلا تكونن عذابا على أصحاب رسول الله"(٢٣).

وحين بلغه خبر فاطمة بنت قيس أنّ المطلّقة ثلاثاً لا سكنى لها ولا نفقة، ردّه بالقرآن، وقال: "لا نترك كتاب الله وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة. لا ندري لعلها حفظت أو نسيت"(٢٤). وهو يردّ خبراً تنفرد به امرأةٌ بالكتاب وبعملٍ قائمٍ يعرفه الناس، لا بروايةٍ تُنقل.

أمّا القصص، فقد استأذنه رجلٌ فيه فمنعه، ثمّ عاد يستأذن فقال له: "أما إني آذن لك فيه، وأعلمك أنه الذبح"(٢٥)، وأشار إلى حلقه. ولذلك قال ابن عمر: "لم يقص على عهد رسول الله، ولا أبي بكر، ولا عمر، ولكنه شيء أحدثوه، بعد عثمان"(٢٦).

وأصدق شاهدٍ على عهد عمر شهادة خصومه من بعده؛ فقد خطب معاوية فقال: "إياكم وأحاديث. إلا حديثا كان في عهد عمر. فإن عمر كان يخيف الناس في الله"(٢٧)؛ فالحديث الذي نجا من خوف عمر هو وحده الذي يأمن إليه معاوية، وهذا إقرارٌ من رأس الدولة الأموية بأنّ ما جاء بعد عمر قد اختلط.

عثمان وعليّ: على العهد نفسه

قام عثمان على المنبر فقال: "لا يحل لأحد يروي حديثا لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر، فإنه لم يمنعني أن أحدث عن رسول الله ﷺ ألا أكون من أوعى أصحابه عنه"(١٨)؛ فعثمان يجعل عهد الشيخين ميزاناً، وكلّ حديثٍ لم يُعرف فيه فلا يحلّ أن يُروى.

وعليٌّ الذي سيُنسب إليه بعد مقتله ما لا يُحصى من الأحاديث، كان يقول: "من زعم أن عندنا شيئا نقرأه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة (قال: وصحيفة معلقة في قراب سيفه) فقد كذب. فيها أسنان الإبل. وأشياء من الجراحات"(٢٨)، وفيها حديثٌ في حرمة المدينة؛ فكلّ ما عنده مكتوباً بعد القرآن ورقةٌ في قراب سيفه، فيها الديات وكلماتٌ معدودة، وهو يكذّب من زعم أنّ عندهم غيرها. وخطب الناس فقال: "أعزم على من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هكذا الناس، حيث يتبعون أحاديث علمائهم، وتركوا كتاب ربهم"(٢٩).

ومرّ في سوق الكوفة بقاصٍّ يقصّ على الناس، فوقف عليه وقال: "تقص ونحن قريبو العهد؟ أما إني أسألك، فإن خرجت عما سألتك وإلا أدبتك"(٣٠)؛ فالقصّاص في عهد عليٍّ بدأ يظهر في الأسواق، والخليفة يمتحنه ويتوعّده بالأدب.

الصحابة على نهج الخلفاء

ولم يكن هذا مذهب الخلفاء وحدهم؛ فقد سأل عبد الله بن الزبير أباه: "إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله ﷺ كما يحدث فلان وفلان"(٣١)، فأجابه الزبير بحديث الوعيد لمن كذب عليه(٣١). وقال أنس: "إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا أن النبي ﷺ قال: من تعمد علي كذبا"(٣١).

وصحب السائبُ بن يزيد سعدَ بن أبي وقّاص في سفره، فقال: "صحبت سعد بن مالك من المدينة إلى مكة، فما سمعته يحدث عن النبي ﷺ بحديث واحد"(٣٢). وقال الشعبي: "جالست ابن عمر سنة فما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ شيئا"(٣٣). وكان ابن مسعود إذا قال مرّةً: قال رسول الله، "اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه"(٣٤). وقال زيد بن أرقم لمن طلب منه الحديث: "كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله ﷺ شديد"(٣٥).

وأُتي ابنُ مسعودٍ بصحيفةٍ فيها حديث، فدعا بماءٍ فمحاها، ثمّ أمر بها فأُحرقت، وقال: "بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم"(٣٦). وكتب أبو بردة عن أبيه أبي موسى الأشعريّ "كتابا كبيرا، فقال: ائتني بكتبك، فأتيته بها. فغسلها"(٣٦). وقيل لأبي سعيد الخدريّ: ألا تكتبوننا؟ فقال: "إنا لن نكتبكم، ولن نجعله قرآنا"(٣٧).

وكانت عائشة تردّ الحديث بالقرآن صراحةً؛ فحين بلغها حديث تعذيب الميّت ببكاء أهله عليه قالت: "حسبكم القرآن: ولا تزر وازرة وزر أخرى"(٣٨)، تشير إلى قوله تعالى: ﴿مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا﴾ [الإسراء: ١٥]

الفتنة: حين صار الحديث سلاحاً

هذا ما كان قبل الفتنة؛ فلمّا قُتل عثمان، وانقسم المسلمون بين عليٍّ ومعاوية، ثمّ خرجت الخوارج على عليٍّ، تغيّر كلّ شيء. ولسنا ننفرد بهذا القول، بل يقوله الذين عاشوه.

يقول ابن عبّاس: "إنا كنا نحدث عن رسول الله ﷺ إذ لم يكن يكذب عليه. فلما ركب الناس الصعب والذلول، تركنا الحديث عنه"(٣٩). ويقول ابن سيرين: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد. فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم"(٤٠).

وأوّل ما ظهر الكذب ظهر في اسم عليٍّ بالكوفة؛ فقد دعا ابنُ عبّاس بقضاء عليٍّ ليكتب منه لابن أبي مليكة، فجعل يكتب منه أشياء، ويمرّ بالشيء فيقول: "والله ما قضى بهذا علي. إلا أن يكون ضل"(٣٩). وفي خبرٍ آخر: "أتي ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي رضي الله عنه فمحاه. إلا قدر"(٤١)، وأشار الراوي بذراعه، أي أبقى منه قدر ذراعٍ ومحا سائره. وقال أبو إسحاق السبيعي: "لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي رضي الله عنه؛ قال رجل من أصحاب علي: قاتلهم الله أي علم أفسدوا"(٤١). وبلغ الأمر أنّ المغيرة قال: "لم يكن يصدق على علي رضي الله عنه، إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود"(٤١).

وهذه شهاداتٌ في مقدّمة «صحيح مسلم» نفسه، تقول إنّ شيعة عليٍّ في الكوفة كانوا أوّل من نسج الأخبار في اسمه بعد مقتله، حتى صار ابن عبّاس يمحو ما يُنسب إلى ابن عمّه، وصار أصحاب عليٍّ يلعنون من أفسد علمه.

ثمّ جاء دور الخوارج؛ فقد قال ابن عمر: "وإنما كان القصص حين كانت الفتنة"(٢٦)، وسمّى ابن سيرين أوّل القصّاص فقال: "أول من قص الحرورية أو قال: الخوارج"(٤٢). وتاب شيخٌ منهم فاعترف بما كانوا يصنعون: "إن هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا"(٤٣).

ويشهد إمام الزيدية الهادي يحيى بن الحسين بأنّ الفتنة هي التي ولّدت الحديث المضادّ، فيقول: "وتكلم كل بهواه، وجاء كل بحديث ينقض به حديث صاحبه وكل يزعم أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله"(٤٤).

ولا نُغفل أنّ القصص عرف طريقه إلى المسجد قبل الفتنة؛ فقد روى نافع أنّ "أول من قص تميم الداري رضي الله عنه على عهد عمر"(٤٥)، وكان كعب الأحبار يحدّث بأخبار بني إسرائيل حتى توعّده عمر. غير أنّ قصص تميمٍ وكعبٍ كان من «لهو الحديث» الذي حاصره عمر بالإذن والتهديد، ولم يكن سلاحاً بيد حزب. أمّا بعد الفتنة فصار الحديث راية: لكلّ فريقٍ حديثٌ يرفع إمامه ويُسقط خصمه.

الدولة تنافس: قصّاص السلطان ودفاتره

لم تقف الدولة الأموية متفرّجةً على هذا السلاح وهو يُشهر في وجهها من الكوفة والبصرة؛ فقد كان سيلُ المرويات القادم من العراق يريد إسقاط شرعيّتها، فقابلته بسيلٍ من المرويات المؤيّدة لها، وسارت في ذلك على مرحلتين: حاولت أوّلاً أن تُغلق الباب بالقرآن كما أغلقه الخلفاء، ثمّ لمّا عجزت دخلت الميدان بقصّاصها ومحدّثيها.

أمّا القصص، فأوّل من جعله وظيفةً عامّةً معاوية؛ فقد روى ابن شبّة: "أول من أحدث قصص العامة معاوية رضي الله عنه فأرسل إلى رجل يريد أن يوليه القصص"(٤٦). وقد سبق إليه قبل الفتنة وهو والٍ على الشام لعثمان؛ فقد كان كعبٌ يقصّ في إمارته، فقال عوف بن مالك لذي الكلاع: "أبأمر الأمير يقص؟"(٤٧)، وروى: "القصاص ثلاثة: أمير أو مأمور أو مختال"(٤٧)، قال الراوي: "فمكث كعب سنة لا يقص حتى أرسل إليه معاوية فأمره أن يقص"(٤٧). وعقد ابن الجوزي لهذا باباً كاملاً سمّاه: «في أنه لا يقص إلا بإذن الأمير»(٤٨)؛ فالقاصّ صار موظّفاً لا يتكلّم إلا بأمر السلطان.

وأمّا الحديث، فمعاوية أوّل من ردّ الحديث بالحديث على المنبر؛ فقد بلغه أنّ عبد الله بن عمرو يحدّث بأنّه سيكون ملكٌ من قحطان، فقام خطيباً وقال: "بلغني أن رجالا منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله ﷺ"(٤٩)، ثمّ قال: "فإياكم والأماني التي تضل أهلها"(٤٩)، ثمّ روى في الخطبة نفسها: "إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين"(٤٩).

وانظر كيف يبدأ معاوية بلغة عمر، فيحتجّ بكتاب الله ويذمّ الأمانيّ، ثمّ ينتهي بحديثٍ ينصر قريشاً، أي ينصر الدولة القائمة، على حديثٍ يبشّر بملكٍ يمانيّ. وهو نفسه الذي أذن لكعبٍ في القصص، ثمّ قال فيه بعد ذلك بالمدينة، وهو عنده أصدق القصّاص: "وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب"(٥٠).

وجاء عبد الملك بن مروان فخطب أهل المدينة بلغة المنع الأولى: "وقد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق لا نعرفها، ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن، فالزموا ما في مصحفكم الذي جمعكم عليه الإمام المظلوم"(٥١). والمشرق هنا هو العراق، دارُ شيعة عليٍّ ومنبتُ الخوارج.

وبالعبارة نفسها يتكلّم الزهري، فقيه الدولة: "لولا أحاديث سالت علينا من المشرق ننكرها لا نعرفها، ما كتبت حديثا ولا أذنت في كتابه"(٥٢)؛ فالزهري يقرّ بأنّ التدوين لم يكن غايةً في نفسه، بل ردّاً على سيلٍ قادمٍ من العراق. ثمّ يكشف من الذي حمله عليه: "كنا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا أن لا نمنعه أحدا من المسلمين"(٥٣).

وكان عمر بن عبد العزيز أوّل خليفةٍ جعل التدوين أمراً رسمياً؛ فكتب إلى أبي بكر بن حزم: "انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء"(٥٤). وقال الزهري: "أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترا دفترا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترا"(٥٥)؛ فالحديث صار دفتراً رسمياً يُرسل إلى الأمصار كما تُرسل كتب الولاة.

ولم يترك القصص لأهل الأهواء؛ فقد روى مالك "أن عمر ابن عبد العزيز أمر رجلا وهو بالمدينة أن يقص على الناس، وجعل له دينارين كل شهر، فلما قدم هشام بن عبد الملك جعل له ستة دنانير كل سنة"(٤٥). وكتب إلى واليه على الحجاز: "مر قاصك أن يقص علي كل ثلاثة أيام مرة"(٥٦)؛ فالقاصّ قاصُّ الوالي، يأخذ أجره من بيت المال، ويُعرض ما يقصّه على الخليفة كلّ ثلاثة أيام. وهذه هي الرقابة بعينها: قصّةٌ رسميةٌ في المدينة تقابل قصص الكوفة والبصرة، ودفترٌ رسميٌّ يقابل صحف الأحزاب.

ثمّ جاء هشام بن عبد الملك فأكره الزهري على ما كان يأباه؛ فقد كان الزهري "يمنعهم أن يكتبوا عنه، فلما ألزمه هشام بن عبد الملك أن يملي على بنيه أذن للناس أن يكتبوا"(٥٧). ثمّ لمّا قُتل الوليد بن يزيد ظهر حجم ما دوّنه البلاط، قال معمر: "فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه، يقول: من علم الزهري"(٥٧).

وقد رأى الإباضية في هذا الموضع زلّةً كبرى؛ فعدّ أبو يعقوب الوارجلاني من آفات الدين "زلة الزهري وهو أول من افتتح من الفقهاء أبواب الأمراء"(٥٨)، وقال إنّه "سن للفقهاء مخالطة الملوك وملابساتهم حتى آنسوهم وأزالوا وحشتهم إلى ارتكاب المعاصي"(٥٩).

وفي العهد العبّاسيّ أراد المنصور أن يُتمّ ما بدأه الأمويون، فقال لمالك: "عزمت أن أكتب كتبك هذه نسخا ثم أبعث إلى كل مصر"(٦٠)، فيحمل الناس على كتابٍ واحد، فأبى مالك.

وبلغ محدّثو الدولة في رفع الرواية أن جعلوها فوق القرآن نفسه؛ قال يحيى بن أبي كثير: "السنة قاضية على القرآن، وليس القرآن بقاض على السنة"(٦١)، وقال مكحول: "القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن"(٦٢). وأنكر أحمد بن حنبل العبارة الأولى، فقال: "ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكني أقول: إن السنة تفسر الكتاب وتبينه"(٦٢)؛ وهو بهذا يجعل الرواية حاكمةً على معنى القرآن وإن أبى لفظ القضاء؛ فانقلب قول عمر «حسبنا كتاب الله» إلى حديثٍ يقضي على كتاب الله.

المعتزلة: العقل حاكماً

والمعتزلة وحدهم من بين الفرق لم يجمعوا للحديث كتاباً، ووقفوا من سيله موقف المفتّش بعقولهم؛ فقد حكى عنهم خصمهم ابن قتيبة أنّ النظّام "له أقاويل في أحاديث يدعي عليها، أنها مناقضة للكتاب، وأحاديث يستبشعها من جهة حجة العقل"(٦٣)، وأنّه "ذكر أن حجة العقل قد تنسخ الأخبار"(٦٤). وحكى قولهم في أبي هريرة: "أكذبه عمر، وعثمان، وعلي وعائشة"(٦٥).

والعجيب أنّ ابن قتيبة نفسه، وهو يدافع عن أبي هريرة، أقرّ بأصل ما قاله النظّام، فقال عن الصحابة إنّهم "اتهموه، وأنكروا عليه، وقالوا: كيف سمعت هذا وحدك؟ ومن سمعه معك؟ وكانت عائشة رضي الله عنها أشدهم إنكارا عليه"(٦٦).

وكان أبو الهذيل العلّاف يرى أنّ الخبر فيما غاب عن الحواسّ "لا تثبت بأقل من عشرين نفسا فيهم واحد من أهل الجنة أو أكثر"(٦٧). وردّ أبو عليّ الجبّائي حديث احتجاج آدم وموسى، فقال: "هذا الخبر باطل"(٦٨)، فلمّا سُئل عن علّته قال: "لأن القرآن يدل على بطلانه، واجماع المسلمين، ودليل العقل"(٦٨).

وبلغ عمرو بن عبيد في ردّ حديث الصادق المصدوق أن قال: "لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعت زيد بن وهب يقول هذا ما أجبته"(٦٩)، ثمّ مضى حتى ذكر الرسول ﷺ، وختم بقوله: "ولو سمعت الله تعالى يقول هذا لقلت له: ليس على هذا أخذت ميثاقنا"(٧٠). وهذا قيلٌ رواه عنه خصومه، لكنّه الطرف الذي ينتهي إليه من جعل العقل أوّل الأدلّة.

وذلك أنّ القاضي عبد الجبار رتّب الأدلّة فقال: "الدلالة أربعة: حجة العقل، والكتاب، والسنة، والإجماع. ومعرفة الله تعالى لا تنال إلا بحجة العقل"(٧١)، وعلّل تقديم العقل على القرآن بقوله: "الكتاب إنما ثبت حجة متى ثبت أنه كلام عدل حكيم لا يكذب ولا يجوز عليه الكذب. وذلك فرع على معرفة الله تعالى"(٧١)؛ فالقرآن عندهم فرعٌ يثبت بالعقل، والعقل هو الأصل.

ثمّ لم يكن العقل نصّاً واحداً يرجع إليه الجميع، بل عقل كلّ شيخٍ على حدة؛ ولهذا عيّرهم ابن قتيبة بأنّه كان يجب "أن لا يختلفوا كما لا يختلف الحساب والمساح، والمهندسون"، ثمّ قال: "فما بالهم أكثر الناس اختلافا، لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد في الدين"(٧٢). وعدّ البغدادي فرقهم، فقال إنّها "افترقت عشرين فرقة كل فرقة منها تكفر سائرها"(٧٣).

وشكا أهل الكلام من أهل الحديث أنّهم يجعلون العقيدة ميزان الراوي، فقالوا: "ويبهرجون الرجل بالقدر، فلا يحملون عنه"(٧٤)، ومثّلوا بغيلان وعمرو بن عبيد؛ فالراوي عند أهل الحديث يُقبل أو يُردّ بحزبه، وهذا وجهٌ آخر من وجوه الحديث السلاح.

الخوارج: ظاهر القرآن، وحديثٌ للسيف

أمّا الخوارج، فقد ذكر الأشعري أنّ منهم "من ينكر ذلك ولا يقول إلا بظاهر القرآن وهم الأزارقة"(٧٥)، وذكر الشهرستاني من مقالاتهم "إسقاط الرجم عن الزاني، إذ ليس في القرآن ذكره"(٧٦). وذكر البغدادي أنّ أهل السنّة أكفروا "الخوارج الذين ردوا جميع السنن التي رواها نقلة الأخبار لقولهم بتكفير ناقليها"(٧٧).

ومع ذلك لم يتركوا الحديث كلّه حين احتاجوا إليه في القتال. وقد حكى ابن قتيبة في أوّل كتابه طعن أهل الكلام على أهل الحديث بأنّ لكلّ فريقٍ روايته، فقال: "فالخوارج تحتج بروايتهم"(٧٨)، وهي: "ضعوا سيوفكم على عواتقكم ثم أبيدوا خضراءهم"(٧٨)؛ والقاعد عن القتال يحتجّ بروايتهم أيضاً: "عليكم بالجماعة، فإن يد الله عز وجل عليها"(٧٩)؛ فالخوارج يردّون حديث خصومهم بظاهر القرآن، ويروون لأنفسهم حديثاً يُجرّد به السيف، وخصومهم يروون حديثاً يُغمد به، وهذا ما اعترف به شيخهم التائب حين قال: "فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا"(٤٣).

وفي «الأم» للشافعي بابٌ عنوانه «باب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها»، يحتجّ فيه مناظِره بأنّ الكتاب نزل تبياناً لكلّ شيء(٨٠)، يريد قوله تعالى: ﴿وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]

الزيدية والإباضية والإمامية: اعرضوه على كتاب الله

والأحزاب التي خرجت من الدولة، الزيدية والإباضية والإمامية، تتّفق على قاعدةٍ واحدةٍ يردّها فقهاء الدولة: أن يُعرض الحديث على القرآن، فما وافقه قُبل وما خالفه رُدّ. ونحن لا نسوق هذا الخبر قولاً نسلّم بنسبته إلى الرسول ﷺ؛ فهو قيلٌ لا ندري قائله، ومتنه يفترض روايةً قائمةً بعده، وإنّما نسوقه قاعدةً احتمت بها هذه الفرق في وجه سيل المرويات.

يقول إمام الزيدية الهادي: "وقد أجمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لهم: إنه سيكذب على كما كذب على من كان قبلى من الانبياء، فما جاء كم عني فاعرضوه على كتاب الله عزوجل"(٤٤). ولم تكن القاعدة عنده كلاماً نظرياً؛ فقد ردّ بها حديث "لاتحرم المصة والمصتان"(٨١)، وقال: "وذلك لايصح عندنا عنه ولايجوز عليه لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لايقول مايخالف كتاب الله"(٨٢).

ويروي الإباضية الحديث في «مسند الربيع بن حبيب»، ويقول شارحه نور الدين السالمي: "إثبات هذا الحديث من هذا الطريق قاض بصحته وعلو سنده وإن لم يثبت عند قومنا"(٨٣). ويسوقه الوارجلاني في آفات الدين: "سيكذب علي من بعدي كما كذب على من كان قبلي فما آتاكم عني من حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني"(٥٩)، ثمّ يذكر أهل الحوانيت الذين يأخذ أحدهم "ورقتين من كاغد أو ثلاثا يستخرق فيما لم يسمعه قط من الأحاديث فيعزيه إلى رسول الله عليه السلام وإلى الصحابة فيتعيش بها"(٥٩).

وفي «الكافي» للكليني، أصلِ حديث الإمامية، باب عنوانه «الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب»، وفيه: "كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف"(٨٤)، و"ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف"(٨٤).

أمّا محدّثو الدولة، فقد أسقطوا القاعدة من أصلها؛ قال عبد الرحمن بن مهدي: "الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث"(٨٥)؛ فالحديث الذي يجعل القرآن حاكماً على الرواية صار عندهم من وضع الزنادقة، والحديث الذي يجعل الأمر في قريش صار عندهم مقدَّماً لا يُمسّ.

غير أنّ القاعدة لم تمنع أحداً من الثلاثة من رواية ما يصادم القرآن والعقل؛ ففي «مسند الإمام الربيع» عمدةِ الإباضية: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، وإنه يقدم الداء ويؤخر الدواء"(٨٦)، وفيه: "إن لبدء الوضوء شيطانا يقال له: الولهان"(٨٧)، و"يعقد الشيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقدات"(٨٧)، وفيه أنّ المرأة شؤم: "الشؤم في الدار، والمرأة، والفرس"(٨٨).

وفي «مسند الإمام زيد» أنّ دم المستحاضة ركضةٌ من الشيطان: "لعن الله الشيطان هذه ركضة من الشيطان في رحمك"(٨٩)، وأنّ من قال الذكر بعد الوضوء "كتبت في رق ثم ختم عليها ثم وضعت تحت العرش حتى تدفع إليه بخاتمها يوم القيامة"(٩٠). وفي الصحيفة الملحقة به من طريق علي بن موسى الرضا: "تختموا بالعقيق فانه لا يصيب أحدكم غم مادام ذلك عليه"(٩١).

أمّا الإمامية، فقد كتبوا القاعدة في أوّل «الكافي»، ثمّ رووا في الكتاب نفسه ما يهدمها من أصلها؛ ففيه أنّ القرآن الذي بين أيدينا ناقص: "إن القرآن الذي جاء به جبرائيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله سبعة عشر ألف آية"(٩٢)، وآيات المصحف ستّة آلافٍ ومئتان وستٌّ وثلاثون، فيكون نحو ثلثي القرآن قد ذهب. وفي الصفحة نفسها أنّ من خالفهم في القراءة ضالّ ولو كان ابن مسعود: "إن كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضال"(٩٢). وفيه أنّ عند الأئمّة كتاباً أكبر من القرآن لا يشاركه في حرف: "مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد"(٩٣).

وعقد الكليني باباً عنوانه «أن الأئمة عليهم السلام يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم»(٩٤)، والقرآن ينفي هذا العلم عن كلّ نفس: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ﴾ [لقمان: ٣٤]

وروى أنّ حمار الرسول ﷺ "كلم رسول الله"(٩٥)، فأخبره بنسبه: "إن أبي حدثني عن أبيه، عن جده، عن أبيه أنه كان مع نوح في السفينة"(٩٦)، وأنّه حين قُبض الرسول ﷺ "قطع خطامه ثم مر يركض حتى أتى بئر بني خطمة بقباء فرمى بنفسه فيها فكانت قبره"(٩٥). ثمّ رفعوا كلام الأئمّة إلى مرتبة كلام الله: "حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين"، ثمّ: "وحديث رسول الله قول الله عز وجل"(٩٧)؛ فصارت المرويات سلاحهم الأقوى، يعرضون حديث خصومهم على القرآن، ولا يعرضون حديث أئمّتهم.

وليس في الفرق فرقةٌ أحقّ بالمدح من أختها؛ فكلّها رفعت القرآن شعاراً، ثمّ أقامت إلى جانبه حاكماً ثانياً: الراوي عند أهل الحديث، والعقل عند المعتزلة، والإمام عند الإمامية، وكتب الحديث نفسها عند الزيدية والإباضية. ولم ينجُ أحدٌ من التفرّق؛ فقد ذكر البغدادي أنّ الخوارج صاروا "عشرين فرقة كل واحدة تكفر سائرها"(٩٨)، وأنّ الزيدية والإمامية افترقت كلٌّ منهما فرقاً كلّ فرقةٍ منها تكفّر سائرها(٩٨).

الخاتمة

بدأ الأمر بقرآنٍ يقول: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ يُؤۡمِنُونَ﴾ [الجاثية: ٦]، وبرسولٍ يُنكر صحيفةً تُكتب إلى جواره، وبخلفاء يُحرقون ويمحون ويحبسون ويتوعّدون؛ لأنّهم رأوا بأعينهم كيف ضاع كتاب من قبلهم بالأمانيّ. ثمّ جاءت الفتنة، فصنع شيعة عليٍّ في الكوفة الأقضية والأخبار في اسمه، وقصّ الخوارج على الناس، وصار لكلّ حزبٍ حديثه؛ فلمّا رأت الدولة ذلك نافستهم بالسلاح نفسه: قاصٌّ بأمر الأمير له ديناران في الشهر، وحديثٌ في قريش يُردّ به حديث قحطان، وفقيهٌ يُكره على الكتابة، ودفاترُ تُحمل على الدوابّ من خزائن الملوك، ونسخٌ رسميةٌ تُرسل إلى كلّ أرضٍ للسلطان عليها يد. ولم تكن الفرق خيراً من الدولة؛ فقد أقام أهل الحديث الراويَ قاضياً على القرآن، وأقام المعتزلة العقل أصلاً يثبت به القرآن، وأقام الإمامية كلام الإمام مقام قول الله وزعموا القرآن ناقصاً، ورفع الزيدية والإباضية قاعدة العرض على كتاب الله ثمّ رووا في كتبهم ما يصادمه؛ فتفرّق الجميع فرقاً يكفّر بعضها بعضاً، وبقي القرآن وحده النصّ الذي لم يختلفوا في حروفه.

ومن يقرأ هذا التاريخ يفهم لماذا تحمل كتب الحديث في متونها خصومات القرن الأول كلّها؛ فهي ليست صدى عهد الرسول ﷺ، بل صدى المعركة التي دارت بعده. وقد حفظ القرآن شكوى الرسول ﷺ من قومه: ﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا﴾ [الفرقان: ٣٠]

(١)مسلم، «صحيح مسلم»، ت محمد فؤاد عبد الباقي، 4/2298. ↩
(٢)مسلم، «صحيح مسلم»، 4/2299. ↩
(٣)ما يُنسب إلى أبي هريرة من مروياتٍ نسوقه للردّ على من يصدّقها، لا تسليماً منّا بنسبته إليه؛ فكثيرٌ منها أُلصق باسمه لاشتهاره راويةً. ↩
(٤)أحمد بن حنبل، «المسند»، ت شعيب الأرنؤوط ورفاقه، 17/156. ↩
(٥)أحمد بن حنبل، «المسند»، 17/157. ↩
(٦)أبو داود، «سنن أبي داود»، ت شعيب الأرنؤوط ورفاقه، 5/490. ↩
(٧)البخاري، «صحيح البخاري»، 1/34. ↩
(٨)الذهبي، «تذكرة الحفاظ»، 1/9. ↩
(٩)ما يُنسب إلى عائشة من أقوالٍ وأخبارٍ نسوقه إلزاماً لمن يصدّق هذه المرويات، لا تسليماً منّا بنسبته إليها. ↩
(١٠)الذهبي، «تذكرة الحفاظ»، 1/10. ↩
(١١)الذهبي، «تذكرة الحفاظ»، 1/11. ↩
(١٢)الذهبي، «سير أعلام النبلاء»، ت شعيب الأرنؤوط ورفاقه، 2/600. ↩
(١٣)الذهبي، «سير أعلام النبلاء»، 2/601. ↩
(١٤)الذهبي، «تذكرة الحفاظ»، 1/12. ↩
(١٥)الذهبي، «سير أعلام النبلاء»، 2/603. ↩
(١٦)ابن سعد، «الطبقات الكبرى»، ت علي محمد عمر، 8/130. ↩
(١٧)البيهقي، «المدخل إلى السنن الكبرى»، ت محمد عوامة، 1/324. ↩
(١٨)ابن سعد، «الطبقات الكبرى»، 2/291. ↩
(١٩)البيهقي، «المدخل إلى السنن الكبرى»، 2/832. ↩
(٢٠)ابن سعد، «الطبقات الكبرى»، 7/187. ↩
(٢١)الخطيب البغدادي، «تقييد العلم»، ص52. ↩
(٢٢)مسلم، «صحيح مسلم»، 3/1695. ↩
(٢٣)مسلم، «صحيح مسلم»، 3/1697. ↩
(٢٤)مسلم، «صحيح مسلم»، 2/1119. ↩
(٢٥)ابن شبة، «تاريخ المدينة»، ت فهيم محمد شلتوت، 1/13. ↩
(٢٦)ابن الجوزي، «القصاص والمذكرين»، ت محمد لطفي الصباغ، ص178. ↩
(٢٧)مسلم، «صحيح مسلم»، 2/718. ↩
(٢٨)مسلم، «صحيح مسلم»، 2/995. ↩
(٢٩)ابن أبي شيبة، «المصنف»، ت كمال يوسف الحوت، 5/314. ↩
(٣٠)ابن الجوزي، «القصاص والمذكرين»، ص183. ↩
(٣١)البخاري، «صحيح البخاري»، 1/33. ↩
(٣٢)ابن ماجه، «سنن ابن ماجه»، ت شعيب الأرنؤوط ورفاقه، 1/21. ↩
(٣٣)ابن ماجه، «سنن ابن ماجه»، 1/19. ↩
(٣٤)ابن ماجه، «سنن ابن ماجه»، 1/17. ↩
(٣٥)ابن ماجه، «سنن ابن ماجه»، 1/18. ↩
(٣٦)ابن أبي شيبة، «المصنف»، 5/315. ↩
(٣٧)الدارمي، «سنن الدارمي»، ت حسين سليم أسد الداراني، 1/420. ↩
(٣٨)البخاري، «صحيح البخاري»، 2/80. ↩
(٣٩)مسلم، «صحيح مسلم»، 1/13. ↩
(٤٠)مسلم، «صحيح مسلم»، 1/15. ↩
(٤١)مسلم، «صحيح مسلم»، 1/14. ↩
(٤٢)ابن الجوزي، «القصاص والمذكرين»، ص179. ↩
(٤٣)ابن الجوزي، «الموضوعات»، ت عبد الرحمن محمد عثمان، 1/39. ↩
(٤٤)الهادي يحيى بن الحسين، «تثبيت الإمامة»، ص9. ↩
(٤٥)ابن شبة، «تاريخ المدينة»، 1/15. ↩
(٤٦)ابن شبة، «تاريخ المدينة»، 1/10. ↩
(٤٧)ابن الجوزي، «القصاص والمذكرين»، ص187. ↩
(٤٨)ابن الجوزي، «القصاص والمذكرين»، ص186. ↩
(٤٩)البخاري، «صحيح البخاري»، 4/179. ↩
(٥٠)البخاري، «صحيح البخاري»، 9/111. ↩
(٥١)ابن سعد، «الطبقات الكبرى»، 7/230. ↩
(٥٢)ابن سعد، «الطبقات الكبرى»، 7/433. ↩
(٥٣)ابن سعد، «الطبقات الكبرى»، 7/434. ↩
(٥٤)البخاري، «صحيح البخاري»، 1/31. ↩
(٥٥)ابن عبد البر، «جامع بيان العلم وفضله»، ت أبي الأشبال الزهيري، 1/331. ↩
(٥٦)ابن الجوزي، «القصاص والمذكرين»، ص191. ↩
(٥٧)الذهبي، «سير أعلام النبلاء»، 5/334. ↩
(٥٨)الوارجلاني، «الدليل والبرهان»، ت سالم بن حمد الحارثي، ص19. ↩
(٥٩)الوارجلاني، «الدليل والبرهان»، ص20. ↩
(٦٠)القاضي عياض، «ترتيب المدارك»، 2/72. ↩
(٦١)الدارمي، «سنن الدارمي»، 1/474. ↩
(٦٢)ابن عبد البر، «جامع بيان العلم وفضله»، 2/1194. ↩
(٦٣)ابن قتيبة، «تأويل مختلف الحديث»، ص93. ↩
(٦٤)ابن قتيبة، «تأويل مختلف الحديث»، ص94. ↩
(٦٥)ابن قتيبة، «تأويل مختلف الحديث»، ص72. ↩
(٦٦)ابن قتيبة، «تأويل مختلف الحديث»، ص89. ↩
(٦٧)عبد القاهر البغدادي، «الفرق بين الفرق»، ص109. ↩
(٦٨)ابن المرتضى، «المنية والأمل»، ت سامي النشار وعصام الدين محمد، ص69. ↩
(٦٩)الخطيب البغدادي، «تاريخ بغداد»، ت مصطفى عبد القادر عطا، 12/169. ↩
(٧٠)الخطيب البغدادي، «تاريخ بغداد»، 12/170. ↩
(٧١)القاضي عبد الجبار، «شرح الأصول الخمسة»، ت عبد الكريم عثمان، ص88. ↩
(٧٢)ابن قتيبة، «تأويل مختلف الحديث»، ص62. ↩
(٧٣)عبد القاهر البغدادي، «الفرق بين الفرق»، ص18. ↩
(٧٤)ابن قتيبة، «تأويل مختلف الحديث»، ص56. ↩
(٧٥)الأشعري، «مقالات الإسلاميين»، ت نعيم زرزور، 1/110. ↩
(٧٦)الشهرستاني، «الملل والنحل»، 1/121. ↩
(٧٧)عبد القاهر البغدادي، «الفرق بين الفرق»، ص315. ↩
(٧٨)ابن قتيبة، «تأويل مختلف الحديث»، ص47. ↩
(٧٩)ابن قتيبة، «تأويل مختلف الحديث»، ص48. ↩
(٨٠)الشافعي، «الأم»، 7/287. ↩
(٨١)الهادي يحيى بن الحسين، «الأحكام في الحلال والحرام»، 1/362. ↩
(٨٢)الهادي يحيى بن الحسين، «الأحكام في الحلال والحرام»، 1/363. ↩
(٨٣)نور الدين السالمي، «شرح الجامع الصحيح»، 1/67. ↩
(٨٤)الكليني، «الكافي»، 1/53. ↩
(٨٥)ابن عبد البر، «جامع بيان العلم وفضله»، 2/1191. ↩
(٨٦)الربيع بن حبيب، «مسند الإمام الربيع»، ص167. ↩
(٨٧)الربيع بن حبيب، «مسند الإمام الربيع»، ص73. ↩
(٨٨)الربيع بن حبيب، «مسند الإمام الربيع»، ص322. ↩
(٨٩)زيد بن علي، «مسند الإمام زيد»، ص88. ↩
(٩٠)زيد بن علي، «مسند الإمام زيد»، ص78. ↩
(٩١)زيد بن علي، «مسند الإمام زيد»، ص498. ↩
(٩٢)الكليني، «الكافي»، 2/826. ↩
(٩٣)الكليني، «الكافي»، 1/172. ↩
(٩٤)الكليني، «الكافي»، 1/186. ↩
(٩٥)الكليني، «الكافي»، 1/170. ↩
(٩٦)الكليني، «الكافي»، 1/171. ↩
(٩٧)الكليني، «الكافي»، 1/41. ↩
(٩٨)عبد القاهر البغدادي، «الفرق بين الفرق»، ص15. ↩

التعليقات (0)