الأريكة في القرآن: الكتلة (أك) ومعكوسها (كأ)
وعاءٌ يستوعب الحركة فيه
ما الأريكة؟ وهل هي السرير نفسه؟
ولماذا قالت العرب للإبل التي لزمت مرعاها: «أركت»؟
وما الذي يجمع الأريكة والإكاف والأُكرة؟
ولماذا لا يُذكر أهل الأرائك في القرآن إلا متّكئين أو ناظرين؟
وهل عرفت الأمم قبل الإسلام الأريكة؟ وما الفرق بينها وبين الكرسيّ؟
أيّ الحرفين يعقد الأريكة: الراء أم الهمزة؟
جذر الأريكة (أ ر ك)، والراء فيه وسطٌ بين حرفين صلبين: الهمزة والكاف؛ فيتنازع الجذرَ رأيان: أن تكون كتلته(١) (رك)، وأن تكون (أك).
ولـ(رك) وجهٌ لا يُدفع بسهولة، فللراء والكاف جذورٌ تقرب من لزوم الموضع: "ركد الماء والريح ركوداً، أي: سكن"(٢)، و"الركن: ناحية قوية من جبل أو دار"(٣)، و"مركز الجند: موضع أمروا ألا يبرحوه"(٤). ولكنّ هذا الرأي يتصدّع من ثلاث جهات:
الأولى أنّ الراء لا تعقد كتلةً مع حرفين صلبين، فإذا وقعت بينهما سقطت، وكانت الكتلة في الغالب طرفيها.
والثانية أنّ المضاعف أقرب الجذور إلى معنى الكتلة، ومضاعف (رك) لا يجمع شيئاً ممّا سبق؛ فأكثر ما فيه الرقّة والضعف: "ورك الشيء أي رق وضعف... وثوب ركيك النسج"(٥)، و"الرك: المطر القليل"(٦). ولا جامع بين الرقّة ولزوم الموضع.
والثالثة أنّ كثيراً ممّا يُحسب لـ(رك) أولادُ كتلٍ أخرى: فربك من (بك)، وركب من (كب)، ورتك من (تك)، وركس من (كس).
وعلى هذا فالكتلة (أك)، لأنّ الهمزة أقوى من الراء، وهي قريبةٌ من الفعل: إيجادٌ من العدم ومنعُ فناء. والكاف وعاء؛ فـ(أك) الوعاء الحامل، تثبّته الهمزة فلا يفنى، ثمّ تأتي الراء في «أرك» فتحرّكه، وحركتُه نعتُ من يجلس فيه.
الكتلة (أك): الوعاء الحامل
أوّل عيال الكتلة الإكاف، قال الخليل: "آكفت الدابة: وضعت عليها الإكاف"، وفي «اللسان» أنّه من المراكب "شبه الرحال والأقتاب"(٧)؛ فالإكاف وعاءٌ يُشدّ على ظهر الدابّة، فيحمل الراكب والمتاع.
ومنها المأكمتان: "لحمتان بين العجز والمتنين"(٨)، وهما ما يقع عليه ثقل الجالس إذا قعد.
ومنها الشدّ الذي يُحكم الوعاء على ما فيه: "أكدت العقد واليمين: وثقته"(٩)، و"الإكاء والوكاء: شداد السقاء"(١٠).
ومنها الأُكرة: "حفرة تحفر إلى جنب الغدير والحوض ليصفى فيها الماء"(١١)، فهي وعاءٌ في الأرض يجتمع فيه الماء.
ومنها الأيكة، وهي عند الخليل الشجر الملتفّ الذي ينبت السدر والأراك ونحوهما(١٢)، فهي وعاءٌ من الأغصان يحيط بما دخله.
ونلاحظ أنّ هذه العيال كلّها أوعيةٌ ثابتة لا حركة فيها: الإكاف مشدودٌ على ظهر الدابّة، والأُكرة محفورةٌ في الأرض، والإكاء مشدودٌ على السقاء. وهذا من الهمزة، فهي تثبّت الوعاء وتمنع فناءه.
وأمّا ما لا يدخل في العدّ فبيانه: «الأكّة» ليست جذراً طبيعيّاً، فقد حكى ثعلب "يوم عك أك شديد الحر مع لين واحتباس ريح؛ حكاها مع أشياء إتباعية"(١٣)، فهي تابعةٌ لعكّ لا قائمةٌ بنفسها. و«الألوك» الرسالة، من قولهم "يألك الفرس اللجام، أي: يعلكه"(١٤)، والأقرب أنّها من (لك) كاللوك والعلك. وأمّا الأكمة، وهي "تل من قف... وهو من حجر واحد"(١٥)، والأكل والآنك (الرصاص) والإسكتان، فلم يتبيّن لنا فيها الوعاء، فتبقى معلّقةً لا شاهداً ولا نقضاً.
المعكوس (كأ): الدفع إلى خارج الوعاء
إذا كانت (أك) وعاءً يستوعب ويحمل إلى الداخل، فمعكوسها (كأ) دفعٌ إلى خارج الوعاء وردٌّ عنه؛ ومن ضدّها تتبيّن الأشياء.
والكأكأة النكوص، قال الخليل: "والكأكأة: النكوص، كأكأته فتكأكأ عنا، أي: انتدع وارتدع"(١٦)، وفيها أيضاً "تكأكأ القوم: ازدحموا"(١٧)، والازدحام نتيجةٌ لا أصل، يكشفها خبر عيسى بن عمر: سقط عن حمارٍ له فاجتمع عليه الناس، فقال: "ما لكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي جنة؟ افرنقعوا عني"(١٨)؛ فالأصل دفعٌ وردٌّ متكرّر: يندفع كلٌّ منهم إلى الرجل الساقط فيُردّ ثمّ يعود، والكتلة فيه مكرّرة، والتاء للتردّد. والازدحام سببُ ظهوره، فلولا ازدحامهم حوله ما تكأكأوا هكذا. ومنه "تكأكأ الرجل في كلامه: عي فلم يقدر على أن يتكلم"(١٩)، يندفع كلامه فيُردّ ثمّ يعود. ومنها كاء عن الأمر: "إذا أراد أمراً ففاجأه... فرده عنه وهابه وجبن عنه"(٢٠). ومنها كأد: "عقبة كأداء، أي: ذات مشقة"(٢١)، و"تكاءدني الأمر: شق علي"(٢٢)، والعقبة الكؤود تردّ من يصعدها. ومنها كدأ: "كدأ البرد الزرع: رده في الأرض... وأرض كادئة: بطيئة النبات والإنبات"(٢٣). ومنها دكأ: "المداكأة: المدافعة. داكأت القوم مداكأة: دافعتهم وزاحمتهم"(٢٤). ومنها لكأ: "وتلكأ عليه: اعتل وأبطأ"(٢٥)، أي امتنع.
ومن الدفع إلى الخارج ما يخرج من وعائه: "زكأت الناقة بولدها تزكأ زكأً: رمت به عند رجليها"(٢٦)، و"كثأت القدر: أزبدت للغلي... وهو ما ارتفع منها بعد ما تغلي"(٢٧)، و"الكمأة: نبات ينقض الأرض، فيخرج كما يخرج الفطر"(٢٨).
وأقرب عيال (كأ) إلى الأريكة «وكأ»، والواو فيه سيّالة: "توكأ على الشيء واتكأ: تحمل واعتمد، فهو متكئ"(٢٩)، و"التوكؤ: التحامل على العصا"(٣٠)؛ فالمتّكئ يدفع ثقله إلى شيءٍ خارجه، وذلك الشيء يردّه فيقيمه.
وخرج من (كأ) ثلاثة جذور هي أولادُ كتلٍ أخرى: الكأس من (كس) كالكيس والكسوة، و«حكأ العقدة» شدّها وأحكمها، فهي من (حك) كحكم، و«الكلّاء» مرفأ السفن، إطارٌ يحيط بها فلا تنفذ منه، فهو من (كل). وأمّا الكآبة فانكسارٌ في النفس، فلا تُحسب.
سداسيّة أرك
تخرج من حروف الأريكة الثلاثة ستّة تراكيب: أرك، وأكر، ورأك، وركأ، وكأر، وكرأ. والمستعمل منها في كلام العرب اثنان: أرك وأكر، والأربعة الباقية مهملة؛ فالحيّ منها ما بقيت فيه الهمزة متقدّمةً على الكاف، على ترتيب (أك).
وفي الاثنين يتبيّن ما يصنعه موضع الراء: ففي «أكر» الراء آخراً، فهي الحركة التي تصنع الوعاء: "الأكرة، بالضم: الحفرة في الأرض يجتمع فيها الماء فيغرف صافياً... والأكار: الحراث، وهو من ذلك"(٣١). وفي «أرك» الراء وسطاً، فهي الحركة في وعاءٍ قائم.
أرك: الحركة في الوعاء
قال الخليل: "وإبل أوارك: اعتادت أكل الأراك. وقد أركت تأرك أركاً وأروكاً، وهي أوارك، إذا لزمت مكانها فلم تبرح. وأرك الرجل بالمكان يأرك أروكاً: أقام به"(٣٢).
وقد يُحسب أنّ الفعل مأخوذٌ من اسم الشجر، فالإبل أركت لأنّها رعت الأراك. ولكنّ في «اللسان»: "لزمت الأراك وأقامت فيه تأكله، وقيل: هو أن تصيب أي شجر كان فتقيم فيه"، وفيه أنّ الأراك "تنبت بالغور"، وأنّ "أراك أرك ومؤترك: كثير ملتف"(٣٣)، و"الأريك: اسم واد"(٣٤)؛ فالصورة الحسّيّة إبلٌ بلغت وادياً تشبّع بالماء فكثر نباته، فرعت فيه وتحرّكت ولم تخرج منه؛ فهذا هو الأرك: وعاءٌ تتحرّك فيه ولا تبرحه. والأراك سُمّي بمنبته، فهو ينبت في هذه الأوعية من الأرض.
والأرك غير الخلود، فالخلود مكثٌ طويلٌ وإن كانت فيه حركة، والأرك يذكر الوعاء الذي تقع فيه الحركة.
ومن هذا قولهم: "ظهرت أريكة الجرح إذا ذهبت غثيثته وظهر لحمه صحيحاً أحمر ولم يعله الجلد"(٣٥)، فأريكة الجرح وعاءٌ حيّ يلتئم فيه اللحم قبل أن يُغطّى.
ما الأريكة؟
الأريكة صناعةٌ صنعها البشر، والمعاجم تنعتها نعتاً واضحاً. قال الخليل: "الأريكة: سرير في حجلة، فالحجلة والسرير: أريكة"(٣٦)، والحجلة ستر العروس، "وحجلة العروس تجمع على حجال"(٣٧). وفي «اللسان»: "الأريكة: السرير في الحجلة من دونه ستر، ولا يسمى منفرداً أريكة"، و"أرك المرأة: سترها بالأريكة"(٣٨).
وما نقلته المعاجم صورةٌ رآها من رووا عنه في زمانهم، لا حدٌّ للأريكة في كلّ زمان؛ فالأريكة صناعة، والصناعة يُزاد فيها ويُحذف منها، وصورتها في زماننا الصوفة بظهرها وذراعيها. والجامع بين صورها الوعاء: مقعدٌ للاتّكاء يحيط بصاحبه، يتحرّك فيه ويتقلّب ولا يبرحه. وأمّا جعلُها سريراً فيردّه القرآن، فهو يفرّق بين الأرائك والسرر كما سيأتي.
وأمّا قول من قال: "هو كل ما اتكئ عليه من سرير أو فراش أو منصة"(٣٩)، فتعريفٌ للأريكة بما يُفعل عليها لا بها؛ والاتّكاء من (كأ)، والأريكة من (أك).
الأريكة قبل الإسلام
ليست الأريكة من صنع العرب وحدهم، فمقعد الاستلقاء في الراحة والشراب قديمٌ في الأمم:
ففي نقشٍ من قصر آشوربانيبال ملك آشور، صُنع بين سنتي 645 و635 قبل الميلاد، يظهر الملك مستلقياً على أريكةٍ تحت كرمة، وملكته قاعدةٌ قبالته على كرسيّ، وهما يأكلان ويشربان في عريشٍ بين الكروم والنخل(٤٠)؛ فالنقش نفسه يفرّق بين الأريكة والكرسيّ: الملك متّكئٌ على الأريكة، والملكة قاعدةٌ على الكرسيّ؛ والظلّ فيه من الكرمة لا من الأريكة.
وفي سفر عاموس يُنعت المترفون من بني إسرائيل بأنّهم "المضطجعون على أسرة من العاج، والمتمددون على فرشهم"، وأنّهم "الشاربون من كؤوس الخمر"(٤١). وهذه أسرّةٌ يُضطجع عليها في البيوت، لا أرائك في الشرفات. وعند اليونان «الكلينِه»، وهي الأريكة التي يستلقي عليها المدعوّ إلى الطعام، يتّكئ على مرفقه الأيسر ويُبقي يده اليمنى طليقة، وكان يستلقي على الواحدة منها اثنان؛ وعند الرومان ثلاثٌ منها حول المائدة، على كلّ واحدةٍ ثلاثة، وبها سُمّيت غرفة الطعام «التريكلينيوم»، أي الأرائك الثلاث(٤٢).
وعرفت العرب الأرائك في الجاهليّة، فقد زعم الأخباريّون أنّ سويد بن هرمي الجمحي "كان أول من وضع الأرائك وسقى اللبن والعسل بمكة"، وعلّق جواد علي: "ولعلهم قصدوا أرائك وضعت في الحرم لجلوس الناس عليها"(٤٣).
وما نسمّيه اليوم «الصوفة» هو الأريكة في زماننا، ولفظها دخل الإنجليزيّة في القرن السابع عشر من التركيّة، ونُسب أصله إلى «الصُّفّة» العربيّة(٤٤). والصُّفّة في معاجمنا من البناء لا من الأثاث: "والصفة من البنيان والسرج أيضاً"(٤٥)، و"الصفة من البنيان شبه البهو الواسع الطويل السمك"، و"الصفة: الظلة"(٤٦)؛ فهي في كلام العرب موضعٌ مرفوعٌ مظلَّلٌ يُقعد فيه، ثمّ صار اللفظ في غير العربيّة مقعداً محشوّاً بالوسائد.
الأرائك في القرآن
وردت الأرائك في القرآن خمس مرّات، كلّها في الجنّة:
ففي سورة الكهف يُذكر جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات: جنّاتٌ تحتها الأنهار، وحليةٌ من أساور الذهب، ولباسٌ من سندسٍ وإستبرق، ثمّ يُختم المشهد بمجلسهم: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا﴾ [الكهف: 31]؛ فالأريكة آخر ما يُذكر من نعيمهم، وفيها يتّكئون.
وفي سورة يس يُذكر أصحاب الجنّة يومئذٍ في شغلٍ فاكهين، ثمّ يُذكرون مع أزواجهم: ﴿هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ﴾ [يس: 56]؛ فهم على الأرائك، والظلال من فوقهم ظلال الجنّة.
وفي سورة الإنسان يُذكر الأبرار الذين وقاهم الله شرّ ذلك اليوم، وجزاهم بما صبروا جنّةً وحريراً، ثمّ: ﴿مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ لَا يَرَوۡنَ فِيهَا شَمۡسٗا وَلَا زَمۡهَرِيرٗا﴾ [الإنسان: 13]. و«فيها» تعود إلى الجنّة، والذي يمنع عنهم الشمس والزمهرير، وهو الغبار الثائر المندفع لا البرد(٤٧)، ظلالها الدانية في الآية التي تليها: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا﴾ [الإنسان: 14].
وفي سورة المطففين يُذكر أنّ كتاب الأبرار في عليّين، ثمّ يُذكرون هم: ﴿إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين: 22-23]؛ فهم في راحةٍ ونعيم، ثمّ هم على الأرائك ينظرون؛ والنظر تثبيت البصر بتريّث وإطالة، ومنه الانتظار.
وفي آخر السورة نفسها يُذكر الذين أجرموا، وكانوا يضحكون من الذين آمنوا ويتغامزون إذا مرّوا بهم، ثمّ ينقلب المشهد: ﴿فَٱلۡيَوۡمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ ٱلۡكُفَّارِ يَضۡحَكُونَ ٣٤ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين: 34-35].
وبهذا يجمع القرآن الكتلة ومعكوسها في مشهدٍ واحد: الأريكة وعاءٌ ثابتٌ يستوعبهم، وهم فيها يتحرّكون، فيتّكئون، أي يدفعون ثقلهم إلى ما يردّه ويقيمهم، وينظرون. والاتّكاء فعلٌ يقع على الأريكة وعلى غيرها، ففي سورة طه يُسأل موسى عمّا في يمينه فيقول: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ﴾ [طه: 18]، وفي سورة الطور يُذكر المتّقون في جنّاتٍ ونعيم: ﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ﴾ [الطور: 20]؛ فالاتّكاء لا يعرّف الأريكة، وإنّما يعرّفها الوعاء.
والسرر في القرآن غير الأرائك، فلم تأتِ السرر إلا مع التقابل أو الصفّ أو الرفع، كقوله في المتّقين بعد أن نُزع ما في صدورهم من غلّ: ﴿إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ﴾ [الحجر: 47]؛ فهي مقاعد يقابل فيها بعضهم بعضاً، ويُسَرّ فيها الحديث. ولم تأتِ الأرائك مع التقابل في موضعٍ من مواضعها الخمسة، وجاءت مرّتين مع النظر، فأهل السرر وجوههم بعضهم إلى بعض، وأهل الأرائك وجوههم إلى ما حولهم؛ فالأرائك مقاعد الاتّكاء في الشرفات، وعاءٌ يُشرف على الجنّة، يتّكئون فيه وينظرون.
الخلاصة
الأريكة مقعدٌ للاتّكاء في الشرفات، وليست السرير: فالسرر يتقابل عليها أهلها ويتحدّثون، والأرائك يتّكئ فيها أهلها وينظرون. وهي وعاءٌ مصنوعٌ يستوعب حركة صاحبه، وصورتها في زماننا الصوفة؛ والصناعة يُزاد فيها ويُحذف منها، والوعاء باقٍ.
وقالت العرب للإبل «أركت» لأنّها بلغت وادياً كثير الماء والنبات، فتحرّكت فيه ولم تبرحه.
ويجمع الأريكة والإكاف والأُكرة أنّها من (أك): وعاءٌ ثابتٌ يحمل ما يوضع فيه.
ويُذكر أهل الأرائك متّكئين لأنّ الاتّكاء من المعكوس (كأ): دفعُ الثقل إلى ما يردّه، فالأريكة ثابتةٌ تستوعبهم، وحركتهم فيها نعتُهم لا نعتُها؛ ويُذكرون ناظرين لأنّ أرائكهم مشرفة، وهم في نعيمٍ يقعدون فيه وينتظرون.
وعرفت الأممُ الأريكةَ قبل الإسلام مقعداً للاستلقاء في الراحة والشراب، وعرفتها مكّة في الجاهليّة؛ وهي غير الكرسيّ، فالكرسيّ يُقعد عليه منتصباً، والأريكة يُتّكأ عليها ويُتقلّب فيها.

التعليقات (0)