علوم العربية وعلم آدم
لكل علم سؤال يجيب عنه، وسؤال واحد تركوه جميعاً
لماذا دلت لفظة «قطع» على القطع ولم تدل على ضده؟
وهل اختار العربي الأول حروف ألفاظه اختياراً، أم رماها رمية عشواء؟
وما الذي يحرسه النحو، وما الذي يحرسه الصرف والبلاغة والعروض والتجويد؟
وهل في علوم العربية كلها علم واحد يجيب عن السؤال الأول؟
وما علم آدم؟ وما حده؟ وهل يمكن أن ينجح؟
هذه أسئلة المقال، ونجيب عنها واحداً واحداً؛ ونمر على علوم العربية علماً علماً حتى نبلغ علم آدم في آخر المقال، فمن عرف ما تصنعه تلك العلوم عرف أي فراغ جاء هذا العلم ليسده.
كيف ولدت علوم العربية؟
ولدت هذه العلوم بعد القرآن، وما ولدت في جملتها إلا لحراسة النص ولسان العرب؛ فلما اتسعت الدولة ودخلت الأمم في العربية دخل اللحن على الألسنة، فخاف القوم على النص أن يقرأ ملحوناً فوضعوا النحو، وخافوا على ألفاظ العرب أن تضيع فجمعوها في المعاجم، وخافوا على نطق الحرف أن يتبدل فضبطوه بالتجويد، ووزن الخليل بن أحمد الشعر بالعروض لئلا ينكسر. فهذه العلوم في جملتها علوم حراسة: تحرس الإعراب، والمادة، والنطق، والوزن.
والحارس غير السائل؛ فالحارس يحفظ ما استودع عنده ولا يسأل من أين جاء؛ فماذا يحرس كل علم منها على التفصيل؟
النحو: حارس ما بين الكلمات
النحو، بالمعنى الذي استقر عليه عند القوم، علم مواقع الكلمات في الجملة: من الفاعل ومن المفعول، وما الذي رفع هذا ونصب ذاك. وكان النحو الأول أوسع من هذا، يدخل فيه تصريف الكلمة نفسها، ثم جرى الاصطلاح على ما ذكرنا. وهو في ميدانه علم محكم لا نبخسه حقه.
غير أنك إذا تأملت وجدته لا يدخل إلى جوف الكلمة أبداً. خذ قولهم "ضرب زيد عمراً"؛ فهي عند النحوي جملة صحيحة، فإن أبدلت «ضرب» بفعل متعد مثله (أكرم، سأل، شكر) بقيت عنده صحيحة كما هي، لم يتغير شيء؛ لأن معنى الفعل في نفسه لا يعني النحوي في قليل ولا كثير، وإنما يعنيه عمله فيما بعده، حتى التعدية نفسها عمل عنده لا معنى. فالنحو علم ما بين الكلمات، لا علم ما في جوفها؛ فإذا كان واقفاً خارج الكلمة، فمن يدخل إليها؟
الصرف: حارس صور الكلمة
يدخل الصرف إلى الكلمة خطوة؛ فهو يقلب الجذر الواحد على أوزانه: فاعل ومفعول وفعيل واستفعل، ويخبرك ماذا زاد كل وزن في المعنى.
لكن انظر أين يقف. الصرف يتسلم الجذر جاهزاً مفروغاً من معناه؛ فإن سألته: ماذا أضاف وزن استفعل إلى «خرج»؟ أجابك، وإن سألته: ولماذا دل «خرج» نفسه على الخروج؟ سكت؛ فالجذر عنده حجر أساس يبنى فوقه ولا يسأل عنه. على أن كلام أهل الصرف في معاني الأوزان نفسها ليس حجة قاطعة عندنا؛ فقد عجزوا عن سبرها في القرآن: جعلوا وزن افتعل للمطاوعة ونحوها، ووجدناه في القرآن ردة فعل فيها حرية الاستجابة؛ فالذي «اقتتل» اختار أن يرد العدوان بمثله، وكان له أن يرفض كما رفض ابن آدم المقتول، ولهذه المسألة مقال يأتي. فبقي الجذر مقفلاً على سره، وانصرف القوم عنه إلى أبواب أخرى.
البلاغة: حارسة الذوق
البلاغة علم حسن الكلام: لماذا قدمت هذه اللفظة وأخرت تلك، ومتى يكون الحذف أبلغ من الذكر، وأين الحقيقة وأين المجاز.
وههنا دقيقة يغفل عنها كثيرون. عمدة البلاغة في الألفاظ، وهي الحقيقة والمجاز، قائمة على أن المعنى الأول للفظة معلوم محسوم؛ فإنما يعرف المجاز بعد أن تعرف الحقيقة، ولا يقاس البعد عن نقطة إلا إذا ثبتت النقطة. فمن أين أخذ البلاغيون حقائق الألفاظ؟ أخذوها من المعاجم تسليماً بلا امتحان؛ فإن كانت المعاجم قد أخطأت في المعنى الأول (وسنرى أنها تخطئ) اهتز القياس من أسه: فكم من لفظة حسبوها مجازاً وهي المعنى الحسي الأول بعينه، وكم من معنى حسبوه حقيقة اللفظة وهو نتيجتها لا أصلها. فالبلاغة تقيس بعد الكلام عن نقطة الصفر، وهي لم تتحقق من موضع نقطة الصفر نفسها.
العروض: حارس الوزن
وأما العروض فأبعد القوم عن هذه الساحة كلها؛ وزن به الخليل الشعر: متحرك وساكن، وسبب ووتد، وبحور تتفرع. والحرف عند العروضي نقرة في ميزان لا غير؛ فالبيت يتزن سواء أكان مدحاً أم هجاء أم هذياناً لا معنى له. فالعروض يزن قشرة الصوت، ولا شأن له بلب الدلالة، ولا عتب عليه؛ فما ادعى يوماً غير ذلك.
التجويد والترتيل والقراءات: حراس الأداء
وضبط القوم نطق النص نفسه بعلم التجويد، فعدوا للحروف مخارجها ونعوتها، وأحكموا الغنة والمد والإدغام، ورفعوا فوق رؤوسهم قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا﴾ [المزمل: 4]، فبنوا على الترتيل المأمور به علم الأداء كله. ثم تولى علم القراءات حفظ وجوه الأداء المروية؛ والحكم عندنا عند الاختلاف للرسم المكتوب في المصحف وحده، فكل رواية تخالف الرسم مردودة باطلة، والحركات نفسها مضافة بعد النص.
والعجب كل العجب من أهل التجويد خاصة؛ فهم ألصق الناس بحروف القرآن: يعرفون للحاء مخرجاً وللخاء نعتاً، ويعدون نعوت الحرف الواحد عداً، ثم ما سأل أحد منهم: هذا الحرف الذي ضبطنا مخرجه ونعته، أله معنى في نفسه؟ كانوا أقرب الناس إلى الباب، وما دخله منهم أحد؛ وإنما دخله نفر من أهل اللغة سيأتي ذكرهم.
المعاجم: خزائن بلا ميزان
وللمعاجم علينا منة لا تجحد؛ والخليل صاحب العروض نفسه هو صاحب المعجم الأول «العين»، فلولاه ومن جاء بعده لضاعت مادة اللغة. بيد أن أهل المعاجم أهل نقل أكثر منهم أهل عقل إلا القليل؛ سجلوا ما قالته العرب، وخلطوا في المادة الواحدة المعنى الحسي الأول بنتيجته وباستعارته، وربما عرفوا اللفظ ولم يحصلوا معناه أصلاً. افتح مادة فسد تجد عند ابن منظور: "الفسادُ: نَقِيضُ الصَّلَاحِ"(١). عرف اللفظ بضده وسكت عن حسه الأول. وتجد عند ابن فارس: "الْفَاءُ وَالسِّينُ وَالدَّالُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، فَسَدَ الشَّيْءُ يَفْسُدُ فَسَادًا وَفُسُودًا"(٢). أعاد اللفظ على نفسه وانصرف. فأين الحس الأول الذي بنى عليه العربي اللفظة؟ ليس في الخزائن جوابه؛ وقد بينا في مقالنا في الفرق بين الفسق والفساد أن الفساد تفكك مجموعة مترابطة يبدأ في موضع ثم يمتد حتى يعمها، وأن تغير اللبن إذا فسد نتيجة لا أصل، ومن وقف عند ما يرى ويذاق حسب الفساد هو التعفن فوقع في الوهم.
وفي القوم من حاول. جمع ابن فارس في «مقاييس اللغة» كل جذر على أصل جامع، وهو رجل يحلل كما نحلل ولا يكتفي بالرواية؛ فيحاج بالحجة، ويرد قوله إذا قامت حجة أقوى منها. وذهب ابن جني في «الخصائص» أبعد من هذا؛ عقد باباً سماه «إمساس الألفاظ أشباه المعاني» وافتتحه بقوله: "اعلم أن هذا موضع شريف لطيف، وقد نبَّه عليه الخليل وسيبويه، وتلقته الجماعة بالقبول له والاعتراف بصحته"(٣). بل حلل لفظة «بحث» حرفاً حرفاً، فجعل الباء لخفقة الكف على الأرض، والحاء لمخالب الأسد إذا غارت فيها، والثاء لنفث التراب وبثه(٤). وزعم في باب الاشتقاق الأكبر أن تقاليب الأصل الواحد تلتقي على معنى واحد، ونحن نخالفه في هذه؛ فالمعنى عندنا في الحرفين لا في الثلاثة، والقلب قد يقلب الاتجاه.
فهل بنوا على هذا كله علماً؟ ابن جني نفسه يجيب؛ قال في الاشتقاق الأكبر: "هذا موضع لم يسمِّه أحد من أصحابنا"(٥). فبقي الباب أمثلة متفرقة يدخله الواحد بعد الواحد استئناساً ثم يخرج: لا حد ثابت لكل حرف، ولا استقراء شامل للجذور، ولا ميزان نسبة، ولا حد يعرض للنقض؛ ومضت القرون والموضع معروف والعلم لم يقم. فما هذا السؤال الذي عرف القوم بابه وما أقاموا عليه علماً؟
علم آدم: السؤال المتروك
كل ما مضى من العلوم يتسلم اللغة جاهزة ثم يشتغل فيها: النحو فيما بين كلماتها، والصرف في صور كلمتها، والبلاغة في حسن استعمالها، والعروض في وزنها، والتجويد في نطقها، والمعاجم في جمع مادتها. وبقي سؤال الأساس بلا صاحب: لماذا دلت الألفاظ على معانيها؟
وعلم آدم هو العلم الذي موضوعه هذا السؤال بعينه، وهذا حده: لكل حرف عربي معنى حسي ثابت، والعربي الأول عقد من الحرفين الصلبين كتلة، وأنجبت الكتلة عشرات الجذور وهي عيالها؛ فمعنى اللفظة يستخرج من حروفها استخراجاً، ثم يعرض على القرآن فهو الحاكم الذي لا يرد حكمه. وسميناه علم آدم لأنه يطلب علم التسمية الأول القديم الذي بنى به الأولون ألفاظهم، قبل أن تتراكم فوقه القرون فتنسيه.
وخذ الجواب عن أول أسئلتنا. القاف في علم آدم تقييد يمسك الشيء، والطاء تسطيح؛ فالكتلة (قط) تقييد ثم تسطيح: يبدأ بالتقييد ثم يظهر منه سطح، وهو القطع فعلاً. وقد لمح ابن جني هذا الفرق قديماً فقال: "القدّ طولًا والقط عرضًا"(٦). والمضاعف (قطط) يشهد بحرف الحد؛ قال الخليل: "كما تقط القصبة على عظم"(٧). تقيد القصبة على العظم ثم يظهر منها وجه مستو. وقد حصرنا لهذه الكتلة سبعة وعشرين جذراً وجردناها؛ فثبت على القطع عياناً ستة (قطع وقطف وقوط وقسط وقمط مع المضاعف)، وبقي محتمل يحتاج نظراً ومعلق لا نحسبه لنا ولا علينا حتى يدرس، وتفصيل الجرد لمقال الكتلة. فلفظة «قطع» لم يكن اختيار حروفها مصادفة، بل بنيت من معاني حروفها بناء؛ وما زادته العين الثالثة فبيانه في موضعه. والعربي كان يقلب الحرفين فينقلب الاتجاه في كتل كثيرة؛ والحروف السيالة (الألف والواو والياء والراء) لا تعقد كتلة وتبقى في موضعها، فالكتلة في «يسري» و«ترسو» هي (سر) ومعكوسها (رس): (سر) حركة تنساب وتغور، و(رس) رسو وثبات.
وليس هذا العلم دعوى ترسل إرسالاً؛ له ميزان يمتحن به كل حد: نفكك الكتلة حرفاً حرفاً، ونجلب معكوسها ومضاعفها، ثم نجلب عيالها من الجذور كلها وننظر: أتجتمع على المعنى أم تتفرق عنه؟ والحكم بنسبة المنسجم لا بالعدد المطلق، وميزاننا المعتمد الثلث فصاعداً على قدر عيال الكتلة، وما لم يدرس ذكر معلقاً لا شاهداً ولا نقضاً. فإن بلغ المنسجم نصابه صح الحد، وإلا سقط ورددناه بأيدينا؛ وقد علقنا بهذا الميزان كتلة (عر) وأوقفنا مقالها المنشور حتى يبت فيها، فليس في هذا العلم حد مقدس ولا قول محصن من الجرد. والحد يبنى من استقراء كلام العرب في المعاجم، ثم يمتحن في مواضع القرآن كلها، فمصدر البناء غير ساحة الامتحان؛ فإن رده القرآن عدنا إلى القرآن.
وههنا نصارح القارئ بما قل أن يصارح به صاحب نظرية قراءه: هذا العلم اليوم علم تجريبي إحصائي، وليس علماً منطقياً برهانياً. نجمع العيال ونحسب النسب ثم نقول: هذه كتلة ممكنة أنجبت عيالها وليست مصطنعة، ولا نملك أن نقول: يستحيل غير هذا. والعلة علتان: أولاهما أن المعاجم التي هي مادتنا الخام عمل بشري خلط الحسي بالنتيجة والاستعارة كما مر؛ والأخرى أن حقيقة الحروف نفسها لم تنكشف بعد، فنحن نعلم بالاستقراء أن القاف تقييد وأن الدال دفع وأن الباء تراكم، ولا نعلم لماذا كانت كذلك، ولا ما فرادة كل حرف من أخيه على التمام. فإذا انكشفت حقيقة الحروف وفرادة كل واحد منها انتقل هذا العلم من التجربة إلى البرهان، فقطع ولم يرجح؛ وذلك أمل لا نملك اليوم أدواته، ولا نستحي من قول: لا نعلم.
وبعد، فهل ينجح علم آدم؟ أما النجاح الذي ننتظره نحن فليس تمام البرهان؛ يكفي هذا العلم أنه أقام البناء في باب عرفه القوم وما بنوا فيه، وأن القارئ متى عرف معاني الكلمات الحقيقية قرأ كتاب ربه بلا وسيط: لا مفسر يملي عليه، ولا معجم يخلط له؛ وهذه غاية مشاريعنا كلها، ولأجلها كان كل مقال كتبناه.
الخلاصة
سألنا: لماذا دلت «قطع» على القطع؟ فأجبنا: لأن القاف تقييد والطاء تسطيح، يشهد لذلك المضاعف عند الخليل وقول ابن جني في القد والقط، فاللفظة مبنية من معاني حروفها لا مرمية رمية عشواء. وسألنا: ماذا تحرس العلوم؟ فأجبنا: النحو يحرس ما بين الكلمات، والصرف صور الكلمة، والبلاغة حسن الاستعمال، والعروض الوزن، والتجويد النطق، والمعاجم المادة؛ وكلها علوم حراسة تتسلم اللغة جاهزة. وسألنا: هل فيها علم يجيب عن السؤال الأول؟ فأجبنا: فيها إشارات وأمثلة، من الخليل وسيبويه إلى ابن جني وابن فارس، وليس فيها علم قائم على هذا السؤال. وسألنا: ما علم آدم وما حده؟ فأجبنا: علم يستخرج معاني الألفاظ من معاني حروفها وكتلها وعيالها، والقرآن حاكمه الأعلى. وسألنا: هل يمكن أن ينجح؟ فأجبنا: هو اليوم تجريبي إحصائي يرجح ولا يقطع، فإذا انكشفت حقيقة الحروف وفرادتها صار برهاناً يقطع؛ وأما غايته (أن يقرأ القارئ القرآن بلا وسيط) فكل مقال ينشر فيه خطوة إليها.
هذا والله أعلم

التعليقات (0)