تفسير آية عنده علم الساعة وينزل الغيث
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 34]
تفسير أهل التراث للنص الكريم:
يعتمد كثيرون في تفسير هذا النص الكريم على رواية
مفادها، أن أعرابي سأل الرسول عما في بطن النساء وعن الغيث وعن المكاسب وعن موعد
الموت. ومن هؤلاء الرواة مجاهد بن جبر، وعكرمة وأبي أمامة؛ فبين الرسول عليه
السلام أنها أمور لا يعلمها إلا الله بعدما نزلت الآية ووضحت له الأمر. وقد ذكر
عبدالله بن عمر حديثاً يبين أن مفاتيح الغيب عند الرسول كثيرة، ولكن خمساً لا يعلمها،
وهي ما تم ذكره في السورة الكريمة([1])
فهم يقصدون أن هذه الخمسة لا
يعلمها إلا الله وحده جل جلاله، بينما هناك حديث آخر منسوب إلى الرسول،
يزعمون أن الملك المسؤول عن ذلك الإنسان يأتي وهو مضغة، فينفخ فيه ثم يقرر بأمر
الله أمور كثيرة في هذا الإنسان ومنها أجله أي وقت موته، وعمله ومنها مكاسبه، وشقي
أم سعيد ([2]) فالملك لا
يعلم فقط، بل يقرر ويبرمج -بأمر من الله- ذلك الإنسان لكي تكون حياته كلها على ذلك
الشكل؛ فكيف يقولون إن هذه العلوم لا يعلمها إلا الله
وحده كما تقول مروياتهم السابقة.
التفسير الصحيح للنص الكريم:
السورة تتحدث عن قدرات الله جل جلاله في خلق السماوات والأرض
وأنه سخر لنا كل ما في الأرض والسماء لخدمتنا، وأنه هو المتفضل علينا، وأن خلق
الله يكاد لا ينتهي (كلماته) جل جلاله، فما قدروا الله حق قدره، ثم يتحدث عن آيات
الليل والنهار، والسفن كيف يسرها للإنسان. ثم في نهاية السورة يتحدث عن هذه الأمور
الخمسة المذكورة في الآية.
ما
الساعة؟
الساعة ببساطة هي الزلازل والبراكين التي ستحدث بعد قيام
الناس من قبورهم، وهي تحدث بغتة ولا يجليها المولى أي لا يقدم لها علامات كما
يزعمون، فهي حين تظهر، تظهر فجأة وبغتة. وسوف نشرح تفاصيل علم الساعة في مقال
مستقل بإذن الله.
ما العلم؟
درسنا في ألفاظ المعرفة: حسب وظن ويقن، وأن
"يقن" هو أقوى العلم، وأنه العلم الذي يستمد من الحواس وخاصة حاسة
الإبصار.
ما
الأمر؟
الأمر هو ببساطة الأوامر التي يأمر بها
الله الملائكة كي تنفذها، مثل نزول الغيث أو موت إنسان أو مكاسبه وغناه.
الغيث والمكسب والموت أوامر:
ثلاثة أشياء ذُكرت في الآية ليست علماً
ولا يقصد النص أن يبين أنها علم، بل لكي يبين أنها تحت تصرف الله وحده، فهي لا
تتبع قوانين، بل هي أوامر الله المباشرة التي قد تخالف القوانين، بل هي كذلك، وهي:
نزول الغيث – وليس المطر- كذلك مكاسب الإنسان، وثالثاً مكان موته وزمنه طبعاً.
لماذا
سمي المطر غيثاً؟
هناك قوانين وقواعد، فمناطق يهطل فيها
المطر يومياً ومناطق لا يعرف سكانها معنى المطر، فعلى سبيل المثال، منطقة (أتاكاما)
في تشيلي امتنع هطول المطر فيها 400 سنة، بينما نجد الغابات الاستوائية يهطل فيها
المطر يومياً تقريباً، فهناك قوانين وقواعد، وجزيرة العرب في معظم أجزاءها على هذه
الحال من شح المطر، لهذا صار المطر عندهم يسمى غيثاً، لأن المولى يغيثهم بعد
دعائهم ربهم الذي استجاب لهم.
{ وَ هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا
قَنَطُواْ وَ يَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ}
[الشورى: 28].
أي أن المولى يكسر قوانين الطبيعة وينشر
رحمته أي يخفف معاناة القوم الشديدة من القحط، وبهذا يتبين لنا أن نزول الغيث ليس علماً،
بل هو إعجاز من المولى، وأمر مباشر منه جل جلاله، فالمولى يكسر قوانين الطبيعة لأن
هناك كائنات تستغيث.
لهذا فالآية لا تقصد الإشارة إلى علم المطر،
بل قصدت أنها أمر من أوامر الله، فإذا كانت أمراً من عنده فهي ليست مطر، بل غيث، خالف
قوانين الطبيعة.
هل مكاسب الإنسان علم أم تصرف؟
مكاسب الإنسان ليست علماً، بل ظروف
وعوامل، منها تدخل المولى لسبب ما مثل بر الولدين، أو التقوى، أو الفتنة، أو غيرها
من الأسباب. ومنها تصرف الإنسان وفهمه لقوانين الثراء.
وهناك حديث منسوب إلى الرسول الكريم: (من سره أن يبسط له في
رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه) ([3]) وهذا الحديث كان يجب على المسلمين دراسته وعمل
إحصائيات حوله، ودراسة أحوال الناس والمعمرين منهم.
أقول لو صح هذا القول، وهو في رأيي يبدو صحيحاً من خلال
خبرتنا بالناس، فهو يتكلم عن الأسباب الروحية الغامضة التي تمد في عمر الإنسان، فهناك
دافع على إطالة حياة هذا الإنسان فيمنع عنه الكوارث المقررة أو العلل الجسمية
المهلكة.
هل مكان موت الإنسان معلوم؟
كذلك الموت ليس علماً لأنه لم يسجل بعد،
فهناك عوامل تؤثر فيه والله من يقرر أخيراً أين يموت فلان ومتى يموت؟
{ وَ ٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ
ثُمَّ جَعَلَكُمۡ أَزۡوَٰجٗاۚ وَ مَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَ لَا تَضَعُ إِلَّا
بِعِلۡمِهِۦۚ وَ مَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٖ وَ لَا
يُنقَصُ مِنۡ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ
يَسِيرٞ } [فاطر: 11].
فهذه الأشياء الثلاثة التي ذكرتها الآية
لا يقصد بها تحديات ومعجزات بشأن العلم بها، بل قُصد بها كرم الله على البشر، من
غيث أو مال أو مد في العمر، وأنها أمور يسيرة بيده عز وجل، أي هي تحت سلطته وحده.
المعرفة
بالجنين:
وحتى عالم الأجنة فإن الله جل جلاله يقرر، فيصورنا في الأرحام
كيف يشاء {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا
إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 6]. وبالتأكيد فإن الذي
يصورنا في الأرحام كيف يشاء هو يعلم ما في الأرحام، وبهذا بعد الأمر الإلهي يكون
العلم يقيناً.
كما أنه يعلم ما في الأرحام، أذكر هو أم أنثى؟ لأنه هو جل
جلاله الذي خلقه على هذه الهيئة
{ وَ مَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَ ٱلۡأُنثَىٰٓ } [الليل: 3].
وهذا لا ينفي أن البشر قد تطوروا فصاروا يعرفون ما في الأرحام،
بل يحاولون قدر المستطاع المساهمة في جنس الجنين على سبيل المثال، لكن الأمر من
أوله إلى آخره بيد الله فهذا أمر وليس علم ابتداءً، ثم يصير علماً عند البشر وهي معرفة
محدودة وليس علماً في منتهى الدقة.
يقول المولى في ذلك
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ
ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا
بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا
فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: 11]
علم الساعة: تفاصيلها ووقتها
بما أننا علمنا أن لفظة علم تعني
المعلومات المستمدة من الحواس خاصة الإبصار، فهذا يعني أنه جل جلاله قد شاهد يوم
القيامة وشاهد لحظة الساعة، وعلم ما سيحدث فيها، ناهيك أن البارئ المصور هو من
صنعها أساساً، فإنه أيضاَ شاهدها، فهي كشف عن المستقبل.
ولهذا نستغرب كيف أن القرآن يحكي عن
المستقبل بصيغة الماضي، والآيات كثيرة لا يمكن حصرها، بل تتحدث عن أعيان بعينهم
كيف يسيرون ويتصرفون مثل فرعون وأبو لهب وزوجه، وكفار قريش، وغيرهم من الأقوام
البائدة.
هذا يفسر لماذا القرآن يتحدث عن المستقبل
بصيغة الماضي، بل يذكر عشرات الحوارات التي ستحدث في ذلك الزمن ويخبرنا عنها بصيغة
الماضي. مثل الحوار الذي دار بين المولى وعيسى، حوار بتفاصيل عجيبة، يتبين من
خلاله تلك الحوارات والأخبار أن المولى كاشف لحجب المستقبل، فهو عنده مفاتيح
الغيب، والغيب هو المستقبل أو الماضي، أو حتى الحاضر الغائب عن البشر.
{ وَ عِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا
هُوَۚ وَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَ ٱلۡبَحۡرِۚ وَ مَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ
إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَ لَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَ لَا رَطۡبٖ وَ لَا
يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ } [الأنعام:
59].
أنظر هذه الآية توضح أن هناك علوم لا يعلمها
إلا هو لأن لها مفاتح تفتح الغيب فيعلمها المولى، بينما هناك علوم أخرى يتشارك
فيها مع بعض المخلوقات.
الخلاصة:
الحقيقة التي غابت عنهم أن هذا النص الكريم لا يتحدث عن
غيبيات يعلمها الله، بل عن أوامره جل جلاله، فنزول الغيث ليس علماً، بل هو أمر،
ومكان موت الإنسان وزمنه هو أمر ،كذلك الغنى والفقر هي أوامر ربانية، وإن كان
الإنسان قادر على تشكيل قدره بالعمل الصالح.
وهو إذ يتحدث عن قدرته
العلمية، وقدرته في التصريف، فإنما يخبر الإنسان ويطمئنه أن كل أموره تحت تصرف
خالقه الذي يفعل الخير له.
وهو حين يتحدث عن علمه بالغيب وحده، يوجه الكفار بعدم السؤال
العابث عن الساعة، لأنها ليست من شأن الرسول، فالرسول ليس عالم بالغيوب، بل هو
مبلغ بما لديه من معلومات.
وتفسيرات التراث بعيدة، والأحاديث المروية في هذا غير صحيحة، التي
تتحدث عن علوم خمسة لا يعلمها إلا الله، فإن الآية لا تقصد هذا، فهي بنود خمسة
اثنان منها يتكلمان عن العلم، وأحد البندين (نوع الجنين) صار البشر يعلمونه الآن،
وثلاثة بنود تتكلم عن أوامر الله التي يأمرها للبشر أو عليهم.
تعالت أسماؤه العليم الملك
القدوس السلام المؤمن المهيمن المعطي الواهب الرزاق العزيز الجبار المتكبر على
المجرمين، الرحيم بالصالحين البر الودود.
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك