أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

القذف في القرآن المكرم

 



القذف في القرآن الكريم

القذف في المعاجم:

القذف هو الرمي والطرح، وبلدة قذوف أي طروح لبعدها، ومنزل قذف أي بعيد، وناقة مقذوفة باللحم أي كأنها رميت به، ورجل مقذف أي كثير اللحم، والقذاف سرعة السير، والقذيفة الشيء يرمى به، والقذف ما أشرف من رؤوس الجبال، والحذف يكون بالعصا أما القذف فيكون بالحجارة، والمقذاف هو مجداف السفينة، والقذاف هو المنجنيق ([1])

القذف في القرآن:

ورد هذا الجذر في القرآن تسع مرات في ثمان آيات، وهو من ضمن زمرة المحذوفات، مثل: رمى، ونبذ، ونبز، وغيرها، وهو لهذا متشارك، فهو يشترك مع هذه الجذور في أنه من المحذوفات وهو يختلف عنها في شيء يخصه.

وقد وضعنا عدة افتراضات، فقلنا قد يكون القاذف محباً لما يقذفه، كما فعلت أم موسى، ولكن يتبين لنا أن هناك آيات لا يوجد تعاطف بين القاذف والمقذوف، فاستبعدنا هذا المعنى، وقلنا ربما هي السرعة كما في قذف الباطل بالحق، كما افترضنا أن المقذوف يحذف من الأعلى للأسفل، ووجدنا أن القذف يحتمل المعنيين معاً، فمن الممكن أن يكون المحذوف قد حذف من الأعلى وحذف بسرعة.

لكن رجحنا أن المقذوف قد حُذف من الأعلى إلى الأسفل، دون أن يشترط السرعة، لكن السرعة واردة وإن لم تكن مقصداً، لأن الشيء إذا قُذف من الأعلى للأسفل كان سريعاً بفعل الجاذبية التي تزيد من السرعة، كما يظهر للإنسان على الأرض.

لهذا سوف نؤكد على أن القذف هو حذف الشيء من الأعلى إلى الأسفل، وإن لازم المحذوف السرعة أيضاً فهو مجرد اقتران غير مقصود. خاصة أن "قذف" قريب من "قطف" في التركيب اللفظي، ومعلوم أن قطف هو إنزال الشيء من الأعلى إلى الأسفل كما في قذف التي نزعم أنها كذلك.

كما أن جذر "حذف" يعني إسقاط الشيء ([2])  وكما نرى فإن حذف وقذف قريبان جداً في التركيب، فهل هما قريبان في المعنى أيضاً؟

وهل تؤكد الآيات هذا المعنى؟

أم موسى تقذف ولدها:

{ أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ }  [طه: 39].

بينا أن الوحي جاء لأم موسى مرتين، مرة يوجهها إلى قذف موسى ومرة يجهها إلى إلقائه، وبينا أنه كانت هناك خطتين أمام أم موسى فإن داهمها الكفار، فعليها أن تقذف موسى بعجل، وإن علمت بمجيئهم فعليها أن تلقيه بهدوء لوجود وقت لديها.

فهذه الآية وهي الخطة "ب" توجهها إلى قذف موسى أي حذفه من أعلى يدها إلى التابوت بالأسفل، حتى لا يلمح الجنود الطفل في يدها، ثم فلتقذف التابوت في اليم فلا وقت لديها للنزول إلى اليم وإلقاء التابوت بهدوء. وبهذا يتبين أن أم موسى قذفت موسى والتابوت أي حذفتهما من الأعلى للأسفل.

قذف الحلي:

{ قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ }  [طه: 87].

لو صح تصورنا، فإن السامري كان فيما يشبه الحفرة، يطبخ العجل، وكان قومه بالأعلى وطلب منهم الحلي، فقذفوها إليه، فلما استملها منهم ألقها بهدوء على النار المشتعلة.

القذف على الحق:

{ بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ }  [الأنبياء: 18].

يؤكد حرف الجر "على" أن المقذوف بالأعلى في المكان، بينما الباطل في الأسفل، وبهذا يتأكد لنا أن القذف يكون من الأعلى للأسفل.

قذف الملائكة:

{ وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا }  [الأحزاب: 26].

الملائكة يشاركون المؤمنين في معاركهم، ولهم دور في نفسيات ومعنويات العدو، فلهذا هم يقذفون الرعب، وبما أن الملائكة كائنات علوية وتطير، فإن المقذوف تم قذفه من الأعلى إلى الأسفل.

المولى يقذف:

{ قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ }  [سبأ: 48].

المولى جل جلاله بالأعلى، فإذا حذف شيئاً فإنه يقذفه، الكريم المتعال، فلهذا هو يقذف بالحق، أي من الأعلى إلى الأسفل، ولن نجادل في المقصود هل هو علو مادي أم معنوي، المهم لدينا هو علوه.

الشياطين يُقذفون:

{ لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰ وَيُقۡذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٖ }  [الصافات: 8].

الملأ الأعلى هو بالأعلى والشياطين تصعد لسماع ما يأتي من وحي، فحينها تقذفها الملائكة، أي تحذفها بالحجارة من الأعلى إلى الأسفل.

من مكان بعيد:

{ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۖ وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ }  [سبأ: 53].

المكان ليس الأرض المستوية، بل المرتفع منها، لهذا كانوا يقذفون وليس يلقون، أو يرمون.

الخلاصة:

القذف هو حذف الشيء، من الأعلى إلى الأسفل، بغض النظر عن غرض القذف.

هذا والله أعلم

علي موسى الزهراني



([1])مقاييس اللغة (5/ 68): الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (4/ 1414):المعجم الاشتقاقي المؤصل (4/ 1752):

([2]) «تجديد الصحاح» (ص950 بترقيم الشاملة آليا):

ali
ali
تعليقات