بقلم: علي
موسى الزهراني
مقدمة:
ندرس اليوم جذر "حصل" وهو من
الجذور الأحادية، تلك الجذور التي لم ترد إلا مرة واحدة في القرآن، ورغم أنه ورد
مرة واحدة إلا أنه وبفضل الجذور القريبة منه في المبنى والمعنى، التي وردت في القرآن،
فإنه يمكن إزالة الضبابية عن هذا الجذر من خلال تحديد نطاق هذا الجذر بمقارنته مع
الجذور الأخرى.
فما هو التحصيل في القرآن؟
حصل
في المعاجم:
أصل واحد وهو جمع الشيء، ولهذا سميت
حوصلة الطائر بهذا الاسم، لأنه يجمع فيها طعامه. وزعم بعضهم أن التحصيل هو استخراج
الذهب والفضة من الحجر ويقال للفاعل المحصل. والحاصل: ما خَلَص من الفضة من حجارة المعدن.
والحاصل من كل شيء: ما بقي وثبت وذهب ما سواه. والحصل هو البلح قبل أن يشتد ويظهر
ثفاريقه. وحصل الفرس إذا اشتكى بطنه من أكل التراب ([1])
ورغم أن ابن فارس ذكر أن أصله "جمع
الشيء"، إلا أن الأمثلة المادية التي ساقها بنفسه (كاستخراج الذهب الخالص من
الحجر الأصم) تثبت أن الحركة المادية للجذر ليست مجرد جمع لمتناثرات، بل هي عملية
سحب واستخلاص لجوهر مخفي داخل وعاء صلب.
حصل
في اللغات السامية:
بالبحث في الأصول المادية لهذا الجذر في اللغات السامية المقارنة، نجد أن الدلالة تتفق على حركة مادية تهدف لاستخلاص الجوهر؛ ففي الأكادية (hasālu) تعني "السحق والتحطيم" لكسر الغلاف الصلب، وفي السريانية (ḥsal) تأتي بمعنى "الفطام" وهو فصل وسحب الكائن عن وعائه بعد اكتمال نضجه، وفي العبرية (ḥāsal) تعني "الإجهاز والاستخلاص التام" لإبراز المادة المستقرة ([2])
حصل
في القرآن:
{وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} [العاديات
: 10]
لم
يُذكر هذا الجذر إلا مرة واحدة في القرآن؛ فلهذا يجب أن نراجع الجذور القريبة منه
صوتياً لفك الاشتباك الدلالي، فنجد الجذر حصن، والحصن تتجمع فيه الأشياء للحماية ([3]) ،كذلك نجد حصد، وهو قطع وجمع القمح والشعير
([4]) . ولهذا
سنجد أن (حصل) قريب من هذه المعاني ظاهرياً، فهل هو مثلها جمع من نوع خاص أم هو عكسها؟
هذا ما سوف نراه بإذن الله.
المنطقي أن التحصيل ليس جمعاً، بل سحب
وجذب لتلك المعلومات، لأنها في مكان مكنون هو الصدر، فهي محفوظة ومستكنّة هناك،
فما الحاجة إلى جمع الذي قد جُمع أصلاً؟ نلاحظ أن مواد هذا التحصيل موجودة في
صندوق محكم الإغلاق، هذا الصندوق لا يستطيع أن يراه أحدٌ إلا الله، فالله جل جلاله
هو الوحيد الذي يُحصّل ما في الصدور.
{ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ
وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } [غافر: 19].
{ قُلۡ إِن تُخۡفُواْ
مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ} [آل عمران: 29].
وهنا يتجلى الإعجاز الصرفي في قوله تعالى
{وَحُصِّلَ}؛ فقد جاءت بصيغة التضعيف (التشديد) وليس المبني للمجهول البسيط
(حُصِلَ). فالتشديد في لغة العرب (فَعَّلَ) يفيد المعالجة، والجهد، والتفكيك (مثل
كَسَّر وقَطَّع). وهذا يؤكد ميكانيكياً أن إخراج ما في الصدور (الأوعية الصلبة)
ليس كشفاً عابراً، بل يحتاج إلى تفكيك وتحليل لاستخراج النيات طبقة بعد طبقة حتى
يظهر الجوهر الحقيقي.
ونحن
نرجح أن ما في الصدور يختلف عما في الكتب؛ ما في الكتب هو أعمالنا التي سجلها
المَلَك الخاص بنا، ولكن ما في الصدور هو النيات. واستخراج النيات من الصدر ضرورة
لكي يتبين هل تلك الأعمال كانت تحمل نيات طيبة أم كانت رياءً أو غرضاً خبيثاً، فإن
كانت رياءً تحولت إلى هباء لا وزن لها:
{ وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ
فَجَعَلْنَٰهُ هَبَاءً مَّنثُورًا } [الفرقان:
23].
فالتحصيل إذاً هو مثل تحصيل الذهب من الحجارة، أي استخراجه وتخليصه
وإبرازه بعد خفاء، كذلك النيات والمشاعر، تُستخرج من هذا الصندوق العظيم.
الخلاصة:
يتبين لنا أن التحصيل عكس الإحصاء والحصر والجمع والحساب وأن تلك الجذور
تجمع وتلم، بينما التحصيل يخرج ما خفي في الوعاء المحكم الإغلاق.
هذا والله أعلم
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك